المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : روايات اجاثيا كريستي العالمية


MA7MOUD
05-09-2010, 02:06 AM
من أروع روايات أجــاثـيـا كريستي

الحادث


كان الظلام دامسا والضباب من الكثافة بحيث تعذر علىكشافات السيارة ان تبدده الى الحد الذي
يسمح لقائدها ان يتبين طريقه بينما كانالتفير الالي يرسل عويله المحزن في هدأة الليل ليحذر
صيادي السمك في خليجبريستول من الخروج الى البحر.
ورأى قائد السيارة نورا خافنا ينبعث من منزل علىحافة الطريق فاوقف سيارته واطفأ مصابيها
وهبط منها.
ولكنه ما كاد يغلق بابالسيارة وينظر الى البيت مرة اخرى حتى وجد ان ذلك النور الباهت الذي
كان بالنسبةله كالنجم المتلألئ الذي يهتدي به الملاح وسط الامواج المتلاطمة قد انطفأفجأة...
واورثه انطفاء هذا البصيص من النور احساسا مزعجا بالوحشةوالضياع.
ولكنه تذكر ان في جيبه مصباحا كهربائيا صغيرا كان قد اعده للاستعانه بهعند الضرورة اذا
ضل طريقه في شوارع المدينة الصغيرة وطرقاتها الملتويةالمظلمة.
اخرج المصباح من جيبه واضاءه وراح يلتمس طريقه حتى وصل الى باب الحديقة ..
فدفعه بيده ففتح..
وكانت عيناه قد الفتا الظلام ولكنهما عجزتا عن اختراقاستار الضباب!
فكف عن السير وصاح بأعلى صوته :
- اما من أحد هنا؟
وارهفاذنيه، وانتظر ، ولكنه لم يسمع سوى ذلك العويل المحزن!.
ولم يصده السكون والظلامعن غرضه فشق طريقه وسط الحديقة مستعينا بمصباحه..
وانتهى اخيرا الى البابالزجاجي الذي خيل ان النور كان ينبعث منه منذ لحظات واطل منه
ولكنه لم يتبينشيئا فقد كان الزجاج مغبشا من الداخل..
طرق الباب بلطف اولا..
ثم بشدة!
ثمامسك بالمقبض وحركه ، ولشد ما كانت دهشته حين تحرك المقبض وفتح الباب.
قال دونان يتخطى العتبة:
- اما من احد هنا؟
ولما لم يسمع جوابا حرك المصباح في ديهليتبين طريقه فسقط نور المصباج على شاب في مقتبل
العمر يجلس على مقعد متحركووجهه نحو النافذة..فهتف قائلا:
- معذرة.. لقد ضللت طريقي في هذا الضباب اللعين،وسقطت سيارتي في حفرة ،، ولا اعلم اين
انا الان!
آه.. انا اسف . لقد تركتالباب مفتوحا..
واستدار واغلق الباب واسدل الستار دون ان يكف عن الكلام:
- يخيل الي انني انحرفت عن طريق السيارات في مكان ما، وهأنذا الف وادوربالأزقة
والطرقات منذ ساعة دون ان اهتدي الى سبيل.
ثم تحول الى الشاب الجالسعلى المقعد المتحرك وقال :
- هل انت نائم؟

وسلط ضور المصباح على وجهالشاب.
وبهت حين لاحظ ان الشاب لا يتحرك؟
انحنى فوقه، وهز كتفه ليوقظه.. ولكنجسد الشاب مال الى الامام وظل مائلا..
وغمغم الرجل قائلا:
- ياإلهي!
وأدار المصباح في يده حتى سقط نوره على الجدار.
وما زالت دائرة الضوءتتحرك على الجدار حتى استقرت على زر النور فاسرع اليه الرجل
وحركه.
فأضيءمصباح على مكتب بالقرب من الباب.
وحينئذ اطفأ الرجل مصباحه ووضعه علىالمكتب..
ودار حول الشاب..
ثم وقع بصره على زر اخر في الجدار، فضغطه.. فانبعثنور ساطع من مصباح في سقف
الغرفة.
وعندئذ فقط وقع بصر الرجل علىالمرأة..
مانت في نحو الثلاثين من عمرها ممشوقة القوام ، شقراء فاتنة..
ولمتتحرك المرأة..
بل خيل للرجل ايضا انها لا تتنفس..
كانت يداها مخبوءتين فيطيات ثوبها، وعيناها لا تتحولان عن الشاب الجالس على المقعد
المتحرك.
قالالرجل:
- انه ميت.

فنظرت اليه المرأة واعلقت عيناها بعينيه لحظة ، ثمقالت بصوت باهت لا يدل على انفعال من
اي نوع:
- نعم..

- هل كنتتعلمين؟

- -نعم.

- انه أصيب برصاصة في رأسه..من!

وهنا أخرجتالمرأة احدى يديها من طيات ثوبها فاذا بها مسدس . وشهق الرجل في دهشة وقال
وهويتناول المسدس من يدها:

- انت التي قتلته؟

- نعم.

وضع الرجلالمسدس على مائدة بالقرب من المقعد المتحرك وتقدم من الشاب وراح يتأمله ..
ولاولمرة القت المرأة على الزائر الغريب نظرة فاحصة..
وجدته رجلا متسط القامة في نحوالخامسة والثلاثين من عمره قد لفحت الشمس بشرته..
لم يكن وسيما..
ولكن قسماتوجهه وبروز عظام فكيه والبريق الذي يمض في عينيه .. كذلك كان يدل على
قوةالارادة ومضاء العزيمة والذكاء..
ولم يكن انيقا ..
ولكن مظهره كان مظهر رجلالاعمال الواقعي الذي يتميز بحسن تقدير الامور وسرعة البت
فيها.

يتبع اتمنى ان تنال الإعجاب

MA7MOUD
05-10-2010, 01:08 AM
ولاحظت المرأة انه يجيل البصر في جوانب الغرفة، فقالت بذلك الصوت الاجوف الذي لا ينم
عنشيء:
- هوذا التليفون!
واومأت براسها نحو المكتب.
فقال الغريب فيدهشة:
- التليفون؟
- نعم .. لكي تتصل بالبوليس؟
فقال وهو يصعدها بعينيةولا يستطيع ان يسبر غورها:
- ان التمهل بضع دقائق لن يضير احدا، ثم ان رحلتهمالى هنا وسط الضباب ستتطلب وقتا
وجهدا.. ولكني اود قبل ذلك ان اعرف المزيد.
- - ماذا تريد ان تعرف؟
فنظر الى الجثة وسأل:

- من هو؟
- زوجي!

ثم اردفت بعد قليل:

- اسمه ريتشارد واريك، وانا ادعى لوراواريك..

- آه .. اليس من الافضل ان .. تجلسي؟

ورآها تسير ببطء وهيتترنح .. الى ان اقتربت من الاريكة فتهالكت عليها..

فسألها:

- هلىتيك بشراب؟ لابد ان ذلك كان صدمة لك.
فأجابت بلهجة ساخرة :
- اتعني اطلاقالنار على زوجي؟
فتظر اليها الغريب مليا..
ثم قال بشيء من الجفاء:
-نعم :: ام لعل الامر كان مجرد لهو وتسلية؟
فردت في هدوء تام:
- نعم كان لهوا وتسلية .. ولكن لا بأس من ان اتناول كأس شراب
فخلع الغريب قبعته والقى بها على أحدالمقاعد،،
وتناول قنينة كانت على مائدة صغيرة بجوار المقعد المتحرك ، وملأ قدحاقدمه الى المرأة
فاحتسته.
قال الشاب:
- والآن.. اريد ان تروي لي القصةكلها.
فنظرت إليه في هدوئ وقالت:
- اليس من الافضل ان تتصل بالبوليس؟
- - كل شي في وقته .. ولا مانع من ان نتجاذب اطراف الحديث في هدوء.
قال ذلك وخلعقفازه ووضعه في جيبه، وشرع في حل ازرار معطفه.

فقالت المرأة وقد بدت عليهادلائل الانهيار:
-
انا لا .. ولكن من انت اولا ؟ وماذا اتى بك الى هناالليلة؟

فقال الشاب :

- أنا ادعى مايكل ستارك، ومهنتي مهندس ، وانااعمل في الشركة الانجليزية الايرانية ، وعدت
اخيرا من الخليج العربي وقضيت هنايومين لزيارة المعالم التي عرفتها وانا صغير ،، فان اسرة
امي تقيم في هذهالمنطقة.

ولذلك خطر لي ان ابحث عن منزل صغير ابتاعه فيها ، ومنذ نحو ساعتيناو ثلاث وانا تائه في
الظلام والضباب الى ان سقطت سيارتي في حفرة امام هذا البيتففكرت في دخوله على امل ان
اجد تليفونا او مأوى اقضي فيه ليلتي فلقيت هذه البابفعالجت مقبضه ولكنه كان مفتوحا فدخلت.
ورأيت هذا.

ولوح بيده نحو المقعدوالجثة!

فقالت لورا/



- انك دققت الباب قبل ان تدهل ودققته مرارا .. اليس كذلك؟

فقال مايكل:

- نعم .. ولكني لم اسمع ردا.

- اني لم ارد.

فنظر اليها ستارك مرة اخرى وحاول ان يسبر غورها ويعرف ما يعتمل في قرارة نفسها.
قال مستطردا:

- لم يكن الباب موصدا ولذلك دخلت.

فنظرت لورا الى قدحها.. وقالت كمن يقرأ كتابا :

" وفتح الباب ودخل زائر نصف الليل "
ومرت بجسدها رعدة خفيفة..
ثم استطردت قائلة :
- كانت هذه العبارة تخيفني دائما ، وانا طفلة .. زائر نصف الليل!
ثم ثارت ثائرتها وفجأة..
فرفعت رأسها وقالت بحدة:
- لماذا لا تتصل بالبوليس لكي ننتهي ؟
فاقترب من الجثة وراح يتأملها..
وسأل:
- ليس بعد .. لماذا اطلقت عليه الرصاص؟

فقالت ساخرة :

- استطيع ان اذكر لك طائفة من الاسباب الوجيهية ، كان سكيرا وقاسيا وكنت امقته منذ عدة
اعوام..

فتفرس في وجهها..
فقالت في غضب

- ماذا تتوقع مني ان اقول؟

فقال ستارك :

- كنت تمقتينه منذ عدة اعوام؟ اذن لابد ان يكون حدث شيء ، شيء خاص.. أدى الى هذا.
- اصبت .. حدث الليلة شيء خاص ، ولذلك تناولت المسدس من مكانه على المائدة التي بجوارة
واطلقت عليه ، هكذا بكل بساطة. ولكن ما فائدة الحديق في هذا الان؟ انك ستضطر في النهاية
الى الاتصال بالبوليس، ولا مناص من ذلك.

فقال ستارك:

- ليس من اليسير علي ان افعل عذا الذي تطالبينني به ، فانت امرأة ، وامرأة فاتنة!
- وهل يغير ذلك من الواقع شيئا؟
فرد في مرح:
- نظريا لا .. اما عمليا فنعم

قال ذلك و خلع معطفه ووضعه على مشجب.. ثم وقف امام الجثة وراح يتأملها.
فقالت المرأة ساخرة:
-ياللفروسية!
- سميها فضولا اذا شئت .. انني اتوق الى معرفة كل شي عن الموضوع.
فردت لوراقائلة :
- لقد قلت لك كل شيء.


يتبع

MA7MOUD
05-10-2010, 01:09 AM
فقال مايكل :
- انك ذكرت الحقائق الاساسية فحسب.
- بل وذكرت لك الدافع الى الجريمة ايضا وليس عندي ما اضيفه وعلى كل حال ماذا يحملك على
تصديق ما ذكرته لك؟ كان بوسعي ان اروي لك اية قصة ... ولكني اقول لك ببساطة ووضوح
انه كان وحشا قاسيا وكان يسرف في الشراب وانا كنت امقته.
فقال ستارك وهو ينظر الى وجه القتيل:
- اني اصدق العبارة الاخيرة على الاقل فهناك من الادلة ما يؤيدها .. ولكنك ذكرت انك كنت
تمقتينه منذ اعوام عدة ، فلماذا لم تهجريه؟ ألم يكن ذلك ايسر و أسلم؟
فترددت المرأة قليل..
ثم قالت :
- اني فقيرة لا أملك مالا!
فقال ستارك:
- يا سيدتي العزيزة لقد كان في مقدورك ان تثبتي قسوته وادمانه الشراب وبذلك تحصلين على
حكم بالانفصال او الطلاق وعلى نفقة شهرية تطفل لك الطمأنينة والاستقرار.
ونظر اليها في انتظار الجواب.. ولكنها لم تجد ما تقوله!
ونهضت واقفة ، ووضعت قدحها على المائدة بجوار المقعد المتحرك .
سألها:
- هل لديك أولاد؟
- كلا حمدا لله!
- اذن لماذا لم تتركيه؟
فبدا عليها الارتباك..
واجابت :
- لانني :: لانني سأستطيع الان ان ارث ثروته!
- كلا .. كلا . القانون لا يجيز ذلك ولا يسمح لك بالافادة من جريمتك ، ام لعلك ظننت ان..
وتردد لحظة ثم قال:
- ماذا ظننت؟
- لا أعرف ماذا تعني؟
فقال وهو يتفرس في زجهها:
- انك ليست غبية .. وحتى اذا ورثت ثروته فان هذه الثروة لن تفيدك شيئا اذا انت سجنت مدى
الحياة او شنقت.
ثم جلس على احد المقاعد وقال:
- هبي انني بم احضر الان واطرق بابك ، فماذا كان في نبيتك ان تفعلي؟
فردت لورا
- هل يهمك ان تعرف؟
فرد ستارك
- ربما لا يهمني .. ولكني اشعر بشيء من الفضول، ماذا كنت تستزعمين لو لم احضر واضبطك
متلبسة؟ هل كنت ستزعمين ان الحادث وقع قضاء وقدار؟ او انه انتحر؟

يتبع

MA7MOUD
05-11-2010, 12:42 AM
فقالت لورا:
- لا اعلموليست لدي ايه فكرة .. فلم يكن لدي متسع من الوقت للتفكير.
فقال وكانه يتحدث الىنفسه:
- كلا .. كلا . كلا لا اظن انك ارتكبت الجريمة عمدا مع سبق الاصرار ، انكارتكبتيها بدافع
فجائي . ردا على شيء قاله زوك .. اليس كذلك؟
- قلك لك ان ذلكلا يهم.
فقال مايكل :
- ماذا قال لك زوجك؟
فردت لورا :
- ذلك ما لنافضي به الى احد
- سيسالونك في المحكمة
- سوف لن اجيب ، ولن يرغمني احد علىالاجابة
فرد الشاب:
- محاميك لا بد ان يعرف الحقيقة:: لكي يتسنى له اعداددفاعه.
- الا ترى انني فقد كل امل؟ انا على استعداد لاسوء الاحتمالات.
- لماذا؟ لاني حضرت على غير انتظار؟ هبي اني لم احضر
فقاطعته قائلة:
- ولكنكحضرت
- نعم. ولذلك تملكلك اليأس
وساد صمت عميق! واخيرا اخرج ستارك من جيبهعلبة تبغ وقدم لها سيجارة واذخ سيجارة
لنفسه .. وقال:
-لنعود الى الوراءقليلا ، انك كنت تكرهين زوجك منذ وقت طويل والليلة قال لك شيئا آثار
ثائرتك ،فاختطفت المسدس الذي كان على المائدة بجواره.
ولكن لماذا كان زوجك جالسا هناوبجواره مسدس؟ ذلك امر غير مالوف
فقالت لورا:
-انه تعود ان يطلق الرصاص علىالقطط.
فنظر اليها في دهشة وقال:
- القطط؟
فتنهدت لورا وقالت:
- اطننانني يجب ان اوضح لك الامور، كان ريتشارد معروفا بولعه بالصيد والقنص، وكان
سببتعارفنا ، فقد التقينا معا في ( كينيا ) وكان وقتئذ يختلف اختلافا بينا عما اصبحفيما بعد ، او
لعل محاسنه وقتئذ اكثر واوضح من مساوئه ، كان كريما وشجاعاومحبوبا من النساء .
وهنا تقدم منها ستارك واشعل سيجارته بولاعته.
فنظر إليهاوتأملته مليا للمرة الاولى.
قال لها:
- امضي في حديثك.
- تزوجنا عقبلقائنا ... وبعد نحو عامين، وقع له حادث مخيف اذ هاجمه احد الاسود وكان من
حسنحظه انه نجا بحياته، ولكنه اصيب باصابة تركته كسيحا لا يستطيع السير.
قالت ذلكواسترخت في مقعدها.. وزال عنها التوتر..
ومضت في حديثها ... قالت:
-يقولون انالمصائب تروض النفس وتهذب الخلق ولكن الكارثة التي حلت بريتشارد لم تهذب
خلقه:: بل على العكس، انها ابرزت اسوأ مافيه ، وصيؤته حقودا قاسيا محباللشراب..


وقد جعل الحياة لا تطاق بالنسبة الى كل انسان في هذا البيت.. ولكننا صبرنا عليه واحتملناه.. كنا
نقول ما يقال عادة في مثل هذه الظروف:
" مسكين ريتشارد ، انه يعاني الكثير بسبب اصابته"
ولكني ارى الان اننا كنامخطئين..
فقد شجه سكوتنا وصبرنا على الاعتقاد بانه يختلف عن سائر الناس ، وانبوسعه ان يفع ما يريد
دون ان يسأل عما فعل.
قالت ذلك ونهضت لتدق رمادسيجارتها في منفضة على المائدة ، واستطردت قائلة:
-كان الصيد دائما هو أحب شيءإلى نفسه .. ولذلك كان يجلس هنا كل ليلة ، بعد ان نأوي إلى
مخادعنا.

يتبع

MA7MOUD
05-11-2010, 12:43 AM
فيأتيهخادمه الخاص ( انجل ) بشرابه المفضل .. ويضع بجواره مسدسا او اثنين ، ويتركهذا
===============================================
الباب المؤدي إلى الحديقة مفتوحا!
ويظل ريتشارد قاعدا هنا في انتظار ان يلمح بريق عيني قطة او ارنب بري او كلب.
ولم تكن هناك ارانب كثيرة .. ولكنه قتل عددا كبيرا من القطط..
فقال ستارك:
- ألم يشك الجيران من ذلك؟
فردت لورا:
- طبعا .. اننا لم نأت إلى هنا إلا منذ عامين ، ولكننا كنا قبل ذلك نقيم في (نورفولك) على الشاطئ
الشرقي، وهناك قتل ريتشارد حيوانا او اثنين من الحيوانات الاليفة.. فأثار اصحابها ضجة شديدة
وشكونا على الجهات المسؤولة .. ولذلك اتينا للاقامة هنا في هذا البيت المنعزل .. ان اقرب بيت
الينا يبعد عدة اميال .. ولكن المكان هنا ملء بالقطط والسناجب والطيور..
وصمتت قليلا .. ثم مضت تقول:
- لقد بدأت متاعبنا الحقيقية في نورفولك عندما اقبلت احدى السيدات لتجمع معونة الكنيسة..
وحينما انصرفت ، راح ريتشارد يطلق النار حولها وهي تعدو كالارنب المذعور. وتنحرف يمينا
ويسارا، بينما ريتشارد يقهقه ضاحكا!
وقد تقدمت السدية بشكوى الى البوليس بطبيعة الحال .. ولكن ريتشارد استطاع ان يفلت من
العقاب ببراعة..
كانت لديه تراخيص لجميع الاسلحة النارية وقد زعم انه انما كان يطلع الرصاص على الارانب
البرية وان مسز باترفيلد سيدة متقدمة بالسن متوترة الاعصاب وقد توهمت انه يطلق النار عليها
وهو امر يجافي الواقع.
صفوة القول انه كان مقنعا في دفاعه عن نفسه فصدقوه.
فقال ستارك:
- يبدو ان دعابته .. كانت تنطوي على قدر كبير من فساد الذوق..
قال ذلك واقترب من الجثة ودار حولها..
ثم استطرد قائلا:
- اذن قان وجود المسدس على مقربة منه كان امرا مألوفا؟ ولكني اتاب في انه استطاع ان يطلق
الرصاص على اي شيء الليلة بسبب الضباب..
فقالت لورا:
- كان يحب دائما ان يكون المسدس في متناول ديه، مهما كانت الاحوال الجوية.. كان المسدس
بالنسبة اليه كاللعبة بالنسبة للطفل ، واحيانا كان يطلق الرصاص في الجداؤ لغير سبب ما.. انظر
الى يسار الباب ، تحت الستار..
فأزاح ستارك الستار، ورأى في الجدار ثقوبا يتالف منها الحرفان ( ر . و ) ..
قال :
-الحرفان الاولان من اسمه، الحق انه هداف بارع..

واسدل الستار وعاد الى مكانه امام لورا..وقال:
- لاشك ان الحياة معه كانت مزعجة للغاية !
فقالت وهي تنهض من مقعدها بطريقة عصبية:
- نعم.. ولكن هل يجب ان نمضي في الحديث على هذا النحو الى مالا نهاية؟ ان ذلك مجرد ارجاء
لما لا بد من حدوثه في النهاية ، الا تدرك ان من واجبك ان تتصل بالبوليس؟ افعل ذلك الان ،
فخير البر عاجله .. ام لعلك تريدني انا ان افعل ذلك؟ حسنا سأفعل!
واسرعت الى التليفون .. ولكنه هرول اليها وتناول السماعة من يدها وهو يقول :
-يجب ان نتحذث اولا.
فردت:
- اننا نحدثنا طويلا فلم يبق ما نتحدث فيه
فقال ستارك :
-بل هناك ما يستوجب الحديث ، قد اكون مغفلا ، ولكني اعتقج اننا يجب ان نجد مخرحا.
فلم تصدق لورا اذنيها.. وهتفت:
- لي انا؟
-نعم، لك انت..
ثم استادر اليها وقال:
- سنرى مبلغ شجاعتك ،،، هل تستطيعين المذب عند الضرورة؟ اعني الكذب المقتع الذي يصدقه
من يسمعه..
فصاحت لورا:
- لاشك انك مجنون..
- ربما.
- انك لا تعرف ما انت فاعل..
فقال ستارك:
- بل اعرف جديا ، ان ما افكر فيه سيجلعني شريكا لك في الجريمة!
فردت الفتاة:
- ولكن لماذا؟ لماذا؟
فأجاب وهو مشتغرق في التفكير:
- نعم .. لماذا؟ السبب بسيط فيما أظن .. هو انك امرأة فاتنة وانا لا احب لامرأة لها مثل فتنتك ان
تقضي اجمل سني حياتها في السجن او يطبق حبل المشنقة على عنقها من اجل جريمة كهذه..
وعلى كل حال فان الموقف واضح امامنا.. فقد كان زوجك رجلا مريضا كسيحا ..
فاذا كان قد اثارك الى الحد الذي فقدت فيه صوابك واطلقت عليه الرصاص !
فانت وحدك التي تستطيعين ان تذكري كيف اثارك واخرجك عن وعيك .. كلمة واحدة تكفي
لالقاء الضوء على اسباب الجريمة.. ولكنك لا تريدين ان تنطقي بهذه الكلمة ، واذا اصررت على
الصمت فان تبرئتك تصبح امرا مشكوكا فيه..
أليس كذلك؟
فأجابتك:
- الا يحتمل ان يكون كل ما قلته لك كذبا؟
فابتسم ستارك وقال:
- ربما .. وربما اكون مغفلا ، غير اني اصدقك.
فجلست لورا على احد المقاعد دون ان تنظر اليه.
وقال ستارك:
- والان .. تكلمي .. وبسرعة، غير اني اريد الولا ان اعرف الذين يقيمون في هذا البيت.
فترددت لورا لحظة.. ثم قالت:

- توجد والدة ريتشارد ، ومس بنيت وهي ممرضة قديمة تعمل الان كمدبرة للبيت وسكرتيرة ..
وقد مضت في هذا البيت سنوات عديدة ، وهي تحب ريتشارد وتخلص له.
هم هناك انجل ، خادم ريتشارد الخاص وممرضة ، وليس لدينا خدم دائمون..
آه هناك أيضا جان..
فسأل ستارك بحدة:
- ومن هو جان هذا؟
فنظرت إليه بمزيج من الحيرة والارتباك قائلة:
- انه أخ غير شقيق لريتشارد وهو يقيم معنا.


يتبع

MA7MOUD
05-11-2010, 12:45 AM
فقال ستارك وهو ينهض:
- اولى بك ان تكوني اكثر صراحة ، ثمة شي او اشياء خاصة لا تريدين الافصاح عنها .. ماهي؟
فردت:
- انه انسان لطيف جدا ، غير انه ليس كسائر الناس ، اعني انه ممن يقال عنهم انهم متخلفون
عقليا..
فسأل ستارك:
- آه.. يخيل الي انك تحبينه.
- نعم.. اني احبه كثيرا واعطف عليه كل العطف، ومن اجله احاول ان اهجر ريتشارد واترك
المنزل، ذلك لان ريتشارد كان دائما من يضعه في مصحة الامراض النفسية.
- وهل هذا ما كان يهددك به؟
فردت:
- نعم .. ولو وثقت من انني استطيع ان اكسب بعرق جبيني ما يكفيني انا وجان لما ترددت ،
ولكني لم اكن على يقين ، ثم ان ريتشارد هو الوصي على أخيه..
- هل كان ريتشارد يعامله بلطف؟
- احيانا .. واحيانا اخرى كان يتحدث عن ارساله الى مصحة ويقول له : انهم سيعاملونك هناك
برفق ويعنون بك وسوف تقوم لورا بزيارتك مرة او مرتين في كل عام..
ولا يزال بالشاب المسكين حتى يدخل الذعر في قلبه فيجثو المسكين امامه ويرجوه ويتوسل اليه
فينفجر ريتشارد ضاحكا ويظل يضحك حتى تدمع عينيه.
- فهمت .. فهمت
فنهضت لتطفئ سيجارتها وقالت:
-لا ضرورة لان تصدقني بل لا ضرورة لان تصدق اية كلمة اقورها لك ، ان ما اقوله قد يكون
مجرد مجموعة اكاذيب .

يتبع

MA7MOUD
05-12-2010, 01:49 AM
فقال ستارك:
- قلت لك اني سأجازفبتصديقك، والان اي نوع من النساء تلك المرأة المسماة مس بنيت؟ هل
هي امراةذكية؟
- انها على جانل كبير من الذكاء والكفاية..
فسألها:
- كيف اتفق اناحدا من كل هؤلاء .. لم يسمع صوت الطلق الناري؟
فردت لورا:
- ان والدةريتشارد نصف صماء، وغرفة مس بنيت تقع في الجاتب الاخر من البيت.. وانجل
يقيم فيجناح منعزل، اما غرفة جان فانها تقع فوق هذه الغرفة، ولكنه يأوي الى فراشه فيساعة
مبكرة ويستغرق في نوم عميق.
- كل هذا من حسن الحظ.
فسألته:
- ولكنماذا يدور بخلدك؟ هل تعتقدين اننا نستطيع ان نجعل الحادث يبدو وكأنهانتحار؟

فهز رأسه سلبا. وأجاب:
- كلا . لا امل في ذلك.
ثم اقترب منالجثة ونظر اليها مرة أخرى.. وسأل:
- هل كان اعسرا؟
- كلا.
فقال وهو يشيرالى مكان الاصابة في الجانب الايسر من الرأس :
- يستحيل ان يحدث اطلاق الرصاصباليد اليمنى مثل هذه الاصابة .. ثم انه لا يوجد اثر
لاحتراق البشرة.
وهذايدل على ان الرصاصة اطلقت من مسافة بعيدة، كل .. يجب ان نستبعد فكرةالانتحار
نهائيا، ويبقى بعد ذلك ان يكون الحادث قد وقع قضاء وقدرا!
وصمت ... وفكر في الامر مليا..
ثم قال:
- لنفرض اني جئت الى هنا الليلة ، كما حدث فعلا .. واني دخلت من هذه الباب ، فصوب علي
ريتشارد مسدسه واطلقه .. ذلك جائز تماماعلى ضوء المعلومات التي ادليت بها الي..
ثم لنفترض ان الرصاصة طاشت واني هجمتعليه ، وانتزعت المسدس من يده ..
فهتفت لورا في حماسة :
- وخلال النضال بينكوبينه ، انطلقت رصاصة.
فقال ستارك:
- نعم. كلا، هذه فكرة خاطئة سيكتشفالبوليس على الفور ان الرصاصة لك تطلق من مسافة
قريبة لانه لايوجد اثر لاحتراقالبشرة كما قلت لك..
واذا كنت قد نجحت في انتزاع المسدس من يده فلماذا اطلق عليهالرصاص؟
كلا ... انها مسألة معقدة حقا.
وتنهد واستطرد قائلا:
- حسنا.. لتكن جريمة قتل اذن .. ولكنها جريمة ارتكبها شخص من الخارج.
قال ذلك ومشى الىالباب وامسك بالستار..
ونظر الى الخارج ..
=================================================
فقالت لورا :
- تعنيلصا؟
فقال ستارك بعد تفكير:
- يجوز ان يقدم اللص على ارتكاب جريمة قتل .. غيران هذا لن يكون مقنعا .. وخير منه ان
يكون القاتل عدوا لريتشارد ، سيبدو ذلكوكأنه مسرحية مأساوية..
ولكن يخيل إلي مما ذكرتيه عن خلق زوجك وطباعه انه رجلخليق بان يكون له اعداء كثيرون
، فهل انا على صواب؟
فأجابت بهدوء:
- نعمكان لريتشارد أعداء ، انما ..
فأشعل ستارك لفافة تبغ..ثم قال:
- دعك منالاعتراضات الان ، وحدثيني عن اعداء ريتشارد .. هناك السيدة التي اقبلتلجمع
التبرعات للكنيسة ، فأطلق الرصاص عليها .. غير اني لا اعتقد ان ما حدث لهايصلح لأن يكون
حافزا للقتل .. من سواها؟ من سواها يحقد على زوجك؟
فدفنتالصبية وجهها بين كفيها واستغرقت في التفكير ..
فلم تكت على يقين ان هناك بيناعداء ريتشارد .. من يمكن اتهامه بقتله..!
قالت أخيرا:




- كانلدينا بستاني منذ عام ، فطرده ريتشارد ورفض ان يعطيه شهادة سلوكه وعمله وقدثار
البستاني ، وهدد وتوعد ، وكان عنيفافي حديثه مع ريتشارد.
فسألهاستارك:
-لا أظن .. اننا نستطيع الافادة من هذه المعلومات واكبر الظن ان هذاالبستاني سوف يقيم الدليل
على انه كان في بيته وقت حدوث الجريمة .. فان لم يستطعفإنه قد يدان ويعاقب على جريمة لم
يرتكبها..
كلا ، اننا نريد عدوا من الماضيالبعيد ، من العهد الذي كان فيه ريتشارد يصطاد الاسود ،
والنمور في افريقيا اوالهند ، او اي مكان اخر ، يتعذر على رجال البوليس الاهتداء فيه إلى
الحقيقةبسرعة !
فقالت لورا:
- ليتني فقط استطيع ان اتذكر بعض القصص التي رواهاريتشارد عن مغامراته في افريقيا
ولكني مشوشة الذهن ولا استطيع ان اتذكرشيئا
- حتى قصص مغامراته في رحلات الصيد والقنص لن تفيدنا ، اذ ليست لدينا ادلةمادية من اي
نوع.. مثل عمامة هندية او حربة افريقية او سهم مسموم ، هل تفهمين ماأعني؟
ان ما نحن بحاجة إليه .. هو اسم عدو قديم من اعداء ريتشارد فحاولي انتتذكري.
فراحت لورا تعصر ذهنها..
ولم تلبث ان هزت رأسها قائلة:
- لا اذكرشيئا ..
فسألها ستارك:
- انك حدثتني عن زوجك وشذوذه وغرابة أطواره .. رجلمثله لابد ان يكون في حياته احداث،
واشخاص ..
أعني اشخاصا ناصبوه العداء.. ووجهوا اليه تهديدات لها ما يبررها!
فقالت ببطء:
- هناك رجل كان ريتشارد قدصدم ابنه بالسيارة وقتله.
فصاح ستارك بسرعة :
- من هو هذا الرجل ؟
- فقدوقع الحادق منذ نحو عامين ، عندما كنا نقيم في نورفولك.. وهدد ريتشاردبالانتقام!
- هذا موضوع يمكن الافادة منه .. حدثيني بكل ما تذكرينه عنه.
- كان ريتشارد قادما بسيارته من مدينة ( كرومر ) .. وكان قد اسرف في الشراب.. فاخترقاحدا
القرى الصغيرة بسرعة رهيبة.. واتفق ان كان احد الاطفال يعبر الطريق فصدمهريتشارد وقتله
على الفور.

يتبع

MA7MOUD
05-12-2010, 02:22 AM
فسال ستارك بدهشة:
- هل تعنين ان زوجك كان فياستطاعته ان يقود سيارة؟
فقالت الصبية:
- نعم، كانت لدية سيارة صنعت خصيصا ،بحيث يستطيع قيادتها بيديه فقط دون ال استعانة
بقددمه.
فرد ستارك:
- فهمت .. وماذا تم في حادث الطفل؟ ألم توجه إلى زوجك تهمة القتل الخطأ؟
فقالتبمرارة:
- حدث نحقيق طبعا.. ولكنه حفظ وبرئت ساحة ريتشارد تماما
فهتف ستاركبدهشة:
- كيف؟ ألم يكن هناك شهود؟
فتمتمت قائلة:


- كان هناك والدالطفل ، وقد رأى الحادث بنفسه..
وكانت مع ريتشارد في السيارة ممرضة من المستشفىتدعى مس واربوتون..
وقد قررت هذه الممرضة ان السيارة كانت وقت وقوع الحادثة تسيربسرعة اقل من ثلاثين ميلا
في الساعة. وان ريتشارد لم يتناول من الشراب سوى قدحاواحدا من النبيذ.
وقالت ان الحادثة لم يكن من الممكن اجتنابها..
وصدقهاالمحقق ، ولم يصدق والد الطفل .. الذي ثار وهدد وتوعد..
وتنهدت لورا ..
واستطردت قائلة بلهجة تدل على السخط والاستهجان:
- كل شي حول الممرضة كانيوحي بالثنة في اقوالها ، فهي امرأة ناضجة رزينة .. والمعروف
عن الممرضات بصفةعامة انهن اهل للثقة.
- هل كنت معهما في السيارة؟
- كلا..
فعادلسؤالها:
- اذن كيف عرفت ان ما قالته الممرضة غير جدير بالتصديق؟
فقالت:
- فقد استعرض ريتشارد الموضوع برمته عقب عودته هو والممرضة من التحقيق.. وقال
للممرضة وهو يتظر اليها ويضحك:
" أحسنت يا مس واربورتون.. انك قدمت ليخدمة عظيمة، وقد كان من الممكن ان اقضي
بالسجن عدة اعوام"
فأجابته الممرضةقائلة :
" انك لا تستحق هذه الخدمة يا مستر واريك، فانت تعلم انك كنت تقودالسيارة بسرعة رهيبة ،
وقد ذهب هذا الطفل المسكين ضحية رعونتك"
فقال ريتشارد :
" وما اهمية طفل بالزيادة او النقصان في هذا العالم المزدحم بالسكان؟ لقداستراح الطفل من
شقاء الحياة ، واؤكد لك ان مصرعه لن يؤرقني ولن يفسد علي متعةالنوم"
فانبعث ستارك واقفا..
وقال وهو ينظر من ركن عينه إلى الجثة:
- انكل جديد اسمعه عن زوجك ، يزيدني اعتقادا بان ما اصابه الليلة كان قصاصا عادلا ،وليس
جريمة قتل .. والان .. ما اسم ذلك الشخص الذي قتل ريتشارد طفله؟
- كاناسمه يدل على انه من اصل اسكتلندي ، كان يدعى ماك .. ماكلويد او ماكري .. لااذكر
تماما.
فقال ستارك :
- حاولي ان تتذكري .. يجب ان تتذكري .. الا يزاليقيم في نورفولك؟
- كلا .. انه لم يكن يقيم فيها .. انه اقبل من كندا خصيصالزيارة اهل امرأته ..
فهتف ستارك:
- كندا؟ هذا بلد بعيد مترامي الاطرافوالبحث فيه عن والد الطفل سوف يستغرق وقتا طويلا ..
اظن اننا وقعنا على ضالتنا،ولكن بحق السماء .. حاولي ان تتذكري اسم هذا الشخص..
اطرقت لورا برأسها واستغرقتفي التفكير..
بينما راح ستارك يذرع أرض الغرفة وعلى وجهه دلائل الهموالقلق..
وفجأة .. توقف ستارك عن السير واخرج قفازه من جيبه ودس يديهفيه..
وقال يكلم لورا:

يتبع

MA7MOUD
05-13-2010, 01:37 AM
- هل لديك صحف؟

- صحف؟
- نعم ، لا اعنيبالضرورة صحف اليوم .. اريد صحفة امس او امس الاول
فأجابت وهي تشير الى رف وراءالمكتب:
- توجد هناك طائفة من الصحف القديمة.
فاسرع ستارك الى حيث اشارتوتناول احدى الصحف والقى عليها نظرة سريعه وهتف:
- رائع ، هذا ما اريده
وبسطالصحيفة على المكتب وتناول مقصا كان هناك وتأهب للعمل ..
فسألته لورا :
- ماذا تريد ان تفعل؟
- ساصنع الادلة
- ولكن .. هب ان البوليس عثر علىالرجل؟
- اذا كان الرجل لا يزال يقيم في كندا فان سلطات البوليس ستجد مشقة فيالعثور عليه. واذا
عثرت عليه فمن المحقق ان الرجل سيكون لديه من الادلة ما يثبتانه كان وقت وقوع الجريمة
في مكان ما بعيدا عن مسرح الاحداث
وكل هذا سوفيتطلب وقتا طويلا يكفي لتهدئة الموقف هنا ، ويتيح لنا فرصة لمزيد منالتفكير
والتدبير.
فهزت لورا راسها ببطء قائلة:
- اني لا اقر هذه الخطة ،ولا اوافق على اقحام شخص بريء في هذه الجريمة.
فقال ستارك :
- يا فتاتيالعزيزة ، انك لست في مركز يسمح لك بالاختيار واتما يجب ان تتذكري اسم الرجل،
يجب .. يجب..
- قلت لك اني لا استطيع
فقال ليعاونها:
- هل كان اسمهماكدوجال ، او ماكدونالد ، او ما كنتوش؟
- كلا
- لا حيلة لي في الامر .. مادمت لا تستطيعين تذكر الاسم فعلينا ان نعمل بدونه الا تذكرين تاريخ
الحادثة اواي شي اخر يفيدنا؟
- اذكر التاريخ ، فقد وقع الحادث في اليوم الخامس عشر من شهرمايو.
فدهش ستارك وقال:
- كيف استطعت بحق السماء ان تذكري التاريخ بهذهالدقة؟
- لأنه تاريخ يوم مولدي..
فتمتم ستارك :
- فقد خدمنا الحظ في هذاايضا .. فتاريخ هذه الصحيفة هو الخامس عشر من الشهر..
قال هذا وقصالتاريخ..
فهتفت لورا:
- ان تاريخ هذه الصحيفه هو الخامس عشر من شهرنوفمبر
- اعلم هذا .. ان ما يهمنا هو الرقم .. اما حروف مايو فيمكنتدبيرها.
وراح يقص الحروف من الصحيفة واحدا تلو الاخر ، قص حروف الميم والالفوالياء والواو
وسألته لورا:
ماذا ستفعل بعد ذلك؟

يتبع

فاجاب وهو يجلس امامالمكتب:
هل لديك مادة لاصقة؟
فمدت لورا يدها للتناول من فوق المكتب انبوبهبها مادة لاصقة

ولكن ستارك صاح بها:
- كلا .. لا تمسيها والا تركت عليهابصمات اصابعك.
وتناول الانبوبه وفتحها..
ووجد ورقة بيضاء من ورقالخطابات..
فقال:
هذا الورق شائع الاستعمال ويباع في جميع المكتبات .
ووضعالورقة امامه وراح يقص الحروف من الصحيفة ويلصقها على الورقة وهو يقول:
- كيفتصبح مجرما بعد درس واحد؟ هذا هو اسم العملية التي نقوم بها الان
انظري ..
ووضع امامها الورقة بعد ان فرغ من لصق الحروف.. فقرأت فيها :
15 مايو
يوم الانتقام

يتبع

MA7MOUD
05-13-2010, 01:38 AM
وتناول ستارك الورقة وقال وهو يقترب من الجثة:
- والان .. يجب ان نضع هذه الورقة في جيب ريتشارد العزيز
وطوى الورقة ودسها في جيبالقتيل وعندما اخرج يده سقطت من الجيب ولاعة ذهبية..
فافلتت من فم لورا صيحةقصيرة ، واندفعت الى الامام لتلتقط الولاعة .
ولكن ستارك كان اسرعمنها..
صاحت بلهفة :
- اعطنيها انها ولاعتي
فنظر ستارك الى الولاعة .. ثمالى لورا .. وارتسمت الدهشة في عينيه..
قال وهو يقدم لها الولاعة:
- حسنا .. حسنا .. انها ولاعتك ، فلماذا الانزعاج؟
ثم راح يصعدها بعينيه وقال :
- هلبدأت تفقدين اعصابك ، ام ماذا ؟
- كلا طبعا.
وبينما كان ستارك ينظم ثيابالقتيل بعد ان وضع الورقة في جيبه، راحت لورا تمسح الولاعة في
ثوبها خلسة لتزيلما قد يكون عليها من بصمات اصابع.
*
واعاد ستارك كل شي الى مكانه على المكتبثم خلع قفازه واخرج منديله من جيبه..
وقال وهو يتظر اليها:
- انتهينا منالخطوة الاولى ، فلننتقل الان الى الخطوة الثانية ، اين القدح الذي شربت منهالان؟
فاقتربت لورا من المائدة التي بجوار المقعد المتحرك وتناولت القدح .. ووضعت الولاعة على
المائدة.
وهم ستارك بان يزيل اثر البصمات التي على القدحبمنديله..
ثم توقف وقال:
- كلا .. هذا غباء.
- لماذا؟
لا بد من وجودبصمات على القدح والقنينة ، بصمات الخادم وبصمات زوجك على الاق . ان
عدم وجودبصمات على الاطلاق من شأنه ان يثير ريبة البوليس..
قال ذلك وملأ القدح بالشرابواحتساه.. ثم قال:
- والان .. يجب ان ابحث عن مبرر لوجود بصماتي ان الجرائم ليستمن الامور السهلة .. اليس
كذلك؟
ووضع القدح على المائدة..
فصاحت لورا بحدة :
- ارجوك الا تقحم نفسك في هذا .. حتى لا يرتاب البوليس في امرك..
فقال وهويبتسم :
- انني مواطن مسالم محترم لا ترقى اليه الشبهات ، ثم انني اقخمت نفسي فيالقضية وانتهى
الامر .. فهناك سيارتي في حفرة امام البيت ، وهنا بصمات اصابعي فيكل مكان..
ولكن لا تنزعجي .. ان اسوأ ما قد يحدث لي هو ان يستجوبوني عن سببقدومي .. وعن الوقت
الذي جئت فيه .. وربما لا استجوب على الاطلاق اذا انت احسنتالقيام بدورك..
فتهالكت لورا على احد المقاعد..
وبدت على وجهها دلائل الذعروالفزع.
واقترب ستارك منها وقال :
- والان .. هل انت على استعداد؟
فسألته :
- على استعداد لماذا؟
- يجب ان تتمالكي نفسك..
فقالت في حيرة :
- انني اشعر بدوار وغباء .. وكان عقلي قد اصبح عاجزا عن التفكير ..
فقال ستارك :
- انك لست بحاجة الى التفكير ، وماعليك الا ان تطيعي ، هل لديك موقد من اينوع؟
- يوجد موقد للتدفئة..
- حسنا ..
والتقط قصاصات الورق من فوق المكتبوطوى عليها بقايا الصحيفة وقال:
- اذهبي الان الى المطبخ .. وضعي هذا الورق فيالموقد ثم اصعدي الى غرفاك واخلعي هذه
الثياب وارتدي قميصا .. او غلالة مماتعودت ارتداءه عند النوم..
وصمت لحظة.. ثم سأل:

يتبع

MA7MOUD
05-13-2010, 01:39 AM
هل لديك انبوبهاسبرين؟
فاجابته والدهشة في عينيها:
- نعم..
-حسنا .. افرغي محتوياتها فيالبالوعة ، ثم اذهبي الى حماتك او مس بينت وقولي انك تشعرين
بصداع شديد وانكيحاجة الى قرص اسبرين..
واحرصي على ان تتركي باب حماتك .. او باب مس بينتمفتوحا، لانك ستسمعين ، وانت
تتحدثين الى احدهما طلق ناري..
فهمتفت لورا فيجزع:
- صوت طلق ناري؟
فقال يتناول المسدس الذي كان قد اخذه منها ووضعه علىالمائدة بجوار الجثة:
- نعم ساتكفل انا بذلك..
وفحص المسدس جيدا.. ثمقال:
- يخيل الي ان هذا المسدس من صنع الخارج .. ام لعله من ذكرياتالحرب

فقالت لورا :
- لا اعلم ... ان لذى ريتشارد مسدسات كثيرة مصنوعه فيالخارج
فسألها ستارك:
- ترى هل هذا المسدس مسجل باسمه؟
- لا اعلم . كل مااعلمه .. ان لديه تراخيص لمجموعات من الاسلحة..
فرد ستارك:
- الترخيص شيءوتسجيل السلاح باسم صاحبه شيء اخر .. هل هناك من يعرف بصفة قاطعة
ما اذا كانزوجك قد سجل هذا المسدس باسمه؟
- ربما انجل ، هل هذا مهم؟
- ان طريقتنا فيتزييف الحادث .. تعني ان القاتل تسلل الى هذه الغرفة في طلب الانتقام والدم
يغليفي عروقه .. ومسدسه في يده..
ولكننا نستطيع ان نقلب الاوضاع دون ان تتأثر الخطةفي محملها ، بمعنى ان نفترض ان القاتل
دخل بينما كان ريتشارد يقاومالنعاس..
وان ريتشارد اسرع بتناول المسدس ولكن القاتل انتزعه من يده واطلقهعليه
مجرد افتراض..
والان ارجو ان نكون قد فكرنا في كل شي .. ولم يفتنا شيء،والواقع ان فارق الوقت بين اللحظة
التي قتل فيها زوجك فعلا واللحظة التي قتلفيها طبقا لروايتنا ..
اي نحو عشرين دقيقة هذا الفارق لن يكون واضحا اذا نظرناالى طول الوقت الذي ستستغرقه
رحلة رجال البوليس الى هنا وسط الظلاموالضباب
وحرك الستار ونظر الى الثقوب التي احدثتها رصاصات ريتشارد في الجداروقال:
- لا باس من ان اضيف اليها ثقبا اخر
وتحول الى لورا..
واستطردقائلا:
- عندما تسمعين صوت الطلق الناري ، تظاهري بالفزع ، وتعالي الى هنا ومعكمس بنيت .. او
اي اشخاص تجدينهم ..
واذا سئلت فقولي انك لا تعرفين شيئا وانكاويت الى فراشك ثم استيقظت بصداع شديد ، فذهبت
الى غرفة حماتك او غرفة مس بينتللبحث عن اسبرين .. وان ذلك هو كل ما تعرفينه .. مفهوم؟
فاطرقت برأسها علامةالايجاب..
وقال ستارك :
- اما الباقي فدعيه لي .. هل تشعرين بانك احسن حالاالان؟
- نعم
- اذهبي واشرعي في اداء دورك
- ولكن انت .. انت؟ لا يجب انتزج بنفسك في هذا
فقال ستارك :
- لا تفسدي الامور بترددك ، انها لعبة مسليةبالنسبة لي..
قتل زوجك كان لعبتك .. وانقاذ عنقك الجميل من حبل المشنقة هولعبتي..
كنت دائما اتمنى في قرارة نفسي ان تتاح لي فرصة لممارسة مواهبيالبوليسية في جريمة
واقعية..
هل تستطيعين ان تفعلي كما قلت لك؟
فاجابتلورا :
- نعم ..
فسألها ستارك :
- آه .. ارى في معصمك ساعة ، كم ساعتكالان؟
فنظرت الى ساعتها وقالت:
الحادية عشرة و 50 دقيقة
فضبط ساعته علىهذا الوقت وقال :
- حسنا ، سأمنحك اربع دقائق .. كلا .. خمس دقائق ، لكي تذهبيالى المطبخ لاحراق الورق في
الموقد ، ثم الصعود الى غرفتك واستبدال ثيابك ،والانطلاق الى غرفة مس بنيت لطلب قرص
الاسبرين ،،
هل تكفي هذهالمهلة؟
وابتسم لها مطمئنا..
فاطرقت برأسها علامة الايجاب
قال:
- قبلان ينتصف الليل بخمس دقائق تماما ، ستسمعين صوت الطلق الناري .. الان اذهبي ..
فسارت لورا الى الباب ، وهناك استدارت ، ونظرت اليه في قلق وجزع..
فلحقبها وفتح الباب وهو يقول في همس:
- ماذا بك؟ هل ستتخلين عني؟
- كلا ..
- هذا حسن ....
ما كادت لورا تنصرف حتى اغلق ستراك الباب ووقف يفكر فيما ينبغيعليه عمله.
نظر الى ساعته .. ثم أخرج سيجارة ومد يده الى الولاعة التي تركتهالورا على المائدة بجوار
الجثة..
وقبل ان تصل يده اليها لمح صورة للورا فوق رفالكتب فقصد الى الرف وتناول الصورة

وتأملها وابتسم..

يتبع

MA7MOUD
05-18-2010, 11:43 PM
ثم اعادها الى مكانهاوعاد الى حيث كانت الولاعة فاشعل سيجارته ووضع الولاعة على المائدة..
وقعد لحظةقصيرة اخرج منديله وازال اثر البصمات على المقاعد واطار الصورة والمكتب
وافرغمنفضة السجاير في جيبه ..
وبحث عن بقايا الصحيفة التبي مزقها ووجد قصاصة قصيرةتحت المكتب فطواها ووضعها في
جيبه ..
ثم اعاد ترتيب ادوات المكتب واعاد كلشيء الى مكانه..
وأخيرا وقف في وسط الغرفة واجال البصر حوله ليطمئن الى ان كل شيعلى ما يرام..
وبعد ذلك ارتدى معطفه وتناول المسدس وتحقق من انه محشو ، وبعد انازال عنه اثار
البصمات..
نظر الى ساعته ، ووقف في وسط الغرفة وصوب فوهةالمسدس الى الجدار واطلقه..
وعلى الاثر سمع ضجة في الطابق الاول ، فوضع المسدسفي جيبه واندفع على الخارج عبر
باب الحديقة ..
ولكنه ما لبث ان عاد مهرولا .. ليلتقط مصباحه الكهربائي ، ويطفئ نور الغرفة..
ثم يندفع الى الخارج ....
*
كانت لورا في غرفة مس بنيت وقرص الاسبرين في ديها عندما سمعت صوتالطلق الناري،
فنظرت الى مس بنيت وقالت وهي تتصنع الدهسة والفزع:
- ماهذا؟
فقالت مس بنيت وهي تبتسم:
- انه ريتشارد بغير شك، وقد عاد الى ممارسةهوايته المفضلة.
فأسرعت لورا الى النافذرة وفتحتها واطلت منها
وقالت:
- انني لا ارى سوى الظلام والضباب، ويخيل الي انني سمعت صيحة ، هلمي بنا لنرىما
الخبر..
واندفعت المرأتان الى السلم، وخرج جان من غرفته على الأثر وصفقالباب وراه بشده..
كان شابا رقيقا في نحو التاسعة عشرة من عمره، له وجه برئكوجوه الاطفال . وعينان واسعتان
يتألق فيهما أحيانا بريق الخبثوالدهاء..
ويبدو ان الجلبة ايقظت مسز واريك العجوز من نومها ، فقد ارتفع صوتهاوهي تصيح :
- ماذا حدث يا جان؟ لماذا يهرول الجميع في البيت في منتصف الليل؟ماذا حدث يا مس بنيت؟
هل اصابكم مس من الجنون؟ لورا .. جان .. الا يخبرني احدبما يجري في هذا البيت ؟
فصاح جان:
- انه ريتشارد .. قولي له ان يكف عن اطلاقمسدسه وايقاظنا من النوم .. كوني على حذر يا
لورا ان ريتشارد انسان خطر، وانتكذلك يا مس بنيت كوني على حذر ..
كانت مس بنيت رغم بلوغها سن الخمسين تحتفظبالكثير من الصفات التي تتميز بها العاملات
في حقل التمريض ، فهي ذكية ، نشيطة ،ذات حيوية دافئة وذهن متوقد.
وقد وصلت مس بنيت الى قاعة الاستقبال قبل غيرهافاضاءت النور واندفعت نحو المقعد
المتحرك وهي تصيح:
- حقا انك اخفتنا ياريتشارد، كيف تطلق الرصاص في مثل هذا الوقت بالليل؟
ودخلت لورا اعقابها.. وتبعهاجان يقول:
- ماذا جرى يا مس بنيت؟
فصاحت هذه:
- يا الهي .. لقد قتلنفسه..
فهتفت لورا :
- قتل نفسه؟ كيف؟
وقال جان وهو يشير الىالمائدة:
- ان مسدسه غير موجود .. لقد اختفى المسدس.
وهنا سمع ثلاثتهم صوتافي الخارج يقول :
- ماذا يجري هنا؟
فنظر جان نحو باب الحديقة .. ثم قال:
- يوجد شخص في الحديقة..
فقالت مس بنيت :
- ترى من عساه يكون؟
واسرعت الىباب الحديقة .. ولكن الباب فتح قبل ان تصل اليه. ودخل ستارك وهو يقول:
- ماذايجري هنا ؟
ووقع بصره على ريتشارد..
فاقترب منه ، ونظر اليه مليا وقال:
- هذا الرجل ميت . انه مصاب برصاصة في رأسه..
ونظر اليهم بارتياب..
فقالت مسبنيت:
- من انت ؟ ومن اين جئت؟
- ماهذا؟
فقالت مس بنيت وهي تبتسم:
- انه ريتشارد بغير شك، وقد عاد الى ممارسة هوايته المفضلة.
فأسرعت لورا الىالنافذرة وفتحتها واطلت منها
وقالت:
- انني لا ارى سوى الظلام والضباب، ويخيلالي انني سمعت صيحة ، هلمي بنا لنرى ما
الخبر..
واندفعت المرأتان الى السلم،وخرج جان من غرفته على الأثر وصفق الباب وراه بشده..
آان شابا رقيقا في نحوالتاسعة عشرة من عمره، له وجه برئ كوجوه الاطفال . وعينان واسعتان
يتألق فيهماأحيانا بريق الخبث والدهاء..
ويبدو ان الجلبة ايقظت مسز واريك العجوز من نومها ،فقد ارتفع صوتها وهي تصيح :
- ماذا حدث يا جان؟ لماذا يهرول الجميع في البيت فيمنتصف الليل؟ ماذا حدث يا مس بنيت؟
هل اصابكم مس من الجنون؟ لورا .. جان .. الايخبرني احد بما يجري في هذا البيت ؟
فصاح جان:
- انه ريتشارد .. قولي له انيكف عن اطلاق مسدسه وايقاظنا من النوم ..كوني على حذر يا
لورا ان ريتشارد انسانخطر، وانت كذلك يا مس بنيت كوني على حذر ..
آانت مس بنيت رغم بلوغها سن الخمسينتحتفظ بالكثير من الصفات التي تتميز بها العاملات
في حقل التمريض ، فهي ذآية ،نشيطة ، ذات حيوية دافئة وذهن متوقد.
وقد وصلت مس بنيت الى قاعة الاستقبال قبلغيرها فاضاءت النور واندفعت نحو المقعد
المتحرك وهي تصيح:
- حقا انك اخفتنايا ريتشارد،كيف تطلق الرصاص في مثل هذا الوقت بالليل؟
ودخلت لورا اعقابها.. وتبعها جان يقول:
- ماذا جرى يا مس بنيت؟

يتبع

MA7MOUD
05-18-2010, 11:44 PM
فصاحت هذه:
- يا الهي .. لقد قتلنفسه..
فهتفت لورا :
- قتل نفسه؟كيف؟
وقال جان وهو يشير الى المائدة:
- ان مسدسه غير موجود .. لقد اختفى المسدس.
وهنا سمع ثلاثتهم صوتا في الخارج يقول :
- ماذا يجري هنا؟
فنظر جان نحو باب الحديقة .. ثم قال:
- يوجد شخص فيالحديقة..
فقالت مس بنيت :
- ترى من عساه يكون؟
واسرعت الى باب الحديقة .. ولكن الباب فتح قبل ان تصل اليه. ودخل ستارك وهو يقول:
- ماذا يجري هنا؟
ووقع بصره على ريتشارد..
فاقترب منه ، ونظر اليه مليا وقال:
- هذا الرجلميت . انه مصاب برصاصة في رأسه..
ونظر اليهم بارتياب..
فقالت مس بنيت:
- من انت ؟ ومن اين جئت؟
فأجاب:
- انني ضللت طريقي وسقطت سيارتي في حفرة ، ثمرأيت هذا الباب فدخلته لاطلب المعونة ، او
لاتكلم بالتليفون ان وجد.. ولكنيماكدت اتقدم بضع خطوات حتى سمعت دوي طلق ناري ،
وخرج شخص من هذا الباب ، واصطدمبي في الظلام وسقط منه هذا ..
وبسط يده .. فاذا بها مسدس ..!
فسألت مسبنيت:
- والى اين ذهب هذا الشخص؟
- لا اعلم .. ان الظلام دامس والضباب كثيف ،ولا يستطيع الانسان ان يتبين موقع قدمه.
ووقف جان امام الجثة وراحيتأملها..
ثم صاح :
- لقد اطلق بعضهم الرصاص على ريتشارد.
فقالستارك:
- يبدو هذا. ويحسن بكم ان تتصلوا بالبوليس على وجه السرعة.
قال ذلكووضع المسدس على المائدة وتناول القدح وملاه بالشراب، ثم اومأ برأسه نحوالجثة
وقال:
- من هذا؟
فأجابت لورا وهي تجلس على الاريكة :
- انهزوجي!
- لابد انك صدمت.. اشربي هذا..
وقدم لها القدح..
وابتسم ابتسامةخفيفة ليطمئنها..
ثم خلع قبعته والقى بها على احد المقاعد..
ولاحظ ان مس بنيتتتفرس في الجثة وتهم بان تمد يدها اليها ، فتحول اليها بسرعة وقال :
-كلا .. لاتمسي شيئا، يخيل الي ان في الامر جريمة ، فاذا صح ذلك فيجب ان يبقى كل شيكما
هو.
فاعتدلت مس بنيت واقفة وهتفت قائلة :
- جريمة؟! مستحيل ..
ودخلت مسز واريك في هذه اللحظة..
آانت تتوآأ على عصا .. وآانت نظراتهاوقسمات وجهها تنمان عن قوة شخصيتها..
قالت وهي تقف بالعتبة :
- ماذا جرى؟
فأجاب جان :
- اطلق بعضهم الرصاص على ريتشارد.
فصاحت مس بنيت :
- صهيا جان ..
فقالت مسز واريك وهي تومئ نحو ستارك:
- ماذا كان يقول هذاالسيد؟
فاجابت مس بنيت :
-كان يقول ان في الامر جريمة..
فسارعت مسز واريكحتى اقتربت من الجثة ، فوقفت امامها وقالت في همس :
- ريتشارد
فصاح جان :
- انظروا .. انني ارى ورقة تطل من جيبه ..
ومد يده ليتناول الورقة ..
=================================================
فمنعه ستارك بقوله :
-كلا . لا تمس شيئا ..
وجثا بجوار الجثة وأطل في الورقة ، وقرأ بصوت مسموع :
15 مايو
يوم الانتقام
فهتفت مس بنيت :
- ماآجريجور
وانبعثت لورا واقفة كمن لدغتها أفعى ..
وقطبت مسز واريك حاجبيها فقالت :
- هل تعنين .. ذلك الرجل .. والد الطفل الذي دهمته السيارة ؟
فتمتمت لورا تحدث نفسها :
- ماآجريجور . نعم .. هذا هو الاسم ..
وصاح جان :
- انظروا .. ان الحروف كلها منزوعة من الصحف ..
ومرة أخرى منعه ستارك من ان يمس الورقة ، فقال :
- لا تمسوا شيئا حتى يحضر رجال البوليس..
واقترب من كلة التليفون واستطرد يقول :
- هل تسمحون لي؟
فقالت مس بنيت :

يتبع

MA7MOUD
05-18-2010, 11:45 PM
- سأتصل أنا بالبوليس ..
ولكن مسز واريك قالت بحزم :
- دعوني أفعل ذلك ..
وهكذا امسكت العجوز بزمام الموقف ..
جمعت شجاعتها ، وتناولت السماعة ..
وأدارت القرص ..
وقالت لمحدثها في هدوء ، وبصوت واضح النبرات :
- مرآز البوليس؟ هنا قصر لانجلبرت .. قصر مستر ريتشارد واريك .. لقد وجد مستر واريك
ميتا .. أصيب برصاصة قضت عليه ...
آانت الشمس مشرقة تبشر بيوم صحو يختلف تماما عن سابقه فوضع الرقيب كادوالدر ملف
الاوراق على المكتب وفتح باب الشرفة ووقف يتمطى .. ويتثائب ..
لم يكن قد غمض له جفن منذ ان تلقى مرآز البوليس نبأ مصرع ريتشارد واريك..
وعاد الرقيب الى الغرفة ليلتمس بعض الراحة ريثما يحضر المفتش توماس الذي انيطت به مهمة
التحقيق في القضية ، واماطة اللثام عن سر الجريمة..
ولكن الرقيب ماآاد يستقر في احد المقاعد حتى دخل المفتش توماس ، فوضع حقيبة اوراقه على
المائدة وخلع معطفه وتأهب للعمل .
فقال الرقيب:
- طاب صباحك يا مستر توماس.. من كان يظن ان الجو سيصفو بهذه السرعة بعد ضباب الامس
،كان اسوأ ضباب شهدته في حياتي ، ولا عجب اذا كانت الحوادث قد تفاقمت في طريق
آارديف.
فقال المفتش بايجاز:
-كان من الممكن ان تقع حوادث اسوأ.
- لقد وقع حادث اصطدام بشع بالقرب من بوتكاول ، اسفر عن مقتل رجل واصابة طفلين ، ووقع
حادث اخر في ..
فقاطعه المفتش فقال:
- هل فرغ خبراء البصمات من مهمتهم ؟
- نعم يا سيدي ، فقد احضرت صور البصمات وتقرير الخبراء..
واسرع الى الملف وفتحه .
فقال المفتش وهو يجلس امام المكتب:
- اذن لنبدأ بفحص البصمات ، هل صادفتكم متعاب في اخذ بصمات السكان؟
-كلا يا سيدي ..كانوا جميعا متعاونين.
- هذا أمر يدعو الى الارتياح ، ان اآثر الناس يعارضون في اخذ بصماتهم .. ظنا منهم اننا
سنضعها مع بصمات المجرمين..
ثم راح يتصفح اوراق الملف ويتلو اسماء اصحاب البصمات..
فقرأ:
- مستر واريك .. آه .. هذا هو القتيل .
مسز لورا واريك .. الزوجة .
مسز واريك .. الام .
جان واريك .. الاخ .
مس بنيت ..
من هذا؟ انجل؟
آه .. خادم مستر واريك حسنا
مستر مايكل ستارك..
لننظر الآن في تزويع البصمات ..
على الباب وزجاجة الشراب والقدح . توجد بصمات مستر ريتشارد واريك ، وانجل ومسز لورا
واريك .. ومستر مايكل ستارك..
وعلى الولاعه والمسدس توجد بصمات مايكل ستارك وحده ، وذلك امر طبيعي فانه – على حد
قوله – قدم قدح الشراب لمسز لورا ، واشعل لفافة تبغ بالولاعة..
ووجد المسدس في الحديقة.. فقلب الرقيب شفته…
ثم سأل بصوت ينم عن الارتياب :
- مايكل ستارك!!
فسأله المفتش :

يتبع

MA7MOUD
05-23-2010, 12:40 AM
فسأله المفتش :
- هل تشعر نحوه بنفور؟
- ماذا جاء يفعل هنا؟ ذلك ما اود معرفته ، اود ان اعرف لماذا دخل هذا البيت بالذات ، حيث
وقعت جريمة القتل..
فرفع المفتش رأسه عن الاوراق .
ثم قال ساخرا:
- انت نفسك كدت تودي بالسيارة في احدى الحفر ليلة امس ، ونحن في طريقنا الى هذا البيت ،
حيث حدثت جريمة القتل..
أما عن سبب وجوده في هذه المدينة فانه جاء منذ اسبوع للبحث عن منزل صغير يشتريه..
وعاد الى الاوراق..
واستطرد يقول.
- يبدو ان جدته كانت تقيم في هذه المنطقة وانه كان يقضي اجازته عندها وهو صغير..
فهز الرقيب كتفيه ولم يجب..
قال المفتش:
- على كل حال، نحن ننتظر تقريرا عنه من ( عبدان ) وسيصل التقرير بين لحظة واخرى ، هل
حصلت على بصمات لمقارنتها بالبصمات التي وجدت هنا؟
- اني ارسلت اليه الرقيب جونز في الفندق الذي يقيم به ، فقيل له انه ذهب الى احد الكراجات
لاصلاح سيارته ، فاتصل به في الكراج وطلب اليه التوجه الى مرآز الشرطة في اقرب وقت
ممكن..
- هذا حسن .. والآن .. لننظر الى البصمات التي لم يعرف اصحابها..
وجدت بصمة كف على المائدة بجوار الجثة كما وجدت على الباب من الداخل والخارج بصمات
اخرى غير واضحة..
فصاح الرقيب بصوت من وفق الى حل لغز عويص:
- آه .. لا بد انها بصمات ماآجريجور..
فقال المفتش بعد تردد قصير:
- ربما .. ولكننا لم نجد مثل هذه البصمات على المسدس ، ان اي انسان على شيء من الفطنة لابد
ان يلبس قفازا في مثل هذه الظروف..
- ان رجلا مختل الشعور مثل ماجريجور لا يفكر في شيء كهذا..
فقال المفتش :
- ستصلنا اوصاف هذا الرجل من ( نورويتش ) بعد ساعات ..
- مهما اختلفت وجهات النظر فانها قصة محزنة ، رجل فقد زوجته حديثا يفاجأ بمصرع ابنه
الوحيد تحت عجلات سيارة يقودها مأفون مولع بالسرعة.
فقال المفتش في ضجر:
- لو كان مستر واريك قد قاد سيارته بجنون ، لقدمته السلطات ذات الشأن للمحاطمة بتهمة القتل
الخطأ ولكن السلطات لم توجه اليه اي تهمة ، بل ولم تسحب منه رخصة القيادة..
قال ذلك وفتح حقيلة الاوراق التي جاء بها..
واخرج المسدس منها..
أما الرقيب ، فانه لم يقتنع بمنطق المفتش ..
فقال:
- ما اآثر الكذب وشهادة الزور في حوادث السيارات..
فتجاهل المفتش هذا التعقيب.. وانصرف الى القضية التي جاء لتحقيقها.
- بصمة كف على المائدة بجوار الجثة..
ونهض والمسدس في يده وقصد الى المائدة ودقق النظر فيها وهز رأسه..
قال الرقيب :
- ربما كانت بصمة كف أحد الزائرين..
- لقد اآدت مسز واريك انها لم تستقبل احدا من الزائرين طوال يوم امس .. ولكن ربما كان
الخادم يعرف اآثر من ذلك .. جئني به..
فخرج الرقيب .. وانحنى المفتش فوق المائدة ، ووضع عليها كفه اليسرى..
ثم رفعها ، ونظر الى بصمتها ..
وبعد قليل ، خرج الى الشرفة ..
ونظر يمنة ويسرة .. ثم فحص قفل الباب ...
*
* * *

يتبع

MA7MOUD
05-23-2010, 12:41 AM
وساد الصمت لحظة ..
وسرعان ما تلاشت الابتسامة على شفتي ستارك ، وقال وهو يهز رأسه وينظر الى لورا بحدة :
- الان بدأت افهم ..
- ماذا تعني؟
- هذا الشخص عشيقك ، اليس كذلك ؟ .. .تكلمي
فردت في تحد :
- مادمت قد سألت ، فالجواب هو نعم
- يبدو ان هناك اشياء كثيرة لم تصارحيني بها ليلة البارحة ، اليس كذلك ، لهذا خطفت الولاعة
بسرعة ، وزعمت انها ولاعتك .
منذ متى بدأت العلاقة بينك وبين هذا الشخص ؟
- منذ بعض الوقت
- لماذا لم تهربي معه اذن؟
- لاسباب كثيرة ، اهمها الحرص على مستقبله السياسي
فجلس ستارك على مقعد ، وبدا الضيق واضحا على وجهه..
قال :
- لم تعد لهذه الاعتبارات اهمية في هذه الايام ، اكثر الساسة يرتبكون الفحشاء بمثل البساطة التي
يدخنون بها لفافة تبغ.
- هناك اعتبارات خاصة ، فقد كان جوليان صديقا لريتشارد، وكان ريتشارد كسيحا ..
- آه.. حقا .. انها اعتبارات تسء الى سمعة صاحبك ومركزه،
- هل كان ينبغي ان احدثك بكل هذا ليلة البارحة ..
فقال ستارك :
-كلا ، لم يكن ذلك ضروريا ..
- الواقع اني لم ارى له ايه اهمية ، فقد كان اهم منه بالنسبة الي اني قتلت ريتشارد..
فقال دون ان ينظر اليها :
- نعم ، نعم .. انا ايضا لم افكر الا في ذلك .
==============================================
ثم اردف بعد صمت قصير :
- هل لديك مانع من القيام بتجربة بسيطة .. اين كنتي تقفين عندما اطلقت الرصاص على ريتشارد
؟
فقالت في حيرة :
- اين كنت اقف؟!
- نعم
- هناك
واشارت نحو باب الشرفة .
فقال :
- اذهبي وقفي حيث كنتي تقفين امس عندما اطلقت الرصاص على ريتشارد.
فقالت وهي تنهض ببطء :
- انا لا اذكر اين كنت اقف ، لا تطالنبي بان اتذكر .. كنت .. كنت في اشد حالات الاضطراب .
فقال ستارك :
- لقد قال لك زوجك شيئا اثارك .. فاختطفت منه المسدس .
ونهض واقفا .. ووضع سيجارته في المنفضة وقال :
- دعينا نعيد تمثيل الحادثة .. ها هي المائدة .. وها هو المسدس ..
قال ذلك وتناول السيجارة من يدها ووضعها ايضا في المنفضة ، ثم اخرج مسدسه ووضعه على
المائدة وقال :
- كنتما تتشاجران ، فتناولت المسدس .. هيا تناولي المسدس .
فمدت يدها ..
ثم احجمت وقالت :
- كلا . لا اريد
فرد ستارك :
- لا تكوني حمقاء ، انه غير محشو ، هلمي تناوليه..
فاطاعت لورا ، وتناولت المسدس
فقال ستارك :
- انك لم تتناوليه هكذا ببطء ، بل اختطفته لسرعة واطلقت الرصاص ، والان اريني كيف فعلتي
ذلك ..
فتراجعت لورا بضع خطوات الى الوراء ، وهي ممسكة بالمسدس بطريقة تدل على انها لم تمس
مسدسا قبل تلك اللحظة
وصاح ستارك يستحثها :
- هلمي .. اريني كيف فعلت
فحاولت ان تصوب المسدس ..
وصاح بها ستارك :
- اطلقي المسدس ، انه غير محشو ..
ولكنها وقفت مترددة ، ولم تطلق المسدس ..
فتناول ستارك المسدس من يدها ..
وقال وفي عينيه نظرة انتصار :
- هذا ما ظننته ، انك لم تطلقي مسدسا طول حياتك ، بل ولا تعرفين كيف يطلق المسدس .
ونظر الى المسدس واستطرد :
- وايضا لا تعرفين كيف يرفع الزناد .
ووضع المسدس على المائدة ..
وجلس على الاريكة وقال في هدوء ..
- انك لم تطلقي الرصاص على زوجك ..
- بل اطلقته

يتبع

MA7MOUD
05-23-2010, 12:42 AM
فرد ستارك :
- كلا .. كلا ، انت لم تطلقيه
فارتسمت على وجهها دلائل الخوف قائلة :
- لماذا اعترفت اذن بقتله اذا لم اكن قد قتلته؟
فتحول اليها بغته وقال :
- لان جوليان فارار هو الذي قتله .
-كلا ..
- نعم ..
-كلا ..
- اؤكد انه القاتل .
- اذا كان جوليان هو القاتل حقا ، فلماذا اعترف انا بالجريمة ؟ فأجاب ستارك وهو يصعدها
بعينيه في قدوء :
- لانك ظننت ، وبحق ، انني ساتستر عليك واحميك .. نعم .. انك خدعتني بمهارة ، ولكن كل
شيء قد انتهى الان .. هل سمعتي؟ كل شيء قد انتهى . ولن استمر بعد الان في هذه الاكاذيب
لانقاذ الميجور جوليان فارار من حبل المشنقة.
فنظرت اليه لورا وابتسمت ..
ثم سارت في هدوء الى حيث كانت المنفضة على المائدة ، فتناولت سيجارتها وتحولت اليه
وردت ببطء :
- بل شتشتمر .. يجب ان تستمر ، فليس في ا ستطاعتك ان تتراجع الان ، انك ادليت باقوالك الى
مفتش البوليس ولا يمكنك الان ان تعدل عنها او تغيرها .
فبهت ستارك وهتف :
- ماذا قلت؟
فجلست على مسند الاريكة ..
وقالت في هدوء :
- مهما تكن معلوماتك عن الجريمة ، او ظنونك واوهاوك بشانها ، فأنت ملتزم بالقصة التي
رويتها للمفتش ، لانك اصبحت شريكا في الجريمة، انت نفسك قلت ذلك .
وأرسلت من فمها سحابة من الدخان..
فاتبعث ستارك واقفا ، ونظر اليها وقد الجمته جرأتها ،، ثم تمتم وهو ينظر اليها شذرا
- أيتها ال...
كانت الشمس قد اوشكت على المغيب حين خرج جوليان الى الشرفة ونظر الى الحديقة بعينين
شاردتين!
كانت تبدو على وجهه دلائل الانزعاج والقلق الشديد..
ولم يلبث ان نظر الى ساعته وعاد ادراجه الى قاعة الاستقبال ،، وانه يذرع ارض القاعة جيئة
وذهابا، اذ وقع على صحيفة فوق المكتب .
كانت احدى الصحف المحلية ، وقد نشرت في صدرها بحروف كبيرة نبأ مصرع ريتشارد
واريك.
فتناولها وجلس على مقعد وراح يقرأ ما ورد فيها عن الحادث ..
وقبل ان يفرغ القراءة فتح باب الغرفة ..
فانبعث واقفا وهتف في لهفة ..
- لورا
وارتسمت خيبة الامل على وجهه حين وقع بصره على انجل ..
تهالك على المقعد مرة اخرى .. ليستأنف القراءة ..
قال الخادم ستحضر مسز لورا بعد لحظة يا سيدي ..
فلم يجب جوليان ..
واستغرق في القراءة ..
فقال الخادم بعد قليل :
- معذرة يا سيدي ، هل استطيع ان اتحدث اليك لحظة؟
فاستدار اليه جوليان ..
ثم سأله :
- نعم يا انجل .. ماذا تريد؟
فاقترب انجل بضع خطوات وقال :
- اني قلق على مركزي هنا يا سيدي ، وقد خطر لي ان استشيرك .
فقال جوليان بغير اهتمام ، لانه كان في شغل بمتاعبه الخاصة :
- ماذا يقلقك يا انجل؟
فقال انجل :
- يقلقني اني اصبحت بلا عمل بعد موت مستر واريك.
- هذا امر طبيعي ، ولكني اعتقد انك ستجد عملا اخر بسهولة ، اليس كذلك؟
فرد انجل :
- ارجو ذلك يا سيدي.
- انك فيما اعلم شخص مؤهل ومدرب
- نعم يا سيدي ، وتوجد اعمال كثيرة في المستشفيات وبيوت العظماء لمن كان مثلي ..
- ماذا يزعجك اذن؟

فقال انجل :
- ان الظروف التي انتهى بها عملي هنا لا تدعو على الارتياح.
فسأله جوليان:
- معنى ذلك انك تشعر بالاستياء ، لان عملك هنا قد انتهى بسبب جريمة قتل؟
فتمتم انجل قائلا :
- ذلك ما اعنيه يا سيدي
- هذا امر لا يستطيع احد ان يصنع شيئا حياله ، ولكن مما لا شك فيه ان مسز لورا سوف تعطيك
شهادة مريضة..
قال ذلك واخرج علبة سجائره، وتناول منها سيجارة .. ثم اعاد العلبة الى جيبه..
فقال انجل :
- لن تكون هناك صعوبة من هذه الناحية يا سيدي ، فمسز لورا سيدة لطيفة ، وظريفة ..
وكان في لهجة الخادم شيء اثار ريبة جوليان وقلقه ، فاستدار اليه وقال بحزم:
- ماذا تعني؟
- اني لا اريد ان اكون مصدر ازعاج من اي نوع لمسز لورا.
- تعني انك تنوي البقاء بعض الوقت للعمل في البيت ارضاء لها؟
فقال انجل :

يتبع وشكرا للمتابعة

MA7MOUD
05-24-2010, 12:38 AM
فقال انجل :
- اني اتعاون فعلا في اعمال البيت ، ولكن ليس ذلك ما اعنيه ، ان ضميري يعذبني يا سيدي.
فصاح جوليان بحدة:
- ضميرك؟ ماذا تعني بحق الشيطان ؟
فقال انجل :
- لا اظن انك تدرك حقيقة موقفي يا سدي ، اقصد موقفي من البوليس ، ان واجبي كمواطن
يفرض علي ان اعاون البويس بكل طريقة ممكنة ،ولكني في الوقت نفسه اريد ان اظل مخلصا
للاسرة التي اخدمها.
فقال جوليان وهو يشعل سيجارته :
- انك تتكلم كما لو كان هناك تضارب بين واجبك كمواطن ، وولائك للاسرة.
فقال انجل :
- اذا فكرت في الامر مليا يا سيدي ،، انك ستفطن الى هذا التضارب .
- الى ماذا تهدف بالضبط يا انجل؟
فقال انجل بتؤده:
- ان رجال البوليس يا سيدي ليسوا في مركز يتيح لهم رؤية الخلفيات .. والخلفيات قد تكون لها
اهمية قصوى في قضية كهذه.. يضاف الى ذلك انني كنت اعاني من ارق شديد في الفترة الاخيرة
.
فقال جوليان في دهشة :
- وما الصلة بين ارقك وهذه القضية؟
فرد انجل :
- من سوء الحظ يا سيدي اني اويت الى فراشي مبكرا ليلة البارحة ولكني لم استطع النوم ..
فسأله جوليان :
- هذا امر يؤسف له.. ولكن
- ونظرا لموقع غرفتي ، فقد استطعت ان اعرف اشياء ربما غابت عن فطنة رجال البوليس .
- ماذا تريد ان تقول؟
- المفهوم يا سيدي ان مستر واريك كان مريضا وكسحيا ،، فمن الطبيعي والحالة هذه ان تكون
=================================================
لزوجته الشابة الفاتنة علاقات اخرى ..
فقال جوليان بخشونة:
- اهذا ما تعنيه؟ ان لهجتك لا تعجبني يا انجل ..
- ارجو الا تتسرع في الحكم علي ياسيدي .. واذا فكرت في الامر مليا ، فستجد ني في مركز بالغ
الدقة والصعوبة ، فانا اعرف اشياء لم ابح بها بعد لرجال البوليس ، بينما الواجب يحتم علي ان
ابوح بها ..
فاعتدل جوليان في جلسته وقال :
- اعتقد ان ما ذكرته عن معلوماتك وواجبك والبوليس هو مجرد هذيان والحقيقة انك تريد ان
توحي الي بانك في مركز يتيح لك ان تثير الغبال ما لم ..
وصمت قليلا .. ثم قال :
- ما لم ، ماذا؟
- اني كما سبق ان ذكرت ، ممرض مؤهل ، ومن السهل ان اجد عملا في مستشفى او في بيت
احد العظماء .. ولكني اتوق احيانا لان يكون لي عمل خاص بي ، كمحصة صغيرة تتسع لخمسة
او ستة من المرضى .. او المدمنيين الذين يثيرون المتاعب لذويهم..
وقد استطعت ان ادخر بعض المال ، ولكنه لسوء الحظ لا يكفي ، لذلك خطر لي ..
- خطر لك اني او مسز لورا او كلينا معا قد نتقدم لمساعدتك ماليا لتنفيذ مشروعك ؟
فقال انجل :
- ذلك مجرد خاطر خطر لي يا سيدي .. فاذا تحقق كان ذلك كرما عظيما..
فقال جوليان ساخرا :
- نعم .. سيكون كرما عظيما حقا..
فتمتم انجل قائلا :
- انك المحت في شيء من الخشونة يا سيدي ، الي اني اهدد باثارة الغبار او بمعنى اخر اهذذ
باثارة فضيحة وذلك غير صحيح لاني لا افكر في امر كهذا اطلاقا
فنهض جوليان واقفا وقال :
- انك تهدف الى شيء معين يا انجل ؟ ماهو ؟
فرد انجل بهدوء:
- قلت لك يا سيدي ، انني لم استطع النوم ليلة البارحة وقد ظللت مفتوح العينيين ، وصوت نفير
الانذار بالضباب يدوي في اذني ..
ثم خيل الي اني سمعت صوت نافذة تفتح وتغلق بفعل الريح وتكرر هذا الوت مرارا، وهو صوت
مزعج لشخص مؤرق يحاول ان ينام ، فنهضت من فراشي ونظرت من النافذة ولقيت ان ذلك
الصوت المزعج ينبعث من نافذة حظيرة الدجاج ، التي تقع تحت غرفتي مباشرة .
فسأله جوليان :

يتبع

MA7MOUD
05-24-2010, 12:39 AM
فسأله جوليان :
- وبعد ذلك ؟
فقال انجل ببرود :
- بعد ذلك قررت ان اذهب الى الحظيرة واغلق النافذة لاتخلص من ذلك الدوي المزعج .
وبينما كنت اهبط السلم سمعت صوت طلق ناري فقلت لنفسي هوذا مستر واريك قد عاد الى صيد
القطط ، ولكني لا اظنه يستطيع ان يتبين هدفه في هذا الضباب .
وتسللت الى الحظيرة واغلقت النافذة من الداخل وقبل ان اهم بمغادرتها سمعت وقع اقدام في هذه
الشرفة ..
ثم تحركت الاقدام من الشرفة الى الطريق الذي يمتد منها في محاذاة الجدار ، حتى يدور حول
الركن الايمن للبيت ..
وهو طريق شبه مهجور لا يستعمله احد سواك يا سيدي كلما اتيت الى هذا البيت او غادرته لانه
في الواقع اقصر طريق بين بيتك وهذا البيت ..
فقال جوليان ببرود :
- امض في حديثك .
فقال انجل بتؤدة :
- الحق يا سيدي اني شعرت بالخوف والقلق عندما سمعت وقع الاقدام اذ خشيت ان يكون لص قد
تسلل الى البيت ولكن شد ما كان سروري وارتياحي عندما رايتك تمر امام نافذة الحظيرة ، وانت
تسرع الخطى وتهرول عائدا الى البيت .
فصمت جوليان لحظة .. ثم هز رأسه وقال :
- لم افهم بعد غرضك من رواية هذه القصة هل هناك مسألة معينه تحاول ان تبرزها ؟
فسعل انجل كمن يشعر بالحرج .. ثم قال :
- اني اتسائل يا سيدي هل ذكرت للبوليس انك اتيت ليلة امس لمقابلة مستر واريك؟ وعلى فرض
انك لم تذكره ، وان رجال البوليس ، اقبلوا ليلقوا علي مزيدا من الاسئلة عن احداث الليلة الماضية
..
فقاطعه جوليان قائلا :
- هل تعرف ان الابتزاز جريمة؟ وان جريمة الابتزاز عقوبتها في منهى الصرامة ؟
ففر اللون من انجل . ولكنه تمالك نفسه بسرعة فقال :
- الابتزاز ؟ ماذا تعني يا سيدي؟ ان المسألة –كما سبق ان قلت – هي مسألة التمزق الذي اشعر
به امام واجبين متعارضين .. والبوليس ؟
فقاطعه جوليان مرة اخرى وقال وهو يطفئ سيجارته :
- ان قاتل مستر واريك قد فضح نفسه ، ورجال البوليس يعرفونه الان جيدا ولا اعتقد انهم
سيعودون لاستجوابك مرة اخرى .
فقال انجل في ذعر :
- اؤكد لك يا سيدي اني لم اقصد الا ...
فقاطعه للمرة الثالثة قائلا :
- انت تعلم تماما انه لم يكن في مقدورك ان تتعرف على اي شخص وسط الضباب الكثيف ليلة
البارحة . ولكنك اخترعت هذه القصة لكي ..
وقبل ان يتم عبارته .. فتح الباب ، ودخلت لورا ..
وبدت عليها الدهشة حين رأت انجل ، ولكنها تحولت الى جوليان وقالت :
- يؤسفني انني تركتك تنتظر يا جوليان .
فقال انجل استعدادا للانصراف :
- ربما تحدثت اليك في هذا الموضوع البسيط مرة اخرى ، فيما بعد يا سيدي .
فقال ذلك وحنى قامته للورا وانصرف ..
وأغلق الباب وراءه ...
وانتظرت لورا لحظة .. ثم اسرعت الى جوليان وهي تهتف:
- جوليان !!
فقال في شء من الاستياء :
- لماذا ارسلت في طلبي يا لورا؟
فاجابته في دهشة :
- لقد انتظرتك طول النهار..
- كانت مشاغلي منذ الصباح ، اجتماعات ، ولجان ، ومقابلات ، وسوف يستمر ذلك حتى تنتهي
الانتخابات ، وعلى كل حال ، أفلا ترين من الأفضل يا لورا ان نكف عن هذه اللقاءات؟
- ولكن هناك أمورا يجب ان نناقشها ..

يتبع

MA7MOUD
05-26-2010, 12:19 AM
فقال وهو ينظر الى الباب :
- هل نعلمين ان انجل يحاول ان يمارس معي عملية ابتزاز؟
فاجابت مستغربة :
- انجل؟
- نعم ، ومن الواضح انه يعرف الكثير عن علاقتنا ، كما يعرف اني كنت هنا ليلة البارحة.
- هل تعني انه رآك؟
فأجاب وهو ينظر عبر باب الحديقة :
- يقول انه رآني
- لم يكن في استطاعته ان يراك في الضباب
- لقد روى لي قصة عن نافذة في حظيرة الدجاج كانت مفتوحة فذهب لاغلاقها ورآني امر امام
الحظيرة في الطريق الى بيتي ..
كذلك قال انه سمع قبل ذلك صوت طلق ناري غير انه لم يعر الامر اهتماما..
- يا إلهي ! وما العمل؟
- لا اعلم ، يجب ان نفكر في الامر
- ستعطيه نقودا؟
فتمتم قائلا :
- كلا .. كلا .. اذا فعلت ذلك كانت بداية النهاية ، ومع ذلك ... ماذا بوسعنا ان نفعل ؟
ومسح جبينه بيده وقال :
- ليس هناك من يعلم اني اتيت الى هنا ليلة البارحة ، ان خادمتي نفسها لا تعلم .. والمسألة الان
هي ، هل رآني انجل حقا ، ام انه يزعم ذلك؟
- هب انه ذهب الى البوليس ، فماذا يكون ؟
فأجاب وهو يمسح جبينه بيده مرة اخرى ..
- لا اعلم ، يجب ان افكر ، فليس امامي الى ان اقول انه كاذب ، او ازعم اني لم اغادر منزلي
ليلة البارحة ..
- والبصمات ؟
فسألها مستفهما :
- أية بصمات ؟
- هل نسيت؟ البصمات التي وجدت على المائدة وزجاج النافذة ، ان مفتش البوليس يعتقد انها
بصمات ما كجريجور ، ولكن اذا ذهب اليه انجل وروى له تلك القصة فان المفتش لا بد ان يطلب
بصماتك ، وعندئذ..
فبدت على وجه جوليان دلائل الهم والانزعاج..
ثم قال :
- نعم .. نعم.. حسنا اذن ، سأعترف لمفتش البوليس اني اتيت الى هنا ليلة البارحة ، وانتحل عذرا
لذلك كأن ازعم اني اتيت لمقابلة ريتشارد لامر ما ، واننا تحدثنا معا
فقالت بسرعة :
- تستطيع ان تقول انه كان في خير حال عندما تر كته .
فنظر اليها بمرارة .. وقال بحدة:
- ما ابرعك في تبسيط الامور ! أتعتقدين اني استطيع ان اقول ذلك؟
- يجب ان يقول الانسان شيئا ..
فاقترب من المائدة وقال :
- نعم .. اني وضعت يدي على هذه المائدة عندما انحنيت لانظر الى ..
وتذ كر المنظر الذي رآه !
وارتسمت في عينيه نظرة ذعر ..
فقالت لورا :
- طالما انهم يعتقدون انها بصمات ما كجريجور ..
فصاح في غضب :
- ما كريجور! ما كجريجور! ماذا جعلك تفكرين في تلك الورقة وتضعينها في جيب ريتشارد ،
بحق السماء؟ ألم يكن عملك هذا مجازفة خطيرة؟
فردت في ارتباك :
- نعم .. لا .. لا أعلم !
فقال لها وهو ينظر اليها بنفور:
- ما أشد جرأتك في الاجرام ..
- كان يجب ان نبحث عن وسيلة ،و كنت عاجزة عن التفكير ، ان هذه هي فكرة مايكل ..
- مايكل؟
- مايكل ستارك ..
فسألها مندهشا :
- تعنين انه الذي عاونك؟
فصاحت في ضجر :
نعم، نعم، نعم .. لذلك اردت مقابلتك لاوضح ذلك ..
فقال والغيرة تأ كل قلبه :
- ما علاقة مايكل ستارك بهذا؟
- انه جاء ورائي والمسدس في يدي .. و ..
فصاح في اشمئزاز :
- وبطريقة ما .. استطعت ان تقنعيه بأن ..
- =========================================
- وهو الذي اقنعني .. اصغ الي يا عزيزي ..
وحاولت ان كتفيه بيديها ، ولكنه دفعهما عنه في رفق وجلس امام المكتب ..
وقال دون ان ينظر اليها :
- قلت لك اني سأبذل قصارى جهدي .. ولكن لا تظني أن..
فقاطعته قائلة في هدوء :
- انك تغيرت يا جوليان !
فرد عليها بهدوء :
- اني لا استطيع ان اشعر بنفس الاحاسيس بعد هذا الذي حدث ، لا أستطيع .
- اما انا فاستطيع ، فلن تتغير مشاعري نحوك مهما فعلت ..
فرد عليها جوليان :
- دعينا من العواطف الان ، ولننظر الى الحقائق .
- على رسلك .. هل تعلم اني قلت لستارك اني التي ارتكبت الجريمة؟
فنظر اليها كمن لا يصدق اذنيه وصاح :
- أنت قلت له ذلك؟
- نعم ..
- ووافق على مساعدتك ، رغم انه لا يعرفك ولا تعرفينه؟ لا بد انه مجنون .
فعضت على شفتها قائلة :
- ربما كان مجنونا .. ولكنه انسان ، وقد ادخل الطمأنينة على نفسي ..
فقال جوليان في غضب :
- هل معنى ذلك ، انه لا يوجد رجل يستطيع مقاومة فتنتك واغرائك؟
ثم تنهد وقال :
- مهما يكن فان القتل جريمة بشعة .
- سأحاول الا افكر فيها ، المهم انها لم تكن متعمدة ..
فقال بحدة :
- لا ضرورة للخوض في الموضوع ، خير من ذلك ان نفكر فيما ينبغي علينا عمله..
- نعم ، يجب ان نفكر في موضوع البصمات والولاعة .. لا بد ان الولاعة سقطت مني عندنا
انحنيت لانظر الجثة .
فاجابت لورا بهدوء :
- ان ستارك يعلم انها ولاعتك ، ولكنه لا يستطيع ان يفعل شيئا ، انه تورط ولا يمكنه تغيير اقواله
.

يتبع

MA7MOUD
05-26-2010, 12:20 AM
فقال جوليان في نوبة من الشهامة :
- على كل حال يا عزيزتي ، انا على استعداد لتحمل المسئولية كلها عند الضرورة ..
- كلا .. لا اريدك ان تفعل ذلك ..
- اني ادرك كيف وقع الحادث ، وا كاد اراك بعين الخيال وانت تتناولين المسدس وتطلقينه دون ان
تعي ما تفعلين ..
فدهشت لورا وقالت :
- هل تريد ان تحملني على القول باني انا التي قتلت؟ ألم تقل انك تعرف كيف وقع الحادث؟
فأجاب جوليان :
- اصغي الي يا عزيزتي ، انا واثق انك لم تتعمدي قتله ، وانك حين اطلقت عليه الرصاص ..
- أنا اطلقت عليه الرصاص؟ أتحاول اقناع نفسك بأني التي أطلقت عليه الرصاص؟
فصاح جوليان في غضب وهو يوليها ظهره :
- بحق السماء يا عزيزتي .. دعينا على الأقل نكن أمناء مع أنفسنا ..
فقالت في ثبات واصرار ..
- أنت تعلم اني لم اقتله ..
- من قتله اذن؟
ثم فطن فجأة إلى ما تنطوي عليه عبارتها الأخيرة من معان ، وتبلجت له الحقيقة ..
صاح :
- لورا .. هل تريدين ان تقولي اني قتلته؟
فردت بهدوء :
- كل ما اعلمه اني سمعت صوت الطلق الناري ثم سمعت وقع اقدامك في الشرفة ، وعلى
الطريق الموصل الى بيتك فهرعت الى هنا ووجدته جثة هامدة .
فرد جوليان :
- وأنا لم اطلق عليه الرصاص ، اني جئت لكي اقول له اننا يجب ان نتفق على اجراءات الطلاق
عقب انتهاء الانتخابات ، وسمعت صوت الطلق الناري قبل وصولي ، فظننت انه عاد الى العبث
بمسدسه وعندما دخلت ، وجدته ميتا ، وجثته لا تزال دافئة .
فبدت الحيرة على وجه لورا
ومضى جوليان في حديثه قال :
- وا كبر الظن انه لم يكن قد مضى على موته ا كثر من دقيقة او دقيقتين ، فاعتقدت بطبيعة الحال
انك انت التي اطلقت عليه الرصاص اذ من سواك كان يستطيع ان يفعل ذلك؟
- لا اعلم .. انه لامر محير ..
- من يدري ، فلعله انتحر !
- كلا .. لان ..
وامسكت عن الكلام فقد سمعت وقع اقدام تقترب ثم فتح الباب على الفور .
ودخل جان سرعا وهو يصيح :
- لورا .. لورا .. الان بعد ان مات ريتشارد .. الا تؤوول اسلحته الي بصفتي اخوه ، والرجل
الوحيد في اسرته ؟
ان مس بنيت تنكر علي ذلك ، ولا تسمح لي بالاستيلاء عليها ، فقد وضعت الاسلحة في الدولاب
.. واغلقته ... قولي لها ان تعطيني المفتاح .
- اصغ الي ايها العزيز ..
ولكنه ابى ان يقاطعه احد .. ومضى يقول :
- انها تعاملني كما لو كنت طفلا .. غير اني اصبحت رجلا .. ومن حقي ان استولي على اسلحة
ريتشارد ، وان اطلق النار على الطيور والقطط ، كما كان يفعل .. بل واطلق النار كذلك على
الناس الذين لا احبهم ..
- هدئ من روعك يا جان ، ولا تنقعل
فقال بعصبية :
- اني غير منفعل ، ولكني لا اريد ان يضايقني احد ، انا الان رب البيت ويجب على الجميع ان
يطيعوني !
- اصغ الي يا عزيزي جان .. اننا جميعا نمر بوقت عصيب ، وحاجيات ريتشارد لن تؤوول الى
احد قبل ان يحضر المحامون ويفضوا الوصية .. ذلك هو الاجراء الذي يتبع عادة عندما يموت
احد الناس ، هل فهمت ؟
قالت ذلك بصوت يفيض لطفا وحنانا ، فهدأت ثائرته واحاط خصرها بساعده ، وقال :


يتبع

MA7MOUD
05-26-2010, 12:21 AM
- اني افهم كل ما تقولينه لي .. لاني احبك
- وانا ايضا احبك يا جان !
- انك سعيدة ، لان ريتشارد مات ، اليس كذلك؟
فبهتت واجابت :
- كلا يا جان ، اني غير سعيدة .
فقال بخبث :
- بل انت سعيدة ، لانك تستطيعين الان ان تقترني بجوليان ، انك كنت تريدين الاقتران به منذ
وقت طويل ، اليس كذلك؟ ان الجميع يعتقدون اني لا الاحظ شيئا ولكني الاحظ كل شيء.
وهنا ارتفع صوت مس بنيت في الخارج ..
وهي تصيح :
- جان .. أين أنت؟ فقال الشاب :
- ها هي مس بنيت الحمقاء..
فقالت لورا :
- كن لطيفا معها يا جان .. ان اعباءها ثقيلة ، ومسئولياتها كثيرة ، فحاول ان تساعدها ، ألست
أنت رب الاسرة الان؟
ففرح الشاب وقال :
- حسنا .. سأ كوون لطيفا معها ..
وانطلق الى خارج الغرفة
فقالت لورا :
- لم اكن اعلم انه يعرف كل شيء عنا ..
فقال جوليان:
- هذه هي المشكلة مع من كانوا مثله ، انهم لغز لا يعرف الانسان كنهه ، هل هو سهل القياد؟
- ليس في جميع الظروف ، انه سريع الانفعال ، غير اني اتوقع بعد موت ريتشارد الذي كان
يهدده ويضايقه ان يهدأ ويتحسن حاله ويتماثل للشفاء ، وربما يصبح طبيعيا مثل غيره من الشباب
..
لم تسمع لورا وقع اقدام في الشرفة..
ولذا بهتت حين رأت ستارك يطل من باب الحديقة ، وتراجعت خطوة مبتعدة عن جوليان..
قال ستارك بصوته الهادئ المألوف :
- طاب مساؤ كما
وبوغت جوليان الذي لم يكن قد شعر به ،، فاستدار ورآه وأجاب :
- آه. طاب مساؤك يا مستر ستارك..
- كيف تسير الامور ؟ هل كل شيء جميل ومبهج؟
ثم ابتسم ابتسامة ذات مغزى وتابع كلامه :
- أظن اني اتيت في وقت غير مناسب وما كان ينبغي ان ادخل من هذا الباب ، الشخص المهذب
يذهب عادة إلى الباب الرئيسي ويدق الجرس ، ولكني لست شخصا مهذبا ..
فخفت اليه لورا وهي تقول :
- كل ابوابنا مفتوحة لك يا مستر ستارك
فقال وهو يخطو الى الداخل:
- الواقع اني اتيت لسببين..الاول لكي اودعكم فقد وردت برقية من السلطات العليا في ( عبدان )
تزيل كل شك في امري ، وتقول اني رجل مستقيم وعلى خلق عظيم وعلى ذلك فليش ثمة ما
يمنعني من الرحيل ..
فقالت لورا بشعور صادق :
- يؤسفني ان ترحل بهذه السرعة يا مستر واريك
فقال بشيء من المرارة:
- انه لكرم منك ان يكون هذا شعورك بعد ان اقحمت نفسي اقحاما في جريمتكم العائلية..
ونظر اليها طويلا.. ثم استطرد :
- ولكني جئت من باب الحديقة لسبب اخر ذلك اني حضرت مع رجال الشرطة في سيارتهم ،
ولاحظت من حرصهم على الصمت والكتمان ان في الامر شيئا..
فقالت في هلع:
- هل جاؤا مرة اخرى؟
فقال ستارك :
- نعم ..
- ولكني ظننتهم قد انهوا مهمتهم صباح اليوم..
- هذا ما جعلني اعتقد ان وراء الا كمة ما وراءها..
فتحولت لورا الى جوليان .. والتقت عيونهما ..
وفتح الباب في هذه اللحظة ودخلت مسز واريك .. كانت منتصبة القامة ، مرتفعة الرأس ..
متمالكة نفسها تماما ، قائلة :
- أهذه انتي يا عزيزت؟ كنا نبحث عنك
فخف اليها جوليان ليرافقها الى احد المقاعد ، فقالت :
- ما ا كرمك يا جوليان .. اتيت مرة اخرى رغم مسؤوليات ومشاغلك الكثيرة..
فاجاب وهو يساعدها على الجلوس:
- كنت اريد القدوم قبل الان.. غير انه كان يوما عصيبا بالنسبة لي ..
ولم يكد يكمل عبارته حتى دخلت مس بنيت وتبعها المفتش حاملا حقيبة اوراقه..
ونظر ستارك الى المفتش كما لو كان يريد ان يقرا خواطره وافكاره ، ثم تنهد واشعل سيجارته
وجلس امام المكتب ..
ولم تمض لحظة اخرى .. حتى دخل رقيب الشرطة ومعه انجل ..
واغلق انجل الباب ..

بينما قال الرقيب محدثا المفتش :
- لم استطع العثور عل ىلاشاب جان واريك
فردت مس بنيت :

يتبع

شكرا لحسن المتابعة

MA7MOUD
05-28-2010, 02:11 AM
فردت مس بنيت :
- لا بد انه خرج للنزهة
فقال المفتش :
- لا باس فلسنا في حاجة اليه الان
* ================================================* *
وساد القاعة بعد ذلك صمت عميق ، وراح المفتش ينقل بصره بينهم واحدا بعد الاخر ..
كانت على وجهه مسحة من الجد والصرامة ، لم يكن لها وجود في الليلة السابقة او في صباح
ذلك اليوم ..
وكان التغيير الذي طرأ عليه واضحا للجميع .. وأخيرا
التفتت اليه مسز واريك وقالت ببرود :
- هل افهم من دعوتك لنا ايها المفتش ان لديك اسئلة اخرى تريد ان تلقيها علينا ؟
- نعم يا مسز واريك
- الم تصلكم بعد انباء عن ذلك الرجل المدعو ماكجريجور؟
- جائتنا انباء عنه يا سيدتي..
فقالت باهتمام :
- هل وجدتموه؟
فقال المفتش :
- نعم ...
وكان رد فعل هذه الاجابة سريعا وواضحا ..
فتبادلت لورا وجوليان نظرة خاطفة ، وبدا عليهما كانهما لا يصدقان ما سمعا ..
اما ستارك فانه تحرك في مقعده بقلق .. غير انه لزم الصمت ..
واما مس بنيت فانها سألت باهتمام :
- هل قبضتم عليه؟
فنظر اليها المفتش طويلا قبل ان يجيب:
- هذا مستحيل يا مس بنيت..
- مستحيل؟ لماذا؟
فقال المفتش :
- لانه مات ...
فهتفت لورا :
- مذا ؟
وامتقع لونهما .. بينما تهالك جوليان على اقرب مقعد ..
قال المفتش :
- لقد مات ماكجريجور في ( الاسكا ) منذ اكثر من عامين
فغمغمت لورا بصوت المحتضر :
- مات !!
فقال المفتش ببطء وهو يضغط على كل كلمة :
- هذا يغير الوضع تماما ، لانه يدل على ان ماكجريجور ليس هو الذي وضع الرسالة بجيب
مستر واريك ، وان واضع الرسالة شخص يعرف كل صغيرة وكبيرة عن قصة ماكجريجور
وحادث نورفولك .
قال هذا ووضع حقيبة اوراقه على احد المقاعد .. واستطرد في حديثه قائلا :
- وهذا الشخص بالتحديد لا بد ان يكون احد افراد الاسرة ..

فصاحت مس بنيت :
- كلا .. هذا الشخص لا يمكن ان يكون ..
وصمتت!..
فقال المفتش يستحثها :
- نعم يا مس بنيت؟
ولكنها لزمت الصمت ..
فالتفت المفتش توماس الى مسز واريك فقال:
- ها انت ترين يا سيدتي ان الموقف تغير كليا ..
فاجابت وهي تنهض :
- نعم .. أرى هذا ، هل انت بحاجة الي ايها المفتش ؟
- في الوقت الحاضر لا ..
- شكرا لك ..
واسرع جوليان لمساعدتها على السير ..
بينما فتح لها انجل باب الغرفة ..
وفتح المفتش حقيبة اوراقه واخرج منها المسدس.. ثم حانت منه التفاته .
فرأى انجل يهم بالخروج في اثر سيدته .. فصاح به :
- تعال يا انجل ..
فبهت الخادم ودار على عقبيه وقال :
- نعم يا سيدي ..
فقال المفتش :
- أريد ان احدثك عن هذا المسدس .. انك لم تبد بشأنه رأيا قاطعا صباح اليوم ، فهل تستطيع ان
تؤكد بصفة قاطعة هل هو مسدس سيدك ام لا ؟
فقال انجل :
- لا استطيع ان اؤكد شيئا يا سيدي ، فقد كان لديه عدد كبير من المسدسات ..
فقال المفتش توماس :
- انه مسدس اوروبي الصنع ولعله تذكار من أيام الحرب ..
- كانت لديه اسلحة كثيرة مستوردة ، وكان يعني بها بنفسه ، ولا يسمح لي بأن امسها ..
فتحول توماس الى جوليان وسأله :
- ميجور فارار ، انك طبعا ضابطا بالجيش ولا بد ان لديك مجموعة من الاسلحة التذكارية ، فهل
يدلك هذا المسدس على شيئ؟
فنظر جوليان الى المسدس وهو رأسه سلبا ، وقال :


يتبع

MA7MOUD
05-28-2010, 02:13 AM
- كلا ..
فقال توماس وهو يضع المسدس في حقيبته :
- اريد ان اذهب مع الرقيب لالقاء نظرة على اسلحة مستر واريك ، أظن انه كانت لديه تراخيص
بها ؟
فقال انجل :
- نعم يا سيدي .. والتراخيص موجودة في درج مائدة بغرفة نومه ..
وعندما هم توماس بالخروج .. استوقفته مس بنيت قائلة :
- صبرا لحظة . لتك ستحتاج الى مفتاح الدولاب ..
واخرج المفتاح من جيبها ..
فرمقها توماس بنظرة ارتياب وقال :
- لماذا أغلقت الدولاب؟
فاجابت بلهجة الاستنكار ..

- ماكان اغناك عن هذا السؤال يا سيدي .. هل توقعت ان اترك الدولاب مفتوحا وبه كل تلك
الاسلحة والذخائر الخطرة؟
فابتسم الرقيب خلسة ..
وقال توماس يدحث الخادم :
- تعال معنا يا انجل ، فقد نحتاج اليك
فتبعه انجل بضع خطوات .. ثم قفل عائدا ، واقترب من جوليان ..
وقال له بصوت خافت :
- بشأن الموضوع البسيط الذي حدثتك عنه يا سيدي ، يهمني جدا ان اعرف جوابك ، وحبذا لو
امكن تسوية الموضوع ..
فقل جوليان على كره منه :
- أظن .. أظن اننا نستطيع التفاهم ..
- شكرا لك يا سيدي ،، شكرا جزيلا ..
واسرع انجل للحاق بالمفتش .. ولكن جوليان استوقفه بقوله :
- كلا .. انتظر ..
ثم صاح يدعو المفتش :
- مستر توماس .. ايها المفتش توماس ..
ولم يكن توماس قد ابتعد .. فقفل عائدا وسأل :
- هل دعوتني يا ميجور؟
- نعم ، قبل ان تنغمس في اعمالك الروتينية ، اريد ان اقول لك شيئا كان يجب ان اشير اليه
صباح اليوم ، ولكننا جميعا كنا في حالة يرثى لها من الاضطراب والانزعاج ..
لقد قالت مسز لورا في التو واللحظة انك وجدت على المائدة بعض بصمات يهمك انت تعرف
صاحبها ، هذه البصمات يحتمل جدا ان تكون بصماتي ايها المفتش ..
فصعده توماس بعينه ..
ثم اقترب منه ببطء..
وقال بلهجة فيها معنى الاتهام :
- هل كنت هنا ليلة امس يا ميجور فارار؟
- نعم ، اني اتيت كما تعودت احيانا ان افعل بعد العشاء لكي اتجاذب اطراف الحديث مع ريتشارد
فسأه توماس :
- ووجدته ؟
فقال جوليان :
- وجدته مهموما ضيق الصدر ، ولذا لم امكث طويلا ..
- كم كانت الساعة وقتذاك يا ميجور؟
- في الحق لا اذكر ، ربما كانت العاشرة او العاشرة والنصف ،، حوالي ذلك ..
فسأله توماس :
- ألا تستطيع تحديد الوقت بشيء من الدقة ؟
- انا اسف ، لا اظنني استطيع .
فقال توماس :
- هل قام بينكما خلاث ، او تبادلتما بعض الالفاظ الخشنة ؟
فاجاب بسرعة :
- اطلاقا ..
ثم نظر الى ساعته وقال :
- لقد تأخرت، اني على موعد لالقاء خطاب انتخابي في دار البلدية ، ارجو المعذرة ..
واسرع للانصراف من باب الحديقة .

فقال المفتش وهو يتبعه الى الباب :
- كلا .. لا ينبغي ان تتخلف عن موعدك وانما يجب ان احصل منك على اقرار عن تحركاتك ليلة
امس ، وليكن ذلك غذا صباحا اذا شئت وانما ارجو ان يكون مفهوما ان هذا الاقرار اختياري
وليس الزاميا وان بوسعك ان تصطحب معك محاميك اذا شئت ..
وكانت مسز واريك قد اقبلت منذ لحظة وسمعت المفتش يتطلم ، فوقت بالباب تنصت ..
ثم دخلت .. وتركت الباب مفتوحا ..
أما جوليان فانه فهم ما ينطوي عليه كلام المفتش من مغزى..
تنهد وقال :
- حسنا .. فهمت ، فليكن لقاؤنا غدا في الساعة العاشرة صباحا وسيكون محامي معي
وخرج الى الشرفة .. ومنها الى الحديقة ..
وتحول الممتفش الى لورا وسألها :
- هل رأيت الميجور فارار ليلة امس؟
فأسقط في يدها .. فلم تدر ماذا تقول :
أجابت متلعثمة :
- أنا .. أنا .. في الواقع اني ..
وفجأة وثب ستارك من مقعده ومشى بخطى واسعة وقف بين المفتش ولورا ، فقال :


يتبع

MA7MOUD
05-30-2010, 12:36 AM
-لا أظن ان مسز لورا على استعداد للاجابة على اية اسئلة في هذه اللحظة ..
فصاح توماس في غضب :
- حقا؟ وما شأنك انت في هذا يا مستر ستارك؟
فأجابت مسز واريك :
- ان مستر ستارك على حق ..
فنظر ستارك الى المفتش توماس وابتسم .. وعض هذا على شفته وغادر الغرفة ..
وتبعه الرقيب وانجل ...
وعندئذ نظرت لورا الى مسز واريك وقالت :
- كان يجب ان اتكلم ماذا سيظن الان؟
فردت العجوز :
- ان مستر ستارك على حق يا لورا .. كلما قل كلامك الان ، كان هذا افضل ..
ثم اطرقت برأسها وتمتمت :
- يجب ان نتصل بمستر ادمز فورا،.
ونظرت الى ستارك واستطردت تقول :
- ان مستر ادمز هو محامي الاسرة ، اتصلي به الان يا مس بنيت.
فاسرعت مس بنيت الى التلفون .. ولكن العجوز استوقفتها وقالت :
- كلا .. اتصلي به من الوصلة التي بالطابق الاول .. اذهبي معها يا لورا ..
فنهضت لورا .. ولكنها وقفت مترددة .. فقالت العجوز :
- اريد ان اتحدث مع مستر ستارك على انفراد ..
- ولكن ..
- اطمئني يا عزيزتي ، سيكون كل شي على ما يرام
وما ان خرجت لورا ، وتبعتها مس بنيت ، واغلقت هذه الاخيرة الباب حتى استدارت العجوز
نحو ستارك ، وراحت تتحدث اليه بسرعة وانما بوضوح تام..
قالت :
- لا ادري هل سيتسع الوقت لحديثنا ام لا .. اني اريدك ان تساعدني يا مستر ستارك ..
- كيف؟

فتريثت العجوز قليلا ..
ثم قالت :
- انك شخص ذكي وغريب عنا جئتنا من حيث لا ندري .. ودخلت حياتنا .. اننا لا نعرف شيئا
عنك ، وانت لا شأن لك بأحد منا ، فانت غريب عنا بكل ما في هذه الكلمة من معنى ..
فقال وعلى شفتيه ابتسامة حزينة :
- أنا الزائر غير المنتظر .. فقد قيل لي ذلك قبل الان ..
فردت العجوز :
- ولأنك غريب عنا ، سأرجوك ان تفعل شيئا من اجلي ..
وقالت عذا وسارت ببطء الى الشرفة ، ونظرت يمينا ويسارا .. ثم عادت ادراجها ..
فقال ستارك :
- انني في خدمتك يا مسز واريك ..
فأجابت العجوز :
- حتى هذا المساء كان هناك تفسير معقول لمأساة التي حدثت في هذا البيت ، رجل فقد طفله ،
فجاء وانتقم ممن كان سببا في مصرع الطفل .. حادث ميلودرامي ، ولكنه ليس نادر الوقوع ..
ونحن نقرأ احيانا عن حوادث مماثلة ..
- تماما..
- وانما هذا التفسير اصبح غير ذي موضوع وثبت بصفة مؤكدة ان قاتل ابني لا بد ان يكون احد
افراد الاسرة ..
وتنهدت..
واستطرت تقول :
- هناك شخصان انا على يقين انهما لم يطلقا الرصاص على ابني .. هذا الشخصان هما زوجته
ومس بنيت ،، فقد كانتا معا عندما دوى الطلق الناري ..
فرمقها ستارك بنظرة سريعة وقال :
- هذا صحيح
واكملت العجوز :
- ولكن رغم انه ليس من الممكن ان تكون لورا قد قتلت زوجها ، الا انه من الممكن انها تعرف
القاتل ..

يتبع

MA7MOUD
05-30-2010, 12:37 AM
- اي انها كانت شريكته؟ اي اتفقت مع جوليان على الجريمة؟ أهذا ما تعنينه؟
فردت العجوز :
- أنا لا اعني هذا ، ان جوليان لم يطلق الرصاص على ابني
- كيف تأكدت من ذلك ؟
- أنا متأكدة ، سأقول لك انت الغريب ما لا يعلمه احد من افراد اسرتي ، اني امرأة أيامها معدودة
..
- أنا آسف ..
فاسكتته باشارة من يدها وقالت :
- لم أقل هذا لاستدر عطفك وشفقتك ، وانما قلته توضيحا لموقف يتعذر توضيحه بغير ذلك ،
هناك ظروف تحتم على الانسان ان يتخذ قرارا ما كان بيتخذه لو ان امامه فسحة من العمر ..
- مثل؟
فأجابت العجوز :
- سأقول لك شيئا عن ابني يا مستر ستارك ، اني كنت احبه من كل قلبي .. كان في طفولته
ويفاعه يتميز بكثير من الصفات الرائعه ، كان ناجحا وذككيا وشجاعا ، ومرحا .. وانما هذه
الصفات الطيبة ، كان يقابلها بعض العيوب ، كالقسوة والبجاحة والتمر على القيود ، بيد ان
محاسنه كانت ارجح من سيئاته ..

الا انه بفطرته ، ونشأته وتكوينه لم يكن الانسان الذي يستطيع الصمود للنكبات ..
ولقد راقبته عن كثب في السنوات الاخيرة ولاخظت انه ينحدر يوما بعد يوم نحو القاع ..
وصمتت قليلا ..
ثم قالت :
- اذا قلت انه اصبح وحشا .. فقد تظن اني ابالغ .. والواقع انه كان في بعض النواحي وحشا بكل
مافي هذه الكلمة من معنى ، كان وحشا في قسوته ، وفي كبريائه ، وفي انانيته .. ولانه اوذى في
صحته وجسده .. فقد تملكته رغبة شيطانية في ايذاء الاخرين ، وهكذا بدأ الاخرون يعانون
ويتعذبون بسببه .. هل فهمتني ؟
فأجاب ستارك :
- اظن اني فهمت
- والان .. ارد ان تعلم اني لا اكن للورا سوى الحب والتقدير ، انها تمتاز بالذكاء والشجاعه ،
ودماثة الخلق ..
وقدرتها على الاحتمال لا حدود لها .. وانا لست على يقين من انها احبت ريتشارد حين تزوجته ،
او بعد ان تزوجته ، ولكني اؤكد لك انها فعلت اقصى ما تستطيع زوجة ان تفعله لتخفيف الام
زوجها ، ولكي تجعل من مرضه وعجزه شيئا محتملا ..
غير انه كان يضيق بها ويرفض معونتها وكان يخيل الي احيانا انه يكرهها وذلك رد فعل طبيعي
اكثر مما نتصور ..
ولهذا اعتقد انك ستفهم ما اعني حين اقول لك ان ما كان لابد منه قد حدث.. فقد وقعت لورا في
حب رجل اخر ، وبادلها الرجل حبا بحب ..
فسألها ستارك :
- ولكن لماذا تقولين لي كل ذلك ؟
فأجابت بحزم :
- لانك غريب عنا .. وحوادث الحب والكراهية في هذا البيت لا تعني شيئا بالنسبة لك .. وفي
مقدورك ان تسمعها دون ان تتأثر بها ..
فتنهد وتمتم بصوت خافت :
- ربما ..
ومضت العجوز في حدثها ، وقالت :
- وهكذا جاء وقت بدا فيه ان شيئا واحد فقط يمكن ان يحل جميع المشكلات وهو موت ريتشارد

يتبع

MA7MOUD
05-30-2010, 12:38 AM
فقال ستارك مستفهما :
- ولهذا مات ريتشارد ؟
فردت العجوز :
- نعم ..
وساد صمت قصير . .
ثم نهض ستارك فاطفأ سيجارته وقال في هدوء :
- معذرة عن صراحتي يا مسز واريك ، ولكن هل هذا اعتراف منك بارتكاب الجريمة ؟
فقالت بحدة :
- سألقي عليك سؤالا . هل تعتقد ان من يمنح الحياة له الجق في ان يقتلها؟
ففكر في ذلك واجاب :
- لقد سمعنا عن امهات قتلن اولادهن ، ولكن بدافع الانانية في ابشع صورها ، كالحصور على
مبلغ التأمين او التخفيف من اعباء الامومة ، هل موت ريتشارد يفيدك ماليا؟
فردت العجوز :
- كلا ..

- معذرة عن صراحتي ..
- هل فهمت ما اريد قوله ؟
- اظن اني فهمت ، تريدين ان تقولي ان الام يمكن ان تقتل ابنها ، وانه من الممكن ان تكوني قد
قتلت ابنك ، ولكن هل هذا مجرد نظرية ام حيقية ؟
- اني لا اعترف بشيء ، ولكني فقط اطرح امامك وجهة نظر ، وقد تطرأ ظروف حين لا اكون
على قيد الحياة لاحسمها ولذا اريدك ان تأخذ هذا ..
واخرجن من جيبها مظروفا قدمته اليه ، فقال :
- كل هذا حسن ،ولكني لن اكون هنا ، اني سأعود الى ( عبدان ) لمباشرة عملي ..
- ان عبدان ليست في عزلة عن العالم ولا بمنأى عن المدينة لا بد ان بها صحفا واذاعة..
- نعم ، نعم .. كل هذا موجود فيها ..
فتمتمت العجوز :
- احتفظ اذن بهذا المظروف ، هل قرأت العنوان ؟
فنظر الى المظروف وقرأ العنوان : ( إلى مدير الشرطة ) ..
ثم قال :
- الحق انك بارعة كل البراعه في كتمان اسرارك ، فانا لا اعرف بوضوح ماذا في ذهنك ، او
ماذا يدور بخلدك ، هناك امران لا ثالث لهما ، اما انك ارتكب الجريمة بنفسك ، واما انك تعرفين
من ارتكبها ، فهل انا على صواب؟
- لا اريد مناقشة هذا الموضوع ..
- ولكني اشعر بفضول شديد الى معرفة ما يدور بخلدك ..
- يؤسفني اني لا استطيع ان اشبع فضولك ، اني كما قلت امرأة تعرف كيف تكتم اسرارها جيدا ..
فحاول ستارك الوصول الى هدقه من زاوية اخرى قال :
- هذا الرجل الذي كان يقوم على خدمة ابنك ..
- تعني انجل؟
- نعم ،، هل تحبينه ؟
- كلا .. ولكنه كفء في عمله .. ولم يكن ريتشارد مريضا سهل القياد ..
- ألم يكن انجل يضيق به ؟
- ولماذا؟ فثد كان ريتشارد يكافئه بسخاء..
- هل كان ابنك يعرف عن ماضي انجل ما يشينه ؟
- تعني شيئا كان يمكن ان يهدده به ؟
- نعم
- لا اظن
- كنت اتسائل عما اذا كان انجل ؟
- اذا كان هو الذي قتل ابني؟ اني ارتاب في هذا ، اني اتراب في هذا كثيرا ..


يتبع

MA7MOUD
06-04-2010, 01:52 AM
فتنهد ستارك وقال :
- ارى انك لم تقعي في الفخ ، وهذا يبعث على الاسف ، ولكن ما باليد حيلة ..
فتهضت العجوز وهي تقول :
- شكرا على انك افسحت لي صدرك يا سيدي ..
وانبعثت واقفة .. ومدت يدها ..
واستغرب ستراك حين ركها تنهي الحديث فجأة ، غير انه تناول يدها وشد عليها بقوة ..
ومشت الى الباب ..
فتبعها ، واغلق الباب بعد انصرافها . ..
ثم هز رأسه وتمتم قائلا :
- يا لها من امرأة

ونظر الى المظروف وقرأ عنوانه مرة أخرى ... ( إلى مدير البوليس ) ..
وارسل بصره عبر باب الحديقة ، وتساءل
" ترى ماذا كتبت العجوز في رسالتها الى مدير البوليس واي شخص اتهمت بقتل ابنها ؟ "
وانه يفكر في هذا ويضرب اخماسا لاسداس ، اذا بباب الغرفة يفتح وتدخل مس بنيت ...
كانت دلائل القلق والانزعاج تبدو على محياها ..
ابتدرته بقولها :
- ماذا قالت لك ؟
فبهت ستارك وهتف :
- من تعنين؟
- مسز واريك ، ماذا اخبرتك ؟
- اراك منزعجة ، لماذا؟
- لاني اعرف ماذا يمكنها ان تفعل
- ماذا يمكنها؟ ان ترتكب جريمة قتل؟
- هل هذا ما اردت ان تقتعك به ؟ هذا ليس صحيحا ، يجب ان تدرك انه ليس صحيحا ..
- انه جائز
- اؤكد لك انه ليس صحيحا
- لماذا ؟
فقالت وهي تتهالك على احد المقاعد :
- لاني اعلم .. هل تظن ان هناك شيئا لا اعلمه عن هؤلاء الناس؟ اني اعمل معهم منذ سنوات
عديدة ، ويهمني امرهم جميعا ..
- بما فيهم ريتشارد واريك !
- اني كنت احبه في وقت ما ..
وصمتت ..
فقال وهو يتفرس فيها :
- امضي في حديثك ..
فردت مس بنيت :
- كلنه تغير ، تغيرت عقليته ، واختل تفكيره ، فكان في بعض الاحيان شيطانا مريدا ..
- الجميع متفقون في هذا ..
- ليتك عرفته كما كان قبلا ..
فقال ستارك :
- انا لا اصدق ذلك .. فالناس لا يتحولون الى النقيض على هذا النجو ..
فأجابت مس بنيت :
- انه تحول الى النقيض
فصاح ستارك وهو يذرع ارض الغرفة :
- كلا .. كلا .. انه لم يتحول ، انك لم تفهمي الامر على حقيقته ، الحقيقة انه كان في قرارة نفسه
دائما شيطانا ..
انه احد اولئك الناس الذين لا يظهر معدنهم الحقيقي الا حينما يتخلى الحظ عنهم . . فهو سعيد
ومعقول طالما هو ناجح وفي مقدوره ان يصل الى ما يريد ..
فاذا قلب له الدهر ظهر المجن ،، يسطر عليه الشر وطغت القسوة التي كانت ترسب في اعماقه ..
كانت القسوة دائما هناك .. واراهن انه كان فظا وهو طالب في المدرسة ..
احبته النساء ، لان النساء دائما يحببن الاجلاف ..
واحب هو الصيد والقنص لانه وجد فيها متنفسا لقسوته ولعه بتعذيب الاخرين ..

تلك هي انطباعاتي عنه ، على ضوء ما قاله الاخرون ..
ولعله استطاع ان يظهر امام الناس في صورة الرجل الكريم الناجح المهذب ..
ولكن الضعه والقسوة والنذاله كانت هناك دائما ..
وكل ما حدث عندما اصيب هو ان الواجهو الجميلة البراقة تحطمت وانهارت فظهر هو على
حقيقته ..
فقالت مس بنيت وهي تنهض:

يتبع

MA7MOUD
06-04-2010, 01:53 AM
- لا اعلم بأي حق تكلم هكذا .. انك غريب عن هذا البيت ولا تعرف شيئا عنه ..
فأجاب ستارك :
- بل أعرف عنه الكثير ، لاني سمعت الكثير ، كل واحد هنا كان يريد التحدث الي لسبب او لآخر
.
- هذا صحيح ، وهأنذا اتحدث اليك ، هل تعرف لماذا؟ لان احدا منا لا يجرؤ على التحدث الى
الاخرين .. ثم نظرت اليه متوسلة وقالت :
- كم اتمنى الا ترحل ..
فقال بتؤذة :
- الواقع اني لم افعل شيئا ذا اهمية .. كل ما فعلته هو اني دخلت هذا البيت بغير استئذان ..
واكتشفت وجود جثة رجل مقتول ..
- أنا ولورا اكتشفنا الجثة ..
وتمهلت قليلا ..
ثم قالت مستدركة :
- بل أطن ان لورا وحدها التي اكتشفتها
فنظر اليها وابتسم وقال :
- انت امرأة ذكية يا مس بنيت .
- انك تصديت لمساعدتها ، اليس كذلك ؟
- انت تتوهمين اشياء لم تحص ..
- كلا .. الواقع اني لا اريد للورا سوى السعادة .. اريدها ات تكون سعيدة جدا ..
فتحول اليها وقال بحدة :
- انا ايضا اريد لها السعادة ..
- في هذه الحالة ..
ولم تتم عبارتها ..
فقد سمعا وقع اقدام في الشرفة ..
وشاهدا جان يعبث بمسدس ، فافلتت من فم مس بنيت آهه ذعر ، ولكن ستارك رفع اصبعه الى
فمه محذرا ..
وهمس قائلا :
- صه ..
ثم اقترب من جان وسأله :
- ماذا تفعل يا جان ؟
ولم تطق مس بنيت صبرا ..
واسرعت الى الشاب وهي تصيح :
- اعطني هذا المسدس يا جان .
ومدت يدها لتتناول المسدس ، ولكن الشاب قهقه ضاحكا وانطلق يعدو في الحديقة وهو يصيح :
- تعالي خذيه ان استطعتي ..
فانطلقت في اثره وهي تصرخ :
- جان . جان ...

ووقف ستاارك يراقبهما من بعيد ..
وهم بالخروج الى الشرفة ولكنه سمع صوت باب الغرفة يفتح ، فاستدار فرأى لورا ..
نظرت لورا حولها وسألت :
- أين المفتش اذن؟
فأشار ستارك باصبعه نحو الطابق الاول ، فقالت :
- اريد التكلم اليك يا مايكل ، ان جوليان لم يقتل ريتشارد ..
فقال ببرود :
- احقا ؟ هل لك ذلك ؟
- الا تصدقني؟ هذه هي الحقيقة ..
- لعلك تريدين ان تقولي ان هذا ما تعتقدين انه الحقيقة ..
- انا اعلم انها الحقيقة ، انه كان يظن اني قتلت ريتشارد .
- لا غرابة في ذلك ، انا ايضا ظننت هذا
- انه صدم عندما ساوره الشك في اني ارتكتبت الجريمة ، وتغير شعوره نحوي تماما ..
فارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة وقال :
- هذا في حين انك عندما ظننت انه هو القاتل ، كنت على اتم استعداد لتحمل المسؤولية كلها ..
ثم هز رأسه واستطرد قائلا :
- الحق انك امرأة رائعة ، وكن ماذا حمله على الادلاء بهذا الاعتراف المدمر ، لماذا اعترف بانه
كان هنا ليلة امس .. لا شك ان السبب ليس حبه للحقيقة وحرصه على اعلانها ..
فأجابت لورا :
- السبب هو انجل ، فقد رأى ، او زعم انه رأى جوليان هنا ..
- الواقع اني اشتممت رائحة ابتزاز ، وكنت اشعر بنفور من هذا الرجل المدعو انجل ..
فتمتمت لورا :
- فقد قال انه رأى جوليان ينصرف مسرعا عقب انطلاق الرصاصة .. يا إلهي ، كم انا خائفة ،
انني اشعر بالحلقة تضيق من حولنا ..
وتهالكت على أحد المقاعد ،،
فاقترب منها ، وقال وهو يضع يديه على كتفيها :
- كلا .. لا تخافي سيكون كل شيء على ما يرام ..

يتبع

MA7MOUD
06-04-2010, 01:54 AM
فصاحت في يأس :
- ولكن كيف ، كيف؟
فقال وهو يسير نحو باب الشرفة :
- اؤكد لك ان كل شيء سيكون على ما يرام ..
فقالت لورا :
- هل سنعرف يوما ما من قتل ريتشارد ؟
فنظر ستارك الى الحديقة كمن يرى شيئا مسليا ..
ثم قال :
- ان مس بنيت على يقين من انها تعرف ..
فتنهدت لورا وقالت :
- مس بنيت تصيب حينا وتخطئ احيانا ..
فمد ستارك يده نحوها ..
وقال وهو لا يزال يطل على الحديقة :
- تعال .. بسرعة . .
فهرولت اليه .. وامسكت بيده ..

قال وهو يراقب ما يجدث في الحديقة :
- نعم يا لورا ،، هذا ما ظنته .
- ماذا ؟
- - صه ..
ودخلت مس بنيت مسرعة ، وقالت وهي تلهث :
- مستر ستارك .. لورا .. اخرجا بسرعة .. الى الغرفة المجاورة ،، المفتش هناك ..
فهرول ستارك ولورا الى الغرفة المجاورة ...
==================================================
* * *
بينما نظرت مس بنيت الى الحديقة وقالت :
- تعال ، تعال يا جان وكفى مضايقة ..
فدخل جان من باب الشرفة ببطء . وفي عينيه نظرة تجمع بين التمرد والانتصار ..
وسألته مس بنيت وهي تشير الى المسدس الذي بيده :
- كيف حصلت على هذا ؟
فأجاب وهو يبتس بدهاء :
- هل ظننت انك كنت بارعة حين اغلقت الدولاب؟ فقد وجدت مفتاحا يفتحه واخذت هذا المسدس
، وسوف استعمله في اطلاق الرصاص كما كان يفعل ريتشارد .
قال ذك وصوب المسدس نحوها فجأة واردف :
- حذار يا مس بنيت ، فقد اطلقه عليك ..
فأجفلت ..
ولكنها قالت في هدوء :
- لا شك انك لن تفعل هذا يا جان .. أنا واثقة من انك لن تفعل ..
فظل يصوب المسدس نحوها لحظة ..
ثم خفصه ..
وتنهدت المرأة واطمأنت قليلا ..
وقال جان بلطف :
- كلا يا مس بنيت ، لن افعل هذا ..
- هذا لانك اصبحت رجلا الان ، ولن تتصرف كالصغار .. اليس كذلك ؟
فأجاب وهو يجلس امام المكتب :
- نعم انا رجل الان ، وبعد موت ريتشارد اصبحت الرجل الوحيد في الاسرة ..
- ولهذا كنت على يقين من انك لن تطلق الرصاص علي ، انك لن تطلقه الا على العدو ..
- طبعا ،،
فقالت وهي تقترب من المكتب بحذر :
- خلال الحرب كان رجال المقاومة اذا قتل واحدا من الاعداء حفر علامة في ماسورة مسدسه ..
فنظر جان الى ماسورة المسدس وقال :
- أحقا؟ هل كانت على مسدساتهم علامات كثيرة ؟
- نعم ، بعضهم كانت على مسدساتهم علامات كثيرة
- يا لها من لعبة مسلية

يتبع

MA7MOUD
06-07-2010, 03:13 AM
- وطبعا كان بعضهم ينفر من القتل ، بينما كان البعض الاخر يستطيبه ويتلذذ به ..
- مثل ريتشارد
- نعم ، كان ريتشارد يحب قتل الحيوان والطير ، فهل انت كذلك يا جان ؟
فاخرج جان من جيبه مطواة ، وراح يحفر بها علامة على فوهة المسدس ..
وقال ببساطة :
- ان القتل متعة
فقالت مس بنيت :
- انك لم تشأ ان يبعث بك ريتشارد الى احد المصحات .. اليس كذلك ؟
فقال جان :
- كان دائما يهدد بابعادي من هنا ، فقد كان وحشا
فقالت مس بنيت وهي تدور حوله ببطء :
- اذكر انك قلت له مرة بانك ستقتله اذا حاول ابعادك
- هل قلت له ذلك حقا !
فقالت مس بنيت :
- ولكنك لم تقتله
- كلا .. انا لم اقتله
- كان ذلك ضعفا منك
فقال جان :
- أحقا ..
- نعم .. لانك هددته بالقتل ولم تنف تهديدك ، اذا حاول انسان ان يسجنني في مصحة فاني لن
اتردد في قتله ..
فرد جان :
- أنا ايضا افعل ذلك
فقالت في دهاء :
- هذا مجرد كلام ، لانك لم تقتله ، بل قتله ضخص اخر
فسأل جان :
- من قال ان شخصا اخر قتله ، ربما اكون انا الذي قتلته ..
فقالت مس بنيت :
- كلا ، لا يمكن ان تكون قد قتلته .. لانك كنت مراهقا صغيرا ولا تجرؤ على القتل ..
فوثب من مقعده وصاح :
- اتظننين اني لم اكن اجرؤ ؟ اهذا ما تظنينه ؟
- طلعا لم تكن تجرؤ على قتل ريتئارد ، كان لا بد ان تكون كبيرا وشجاعا لكي تفعل ذلك ..
فقال وهو يضحك :
- انك لا تعرفين شيئا يا مس بنيت
- هل هناك شيء لا اعرفه ؟ اتضحك مني يا جان ؟
فقال جان :
- نعم ، اضحك منك لاني ابرع منك
ثم استدار اليها فجأة وقال :
- اني اعرف اشياء لا تعرفينها ..
فأجابت مس بنيت :
- مالذي تعرفه ولا اعرفه؟
فارتسمت على شفتيه ابتسامة غامضة وجلس دون ان يجيب ..
فقالت وهي تقترب منه :

- الا تريد ان تحبرني ؟ الا تثق بي .. ؟
فأجاب في مرارة :
- لا يجب ان يثق الانسان في احد ..
- لقد بدأت الان اشعر بأنك بارع ، وان هناك أشياء لا اعرفها
- هل بدأت تدركين مدى براعتي؟
فتمتمت مس بنيت :
- نعم ، هل هناك اشياء كثرة اخرى لا اعرفها عنك ؟
فرد جان بهدوء :
- أشياء كثيرة جدا ، ثم اني اعرف اشياء كثيرة عن كل واحد هنا ، ولكني لا اتكلم ، اني في بعض
الاحيان استيقظ ليلا واتجول في البيت فأرى واسمع غير اني لا اتكلم ..
- لابد انك تعرف الان كثيرا من الاسرار الخطيرة ..
فضحك وقال :
- أعرف اسرارا سيقف شعر راسك ذعرا اذا حدثتك عنها ..
فردت وهي تتفرس في وجهه :
- ذعرا منك يا جان
فقال جان متمهلا :
- نعم مني أنا ..
- انني لم اكن اعرفك على حقيقتك يا جان ، اما الان فانني بدأت افهمك ..
فقال وقد اثمله الاطراء :
- لا أحد يعرفني على حقيقتي او يعرف ما استطيع عمله .. مسكين ريتشارد ، كان يجلس هنا
كالابله ويطلق الرصاص على الارانب الحمقاء ..
ثم انثنتى الى مس بنيت قائلا :
- ترى ، هل خطر بباله ان شخصا ما قد يطلق عليه الرصاص هو ايضا ؟
- طبعا لا ، وقد اخطأ اذ لم يفعل في ذلك .
- نعم ، انه اخطأ كثيرا ، وكان اكبر اخطائه انه اراد ان يبعدني غير اني عرفت كيف امنعه ،،
- احقا . ؟ ماذا فعلت كي تمنعه
فنظر اليها بخبث ودهاء . .
ثم هز كتفيه واجاب :

يتبع

MA7MOUD
06-07-2010, 03:14 AM
- لن اخبر احدا
- ربما كنت على حق ، اني اعرف ماذا فعلت كي تمنعه ، ولكني لن اقول لاحد ، كي يظل سرك
في حرز امين ..
- نعم انه سري وحدي ..
ثم تألقت عيناه وقال :
- لا أحد يعرفني على حقيقتي .. اني خطير .. ويحسن بالجميع ان يحذروني ...
- ان ريتشارد لم يكن يعرف مدى خطورتك ، ولا شك انه دهش ..
- دهش؟ وايه دهشة ! فقد امتقع وجهه ، ثم سقط رأسه فوق صدره ، وسال الدم على قميصه ولم
يتحرك بعدئذ ، فقد منعته من تهديدي ، فلن يهددني احد بعد الان ..
ثم اقترب من مس بنيت ..
وقال وهو يعرض المسدس امامها :
- انظري ، لقد وضعت علامة على ماسورة المسدس ..
- هذا امر مثير ، دعني أرى ..
ومدت يدها لتتناول المسدس ، ولكنه كان اسرع منها فتراجع خطوة وقال :

كلا ، لن اسمح لاحد بأن يأخذ مسدس ، واذا حاول رجال البوليس ان يقبضوا علي فسأطلق عليهم
الرصاص ..
فردت مس بنيت :
- لا ضرورة لذلك ، لا ضرورة اطلاقا ، فأنت ماهر جدا ، فلن يساورهم شك في امرك ..
فضحك وقال :
- انهم بلهاء ، بلهاء جدا ، بل واكثر بلاهة من ريتشارد ..
وصوب المسدس نحو المقعد المتحرك الذي كان يجلس عليه اخوه ،،
وفي هذه اللحظة ، فتح الباب ودخل المفتش والرقيب ..
وما أن رآهما جان حتى دار على عقبيه .. ووثب نحو الشرفة ، بينما ارتمت مس بنيت على احد
المقاعد واجهشت بالبكاء .
وصاح المفتش بالرقيب :
- اسرع خلفه ، ولا تدعه يفلت منك ..
فانطلق الرقيب في اثر جان ..
ودخل ستارك ولورا ..
وتبعهما انجل ..
ثم ظهرت مس واريك على عتبة الباب بقامتها الطويلة المستقيمة ، ووجها الجامد الذي لا يعبر
عن شيء ..
واقبل المفتش على مس بنيت .. وقال لها بلطف وهو يربت على كفتها :
- خيرا ما فعلت يا مس بنيت .. هدئي اعصابك ورفهي عنك ، ولا تحزني ..
فقالت بصوت متهدج :
- كنت اعلم منذ البداية ، اني اعرف جان كما لا يعرفه احد سواي ، كان ريتشارد يتحداه ويثيره
بلا هواده ، وقد لاحظت في الفترة الاخيرة ان جان اصبح انسانا خطرا ..
فهافا لورا في حزن وجزع:

يتبع

MA7MOUD
06-07-2010, 03:15 AM
- جان .. مستحيل !
- وارتمت على مقعد امام المكتب ..
ونظرت مسز واريك الى مس بنيت مؤنبة ..
وقالت تعاتبها :
- لماذا فعلت هذا يا مس بنيت ؟ لماذ؟ ظننت انك ستكونين مخلصة على الاقل .
فقالت مس بنيت بلهجة التحدي :
- هناك ظروف تكون فيها الحقيقة أهم من الاخلاص ، انك لم تلاحظي ولا احد لاحظ انه يزداد
خطورة يوما بعد يوم ، انه شاب لطيف ولكن ..
=================================================
وغلبها الحزن ..
فلم تكمل عبارتها ..
وتقدمت مسز واريك ببطء وحزن وجلست على أحد المقاعد ..
فقال المفتش :
- ان امثاله يصبحون خطرا على انفسهم وعلى سواهم عندما يصلون الى سن معينه ، انهم يفقدون
الادراك والتمييز والسيطرة على انفسهم ، وعلى تصرفاتهم ..
ثم التفت الى مسز واريك وقال :
- لا تبتئسي يا سيدتي .. فانني اعدك بانه سوف يعامل برفق وعطف .. ان موقفه واضح ، شاب
متخلف عقليا وغير مسؤل عما يفعل ..
وهذا معناه انه سوف يحجز في مكان تتوفر فيه اسباب الراحة ووسائل العلاج ، وهو ما كنتم
ستفعلونه به على اي حال ان عاجلا او آجلا ..
فقالت مسز واريك :

- نعم .. نعم .. انك على حق ..
ثم التفتت الى مس بنيت وقالت :
- أنا آسفة يا مس بنيت .. انك قلت ان لا أحد كان يعرف انه اصبح خطرا . أنا كنت أعرف ،
ولكن لم يكن في استطاعتي ان افعل شيئا ..
فقالت مس بنيت :
- كان لابد ان يفعل احد شيئا...
وهنا سمعوا صوت طلق ناري فوجموا ، وجمدوا في أماكنهم لحظة ..
ونظر بعضهم الى بعض ..
ثم اندفع الرجال نحو الشرفة ..
ولكنهم ما كادو يبلغونها حتى سمعوا صوت طلق اخر ..
وصرخة مخيفة ...
كصرخة وحش جريح ..
جعلت الدم يجمد في عروقهم ....!
قبل ان يتبين المفتش والحاضرون مصدر الطلقين والصرخة ، برز الرقيب من بين اشجار
الحديقة وهو يترنح ..
كان ممسكا بيده اليسرى ، والدم ينزف منها بغزارة ..
فصاح به المفتس :
- ماذا حدث؟
ولم يجب الرقيب على الفور ، ورأى المفتش من تقلص وجهه انه يتألم ، فخف اليه ، وأحاطه
بساعده ، وعاونه على ارتقاء درج السلم المؤدي الى الشرفة ..
ثم اجلسه على أحد المقاعد وقال لانجل :
- علي بضمادة اعصب بها جرحه ..
فغادر الخادم الغرفة مسرعا ..
بينما قال ستارك :
- هل ادعو سيارة الاسعاف؟
فقال الرقيب وهو لا يزال يتألم :
- كلا .. لا ضرورة لذلك ، انه جرح بسيط !
فسأله المفتش :
- ماذا حدث؟
وتعلقت الانظار بشفتي ارقيب..
فقال هذا :
- اني عدوت خلفه ، وكان الضباب قد بدأ ينتشر ، فراح يحاورني بين اشجار الحديقة ، ثم اطلق
علي رصاصة اصابت يدي ، ولكني واصلت مطاردته وانقضضت عليه لانتزع المسدس من يده
فانطلقت من المسدس رصاصة اصابت قلبه وقتلته ..
فوضعت لورا يدها على فمها لتمنع صرخة كادت ان تفلت منها ، ثم سارت مترنحه حتى تهالكت
على مقعد امام المكتب ...
أما مس بنيت ، فانها اجهشت بالبكاء بصوت مسموع ..
وعاد انجل بالضماده ..
فتناولها المفتش وقال وهو يعصب يد الرقيب :
- هل أنت واثق من انه مات ؟
- نعم يا سيدي ..
ثم هز رأسه في أسى وقال :
- مسكين هذا الصبي ، كان يحاورني بين أشجار الحديقة ويضحك كما لو كان الامر كله مجرد
مزحة .
- وأين هو ؟
- تعال أدلك على مكانه ..
- كلا ، خير لك ان تبقى هنا
- اني احسن حالا الان ..
ونهض واقفا ، ومشى الى الشرفة ..
ونظر المفتش الى من جوله وقال :
- اني جد آسف على ما حدث ، ولكن لعل ذلك هو أفضل الحلول !
وغادر المكان في أثر الرقيب ..
وهزت مسز واريك رأسها في حزن .. تمتمت قائلة :
- أفضل الحلول ..!
فصاحت مس بنيت :

يتبع

MA7MOUD
06-07-2010, 03:16 AM
- نعم .. نعم .. ذلك أفضل الحلول ، انه جنبي الصبي كثيرا من المتاعب ..
ثم اسرعت الى مسز واريك ، وقاتل وهي تأبط ذراعها لتساعدها على السير :
- هلمي ايتها العزيزة ، كفا ما عانيت اليوم .
وقبل ان تغادر مسز واريك الغرفة ، لحق بها ستارك وقال وهو يخرج المظروف من جيبه :
- اظم انه يحسن بك الان ان تستردي هذا ..
- نعم ، نعم ... لم تبق له ضرورة الان ..
وانصرفت مسز ورايك ومس بنيت ، ولم يبق بالغرفة سوى ستارك وانجل ، ولورا .. التي دفنت
وجهها بين كفيها ، وقد برح بها الحزم والاسى ..
ووقف انجل مترددا لحظة ، ثم اقترب من المكتب حيث كانت تجلس لورا وقال :
- لا أعرف كيف اعبر لك عن اسفي وحزني سيدتي ، فاذا كان هناك ما استطيع عمله ..
فقاطعته بأن قالت دون ان ترفع رأسها :
- نحن لم نعد بحاجة الى خدماتك يا أنجل ، سأعد لك شيكا بمستحقاتك وعليك ان تغادر هذا البيت
اليوم ..
- شكرا يا سيدتي ..
ودار على عقبيه ، وغادر الغرفة ..
فأغلق ستارك الباب وراءه وقال يحدث لورا :
- ألا تريدين اتهامه بالابتزاز؟
- كلا
- هذا أمر يؤسف له
ثم أردف بعد قليل :
- أظن انه يحسن بي الان ان اودعك وارحل ..
فملم ترفع لورا رأسها ، ولم تتكلم .
قال :
- لا يجب ان تحزني ..
فأجابت بشعور صادق :
- اني حزينة
- من أجل ذلك الصبي ؟
فنظرت اليه وقالت :

- نعم ، ولاني كنت السبب ، فقد كان ريتشارد على حق ، وكان يجب ارسال جان الى احدى
المصحات حيث لا يستطيع ان يؤذي احدا ، ولكني عارضت في ذلم بقوة ، ولهذا كنت السبب في
مقتل زوجي ..
فقال ستارك بشيء من الخشونة :
- دعي هذه الحساسيات يا لورا ، ولنكن واقعيين ، فقد لقي زوجك حتفه بطبعه وحفر قبره بنفسه
.. كان بوسعه ان يعامل الصبي بشيء من الرفق والحنان ، اليس كذلك ؟ لا ينبغي ان تنحي
باللائمة على نفسك ، ان من حقك الان ان تكوني سعيدة ، وان تنعمي بالراحة والاستقرار ..
فاجابت بمرارة :
- مع من؟ مع جوليان؟ انت ترى انه قد تغير كثيرا ولم يعد كالعهد به ..
- لماذا ؟
- عندما ظننت ان جوليان هو الذي قتل زوجي ، لم يؤثر ذلك على شعوري نحوه ، ولم يضعف
حبي له ، بل على العكس ، كنت على استعداد للاعتراف بالجريمة ومواجهة التبعات ..
- أعلم هذا ، وتلك هي الحماقة بكل معانيها ، يا إلهي ، لماذا يطيب للنساء دائما ان يجعلن من
انفسهن شهيدات ؟
فاستطرت لورا قائلة بحنق :
- اما عندما ظن جوليان انني التي ارتكبت الجريمة تغير تمام ، وتبدل شعوره نحوي ، صحيح انه
ابدى شهامة حين التزم الصمت ولم يدل باقوال تزيد من موقفي سوءا ، ولكن هذا كل ما فعله ،
نعم ، نعم ، نعم ، انه تغير كثيرا ..
- اصغي الي يا لورا ، يجب ان تعلمي ان رد الفعل عند الرجال يختلف عنه عند النساء ، والواقع
ان الرجال هم الجنس الاكثر حساسية ، اما النساء فانهن اكثر شراسة واصلب معدنا ، والمرأة
تستطيع ان ترتكب جريمة قتل بمثل البساطة التي تصبغ بها شفتيها .. والنتيجة هي ان المرأة قد
تنظر باكبار الى الرجل الذي يرتكب جريمة قتل من اجلها ، اما الرجل فان شعوره وردة الفعل
عنده يختلفان تماما ..
- ولكن شعورك انت لم يكن كذلك ، عندما ظننت اني قتلت زوجي تقدمت لمساعدتي دون تردد .
.
فأجفل وصمت لحظة .. ثم قال :
- ان موقفي يختلف ، كان لزما علي مساعدتك ..
- ولماذا كان هذا الالتزام بمساعدتي؟
فأجاب بهدوء :
- اني ما زلت اريد مساعدتك ..
فقالت لورا وهي تتفرس في وجهه :
- الا ترى اننا عدنا من حيث بدانا ؟ واني ما زلت المسؤولة عن مصرع ريتشارد .. لانني
عارضت في ارسال جان الى احدى المصحات ؟.
فجلس ستارك من طرف الاريكة وقال :
- هل هذا هو كل ما يزعجك ؟ أيزعجك ان يكون جان هو الذي اطلق الرصاص على زوجك ؟
،... الا يحتمل ان تكون الحقيقة غير ذلك ؟.
فتمتمت لورا :
يتبع

MA7MOUD
06-09-2010, 12:44 AM
فتمتمت لورا :
- كيف تقول كلاما كهذا ؟ اني سمعته ، بل كلنا سمعناه حين اعترف بالجريمة وتفاخر بها ..
فقال مايكل بهدوء :
- أعلم هذا ، ولكن هل تعرفين شيئا عن قوة الايحاء؟ فقد استدجته مس بنيت بلباقة ، وعرفت ككيف
تثير حقده تارة ، وتغذي خيلاءه مرة اخرى ، وكان الصبي تربة صالحة للايحاء ، فراقته كما
تروح أغلب المراهقين فكرة ان يكون قاتلا ...
فقد لوحت له مس بنيت بالطعم فابتلعه ، وتصور انه قتل زوجك ، فوضع علامة على ماسورة
مسدسه ، كما كان يفعل رجال المقاومة وتصور نفسه بطلا ..
ونهض واقفا ، وأخذ يذرع أرض الغرفة..
ثم قال :
- انك لا تعلمين ولا احد يعلم هل قال الحقيقة ام لا
- ولكنه اطلق الرصاص على الرقيب ..
فقال ستارك :
-================================================== =====
- نعم .. انه انسان خطر ما في ذلك شك ، ويحتمل جديا يكون هو الذي اطلق الرصاص على
زوجك ، غير انك لا تستطيع ان تؤكدي بصفة قاطعة انه فعل هذا ، يحتمل ان يكون من اطلق
الرصاص شخصا اخر ..
- من؟
فأجاب بعد صمت قصير :
- مس بنيت مثلا .. انها تحبك ، انها تحبك فربما ظنت انك ستكونين سعيدة اذا تخلصت من
زوجك . او مسز واريك نفسها ، او صديقك جوليان .. ريما كان جوليان قد اطلق الرصاص على
ريشارد ، ثم زعم بعد ذلك انه ظن انك القاتلة ، وهي لعبة بارعة خدعتك تماما ..
- لا شك انك غير مؤمن بما تقول .. انت تقول هذا فقط لترفه عني وتخلصني من وخز الضمير ..
فصاح ستارك في ضيق :
- يا فتاتي العزيزة ، اي شخص يمكن ان يكون هو الذي اطلق الرصاص على زوجك ، ولا
استثني ماكجريجور نفسه ..
فبهتت وصاحت :
- ماكجريجور؟ ولكن ماكجريرجور مات .
- طبعا .. المفروض انه مات ، اصغي الي ، في مقدوري ان اطرح القضية امامك بطريقة لا تدع
مجالا للشك في ان ماكجريجور هو القاتل ..
هي انه قرر قتل زوجك على سبيل الانتقام ، فماذا يفعل؟ اول شيء يفعله هو ان يتخلص من
شخصيته ، فليس من العسير عليه ان يزيف حادث وفاة في مكان قصي من بلد بعيد مثل الاسكا ،
هذا يكلفه بعض المال ، وشهادة زور ولكنه ممكن ..
ثم ينتحل اسما جديدا ويبني لنفسه شخصية جديدة ، ويزاول مهنة جديدة في بلد آخر .
غير انه يظل بطريقة او باخرى على اتصال بما يجري هنا ، حتى اذا علم انكم غاردتم (
نورفولك ) ، وجئت الى هذا البيت ، شرع في وضع خطته ..
ثم يزيل لحيته ويصبغ شعره ويفعل كل ما من شأنه ان يغير ملامح وجهه ، وفي ليلة كثيفة
الضباب ، يأتي الى هنا ..
وصمت ستارك قليلا .. ثم نهض ووقف أمام الشرفة وقال وهو يطل على الحديقة :
- لنفرض اذن انه جاء الى هنا ، ووجد زوجك في مقعده ولم يشأ ان يقتله غدرا فقال له : ان معي
مسدسي ، ومعك مسدسك ، سأعد من واحد الى ثلاثة ثم يطلق كل منا مسدسه على الاخر ، اني
جئت لانتقم لولدي كما تعلم ..
ومضى في حديثه ، فقال :
- لنفرض ايضا ان زوجك ليس شخصا رياضيا بكل معنى الكلمة كما تتوهمين ، وانه ينتظر
غريمه حتى يفرغ من العد ..
واذكر انك قلت عن زوجك انه كان بارعا في اصابة الهدف ..
فلنفترض انه اخطأ الهدف هذه المرة، وطاشت رصاصته في الحديقة ..
حيث يوجد كثير من الرصاصات التي سبق ان اطلقها ..
بينما لم يخطئ ماكجريجور واصابت رصاصته الهدف ، وقتلت زوجك ..

ولنتصور بعد ذلك ان ماكجريجور وضع مسدسه بقرب الجثة ، واخذ مسدس زوجك ، وغادر
البيت عن طريق الحديقة ، ثم عاد بعد قليل .
- عاد؟ لماذا ؟
- لنفرض ان سيارته وقعت في حفرة ، فلم تستطع الابتعاد ، فناذا يفعل؟ انه يفعل الشيء الطبيعي
الوحيد ، وهو ان يدخل البيت ويكتشف وجود الجثة ..
فقالت في دهشة :
- انك تتكلم كما لو كنت تعرف ما حدث تماما ..
فقال ستارك بحدة :
- انا اعرف ما حدث .. ألم تفهمي .. أنا ما كجريجور .!
ولم تصدق لورا اذنيها ..
ونهضت من مقعدها وهي تغمغم :
- أنت ..
وحملقت نحوه بعينين مفعمتين بالدهشة والذهول ..
فقال بصوت اجش :
- وداعا يا لورا ..
وخرج الى الشرفة ..
واختفى بين أشجار الحديقة ..
وعندما افاقت من دهشتها ..
أسرعت تعدو خلفه وتصيح :
- صبرا يا مايكل .. صبرا ..
ووقفت في الشرفة تهتف :
- مايكل .. عد يا مايكل ..
ولكن صوتها ضاع في زئير النفير ، الذي دوى في تلك اللحظة ليحذر الصيادين من كثافة
الضباب ...


النــــــــــــــــــــــــهايه

يا ترى عجبتكن ؟؟؟؟؟؟

MA7MOUD
06-13-2010, 02:51 AM
رواية قصير لأجاثا كريستي
ذات الخمار(قضايا بوارو المبكرة)


لاحظت مؤخرا أن بوارو قد أصبح منذ بعض الوقت غير قانع
وقلقا متبرما بشكل متزايد. لم تأتنا مؤخرا
قضايا مثيرة لم يأتنا شئ يمكن لصديقي أن يمارس من خلاله
مواهبه العقلية الحادة وقدراته الاستنتاجية
البارزة. لقد قذف صباح اليوم بالصحيفة مطلقا لفظة "تشاه!" الدالة
على نفاذ صبره, وهي لفظة عجب
مفضلة لديه يبدو عندما يطلقها كقطة تعطس. أطلق تلك اللفظة
وقال: انهم يخشونني يا هيستنغز مجرمو
بلدك -بريطانيا- يخشونني! عندما يكون القط موجودا فان الفئران
الصغيرة لا تقترب الجبن!
- لا أحسب أن الغالبية العظمى منهم تعرف بوجودك.
نظر بوارو الي مؤنبا. انه يتصور دوما أن العالم كله يفكر
ويتحدث عن هيركيول بوارو. لا شك أنه حقق
لنفسه شهرة في لندن ولكنني لا أعتقد بأن وجوده يدب الذعر في
عالم الاجرام. سألته: ماذا عن حادث
السطو على الجواهر الذي حصل في شارع بوند في وضح النهار
قبل أيام؟
أجاب بوارو باستحسان: ضربة مميتة... مع أنها لا تقع ضمن
اختصاصي. خطوة رشيقة نتيجة جرأتها على

الأقل! رجل يحمل عصا ثقيلة يهشم زجاج واجهة محل للجواهر
وينتزع عددا من الأحجار الكريمة. يمسكه
مواطنون غيورون فورا ويصل شرطي, وبعدها يتبين بأن
الأحجار الكريمة التي بحوزته مزيفة فقد مرر
الأحجار الحقيقية الى شريك له كان من المواطنين الغيورين سالفي
الذكر. سيذهب الرجل الى السجن, هذا
صحيح, ولكن عندما يخرج فانه سيجد ثروة رائعة صغيرة
بانتظاره. نعم, قضية فيها خيال لا بأس به
ولكنني لا أستطيع القيام بما هو أفضل من ذلك. انني أشعر أحيانا
-يا هيستنغز- بالأسف لامتلاكي هذه
النزعة الأخلاقية فالعمل ضد القانون سيكون أمرا مسليا على سبيل
التغيير.
- ابتهج يا بوارو؛ فأنت تعلم أنك فريد في حقل اختصاصك.
- ولكن أين هي القضايا المتوفرة في حقل اختصاصي؟
أخذت الصحيفة, ثم قلت: هاهو رجل انجليزي قتل بشكل غامض
في هولندا.
- انهم يقولون ذلك دوما وبعدها يجدون انه قد تناول سمكا معلبا
فاسدا وأن وفاته طبيعية تماما.
- حسنا, هذا شأنك ان كنت مصرا على التذمر.
قال بوارو بعد أن مشى حتى وصل النافذة: مرحى! هاهي في
الشارع من تسمى في الروايات "بذات الخمار

السابغ". انها تصعد الدرج... لا بد أنها آتية لاستشارتنا. هاهي
فرصة لوجود شئ مثير.
عندما تكون المرأة الشابة هكذا فانها لا تضع خمارا على وجهها
الا لأمر عظيم.
دخلت ضيفتنا بعد دقيقة أو نحوها. وكما قال بوارو كان خمارها
سابغا حقا وكان من المستحيل تمييز
ملامحها حتى رفعت خمارها الأسود الحريري وعندها أدركت أن
حدس بوارو كان صحيحا فقد كانت المرأة

بارعة الجمال شقراء الشعر زرقاء العينين. وقد استنتجت على
الفور -من البساطة المكلفة لملابسها- بأنها
تنتمي الى الطبقات العليا في المجتمع.
قالت السيدة بصوت موسيقي ناعم: سيد بوارو, انني أعيش مشكلة
كبرى. لا أعتقد أن بامكانك مساعدتي
ولكنني سمعت عنك أشياء رائعة دفعتني الى القدوم اليك باعتبارك
الأمل الأخير... متوسلة اليك أن تفعل
المستحيل.
- المستحيل... انه أمر لطالما يسرني. استمري -أرجوك-
ياآنستي.
ترددت ضيفتنا الشقراء, فأضاف بوارو مستدركا: ولكن ينبغي أن
تكوني صريحة. يجب أن لا تتركيني
جاهلا تجاه أية نقطة.
قالت الفتاة فجأة: سأثق بك. هل سمعت بالليدي ميليسنت كاسل
فوغان؟
التفت اليها باهتمام شديد فقد ظهر اعلان خطبة الليدي ميليسنت
لدوق ساوثشير الشاب قبل بضعة أيام.
وعملت أنها كانت الابنة الخامسة لشريف ايرلندي مفلس وأن دوق
ساوثشير كان واحدا من أفضل الأكفاء
لها في انكلترا.

يتبع

MA7MOUD
06-13-2010, 02:52 AM
استمرت الفتاة قائلة: أنا الليدي ميليسنت. ربما تكون قد قرأت عن
خطوبتي. يفترض أنني من أسعد الفتيات
ولكن... آه يا سيد بوارو... انني في ورطة فظيعة! بسبب رجل,
رجل رهيب... اسمه لافينغتن, وهو... لا
أكاد أعرف كيف أخبرك. المشكلة في رسالة كتبتها. كنت وقتها في
السادسة عشرة من عمري فقط, وهو...
وهو...
- رسالة كتبتها لهذا السيد لافينغتن؟
- آه, كلا... ليس له! بل الى جندي شاب كنت مغرمة جدا به وقد
قتل في الحرب!
قال بوارو بلطف: نعم, فهمت.
- كانت رسالة حمقاء, رسالة طائشة, ولكنها لم تكن -فعلا- أكثر
من ذلك يا سيد بوارو. ولكن فيها عبارات
قد... قد تحمل تفسيرات متباينة.
- نعم, وقد جاءت تلك الرسالة لتقع في حوزة السيد لافينغتن؟

- نعم, وقد أخذ يهدد. الم أدفع له مبلغا هائلا من المال, مبلغا
يستحيل علي تماما أن أجمعه فانه سيرسلها
الى الدوق.
هتفت فجأة: الخنزير القذر... أستميحك عذرا يا آنسة ميلسنت.

قال بوارو: أليس من الحكمة أن تعترفي بكل شئ لزوج المستقبل؟

- لا أجرؤ على ذلك يا سيد بوارو. ان الدوق ذو شخصية فريدة
بعض الشئ غيور وشكاك ويميل الى
تصديق أسوأ التفسيرات. قد يؤدي ذلك الى فسخ خطوبتي على
الفور.
قال بوارو بتودد معبر: يا عزيزتي المسكينة, وما الذي تريدين
مني فعله؟
- ظننت أنه ربما كان بوسعي أن أطلب من السيد لافنغتن أن
يزورك. أستطيع أن أخبره بأنني خولتك
بمناقشة الأمر معه. ربما كان بوسعك أن تخفف من مطالبه.
- ما المبلغ الذي يطلبه؟
- عشرين ألف جنيه... أمر مستحيل. انني أشك في قدرتي حتى
على جمع ألف واحدة.
- ربما كان بوسعك أن تقترضي مالا اعتمادا على زواجك المقبل
المأمول, ولكنني أشك في امكانية
حصولك على نصف ذلك المبلغ. وبالاضافة الى ذلك فانه لأمر
بغيض -بالنسبة لي- أن تضطري للدفع! لا,
ان عبقرية هيركيول بوارو ستهز أعداءك! أرسلي لي هذا السيد
لافينغتن. هل يحتمل أن يحضر الرسالة
معه؟
هزت الفتاة رأسها بالنفي وقالت: لا أظن ذلك؛ فهو حذر جدا.

- والمفترض أن الرسالة معه بلا شك, أليس كذلك؟
- لقد أراني اياها عندما ذهبت الى بيته.
- ذهبت الى بيته؟... كان ذلك تصرفا طائشا يا سيدتي.
- حقا؟ لقد كنت يائسة جدا. كنت آمل أن تحركه توسلاتي.
- آه! لا, لا!! ان من شاكلة هذا الرجل لا تحركهم التوسلات! بل انه قد يرحب بها لأنها تظهر مدى الأهمية
التي تعلقينها على الوثيقة. أين يعيش هذا السيد الظريف؟
- في منزل يدعى بونا فيستا في ويمبلدون. ذهبت اليه هناك بعد
حلول الظلام. قلت له انني سأبلغ الشرطة
في نهاية الأمر, ولكنه اكتفى بالضحك بطريقة بغيضة هازئة وقال:
"بكل ترحيب يا عزيزتي الليدي
ميليسنت, افعلي ذلك ان أردت".
- نعم, انها قضية يصعب ايكالها للشرطة.
- بعد ذلك مضى قائلا: "أعتقد انك أكثر حكمة من أن تبلغي
الشرطة. اُنظري هاهي رسالتك في صندوق
الألغاز الصيني هذا!" ورفعها بحيث أستطيع رؤيتها. حاولت
أن أخطفها منه ولكنه كان أسرع مني. طواها
وهو يبتسم ابتسامته الكريهة وأعادها الى الصندوق الخشبي
الصغير وقال: "ستكون آمنة جدا هنا أؤكد لك
ذلك كما أن الصندوق نفسه موضوع في مكان خفي بحيث لن
تجديه أبدا". وعندما تحولت عيناي الى
الخزنة الجدارية الصغيرة هز رأسه وضحك وقال: "كلا, ان لدي
خزنة أفضل من هذه". آه, لقد كان
بغيضا! هل تعتقد يا سيد بوارو أن بوسعك مساعدتي؟
- ضعي ثقتك في "بابا بوارو"... سأجد طريقة لمساعدتك.
وعندما ودع بوارو زبونته مصطحبا ايها الى أسفل الدرج, فكرت
بأن تأكيداته تلك كانت كلها أمرا لا بأس
به ولكن بدا لي أن أمامنا صخرة صلدة علينا أن نناطحها. قلت
ذلك لبوارو عندما عاد الى الغرفة فهز رأسه

يتبع

MA7MOUD
06-13-2010, 02:54 AM
بحزن وقال: نعم, فالحل لا يبدو ظاهرا للعيان. وهذا السيد لافنغتن
هو صاحب الأفضلية واليد العليا ولست
أرى الآن كيف يمكن لنا أن نحتال عليه.
زارنا السيد لافنتغن عصر ذلك اليوم. كانت الليدي ميليسنت محقة عندما
وصفته بأنه بغيض
فقد شعرت بوخز حقيقي في نهاية قدمي يدفعني بشدة لأركله من أعلى الدرج.
كان صخابا متغطرسا في
أسلوبه وقد عامل مقترحات بوارو اللطيفة بمنتهى الازدراء وفرض نفسه -
بشكل عام- سيدا للموقف. ولم
أستطع تجنب الاحساس بأن بوارو لم يكن في أحسن حالاته, اذ بدا خائبا
مكتئبا.
قال لافنتغن وهو يتناول قبعته: حسنا أيها السادة. يبدو أننا لا نتقدم كثيرا.
القضية الآن هي كما يلي: سأحرر

الليدي ميليسنت من هذا الأمر لقاء ثمن بخس كونها شابة رائعة الجمال.
ولنقل: ثمانية عشر ألفا. سأسافر
الى باريس اليوم فلدي عمل بسيط علي الاعتناء به هناك وسوف أعود يوم
الثلاثاء. وما لم تدفع الأموال
مساء الثلاثاء فستذهب الرسالة الى الدوق. لا تقولا لي ان الليدي ميليسنت
لا تستطيع جمع المبلغ؛ فبعض
أصدقائها من الرجال سيكونون على أتم الاستعداد لتطويق عنق امرأة فاتنة
كهذه بدين يبذلونه لها... ان
اتبعت الطريقة المناسبة في ذلك.
تورد وجهي خجلا وحنقا, وتقدمت خطوة للأمام ولكن لافنغتن كان قد غادر
الغرفة فور انهاء كلامه.
صحت قائلا: يا الهي! لابد أن نفعل شيئا. انك تبدو وكأنك ستقبل ذلك صاغرا
يا بوارو.
- ان لك قلبا بالغ الطيبة يا صديقي, ولكن خلايا دماغك الرمادية بحالة يرثى
لها. لم تكن لدي الرغبة بابهار
السيد لافنغتن بقدراتي. كلما رأى في مزيدا من الجبن كان ذلك أفضل.
- لماذا؟
تمتم بوارو متذكرا: انه لمن الغريب أنني عبرت عن رغبة بالعمل ضد
القانون مباشرة قبل وصول الليدي
ميليسنت!
قلت بلهفة: هل ستسطو على منزله وهو مسافر؟
- أحيانا يكون تفكيرك يا هيستنغز سريعا الى حد مدهش.
- واذا افترضنا أنه أخذ الرسالة معه؟
هز بوارو رأسه مشككا وقال: احتمال ضعيف تماما. من الواضح أن لديه
مخبأ في منزله يظنه حصينا جدا.
- ومتى نقوم... بالفعلة؟
- ليلة غد. سننطلق من هنا في نحو الحادية عشرة ليلا.
في الموعد المحدد كنت جاهزا للانطلاق وقد ارتديت بدلة سوداء وقبعة
سوداء رقيقة. أشرق وجه بوارو
وقال ملاطفا: أراك ارتديت ما يناسب الدور. هيا, دعنا نستقل قطار الأنفاق
الى ويمبلدن.
- ألن نأخذ معنا أدوات لمعالجة الباب واقتحام المنزل؟
- يا عزيزي هيستنغز! ان هيركيول بوارو لا يلجأ الى وسائل بدائية كهذه.

تراجعت وقد خذلتني ملاحظته, ولكن فضولي كان يقظا مشحوذا. كانت
الساعة تمام الثانية عشرة ليلا عندما

دخلنا الحديقة الصغيرة للمنزل المسمى بونا فيستا الواقع في ضواحي المدينة.
كان البيت مظلما ساكنا, وقد
مضى بوارو مباشرة الى نافذة خلف المنزل, حيث رفع اطار زجاجها بهدوء
وأومأ لي بالدخول.
همست وقد بدا الأمر لي بالغ الغرابة: كيف عرفت بأن هذه النافذة ستكون
مفتوحة؟
- لأنني نشرت مزلاجها بالمنشار صباح اليوم.
- ماذا؟
- نعم. كان ذلك أسهل ما يكون, فقد زرت هذا البيت وقدمت بطاقة تعريف
مزيفة كواحدة من بطاقات
المفتش جاب الرسمية. وقد قلت بأنني أرسلت بناء على توصية من
سكوتلانديارد لكي أعنى بتركيب الأقفال

التي تستعمل ضد السطو والتي طلب السيد لافنغتن تركيبها أثناء غيابه, وقد
رحبت بي مدبرة المنزل بكل
حماسة. ويبدو أنهم تعرضوا لمحاولتي سطو هنا مؤخرا دون فقدان شئ ذي
قيمة, فمن الواضح أن فكرتنا
الصغيرة هذه قد خطرت لأناس آخرين من المتعاملين مع السيد لافنغتن.
وهكذا تفحصت جميع النوافذ وقمت

بهذا الترتيب البسيط وحرمت على الخدم لمس النوافذ حتى يوم غد باعتبارها
موصولة بالتيار الكهربائي, ثم

انسحبت بكل احترام.

يتبع

MA7MOUD
06-13-2010, 02:56 AM
- أنت حقا رائع يا بوارو.
- يا صديقي, كان ذلك من أبسط الأمور. والآن, الى العمل! ان الخدم ينامون
في الطابق العلوي من
المنزل, ولذلك ينبغي أن لا نجازف بايقاظهم.
- أفترض أن الخزنة مبنية داخل أحد الجدران في مكان ما, أليس كذلك؟

- الخزنة؟ هراء! لاتوجد خزنة؛ فالسيد لافنغتن رجل زكي. وسترى بأنه قد
ابتكر مخبأ أذكى بكثير من
الخزنة. فالخزنة هي أول ما يبحث عنه الجميع.
وهكذا بدأ بوارو بحثا منظما في البيت كله. ولكن بعد بضع ساعات من
التفتيش الدقيق للمنزل لم يكن بحثنا
قد حقق أي جدوى, ورأيت أعراض الغضب تتجمع على وجه بوارو وقال:
آه! تبا! هل سيغلب بوارو؟ أبدا!

دعنا نهدأ قليلا. دعنا نفكر ونستخدم المنطق. دعنا -أخيرا!- نستخدم خلايا
دماغنا الرمادية!
ثم صمت بضع دقائق وقد قطب جبينه لأغراض التذكير, وبعدها التمع في
عينيه ذلك الضوء الأخضر الذي

أعرفه جيدا, ثم قال: لقد كنت أحمق... المطبخ!
- المطبخ؟ ولكن ذلك مستحيل. والخدم؟!
- بالضبط. هذا من شأنه أن يقوله تسعة وتسعون بالمئة من الناس! ولهذا
السبب بالذات فان المطبخ هو
الخيار المثالي, فهو مليء بالأواني المنزلية المختلفة. امض قدما الى المطبخ!

تبعته وأنا مرتاب تماما, ووقفت أراقبه وهو يغوص برأسه في حاويات الخبز
والقوارير والأواني, ويدخل
رأسه في فرن الغاز. وفي النهاية سئمت من مراقبته فعدت الى غرفة المكتب.
كنت مقتنعا بأننا لن نجد
بغيتنا الا هناك, وهناك فقط. أجريت تفتيشا دقيقا آخر ولاحظت أن الساعة قد
بلغت عندئذ الرابعة والربع
وبالتالي فان الفجر قد بات وشيكا, ثم عدت المطبخ.
وقد كان من دواعي دهشتي الكاملة أن أجد بوارو واقفا في وسط سلة الفحم
تماما مفسدا بذلك بدلته الأنيقة
ذات اللون الفاتح. أومأ الي وقال: نعم يا صديقي... ان افساد بدلتي على هذا
النحو مناقض لكل طبائعي,
ولكن ماذا عساني أفعل؟
- ولكن من غير الممكن أن يكون لافنغتن قد دفنها تحت الفحم؟
- لو أنك استخدمت عينيك لرأيت أن ما أتفحصه ليس الفحم.
رأيت على رف خلف حاوية الفحم بعض جذوع الحطب المكومة. كان بوارو
ينزل تلك الجذوع ببراعة
واحدا بعد الآخر, وفجأة هتف بصوت منخفض: أعطني سكينك يا هيستنغز!

أعطيته اياها. وبدا وكأنه يدخلها في الجذع الخشبي, وفجأة انفلقت الحطبة الى
نصفين. كانت قد نشرت
بشكل متقن من المنتصف وحفرت فجوة في وسطها. أخرج بوارو من تلك
الفجوة علبة خشبية صغيرة
صينية الصنع.
صحت وقد نسيت نفسي: أحسنت صنعا!
- بهدوء يا هيستنغز! لا ترفع صوتك أكثر. تعال, دعنا ننصرف قبل أن
يداهمنا ضوء النهار.
دس العلبة الخشبية في جيبه, وقفز بخفة من سلة الفحم, ونفض الأوساخ عن
ثيابه قدر المستطاع. وبعد أن
غادرنا المنزل -بنفس الطريقة التي دخلناه بها- انطلقنا بسرعة باتجاه لندن.

قلت: ولكن يا له من مخبأ غريب! كان يمكن لأي واحد أن يستخدم الحطبة
للوقود.
- في شهر تموز يا هيستنغز؟ كما أنها كانت في أسفل كومة الحطب... مخبأ
عبقري جدا. آه, هاهي سيارة
أجرة قادمة! والآن الى البيت, وبعدها حمام يزيل الأوساخ ثم نومة تعيد
النشاط.
بعد انفعلات تلك الليلة نمت الى وقت متأخر. وعندما توجهت أخيرا الى غرفة
الجلوس قبيل الساعة الواحدة

ظهرا فوجئت برؤية بوارو وقد استند الى الخلف في أريكته, والعلبة الصينية
مفتوحة بجانبه وهو يقرأ -
بهدوء- الرسالة التي أخرجها من العلبة.
ابتسم لي بمودة ونقر بأصابعه على الورقة التي يحملها وقال: لقد كانت الليدي
ميليسنت صادقة تماما فيما
قالته. لم يكن الدوق ليغفر مثل هذه الرسالة! انها تحوي بعضا من أكثر
عبارات الحب والعشق التي
صادفتها في حياتي تهورا واسرافا.
قلت بشئ من التقزز: لا أعتقد -فعلا- يا بوارو أن من حقك قراءة الرسالة؛
فمثل هذه الأمور ينبغي عدم
فعلها.
أجاب صديقي بهدوء: ان هيركيول بوارو يفعلها.

يتبع

MA7MOUD
06-13-2010, 02:58 AM
- وأمر آخر... فأنا أعتقد أن استخدام بطاقة تعريف خاصة بالمفتش جاب
البارحة لم يكن أبدا من أصول
اللعبة.
- ولكنني لم أكن ألعب لعبة يا هيستنغز, بل كنت أحل قضية.
رفعت كتفي امتعاضا؛ فلا يمكن للمرء أن يحاجج في وجهة نظر مع بوارو,
أما هو فقال: أسمع خطوات
على الدرج, لا بد أنها الليدي ميليسنت.
دخلت زبونتنا الحسناء وعلى وجهها تعبير لهفة تغير الى تعبير سعادة لدى
رؤيتها الرسالة والعلبة اللتين
رفعهما بوارو أمامها. قالت: آه يا سيد بوارو. كم هو رائع منك ما فعلت!
كيف فعلت ذلك؟
- بأساليب تستحق الشجب نوعا ما يا سيدتي. ولكن السيد لا فنغتن لم يمضي
-بعد- في مضايقتك. هاهي
رسالتك, أليست هي؟
ألقت نظرة على الرسالة ثم قالت: بلى, كيف لي أن أشكرك! انك رجل رائع,
رائع. أين كانت مخبأة؟
أخبرها بوارو بذلك, فقالت: "كم هو ذكي منك ما فعلته!", وتناولت العلبة
الصغيرة عن الطاولة قائلة:
سأحتفظ بها تذكارا.
- كنت آمل -يا سيدتي- أن تسمحي لي بأن أحتفظ بها أنا... أيضا تذكارا.

- آمل أن أرسل لك تذكارا أفضل من هذا في يوم زواجي. سوف لن تجدني
قليلة العرفان يا سيد بوارو.
- ان سعادتي في أداء خدمة لك أكبر من أي مال, ولذلك اسمحي لي بأن
أحتفظ بالعلبة.
صاحت ميليسنت وهي تضحك: "آه, كلا يا سيد بوارو. علي -ببساطة- أن
آخذ العلبة". ومدت يدها لتأخذها
ولكن بوارو سبقها فغطى العلبة بيده وقال بصوت تغيرت نبرته: لا أعتقد
ذلك.
بدا وكأن صوتها يزداد حدة وهي تقول: ما الذي تعنيه؟
- اسمحي لي -على أي حال- أن نستخرج محتوياتها الأخرى. لعلك لاحظت
بأن الفراغ الأصلي للعلبة تم
اختصاره بمعدل النصف. في النصف العلوي توجد الرسالة الغرامية, وفي
النصف السفلي...
ثم قام بحركة رشيقة, مد بعدها يده وفي راحتها أربعة أحجار كريمة ضخمة
براقة, ولؤلؤتان كبيرتان بلون
الحليب.
تمتم بوارو: الجواهر التي سرقت من شارع بوند قبل أيام كما يخيل الي...
جاب سيخبرنا ان كانت كذلك.
كان من دواعي دهشتي التامة أن يخرج جاب من غرفة نوم بوارو. قال
بوارو يخاطب الليدي ميليسنت
بأدب: أعتقد أنه من أصدقائك القدامى.
قال الليدي ميليسنت وقد تغير سلوكها تماما: "اعتقلت والله! يا لك من شيطان
عجوز لعين!". ثم نظرت الى
بوارو برهبة تكاد تصل حد الاعجاب.
قال لها جاب: حسنا يا عزيزتي غيرتي... أظن أن اللعبة انتهت هذه المرة.
ما أروع أن أراك ثانية بهذه
السرعة! لقد وقع زميلك أيضا, الرجل الذي أتى الى هنا أمس وقد سمى نفسه
لافنغتن. أما لافنغتن الحقيقي
نفسه,المعروف باسم كروكر أيضا, وباسم ريد, فلا أدري أي رجال
العصابات طعنه بسكين قبل أيام في
هولندا. لقد ظننتِ أنه أخذ "البضاعة" معه, أليس كذلك؟ ولكنه لم يأخذها.
لقد خدعك بشكل ذكي, وخبأ
الجواهر في بيته. ولقد استأجرت رجلين للبحث عنها, ثم اتصلت بالسيد
بوارو هنا, وقد وجدها بضربة حظ
عجيبة.
قالت الليدي المزورة: انك تحب الكلام حقا, أليس كذلك؟ على رسلك, لا
داعي للشدة. سأذهب معك
بهدوء... لا يمكنك الادعاء بأنني لست سيدة كاملة. وداعا جميعا!
قال بوارو حالماً فيما كنت أنا ذاهلا عن الكلام: كان الخطأ في حذائها. لقد
جمعت كثيرا من الملاحظات
الصغيرة عن شعبك الانكليزي, ومن هذه الملاحظات أن سيدة ابنة عائلة ذات
منبت كريم تكون -عادة-
شديدة الاهتمام بحذائها. قد تكون رثة الملابس ولكنها تكون -مع ذلك- جيدة
الحذاء. أما هذه الليدي ميليسنت
فقد ارتدت ملابس أنيقة باهظة الثمن, وحذاء رخيصا.
لم يكن من المحتمل أن نكون أنا أو أنت قد رأينا الليدي ميليسنت الحقيقية؛
فهي نادرا ما تكون في لندن.
وهذه الفتاة لديها شبه ظاهري بها يمكن له أن يمرر الخدعة بشكل جيد. وكما
قلت: لقد كان الحذاء هو أول
ما أيقظ شكوكي, ثم قصتها, وخمارها... كانا مؤثرين قليلا, أليس كذلك؟
ولا بد أن العلبة الصينية التي
تحوي الرسالة الغرامية المزيفة في فجوتها العليا كانت معروفة لكل العصابة,

ولكن حطبة الخشب كانت فكرة السيد لافنغتن الراحل.\
آه, ولذلك يا هيستنغز فانني آمل أن لا تجرح مشاعري ثانية كما فعلت أمس
بقولك انني غير معروف في
عالم الاجرام؛ فحتى المجرمون يلجؤون الي عندما يفشلون هم شخصيا!



النهاية

شكرا للمتابعة

Rana
06-13-2010, 04:13 PM
شكراً لك ma7moud روايات جميلة ومجهود رائع

MA7MOUD
06-14-2010, 02:02 AM
بشكر مرورك الكريم مدام rana

Sima
06-14-2010, 02:30 AM
يعطيك ألف عافية محمود شكرا كتير

MA7MOUD
06-14-2010, 10:31 PM
اسعدني مرورك سيما وبتمنى تكون الروايات عجبوكي

وان شاء الله في كمان

MA7MOUD
06-18-2010, 11:54 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


هذة رواية الزائر الغريب لأغاثا كريستى وهى قصة قصيرة
أرجو أن تحوذ على اعجابكم

الزائر الغريب

وقفت بباب مكتب جيمس هاكر سمسار العقارات بمدينة ايفى
كورنرز سيارة فخمة
تدل لوحتها المعدنية على أنها من نيويورك
ولم يكن هاركر بحاجة الى النظر فى لوحة السيارة كى يعلم أن
صاحبها ليس من أهل المدينة
فقد كانت السيارة حمراء فارهة لا مثيل لها فى ايفى كورنرز وكان
صاحبها قصير القامة
بدينا لم يسبق لهاركر أن رآة.
وغادر الشخص سيارتة ووقف على افريز الشارع يتأمل الافتة
الكبيرة التى وضعها
هاركر على باب مكتبة .
قال السمسار يحدث سكرتيرتة التى كانت وقتئذ فى شغل بقرائة
احدى القصص.
،، تظاهرى بالأستغراق فى العمل يا هيلين فقد أقبل زبون ،،
فأخفت هيلين القصة فى أحد الأدراج ووضعت ورقة بيضاء فى
الآلة الكاتبة
وسألت السمسار:
- ماذا أكتب يا مستر هاكر؟
- أى شىء .. أى شىء
وفتح الرجل الباب ودخل وراح ينقل بصرة بين السكرتيرة
والسمسار،
ثم احنى رأسة لهذا الأخير محييا وقال متسائلا :
- هل أنت مستر هاكر ؟
-نعم يا سيدى فماذا أستطيع ان افعل من أجلك ؟
فلوح بصحيفة فى يدة وقال :
- لقد قرأت اعلانا عن مكتبك فى هذة الصحيفة
- نحن ننشر هذا الأعلان فى التايمز مرة كل أسبوع لأن الكثيرين
من أهل المدينة الكبراء يتوقون
الى شراء بيوت فى المدن الصغيرة الهادئة يخيل الى أنك من
نيويورك يا مستر ...
فقال :
- بيرى ..أدكار بيرى
وأخرج من جيبة منديلا جفف بة عرقة وقال :
- إن الطقس حار اليوم ؟
- هذة موجة طارئة لن تستمر طويلا فأن الجو فى هذة المدينة
معتدل بصورة عامة،لأنها
تقع على ضفة بحيرة كبيرة لا شك انك مررت بها
وأنت فى طريقك إلينا ،
ألا تتفضل بالجلوس يا مستر بيرى ؟
-شكرا .
وتهالك على أحد المقاعد، وتنهد بارتياح
- لقد طفت بارجاء المدينة قبل قدومى اليك وهى فى الحقيقة مدينة
صغيرة هادئة.
- انها كذلك هل لك فى لفافة تبغ يا مستر بيرى؟
كلا .. شكرا ثم أن وقتى ضيق فهل أستطيع التحدث
فورا فيما أتيت بخصوصة؟
ثم وجة حديثة الى الفتاة قائلا :
- هلا كففت عن الكتابة الأن يا هيلين ؟ ان ضوضاء الألة الكاتبة
لا يحتمل.
- حسنا يا مستر هاكر.
-والأن يا مستر بيرى .. هل وقع اختيارك على منزل معين تريد
شرائة ؟
- الواقع أننى رأيت منزلا على مشارف المدينة وأريد أن أعرف
شيئا عنة ،
انة منزل قديم يخيل الى أنة مهجور؟
- هل هو قائم على أعمدة وتحيط بة حديقة واسعة؟
- نعم وقد رأيت علية لوحة تدل على أنة معروض للبيع .
فهز هاركر رأسة فى حزن وقال:
- هذا المنزل غير جدير باهتمامك يا سيدى.
فسألة مستر بيرى :
- لماذا
فقدم الية هاركر قائمة بالمنازل المعروضة للبيع وقال :
- اقراء ما كتب عنة فى هذة القائمة.
وقرأ مستر بيرى:
منزل قديم يتألف من ثمانى غرف وحمامين وتحيط بة حديقة
كبيرة..
وموقعة قريب من السوق والمدارس، الثمن 75 الف دولار
قال هاركر:
- الا يزال يهمك شرائة؟
- ولم لا؟ هل ثمة ما يمنعنى من شرائة؟
فحك هاركر راسة وقال :
اذا كانت هذة المدينة قد أعجبتك حقا.. وكان فى نيتك الأقامة بها
فاءننى أستطيع
أن اعرض عليك بيوتا أفضل من هذا بكثير.
فقال مستر بيرى:
- صبرا لحظة لقد جئتك للأستفسار عن هذا المنزل بعينة فهل تريد
أن تبيعنى اياة أو لا تريد
فارتسمت على شفتى هاركر ابتسامة ساخرة وقال:
- دعنى اوضح لك الأمر يا مستر بيرى ... منذ خمس سنوات
جاءتنى السيدة فلورنس غريم عقب وفاة ابنها
وطلبت الى التوسط فى بيع منزلها ولكن قلت لها فى صراحة أن
الثمن الذى تطلبة
مبالغ فية كثيرا وان المنزل لا يساوى اكثر من عشرة آلاف
دولار.
ولم يستطع مستر بيرى اخفاء دهشتة، وصاح
- كيف تطلب اذا 75 الف دولار ثمنا لمنزل لا يساوى اكثر
من عشرة آلاف دولار
- أرجوألا تسألنى عن ذلك ان المنزل قديم فعلا ويكاد أن يكون
أثريا ،
ولكن بعض اعمدتة توشك أن تنهار وقبوة ملىء بالماء، وطابقة
العلوى
مائل نحو خمسة عشر سنتيمترا!
فسألة مستر بيرى:

يتبع

MA7MOUD
06-18-2010, 11:56 PM
فسألة مستر بيرى:
- اذا لماذا تطلب هذا المبلغ الباهظ ثمنا لمنزل متداع ؟
فهز هاكر كتفية وقال :
- لعلها تفعل ذلك لأسباب عاطفية فالمنزل مملوك لأسرتها منذ حرب الأستقلال.
فأطرق مستر بيرى رأسة وغمغم قائلا كمن يحدث نفسة:
- هذا امر يؤسف لة!
وارتسمت على شفتية ابتسامة باهتة...
وقال يحدث مستر هاكر:
- لا أكتمك أن المنزل أعجبنى لحسن موقعة وكنت أفكر فية باعتبارة
المكان الذى طالما حلمت بالأقامة فى مثلة.
- الواقع انة صفقة طيبة بمبلغ عشرة ألاف دولار أما أن يدفع المشترى خمسة وسبعين الفا...
وقلب شفتية وضحك ثم استطرد قائلا:
-اننى أفهم وجهة نظر صاحبتة وأعرف طريقة تفكيرها.. ان ايرادها ضئيلل
وكان ابنها يساعدها بالمال منذ كان يعمل فىنيويورك ويربح كثيرا ثم مات الأبن
ووجدت المرأة أن من الأوفق أن تبيع المنزل، ولكنها لم تستطع اقناع نفسها بالتخلى عنة ..
بعد أن عاشت فية هى وأسرتها أكثر من قرن من الزمان ولهذا حددت لة ثمنا باهظا
لا يقبلة أحد.. وبذلك أرضت ضميرها.
- ان بعض الناس ينحون فى تفكيرهم نحوا عجيبا.
فقال مستر بيرى وهو مستغرق فى التفكي :
- نعم هذا صحيح
ثم نهض واقفا وقال :
- لقد خطر لى خاطر يا مستر هاكر ، لماذا لا تدعنى اتصل بمسز غريم وأتفاوض معها
فربما استطعت اقناعها بخفض الثمن.
فتمتم هاكر :
- سوف تضيع وقتك سدى يا مستر بيررى ... اننى أحاول ذلك منذ خمسة أعوام
- من يدرى ؟ ربما اذا حاول ذلك أحد سواك.
-جرب حظك اذا وأنا على استعداد لمعاونتك .
فقال مستر بيرى :
- حسنا .. سأتصل بها تليفونيا على الفور لأنبئها بقدومك .
واجتاز مستر بيرى شوارع المدينة الصغيرة الهادئة بسيارتة الحمراء الكبيرة...
ووصل إلى منزل أحلامة دون أن يلتقى فى طريقة بأية سيارة أخرى.
ودق باب المنزل، ففتحتة سيدة قصيرة القامة بدينة الجسم وقد خط الشيب شعرها ، وأحدثت السنون
فى وجهها أخاديد عميقة تلتقى كلها عند ذقن تنم عن العناد وقوة الأرادة.
قالت:
- لابد أنك مستر بيرى .. لقد اتصل بى مستر هاكر وأنبأنى بقدومك.
فأجاب بيرى وهو يضع على شفتية أعذب ابتسامة :
- نعم يا سيدتى .. هل تسمحين لى بالدخول ؟ إن الحر لا يطاق
- أعلم ذلك ، ولقد أعددت لك قدحا من عصير الليمون المثلج ، تفضل بالدخول يا سيدى ،
ولكن لا تتوقع الدخول معى فى مساومات ، فاننى لست ممن يساومون.
فرد فى أدب :
- أعلم ذلك يا سيدتى.
وتبعها إلى الداخل
وكان المنزل مظلما رطبا فقادتة السيدة الى قاعة استقبال فسيحة تبعثرت
فى أرجائها قطع من الأثاث لا طراز لها ولا لون.
وجلست المرأة على أحد المقاعد ، وعقدت ساعديها فوق صدرها بحزم وقالت :
- اذا كان لديك ما تريد قولة يا مستر بيرى فقلة على الفور.
فتنحنح بيرى ليجلو صوتة ، وقال فى رقة ودعة :
- لقد تحدثت الى السمسار بشأن هذا :
فقاطعتة قائلة :
- اعلم كل ذلك ، ولكن هاكر كان مغفلا حين شجعك على القدوم لمساومتى ، ومحاولة اقناعى بخفض
ثمن المنزل ، فليس من اليسب على من كانت فى مثل سنى أن تتزحزح عن رأيها .
فقال بيرى متلعثما :
- الواقع يا سيدتى ، أن هذة لم تكن نيتى ، انما كنت أريد أن أتجاذب معك أطراف الحديث !
فتراخت المرأة فى مقعدها وقالت :
- الكلام مباح فقل ما بدا لك .
فقال بيرى وهو يجفف عرقة :
- سأوضح لك الموقف بأيجاز.. اننى رجل أعمال ، وأعزب.. وقد كافحت طويلا
وجمعت ثروة لا بأس بها ، وآن لى أن استريح واقضى بقية حياتى فى مكان هاىءن ولقد اعجبتنى
هذة المدينة .. وأذكر اننى مررت بها فى احدى جولاتى وقلت لنفسى :
حبذا لو أجد بيتا يصلح لاقامتى ؟
- وقد اتيت اليوم الى هذة المدينة ، ورأيت هذا المنزل، وخيلالى انة ضالتى المنشودة.
- أنا ايضا أحب هذا المنزل يا مستر بيرى، والثمن الذى ذكرة لك مستر هاكر معتدل كثيرا.
- خمسة وسبعون الفا ليست مبلغا معتدلا يا مسز غرين، ان بيتا كهذا لا يكلف هذة الأيام
أكثر من ..
فقاطعتة المرأة صائحة :
- كفى .. كفى يا مستر بيرى ... قلت لك اننى لست على استعداد للمساومة ،
فاذا لم تكن على استعداد لدفع الثمن الذى طلبتة ، فأرجو أن تعتبر الموضوع منتهيا .
- ولكن..
- طاب يومك يا مستر بيرى.
ونهضت واقفة ، كأنما لتوحى الية بالأنصراف..
ولكنة لم يبرح مكانة وهتف قائلا :
- صبرا لحظة يا سيدتى ، صبرا لحظة ، انة ثمن خيالى ، ولكن.. ولكن لا بأس ، سأدفع ما تطلبين.
فرمقتة بنظرة فاحصة طويلة ، ثم قالت ببطء :
- هل أنت واثق من ذلك يا مستر بيرى ؟
- كل الوثوق .. عندى مال كثير ، وما دامت هذة إرادتك فليكن ما تريدين !
فقالت وعلى شفتيها ابتسامة غامضة :
- لابد أن يكون عصير الليمون قد اثلج الأن .. سآتيك بقدح منة ، ومن ثم أحدثك عن المنزل
وجفف بيرى عرقة وتناول قدح العصير المثلج الذى جاءت بة المرأة
على صفحة صغيرة ، وتجرع الشراب بشراهة.
وقالت العجوز وهى تسترخى فى مقعدها :
- لقد امتلكت أسرتى هذا المنزل منذ سنة 1802 وكان قد بنى قبل ذلك بنحو خمسة عشر عاما
وجميع أفراد الأسرة فيما عدا ابنى ميشبل قد ولدوا فى غرفة النوم بالطابق الثانى
أنا الوحيدة التى شذذت عن أمهات الأسرة ، فقد وضعت ميشيل فى أحد المستشفيات.
ولمعت عيناها الضيقتان واستطردت قائلة :
- أنا أعلم أنة ليس أفضل منزلفى المدينة ، ومنذبضعة اعوام امتلاء قبوة بالماء ،
ولم يجف تماما منذ ذلك الوقت ..
ولقد توفى زوجى ولم يبلغ ميشبل التاسعة من عمرة ، وضاق بنا الحال حتى اضررت
إلى مزاولة الحياكة والتطريز وأشغال الأبرة ، وكان أبى قد ترك لى ايرادا
صغيرا وهو الذى أعيش بة الأن ..وافتقد ميشيل أباة ، ونشأ غلاما ثائرا
متمردا ، طموحا كغيرة من الشباب ، فما أن تخرج من الجامعة ، حتى
رحل الى نيويورك رغم ارادتى ، ولا بد أنة نجح فى عملة هناك ، لأنة
كان يرسل لى نقودا بانتظام ، ولكنى لم ارة طيلة تسعة أعوام !
واغرورقت عيناها بالدمو ومضت تقول :
- لقد آلمنى فراقة .. ولكن ألمى كان أشد حين عاد ، لأنة كان فى مأزق ..
ولم أعرف تماما ما هى متاعبة ، فقد اقبل فى منتصف الليل ..
كان شديد الهزال والنحول ، ويبدو أكبر سنا مما هو حقيقة، ولم يكن
يحمل من المتاع سوى حقيبة صغيرة سوداء ، وحينما حاولت فتح الحقيبة ،
رفع يدة وهم بأن يضربنى .. نعم هم بأن يضربنى ، أنا أمة.
ووضعتة فى الفراش كما كنت أفعل وهو طفل ، ولكن لك يغمض لة جفن ، وظل يبكى طوال الليل.
وفى الصباح .. طلب الى أن أغادر المنزل لبضع ساعات ، وقال انة يريد أن يفعل شيئا ،
ولم يوضح لى طبيعة ذلك الشىء ، ولكنى لا حظت حين عدت فى المساء أن الحقيبة اختفت .
وهنا افرغ مستر بيرى فى جوفة ما تبقى فى القدح من عصير الليمون وسأل :
- وكيف تفسرين ذلك ؟
- لم أعرف على الفور ، ولكنى عرفت كل شىء فى المساء ، فقد اقبل
شخص الى المنزل فى المساء ، ولا أعلم كيف دخل ، ولكنى علمت بوجودة
حين سمعت صوتة فى غرفة ميشيل ،فألصقت اذنى بباب الغرفة ،
وحاولت أن أنصت الى حديثهما لأعرف نوع المتاعب التى تقلق ميشيل وتؤرقة،
ولكننى لم اسمع سوى صيحات الغضب وعبارات التهديد ، وفجأة ..
وصمتت العجوز لحظة ، وغاص رأسها فوق صدرها كما لو كانت الذكريات تثقل كاهلها.
ثم عادت الى الحديث :
- وفجأة ، دوى طلق نارى ، فاقتحمت الغرفة ، ورأيت احدى النوافذ مفتوحة ،
وقد اختفى الزائر المجهول ، اما ميشيل فكان ممددا على الأرض جثة هامدة.
وصمتت المرأة مرة أخرى .. ثم عادت الى سرد قصتها .
- كان ذلك منذ خمس سنوات ، خمس سنوات طوال ، وقد انقضى بعض الوقت ..
قبل أن أعرف الحقائق كلها من رجال البوليس .
ويبدو مما قالة رجال البوليس ، ومما حدث فى ذلك اليوم المشؤوم
أن ميشيل والشخص الآخر اشتركا فى السطو على أحد البنوك ، وسرقا
بضعة آلاف من الدولارات ، وأن ميشيل اراد الأحتفاظ بالمبلغ كلة لنفسة
فجاء بة فى الحقيبة ، وطلب منى مغادرة المنزل ليتسنى لة
اخفاؤة فى مكان ما ، وحين اقبل شريكة فى مساء اليوم التالى
للمطالبة بنصية ، ولم يجد المال .. اطلق رصاصة على ميشيل صرعتة على الفور .
وحملقت المرأة فى وجة مستر بيرى واستطردت قائلة :
- وهذا هو السبب فى أننى حددت ثمن هذا المنزل بخمسة وسبعين ألف دولار ..
كنت أعلم أن قاتل ولدى سيعود يوما ما وسيحاول شراء هذا المنزل بأى ثمن ،
للبحث فية عن الحقيبة .. وأصبحت كل مهمتى ان أنتظر بفروغ صبر ..
حتى يأتى الشخص الذى يبدى أستعدادة لشراء هذا المنزل المتداعى بالثمن الباهظ الذى حددتة.
قالت ذلك ونظرت إلى مستر بيرى وعلى شفتيها ابتسامة ساخرة ماكرة ؟
وكان بيرى يترنح فى مقعدة وقد زاغ بصرة ، وحين حاول إعادة القدح الى مكانة
فى الصفحة ، لم يستطع ذلك .. وسقط القدح من يدة
وسمعته المرأة يغمغم بصوت متقطع :
- يا ألهى ! ما أشد مرارة هذا العصير !وكانت تلك آخر كلمة نطق بها مستر بيرى قبل أن يقتلة الشراب المسموم .

ياترى حلوة عطوني رأيكم

MA7MOUD
06-25-2010, 01:53 AM
http://www.rjrjh.com/up/uploads/images/rjrjh.com-bd60d11076.png
شخصية المحقق بوارو بالمسلسل البوليسي بوراو


رواية من روائعة اجاثيا وبطلها هركويل بوارو

عش الزنابي

خرج جون هاريسن من المنزل ووقف على المصطبة الأمامية
بعض الوقت ينظر الى الحديقة أمامه. كان رجلا ضخما ذا وجه
نحيل شديد الشحوب. كانت سيماه عادة تميل الى الجهامة ولكن
عندما ترق القسمات المتغضنة -كما هو الآن- فتصبح ابتسامة
يصبح فيه شئ ما شديد الجاذبية.

لقد أحب جون هاريسن حديقته ولم يسبق لها أن بدت أفضل
مما تبدو عليه هذا المساء الصيفي من شهر آب باعثة على
الاسترخاء. لم تزل الورود المعترشة جميلة والبازلاء الحلوة تملأ
الجو بعبقها.

صوت صرير مألوف تماما جعل هاريسن يدير رأسه بحدة. من
هو القادم من بوابة الحديقة؟ بعد دقيقة على وجهه تعبير الدهشة
التامة لأن هيئة الرجل المهندم القادم عبر ممر الحديقة كانت آخر
ما يتوقع رؤيته في هذا المكان من العالم.
صرخ هاريسن: هذا والله عجيب, السيد بوارو!
وكان حقا هيركيول بوارو الشهير الذي طبقت شهرته الآفاق.
- نعم. لقد قلت لي يوما: "ان وجدت نفسك يوما في هذا الجزء
من العالم فتعال لزيارتي", وقد أخذت بجريرة كلمتك وجئت.
أجاب هاريسن بحماسة: وأنا ممتن لذلك اجلس واشرب شيئا.
وأشار الى طاولة على الشرفة فقال بوارو وهو يغرق في كرسي
شبكي القاعدة: "أشكرك لا أظن أن لديك عصير فواكه محلى؟ كلا,
لا أظن ذلك. قليل من ماء الصودا اذن, لا مشروبات كحولية".
ثم أضاف بصوت حساس معبر بينما كان هاريسن يضع له كأس الصودا بجانبه: خسارة.. شاربان متهدلان! والسبب هو هذا
الحر.
سأله هاريسن وهو يجلس على كرسي آخر: وما الذي جاء بك الى
هذه البقعة الهادئة؟ المتعة؟
- كلا يا صديقي, بل العمل.
- العمل؟ في هذا المكان النائي؟
هز بوارو رأسه بالايجاب وهو متجهم الوجه ثم قال: نعم يا
صديقي, فليست كل الجرائم ترتكب بين الحشود الغفيرة كما تعلم.
ضحك الآخر وقال: أظنها كانت ملاحظة بلهاء من طرفي. ولكن
ما هي الجريمة المحددة التي تحقق فيها هنا, أم أن ذلك شئ يجب
أن لا أسأل عنه؟
- تستطيع أن تسأل, والحقيقة أنني أفضل أن تسأل.
نظر اليه هاريسن بفضول؛ فقد أحس بأن في أسلوب صديقه
وطريقة كلامه شيئا غير عادي. بعدها تقدم بحديثه على نحو
متردد بعض الشئ, قال: هل قلت انك تحقق بجريمة؟ جريمة
جدية؟
- من أكثر ما يمكن أن تكون الجرائم جدية.
- ماذا تعني...
- جريمة قتل.
وقد نطق بوارو هاتين الكلمتين بجدية بالغة جعلت هاريسن تأخذه
المفاجئة. كان بوارو يحدق اليه مباشرة وأيضا كان في نظرته شئ
غير عادي تماما بحيث لم يعد هاريسن يعرف كيف يستمر في
الحديث. ولكنه قال أخيرا: ولكنني لم أسمع بأية جريمة قتل.

- نعم, فأنت لم تكن لتسمع بها.
- ومن هو القتيل؟
- حتى الآن, لا أحد.
- ماذا؟
- ولذلك قلت انك لم تسمع بها. انني أحقق في جريمة لم ترتكب
بعد.
- اسمعني يا بوارو, هذا هراء.
- أبدا. ان كان بوسع المرء أن يحقق في جريمة قبل حدوثها فان
ذلك أفضل بكثير -بالتأكيد- من التحقيق بعد الجريمة. يمكن للمرء
حتى أن يمنعها.
نظر هاريسن اليه ثم قال: انك لست جادا يا سيد بوارو.
- بلى, انني جاد.
- أتعتقد حقا بأن جريمة قتل سترتكب؟ آه, هذا سخيف!
أنهى بوارو الجزء الأول من جملته دون أن يلقى بالا لتعجب
صاحبه: مالم نستطع أن نمنعها. نعم يا صديقي, هذا ما أعنيه.
- نمنعها؟
- نعم قلت: نمنعها نحن. فسأحتاج الى تعاونك.
- ألهذا أتيت الى هنا؟
مرة أخرى نظر بوارو اليه ومرة أخرى جعله ذلك الشئ غير
المحدد في نظرة بوارو يضطرب ويقلق.
- جئت الى هنا يا سيد هاريسن لأنني.. حسنا, لأنني أحبك.
ثم أضاف بصوت مختلف كليا: انني أرى يا سيد هاريسن بأن
لديك هناك عش زنابير. عليك أن تدمره.
أدى تغيير الموضوع بهاريسن الى أن يقطب جبينه بطريقة تلفها
الحيرة. ثم تبع بعينيه نظرة بوارو وقال بصوت مذعور: أنا في
الحقيقة سأدمره... أو بالأحرى سيدمره الشاب لانغتن. هل تتذكر
كلود لانغتن؟ كان حاضرا في نفس دعوة العشاء تلك التي قابلتك
فيها. انه قادم هنا هذه الليلة ليدمر هذا العش. يبدو شغوفا بعض
الشئ بهذا الأمر.
- آه, وكيف سيدمره؟
- بالنفط وحقنة الحديقة. ولكنه سيحضر ابرته الحاقنة؛ فحجمها
أكبر من حجم ابرتي.
- ألا توجد طريقة أخرى؟ باستخدام سيانيد البوتاسيوم؟
بدا وكأن هاريسن قد فوجئ قليلا, وقال: بلى, ولكن تلك مادة
خطيرة ومن المجازفة دوما الاحتفاظ بها في البيت.
هز بوارو رأسه موافقا ببطء وقال: "نعم, انه سم قاتل". تريث
قليلا وردد مرة أخرى بصوت وقور: سم قاتل.
علق هاريسن ضاحكا: انه مفيد ان كنت تريد "تصريف" حماتك,
ايه؟
ولكن بوارو ظل جادا, وقال: وهل أنت واثق يا سيد هاريسن بأن
ما سيستخدمه السيد لانغتن في تدمير عش الزنابير هو النفط؟
- واثق تماما, لماذا؟
- انني أتعجب! لقد كنت عند الصيدلي في بارتشيستر عصر اليوم.
وكان علي أن أوقع في سجل السموم مقابل احدى العقاقير التي
اشتريتها ورأيت في السجل آخر مادة وآخر توقيع. كانت المادة
سيانيد البوتاسيوم وقد وقع أمامها كلود لانغتن.
نظر هاريسن اليه وقال: غريب!... لقد أخبرني لانغتن أمس بأنه
لم يحلم أبدا باستخدام هذه المادة والحقيقة أنه قال يجب عدم بيعها
لهذه الأغراض.

يتبع

MA7MOUD
06-25-2010, 01:54 AM
أرسل بوارو ناظريه الى الحديقة. وكان صوته هادئا جدا وهو
يطرح سؤاله: هل تحب لانغتن؟
جفل هاريسن؛ اذ بدا وكأن السؤال قد فاجأه على حين غفلة. قال:
أنا... أنا... حسنا, بالطبع أحبه, ولماذا لا أحبه؟
- قال بوارو بهدوء: كنت أتساءل فقط ان كنت تحبه.
ولما لم يجب هاريسن مضى بوارو قائلا: وقد تساءلت أيضا ان
كان هو يحبك؟
- ما الذي تريد الوصول اليه يا سيد بوارو؟ في عقلك شئ لا
أستطيع سبر غوره.
- سأكون صريحا جدا معك. انك خاطب, وستتزوج يا سيد
هاريسن. وأنا أعرف الآنسة مولي دين. انها فتاة جميلة وفاتنة جدا
وقبل أن تكون مخطوبة لك كانت مخطوبة لكلود لانغتن وقد تركته
من أجلك.
هز رأسه موافقا واستمر بوارو: أنا لا أسأل عن دوافعها في ذلك
فربما تكون لها مبررتها. ولكنني أقول لك ما يلي: ليس من
المستكثر عليك أن تفترض بأن لانغتن لم ينس ولم يغفر ذلك.
- أنت مخطئ يا سيد بوارو... أقسم أنك مخطئ. لقد تحلى لانغتن
بروح رياضية وتقبل الأمر كرجل وقد كان شريفا معي الى حد
مدهش... بذل كل ما بوسعه ليكود ودودا.
- ولم يسترع ذلك انتباهك كأمر غير عادي؟ لقد استعملت
تعبير"الى حد مدهش" ولكنك لا تبدو مدهوشا.
- ما الذي تعنيه يا سيد بوارو؟
قال بوارو وفي صوته نبرة جديدة: أعني بأنه يمكن لرجل أن
يخفي كرهه حتى يأتي الوقت المناسب.
- كرهه؟
هز رأسه بالنفي وهو يضحك.
- الانكليز أغبياء جدا؛ يعتقدون أنهم يستطيعون خداع الجميع وأن
أحدا لا يستطيع خداعهم. هذا روحه رياضية, وهذا شاب طيب...
لن يصدقوا أبدا وجود الشر فيه ولأنهم شجعان -رغم غبائهم- فهم
أحيانا يموتون في وقت ليسوا مضطرين للموت فيه.
قال هاريسن بصوت منخفض: انك تحذرني. أنا أدرك ذلك الآن...
أدرك ما حيرني طوال هذا الوقت. انك تحذرني من كلود لانغتن.
وقد جئت هنا اليوم لتحذرني...
هز بوارو رأسه موافقا, فقز هاريسن واقفا وقال: ولكنك أنت
المجنون يا سيد بوارو. نحن نعيش في انكلترا والأمور لا تجري
بهذا الشكل هنا, فالخاطبون الذين تركتهم خطيباتهم لا يركضون
في الشوارع طاعنين الناس في ظهورهم. وأنت مخطئ بخصوص
لانغتن؛ فذلك الشاب غير مستعد أن يؤذي ذبابة.
قال بوارو بهدوء: حياة الذباب ليست موضع اهتمامي. ورغم أنك
تقول ان السيد لانغتن غير مستعد لقتل ذبابة فانك تنسى أنه يعد
العدة الآن لقتل عدة آلاف من الزنابير.
لم يجب هاريسن على الفور. ونهض بوارو بدوره وتقدم من
صديقه ووضع يده على كتفه. كان بوارو ثائرا منفعلا حتى انه كاد
أن يهز جسد الرجل الضخم وبينما كان يفعل ذلك همس بأذن
صديقه قائلا: تغلب على غفلتك يا صديقي, تغلب على غفلتك.
وانظر... انظر الى حيث أشير. هناك عند الحافة تماما قرب جذر
الشجرة. انظر الى الزنابير وهي تعود الى عشها هادئة في نهاية
النهار. خلال ساعة قصيرة سيحل بها الدمار وهي لاتعرف ذلك.
ليس هناك من يخبرها.. ليس لديها -كما يبدو- أحد مثل هيركيول
بوارو. انني أقول لك يا سيد هاريسن بأنني قد جئت الى هنا في
عمل وان جرائم القتل هي عملي, وهي عملي قبل أن ترتكب بقدر
ما هي عملي بعد ارتكابه. في أي وقت سيأتي السيد لانغتن لنزع
عش الزنابير هذا؟
- لانغتن لن...
- سألتك في أي وقت؟
- في الساعة التاسعة. ولكنني أقول لك: انك مخطئ تماما. لانغتن
لن يقدم أبدا...
صاح بوارو مقاطعا في نوبة عاطفة: يا لهؤلاء الانكليز!
ثم أخذ قبعته وعصاه ومضى عبر الممشى توقف قليلا ليلتفت
ويقول: لن أبقى لكي أتجادل معك فلن أجني من ذلك الا اغضاب
نفسي, ولكن, ليكن بعلمك: سأعود في الساعة التاسعة.
فتح هاريسن فمه ليتكلم, ولكن بوارو لم يعطه فرصة لذلك اذ قال:
أعرف ما ستقوله... لانغتن لن يقدم أبدا... الخ. حسنا, أنت تقول:
ان لانغتن لم يقدم أبدا! ولكنني -مع ذلك- عائد اليك في الساعة
التاسعة. نعم, وسيسرني ذلك, اعتبرها هكذا: يسرني أن أشاهد
تدمير عش الزنابير. اعتبرها رياضة من رياضاتكم الانكليزية!

لم ينتظر جوابا بل مضى سريعا في ممر الحديقة ثم الى الخارج
عبر البوابة التي تصدر صريرا. وما أن أصبح في الشارع حتى
خفت سرعة خطواته وتلاشت حيويته ونشاطه وأصبح وجهه قلقا
وقورا. أخرج ساعته من جيبه ونظر اليها. كانت العقارب تشير
الى الثامنة وعشر دقائق. تمتم قائلا: أكثر من ثلاثة أرباع الساعة.
عجبا, هل استعجلت؟
تباطأت خطواته, بل بدا وكأنه وصل الى نقطة يكاد يعود فيها. بدا
أن نذير شر غامضا يهاجمه ولكنه طرد ذلك الهاجس عنه بتصميم
واستمر في سيره باتجاه القرية. ولكن وجهه كان ما يزال قلقا, وقد
هز رأسه مرة أو مرتين صنع رجل لا يملك الا بعض القناعة.
كانت الساعة قبل التاسعة ببضع دقائق عندما اقترب مرة أخرى
من بوابة الحديقة. كان المساء صافيا ساكنا لا تكاد ترى فيه هبة
نسيم تحرك أوراق الشجر. ربما كان في هذا السكون شئ ما
شرير كالهدوء الذي يسبق العاصفة.
تحركت قدما بوارو بشكل أسرع قليلا اذ شعر فجأة بالذعر وعدم
اليقين. كان يخاف شيئا لا يدرك كنهه. وفي تلك اللحظة فتحت
بوابة الحديقة وخرج منها كلود لانغتن بسرعة الى الشارع. وقد
جفل عندما رأى بوارو وقال: آه...مـ... مساء الخير.
- مساء الخير يا سيد لانغتن. لقد خرجت مبكرا.
نظر لانغتن اليه وقال: لا أدري ما الذي تعنيه؟
- هل عالجت عش الزنابير؟
- في الحقيقة... لا, لم أعالجه.
قال بوارو بلطف: آه, أنت لم تعالج عش الزنابير. فماذا فعلت
اذن؟
- جلست فقط وتحدثت قليلا مع هاريسن العجوز. انني مضطر حقا
للاسراع بالانصراف الآن يا سيد بوارو. لم تكن لدي فكرة بأنك
باق في هذا الجزء من العالم.
- لدي عمل هنا.
- آه! حسنا, ستجد هاريسن على المصطبة. أنا آسف لأنني لا
أستطيع البقاء.
وأسرع مبتعدا. تابعه بوارو بنظراته. كان شابا عصبي المزاج
حسن الهيئة ذا فم ينم عن الضعف! تمتم بوارو قائلا: فسأجد هاريسن على المصطبة اذن. ترى هل سأجده؟
دخل من بوابة الحديقة ثم عبر الممر. كان هاريسن جالسا على
كرسي قرب الطاولة. جلس ساكنا بل انه لم يدر رأسه عندما
اقترب منه بوارو قائلا: آه! يا صديقي. أأنت على ما يرام؟
ساد صمت طويل, قال بعده هاريسن بصوت ذاهل: ماذا قلت؟
- قلت: هل أنت على ما يرام؟
- بخير, نعم... أنا بخير. ولماذا لا أكون كذلك؟
- ألا تشعر بأية آثار سيئة؟... هذا جيد.
- آثار سيئة؟ من ماذا؟
- من مسحوق غسول الصودا.
نهض هاريسن فجأة وقال: غسول الصودا؟ ما الذي تعنيه؟
قام بوارو بحركة اعتذار وقال: انني آسف جدا لاضطراري لذلك,
ولكنني وضعت بعض حبيبات مسحوق الصودا في جيبك.
- وضعت حبيبات الصودا في جيبي؟ لماذا بالله عليك؟
حدق هاريسن اليه. تكلم بوارو بهدوء وبأسلوب موضوعي وكأنه
محاضر نزل الى مستوى طفل صغير: أنت تعلم أن واحدة من
محاسن -أو مساوئ- العمل كرجل تحر أن ذلك يجعلك على اتصال
مع طبقات المجرمين وهؤلاء يستطيعون أن يعلموك بعضا من
أغرب الأمور وأشدها اثارة. صادفت نشالا ذات يوم واهتممت به
لأنه -في تلك المرة تحديدا, من بين آلاف المرات- لم يكن قد
ارتكب ما اتهم به, وهكذا أنقذته ولأنه شعر بالامتنان لي فقد وفاني
أجري بالطريقة الوحيدة التي وصل اليها تفكيره, وهي تعليمي حيل
مهنته. وهكذا فانني استطيع نشل جيب رجل -ان أردت- دون أن
يحس أبدا ذلك. أضع احدى يدي على كتفه ثم أمثل دور المنفعل
ولا يحس هو بشئ فيما أكون قد تمكنت من نقل ما في جيبه الى
جيبي وترك بعض حبيبات الصودا مكانه.
ثم تابع بوارو حالما: أرأيت؟ ان أراد رجل أن يصل الى بعض
السم بسرعة ليضعه في كأس دون أن يلحظه أحد فان عليه أن
يحتفظ به في جيب معطفه الأيمن ليس من مكان آخر. لقد عرفت
أنه سيكون هناك.

يتبع

MA7MOUD
06-25-2010, 01:55 AM
ثم دس يده في جيبه وأخرج بعض الحبيبات البيضاء المتكتلة
المبلورة, وتمتم قائلا: خطيرة جدا... ولا ينبغي حملها هكذا دون
اناء محكم.
ومن جيبه الآخر أخرج ببطء وهدوء زجاجة واسعة الفوهة. أدخل
الحبيبات المتبلورة فيها ثم تقدم من الطاولة وملأ الزجاجة بالماء
الصافي. بعد ذلك أغلق سدادتها بحذر وأخذ يرجها حتى ذابت
الحبيبات. كان هاريسن يراقبه وكأنه مسحور. وبعد أن اقتنع
بوارو بمحلوله مشى الى عش الزنابير... فتح الزجاجة وأدار
رأسه جانبا وسكب المحلول في العش ثم تراجع خطوتين ليراقب
الوضع.
كانت بعض الزنابير التي تحط عائدة الى عشها ترتجف قليلا ثم
ترتمي ساكنه فيما زحفت زنابير أخرى خارج فتحة العش لترتمي
ميتة بعدها. راقب بوارو ذلك برهة ثم هز رأسه وعاد الى الشرفة
قائلا: موت سريع, سريع جدا.
وجد هاريسن أخيرا صوته وقال: ما هو مدى معرفتك؟
نظر بوارو أمامه تماما وقال: كما قلت لك, لقد رأيت اسم كلود
لانغتن في السجل. أما ما لم أخبرك به فهو أنني صادفته بعد ذلك
مباشرة. وقد أخبرني بأنه كان يشتري سيانيد البوتاسيوم بناء على
طلبك أنت لتدمير عش الزنابير. وقد أثار ذلك انتباهي باعتباره
أمرا غريبا يا صديقي لأنني أتذكر أنك -في ذلك العشاء الذي
تحدثت عنه- تكلمت مطولا عن الحسنات الكبيرة لاستخدام النفط
واستنكرت شراء السيانيد باعتباره خطيرا وغير ضروري.
- استمر.
- وعرفت شيئا آخر. لقد رأيت كلود لانغتن ومولي دين معا في
مكان لم يكونا يعتقدان أن أحدا سيراهما فيه. انني لا أعرف تلك
المشاجرة بين المحبين التي جعلتهما أساسا يفترقان ودفعت الفتاة
اليك ولكنني أدركت بأن سوء التفاهم بينهما قد زال وأن الأنسة
دين كانت في طريق عودتها الى حبيبها.
- استمر.
- وقد علمت شيئا آخر يا صديقي. لقد كنت في شارع هارلي
شارع الأطباء قبل أيام وقد رأيتك تخرج من عيادة طبيب معين.
وأنا أعرف الطبيب وأعرف المرض الذي يلجأ اليه الناس من
أجله وقد رأيت التعبير على وجهك. ذلك التعبير الذي لم أره سوى
مرة أو مرتين طوال حياتي ولكنه تعبير لايمكن الخطأ فيه. كان
وجهك وجه رجل حكم عليه بالاعدام. أنا على حق في هذا أليس
كذلك؟
- على حق تماما, وقد قرر الطبيب أنني لن أعيش سوى شهرين.

- أنت لم ترني يا صديقي؛ لأنك كنت مشغولا جدا بأمور أخرى
تفكر فيها. وقد رأيت شيئا آخر على وجهك ذلك الشئ الذي قلت لك
عصر اليوم ان الرجال يحاولون اخفاءه... رأيت فيه الكراهية
يا صديقي. انك لم تكلف نفسك عناء اخفاءها, لأنك لم تظن أن
أحدا كان يراقبك.
- استمر.
- لم يعد لدي كثير مما يقال. جئت هنا ورأيت اسم لانغتن
بالمصادفة في سجل السموم كما قلت لك, ثم قابلته وجئتك هنا.
لقد نصبت لك فخاخا. أنت أنكرت أنك طلبت من لانغتن الحصول
على السيانيد أو بالأحرى عبرت عن دهشتك لفعلته ذاك. لقد
فوجئت في البداية لدى رؤيتي ولكنك سرعان ما أدركت أن
وجودي سيكون مناسبا لما تفكر فيه, فشجعت شكوكي. كنت
أعرف من لانغتن نفسه أنه سيأتي هنا في الساعة الثامنة
والنصف, ولكنك قلت انه سيجئ في التاسعة معتقدا أنني سآتي
لأجد كل شئ منتهيا, وهكذا كنت أعرف كل شئ.
- لماذا أتيت؟ لو أنك فقط لم تأت!
اعتدل بوارو في جلسته وقال: لقد قلت لك, ان القتل هو
اختصاصي.
- القتل؟ بل قل: الانتحار.
صدع صوت بوارو حادا واضحا وهو يقولك كلا, بل أعني القتل.
كان موتك سيكون سريعا وسهلا ولكن موت لانغتن الذي خطط له
كان أسوأ موت يمكن لانسان أن يلقاه, فهو الذي اشترى السم وهو
الذي جاء لزيارتك وهو -وحده- الذي كان معك. تموت فجأة
ويكشف السيانيد في كأسك ويشنق كلود لانغتن... تلك كانت
خطتك.
زمجر هاريسن مرة أخرى نائحا: لماذا أتيت؟ لماذا أتيت؟
- لقد أخبرتك. ولكن يوجد سبب آخر؛ وهو أنني أحبك. اسمع يا
صديقي انك رجل يحتضر وقد فقدت الفتاة التي أحببتها ولكن شيئا
واحدا لا يمكن أن تكونه... فأنت لست قاتلا. قل لي الآن: أأنت
سعيد أم آسف لحضوري.
ساد لحظات صمت, واعتدل هاريسن في جلسته. بدت في وجهه
هيئة جديدة: هيئة رجل استطاع أن يتحكم بدخيلة نفسه العميقة.
مد يده عبر الطاولة وصاح: شكرا لله أنك أتيت... آه, شكرا لله أنك
أتيت.


النهايــــــــــــــــــــــــــــــة

MA7MOUD
07-09-2010, 11:34 PM
اجاثيا كريستي

رواية

المفقودة


ضغط بوارو قدميه على الأرض محاولاً تدفئتهما وتساقطت من شاربيه نقط من ذوبان الجليد وسمع طرقاً على الباب ظهرت بعده الخادمة كانت فتاة ريفية تميل إلى السمنة وأخذت تنظر بإستغراب إلى بوارو وكأنها لم ترا شخصاً على شاكلته من قبل ثم سألته قائله هل دققت الجرس ؟
نعم أرجو أن تشعلي لي ناراً ؟
فخرجت وعادت مسرعه تحمل ورقاً وأعواداً من الخشب وضعتها في الندفئه وبدأت تشعلها وراح بوارو يضغط على قدميه ويفرك يديه ويقربهما من وهج النار
لقد قطع مسافة ميل ونصف ميل في طريق وعر يكسوه الجليدوأضطر أن يمشي طوال هذه المسافه لتعطل سيارته حتى وصل إلى قرية هارتلي دن الواقعه على شاطئ النهر وهذه القريه مشهوره بجمالها في الصيف يفر منها الإنسان في الشتاء وروع باورو عندما أخبره صاحب الفندق أن في إمكانه أن يقدم له سياره أخرى يتم بها رحلته كيف يخرج على مألوفه ويستأجر سياره بينما هو يملك سياره وسياره غالية الثمن هو مصمم على العوده ها إلى المدينه؟وهو لن يعود إلى في الصباح حين يكون الجليد قد ذاب والسياره قد تم إصلاحها
مد بوارو قدمية بالقرب من المدفئه وهو يمسك بيده قدحاً متواضعاً يرشف منه سائلاً أسود قيل أنه قهوه ولاكن لهب النار وحرارتها جعلته يشعر كأنه في جنة الخلد حتى نسي الطعام الرديء الذي أكله والقهوه القذرة التي كان يشربها
وطرقت الخادمه الباب ودخلت وهي تقول رجل من ورشة الإصلاح يريد مقابلتك ياسيدي
دعيه يدخل
دخل شاب عليه مسحة من الوسامه والبساطه وقال لقد فحصت العربه وعرفت الخلل الذي بها وسوف يستغرق إصلاحه نحو ساعه
ماهو ذالك الخلل؟
راح الشاب يتكلم عن أشياء فنيه لاتهم بوارو كثيراً وأخذ هذا يهز رأسه كأنه منتبه لمايقوله الشاب بينما هو في الحقيقه غبر ملم بكلامه وأخذت عيناه تضيقان قليلاً ثم قال :لقد فهمت نعم فهمت لأن سائق سيارتي أنبأني بكل ما قلت
فرأى حمرة الخجل تعلو وجه الشاب الذي تناول القبعه بيده في شيء من الإضطراب وسمعه بوار ويقول :نعم سيدي أنا أعرف
فأجاب بوارو :أستحسنت ن تحضر بنفسك لتخبرني بالمطلوب
نعم سيدي لقد فضلت أن أحضر بنفسي
فقال بوارو:أشكر لك عنايتك الزائده
كانت هذه الكلمات تحمل معنى الإذن لشاب بلإنصراف ولا كنه لبث واقفاً في مكانه أمسك بقبعته وتنحنح ثم قال بنبرات
يضهر فيها الإرتباك:أستميحك عذراً ياسيدي ألست أنت السيد بوارو الشرطي السري الخاص المعروف؟
نعم أنا بوارو
احمر وجه الشاب وقال:لقد قرأت عنك مرة في الجرائد
نعم
فتغير وجه الشاب وانتبه بوارو فقال له :نعم ولاكن لماذا تسألني ؟
أخشى أن تضن أن اضطرابي إنما هو نتيجة خوف ولاكن الحقيقه أن حضورك الفجائي إلى هنا وما سبقه من ذيوع لشهرتك في تحقيق الجنايات وقرائتي شيئاً عنها في الجرائد كل هذا جعلني ارغب في سؤالك أمراً هل ثمة مانع؟
فهز بوارو رأسه وأجاب :هل تريد مني أن أساعدك في شيء ما ؟
فقال الشاب متردداً :نعم نعم سيدة شابة أرجو البحث عنها ؟
البحث عنها؟هل أختفت؟
نعم ياسيدي لقد أختفت
اعتدل بوارو على كرسيه وقال بحدة:يمكنني أن أساعدك ولكني أفضل أن تذهب إلى
رجال الشرطه لأن وسائلهم أكثر يسراً
-لايمكنني أن أفعل ذالك ياسيدي لأن المسألة لها طابع خاص
حملق فيه بوارو وأشار له بالجلوس وقال:حسناً ما اسمك إذن؟
تيد ليمسون ياسيدي
اجلس ياتيد وأخبرني بكل شيء
شكره الشاب وجلس على حافة المقعد فقال له بوارو بهدوء: أخبرني
تنهد الشاب بعمق وقال:لم أرها غير مرة واحده ولم أعرف اسمها ولا حقيقتها
فقال بوارو:اسرد علي القصه من أولها لا تتعجل أخبرني بكل ما حدث لك
حسناً سيدي لعلك تعرف نادي جرسلون الواقع على شاطيء النهر بالقرب من القنطرة؟
لا أعرف شيئاً على الإطلاق
يملك هذا النادي السير جورج ساندرفليد يقضي فيه عطلة الأسبوع في الصيف مع جمهرة
من الممثلات وبعض أصدقائه للهو وقد استدعيت في شهر يونيو الماضي لإصلاح خلل بالراديو
هز بوارو رأسه واستمر الشاب يقول:ذهبت في الحال وكان صاحب القصر على شاطئ البحر مع
ضيوفه والطباخ قد خرج لبعض شؤونه فلم أجد سوى مساعده يعد المائده للغداء
وإحدى الوصيفات وأخذتني الوصيفه إلى مكان الجهاز وجلست بجواري أثناء قيامي بإصلاحه
وتحدثنا بالطبع سوياً كان اسمها فاليتا حسب قولها وقالت إنها وصيفة لراقصه روسيه
كانت مع الضيوف حينذاك
ماهي جنسيتها ؟هل كانت إنجليزيه؟
كلا ياسيدي بل أظن أنها فرنسية ففي نبرات صوتها عذوبة وظرف وهي تجيد الإنجليزيه
وتوطدت بيننا الصداقة فدعوتها لتذهب معي إلى السينما ولاكنها اعتذرت إذ ربما تحتاج إليها سيدتها
ثم عادت وقبلت دعوتي بعد ان حددت الموعد المناسب لها كانت نزهة جميلة على شاطئ النهر
ثم صمت الشاب قليلاً وارتسمت على شفتيه ابتسامة عذبة
وغامت في عينيه لمحة من الذكريات فقال بوارو بهدوء:هل كانت جميلة؟
لم أر في حياتي شيئاً أحب إلي قلبي منها إلى قلبي لن أنسى شعرها الذهبي
وهو يتماوج مع النسيم كأنه أجنحة ذهبية ولا ظرف حديثها وعذوبة صوتها
لقد أسرتني بجمالها وأصبحت لا أريد من هذا الوجود شيئاً سواها
فهز بوارو رأسه,واستمر الشاب يقول :لقد وعدتني بقضاء لحظة ممتعة أخرى عندما
تحضر مع سيدتها في المرة القادمة بعد أسبوعين ,ولكنها لم تحضر إلى مكاننا الموعود
وانتظرتها طويلاً بغير جدوى ,وعندما يئست تجرأت وذهبت إلى النادي وسألت عنها, فقيل لي إن الراقصة الروسية قد حضرت ومعها خادمتها وبعد قليل جاءتني خادة دميمة الخلق بدينة الجسم وقالت إن أسمها ماري أما الوصيفه السابقه
فقد طردت .وكدت أصعق وأسقط في يدي , فماتت الكلمات على شفتي وعدت أدراجي
ولاكني تشجعت وعدت ثانية أسأل ماري عن عنوان نيتا ووعدتها بمكافأه سخيه, فعادت بعد قليل تخبرني أنها في شمال لندن,فأرسلت إليها خطاباًرده إلي مكتب البريد بعد بضعة أيام
ثم أردفته بأخر فكان حضة مثل حض الأول .
ثم صمت لحظة ونظر إلى بوارو بعينيه الغائرتين وقال:أظن أنه يتبين لك مما ذكرت أن مسألتي لا تصلح للعرض على
الشرطة, وأنا مستعد أن أدفع لك عشر جنيهات إذا استطعت الحصول على فتاتي.
قال بوارو :لا ضرورة لأن نتناول الناحية المالية الأن, ولاكن أريد أن أسألك سؤال واحداً:هل هذه الفتاة المدعوة نينا تعرف اسمك وعملك؟
-نعم ياسيدي
-هل في إمكانها الاتصال بك إذا أرادت؟
-نعم
-هل تظن أنها ربما..
فقاطعه تيد قائلاً:أظنك تعني ياسيدي أنها لاتحبني كما أحببتها ؟ربما.فقد فكرت في هذا طويلاًوأنا واثق أنها كانت تميل لي .لابد أن يكون هناك شيء شغلها فقد كانت تعيش في بيئة سيئة ولعلها تورطت في بعض المتاعب هل تفهم ما أعني؟
_لعلك تريد أن تقول إنها ستضع طفلاً عما قريب هل هو منك؟
-كلا ياسيدي ,فلم تكن بيننا علاقة أثمة.
نظرإليه بوارو طويلاً وقال:إذا كان ما تظنه حقيقة,فهل لا تزال راغباً في العثور عليها؟
احمر وجه تيد وقال :نعم,وأريد أن أتزوجها إذا شاءت
ولا يعنيني ما تكابده الأن.أرجوك ياسيدي أن تجدها لي وحسب
فابتسم بوارو وقال لنفسه:شعر كأجنحة ذهبية ...سيكون الكشف عن هذه المسألة من المعجزات
الفصل لثاني:
نظر بوارو في ورقة مكتوب فيها عنوان الأنسة نيتا فاليتا
((17وينفرولين,رقم15))وهولا يدري إذا كان العنوان الذي قدمه إليه تيد سيهديه إلى ضالته. ذهب إلى المنزل رقم15
المذكور ففتحت له الباب امرأة بدينة فسألها:الأنسة فاليتا؟
-لقد تركت هذه الدار منذ عهد طويل
فتقدم بوارو خطوة إلى داخل المنزل وقال :هل يمكنك أن تعطيني عنوانها؟
-لا,فهي لم تتركه لنا
-متى رحلت عن هذه الدار ؟
-في الصيف الماضي.
-هل يمكنك أن تخبريني بالتحديد؟
وهنا سمع رنين نقود في يد بوارو ,فسال لعاب المرأة واختفى عبوسها ثم قالت:أوأكد لك ياسيدي أنني أريد مساعدتك . ربما كان ذالك في شهر أغسطس . أعتقد أنه قبل هذا التاريخ ,نعم في شهر يوليو ,فقد رحلت مسرعة في الأسبوع الأول من يوليو,رحلت إلى إيطاليا على ما أظن.
-إذن هي إيطالية؟
-نعم ياسيدي
-وكانت في وقت ما وصيفة لراقصة روسية؟
-هذا صحيح.إنها مدام ساموشينكا , وكانت ترقص في ملهى تيسبيان , وقد غزت قلوب رواد الملهى.
فقال بوارو:هل تعرفين لماذا تركتها الأنسة فاليتا ؟
فترددت المرأة قليلاًثم قالت:لا أعرف ,لعلها قد طردت ربما حدث بينها وبين سيدتها شيء لم تفصح فاليتا عنه.
ولاكنها كانت شديدة الغضب ولعلها لم تدع الأمور تمضي بسلام, فهي بطبيعتها الإيطالية الحادة وعينيها السوداون لا تحجم إذاغضبت من أن تطعن خصمها بسكين, ولهذا لم أكن أعارضها عندما تثور
-هل تجزمين بأنك لا تعرفين عنوانها الحالي ؟
ورنت النقود في يده ثانية,فتشجعت وردت:أشعر برغبة في مساعدتك ,ولاكنها رحلت على جناح السرعة .وهناك قال بوارا في نفسه:نعم هناك
الفصل الثالث:
كان امبروز فاندل منهمكاً في عمل التصميمات اللازمة لحفلة الرقص المقبلة عندما التفت إلى بوارو وقال له :ساندرفيلد؟
جورج ساندرفيلد,ذلك الثري المعروف .إنه رجل سيء السمعة وله علاقة مع الراقصة كاترينا ساموشينكا .هل رأيتها؟إنها فاتنة جداً
-هل توجد علاقة بين هذه الراقصة وساندرفيلد؟
-نعم فقد اعتاد أن تقضي معه عطلة الأسبوع في قصره القائم على ضفة النهر حيث يقيم حفلات ضخمة
-هل يمكنك أن تعرفني بالأنسة ساموشينكا؟
-أنا أسف ,فقد رحلت إلى باريس فجأة إذأشيع عنهاأنعا جاسوسة روسية,ولكنني لم أصدق ذلك لأنها تبغض الشيوعيين
وتدعي أنها من اروس البيض وابنة أحد أمرائهم

يتبع

MA7MOUD
07-09-2010, 11:35 PM
الفصل الرابع

كان السير جورج ساندر فيلد قصير القامة غليظ العنق ,وقد قابل بوارو بشيء من الفتور
وسأله:ماذا يمكنني أن أفعل لك؟
نحن لم نلتق قبل الأن.
فأجابه بوراو:نعم نحن لم نلتق قبل الفعلاً
-إذن فماذا تريد؟
-المسألة بسيطة ,أريدالحصول على معلومات تاففهة جداً
ضحك السير ساندرفيلد على الرغم منه ورد:أتريد أن أفضي إليك بمعلومات تفيدك في شؤونك المالية؟
ليست المسألة خاصة بالشؤون المالية ولكنها متعلقة بإمرأة
-امرأة
-أظنك كنت صديقاً للأنسة كاترينا ساموشينكا؟
ضحك السير ساندرفيلد وقال:نعم فتاة ساحرة ولكنها رحلت من لندن مع الأسف
لماذا رحلت؟
لا أدري ويؤسفني إني لا أستطيع مساعدتك لا نقطاع الأسباب بيني وبينها
فقال بوارو :ولاكن أمر الأنسة ساموشينكا لا يعنيني
-من تريد إذن؟
-وصيفتها لعلك تذكرها
لاح عليه الضيق والحرج وأجاب:كيف أذكر ذلك ؟أنا أفهم أنها دائماً تحتفظ بإحدى الوصيفات وكانت عندها وصيفة لا تعرف الصدق أبداً
فقال بوارو :يلوح لي أنك تعرف عنها الكثير
-كلا وإنما هي ذكريا باهتة فأنا لا أتذكر اسمها
ربما كان ماري أو أي اسم أخر ولهذا أجدني لا أستطيع مساعدتك في الوصول إليها.
قال بوارو بهدوء: لقد حصلت على اسم الوصيفة من ملهى تيسبيان وهو ماري هيلين غير أنني أتحدث عن وصيفة مدام ساموشينكا السابقة وهي نيتا فاليتا.
حملق السير ساندرفيلد وقال:لا أذكرها مطلقاً ولكن ماري هي الوصيفة التي أذكرها دكناء اللون عمشاء العينين.
فقال بوارو :الفتاة التي أعنيها كانت في قصرك المسمى جرسلون في يونيو الماضي.
-حسناً كل ما أستطيع أن أذكره لك هو أنني لا أتذكر هذه الوصيفة ولا تصدق أنها كانت تصحب معها وصيفة لعلك مخطىء ياعزيزي
فهز بوارو رأسة لأن يظن أنه لم يكن مخطئاً
الفصل الخامس
ألقت ماري هيلين على بوارو نظرة هادئة ثم كر بصرها إليه بلمحة سريعة فقالت :أذكر تماماً أنني أشتغلت عند مدام ساموشينكا
في الأسبوع الأخير من شهر يونيو لأن وصيفتها السابقة قد رحلت فجأة
-ألم تسمعي عن سبب رحيلها الفجائي؟
كل ما أعرفه أنها رحلت فجأه ربما كان ذلك بسبب المرض أو أي سبب أخر لا أعلمه لأن السيدة لم تذكر عنها شيئاً
-هل كنت تستريحين لخدمة مدام ساموشينكا؟
هزت الفتاة كتفيها وأجابت :لقد كانت غريبة الأطوار تبكي وتضحك في أن ثم تبتهج وتبتئس في أن أخر لا يمكن معرفة طباعها إنها كمعظم الراقصات هكذا خلقن
سألها بوارو:وما رأيك في السير جورج سانرفيلد؟
فغامت في عينيها سحابة حزن وأسى وقالت:لعلك تريد أن تعرف شيئاً عنه؟يمكنني أن أخبرك عنه أموراً غريبة
فقاطعها بوارو قائلاً:ليس ضرورياً
فنظرت إليه فاغرة الفم يتطاير من عينيها شررالغضب الممزوج باليأس
الفصل السادس
إنني أقول عنك دائماً أنك لا تجهل شيئاً أليكس بافلو فيتش.
قال بوارو هذه العبارة للكونت بافلوفيتش صاحب مطعم ساموفار بباريس يتملقه ويسترضيه لأن البحث عن ضالته المنشودة كان يتطلب منه سفراً طويلاً
وجهوداً شاقاً مضنياً , ولاكن بابلو فيتش يمكن أن يوفر عليه ذلك لأنه يزعم أنه لا تفوته شاردة ولا واردة في دنيا الفنانات والراقصات
فهز الرجل رأسه وقال:نعم ياصديقي ,أنا أعرف كل شيء حقيقة .أنت تسألني أين ذهبت الحسناء ساموشينكا الراقصة الفاتنة التي تأسر قلوب الرجال ؟لقد تفوقت على قريناتها في العالم كله ثم اختفت فجأة وسوف ينساها الناس.
فسأله بوارو :أين هي الأن؟
-في سويسرا .لقد ذهبت إلى هناك للاستشفاء من داء ذات الرئة الذي أضعف جسمها وأذوى عودها حتى أصبحت كالأموات.
تنحنح بوارو وسأله:ألم تعرف وصيفتها المدعوة نيتا فاليتها؟
فاليتا؟نعم ,أذكر أنني رئيتها ذات مرة حينما كنت أودع ساموشينكا عند سفرها إلى لندن إنها إيطالية من بلدة بيزا أليس كذلك؟
فتمتم بوارو لنفسه:إذن يجب أن أرحل إلى بيزا
الفصل السابع
وقف بوارو في مقبرة كاميو سانتو ساكناً خاشعاً ففي أحد قبورها ترقد ضالته المنشودة .تلك الفتاة المرحة التي خلبت لب ذلك الشاب الإنجليزي الساذج
هكذا ختمت قصتها الدامية, وستبقى صورتها حيه في خيال ذلك الشاب المسكين
الذي لم ينعم بقربها سوى لحضة يسيرة في إحدى أمسيات شهر يونيو الماضي
وهز بوارو رأسه في أسف عميق, وتوجه بالحديث إلى عائلتها الحزينة,فتحدث مع والديها الريفيين اللذين هدهما الحزن
وشقيقتها التي أحالها الوجد والأسى هيكلاً أدمياً .قالت أمها الثكلى :لقد خطفها الموت ياسيدي كانت بيانكا تشكو من الزائدة الدودية , وقد رأها الطبيب أخيراً فصمم على نقلها إلى المستشفى فوراً لإجراء جراحة سريعة لإزالة الزائدة الدودية
وكأنما كان شبح الموت يتربص لها هناك ,ففاضت روحها أثناء العملية وهي في غيبوبة من تأثير البنج
وتمتم بوارو لنفسة:كانت نيتا دائماً ماهرة ذكية ومن المحزن أن تموت في هذه السن المبكرة وستكون الرسالة التي سأحملها إلى حبيبها المسكين((إنها لم تعد لك فقد ماتت))
الفصل الثامن
أرخى الظلام سدوله ولم تعدلزهور الربيع نضرتها وبهجتها ولكن الربيع(وهو موسم الحياة وعيد الشباب)له في النفوس دفعة وفي الأبدان حركة فهل يقنع بوارو بهذه النتيجة ؟لا يزال الشك يداعب خياله فتنهد طويلاً واستقر رأيه -في النهاية -على السفر إلى جبال الألب السويسرية ليحسم هذه الشكوك.
هو الأن عند نهاية الدنيا حيث يغطي ركام الجليد كل شييء وهذه الأكواخ المبعثرة هنا وهناك وتحوي هياكل أدمية تصارع الموت .
وصل أخيراً إلى كوخ كاترينا ساموشينكا ,فرأها ممددة في فراشها غائرة العينين والخدين وقد أخرجت من تحت غطائها ذراعين هزيلين لقد أثار هذا المنظر شجونه لقد نسي أسمها ولكنه لم ينس رقصاتها الفتية الرائعة
تذكر ميشيل نهوفجين في رقصة الصياد يداور طريدته حيناً ويطاردها أحياناً في تلك الغابة السحرية التي أخرجتها عبقرية أمبروز فاندل للمشاهدين كغابة حقيقية على خشبة المسرح
وتذكر الطريدة ..ذلك الغزال بقرنيه الذهبيتين وقدميه البرونزيتين يهرب من قناصه في خفة ورشاقة .تذكر ذلك الغزال حين صرعه القناص فسالت دماؤه ,وتذكر ميشيل نوفجين وهو يقف نادماً أمام غزاله الجريح فيأخذه من بين يديه كالواله المشدوه...
ونظرت ساموشينكا وهي في فراشها إلى بوارو ثم قالت:
لم أرك قبل الأن ماذا تريد مني؟
فانحنى بوارو قليلاً وقال:أشكر لك ياسيدتي أولاً فنك الرفيع الذي أتاح لي رؤيتك في إحدى الليالي
فابتسمت ابتسامة ضعيفة, وقال بوارو :جئت هنا لأبحث عن نيتا وصيفتك القديمة
فاتسعت حدقتا ها وسألته في دهشة :ماذا تعرف عن نيتا؟
-سأخبر يا سيدتي
وروى لها قصة الميكانيكي تيد من أولها إلى أخرها وهي تصغي إليه بانتباه,وحين انتهى قالت:إنها مأساة مأساة مؤثرة حقاً
فهز بوارو رأسه وقال :نعم إنها مأساة . ماذا تعلمين عن هذه الفتاة ياسيدتي؟
قالت ساموشينكا وفي نبراتها حزن ظاهر:كانت عندي وصيفة تدعى جانيتا ,مرحة الطبع طيبة القلب ,فحدث لها ما يحدث لأمثالها الغريرات فاغتالها الموت وهي صغيرة.
فأثارت هذه العبارة فضوله وسألها :هل ماتت؟
-نعم ماتت
وبعد لجظة سألها ثانية :ولكن هناك شيئاً واحداً غاب علي فهمه, وهو أنني حينما سألت السير جورج ساندرفليد عن فتاتك بدا عليه الاضطراب لماذا؟
فظهرت على وجه الراقصة علامات الامتعاض وقالت:ربما يكون قد اعتقد أنك تعني ماري التي خلفت جانيتا ,وقد حاولت تلك الفتاة ابتزازه لأمور لاحظتها عليه,فقد كان من عادتها التجسس على أخبار الناس وقراءة رسائلهم
وبعد أن صمت بوارو لحظة سألها :إذن فقد كانت فاليتا تحمل اسماً أخر وهو جانيتا؟ وهي أيضاً قد ماتت في بيزا على إثر عملية استئصال الزائدة الدودية
فقالت الراقصة بعد شيء من التردد :نعم هذه الحقيقة
فقال بوارو:ولاكن أهلها يذكرونها باسم بيانكا
فهزت ساموشينكا كتفيها وأجابت :بيانكا جانيتا ...هذه مسألة لا تهمني ولكني أظن أنها أستظرفت الاسم فأطلقته على نفسها
-أنت تظنين ذلك ولكنني أظن أن في المسألة سرأ؟
ماهو؟
انحنى بوارو وقال : الفتاة التي وصفها لي تيد كانت ذات شعر كالأجنحة الذهبية
ثم دنا من ساموشينكا ولمس شعرها بيديه وتابع كلامه:
أجنحة ذهبية أوقرون من ذهب ... أجنحة كتلك التي كنت تبدين فيها ملاكاً أو شيطاناً , والقرون كتلك القرون الذهبية
كقرون ذلك الغزال الجريح
سألت كاترينا بصوت يائس حزين:الغزال الجريح؟
فرد بوارو :لا يزال وصف تيد ليمسون يلقي في روعي حيرة بالغة هذه الحيرة مصدرها أنت...أنت حينما كنت ترقصين بقدميك البرونزيتين في الغابة هل أخبرك بما يساورني يا أنستي؟
أظنك أمضيت أسبوعاً من غير أن تكون في خدمتك وصيفتك وفي خلال هذا الأسبوع سافرت إلى جرسلون لأن بيانكا فاليتا كانت قد تركتك وعادت إلى إيطاليا حيث ماتت في مقتبل العمر
إثر عملية جراحية . وكنت لم تحصلي على وصيفة جديدة وقد شعرت في ذلك اليوم بأعراض المرض فلم ترافقي الضيوف إلى شاطيء النهر بل بقيت وحيدة في المنزل وسمعت الجرس يرن وذهبت لتنظري من القادم .هل أخبرك من كان ذلك القادم؟
كان شاباً في برائة الأطفال وجمال أبطال الأساطير ,فانتحلت أمامه لا أسم فاليتا ...بل أسم نيتا فاليتا ثم عشت وإياه بضع ساعات في الفردوس...
وهنا ساد بينهما سكون عميق , أجابت بعده كاترينا بصوت أجش:لعلك على حق , ومصداقاً لقصدك فإن نيتا ستموت أيضاً في مقتبل العمر.
فقال بوارو وهو يضرب المنضدة بيده:كلا لن تموتي يجب أن تكافحي من أجل الحياة الجميلة
فهزت رأسها في يأس وحزن ثم أجابت :ولاكن أي حياة تنتظرني؟
-ليست حياة المسرح ولكنها حياة أخرى.تعالي معي يا أنستي , وأرجو أن تصدقيني القول :هل كان أبوك أميراً أو دوقاً أو جنرالاً عظيماً؟
فضحكت وأجابت :بل كان سائق شاحنة في لينغراد
-حسناً ولماذا لا تكونين زوجة لذلك الميكانيكي القروي وتنجبين منه أطفالاً حساناً؟
فامسكت كاترينا أنفاسها ثم أجابت :إنها لفكرة خيالية
فقال بوارو :وأنا أظن أنها ستتحقق


النـهـــــــــــــــ شكرا للمتابعة ـــــــــــــــــاية

MA7MOUD
07-18-2010, 12:55 AM
الضحية العاشرة


اجاثا كريستي


+++++++++++++الفصل الأول+++++++++++++++
الى اللقاء أيها الحبيب
الى اللقاء أيها الحبيبة
وأسندت أليس مارتن كتفها ألى الباب.ووقفت تراقب زوجها وهو يبتعد فى الطريق الى القرية
ما لبس الزوج أن أنحرف فى احد المنحنيات وغاب عن بصرها. ولكنها ظلت مع ذلك فى مكانها،فى نفس الوضع تنظر أمامها بعينين حالمتين وتعالج بأناملها وهى شاردة الذهن خصلة من الشعر عبث بها النسيم فتلاعبت على وجهها. لم تكن أليس مارتن رائعة الجمال. بل أنها لم تكن جميلة على الأطلاق ولكن وجهها وهو وجة أمرأة تجاوزت سن الشباب منذ سنوات عديدة كانت تعلوة مسحة من الهدوء والدعة لم يعهدها زملائها فى المكتب الذى كانت تعمل بة قبل زواجها. حيث كانت تمثل الموظفة النحيلة الجسم الصارمة الوجة ذات العقل المرتب والكفاءة العالية والتصرفات التى تتسم أحيانا بالغلظة والجفاء.
كانت اليكس قد تعلمت فى مدرسة الحياة وشقت طريقها فى أوعر السبل وظلت خمسة عشر عاما من الثامنة عشرة من عمرها حتى الثالثة والثلاثين تكسب قوتها وقوت أمها المريضة من عملها ككاتبة أختزال وكان كفاحها من أجل البقاء هو ما أكسب قسمات وجهها تللك الصلابة التى عرفت عنها قبل أن تتزوج
ولقد عرفت أليكس الحب فى وقت ما وكان الطرف الأخر زميلا لها فى المكتب يدعى ديك وندفورد
وعرفت بغريزة المراءة أن ديك يحبها ولكنها تظاهرت بأنها لا تعرف وهكذا ظلا فى الظاهر مجرد زميلين وصديقين
وكان ديك يتقاضى مرتبا صغيرا وكان عليةأن يتحمل نفقات تعليم أخية الصغير فكان التفكير فى الزواج فى هذة الظروف يعد ضربا من الجنون.
ثم جاءت النجدة فجأة وتخلصت الفتاة من الأحاسيس التى كانت تطحنها وهى تكد طول يومها من أجل لقمة العيش.جاءتها النجدة من حيث لا تدرى فقد ماتت أحدى قريباتها وتركت لها ثروة تقدر ببضعة ألاف من الجنيهات.ويربى ريعها على المائتين فى العام
كان هذا الميراث الصغير بالنسبة أليها يعنى الحرية والحياة والأستقرار.ويعنى أنها وديك لم يعودا بحاجة ألى الأنتظار أكثر مما أنتظرا. ولكن رد فعل ديك كان غير ما توقعت
لم يكن قد باح لها بحبة بطريقة مباشرة ولم يقل لها قط أنة مولع بها.فلما ألت اليها الثروة بدا وكأنة لن يفعل ذلك أبدا فقد راح يتجنبها ما أستطاع ألي ذلك سبيلا وازداد وجوما وانطواء على نفسة.
وسرعان ماعرفت أليكس الحقيقة وفطنت إلى السبب .السبب أنها أصبحت ذات ثروة وأيراد خاص.
وأن كبرياء ديك واعتدادة بنفسة يمنعانة من طلب يدها
ولم يزدها ذلك الااعجابا بة وإكبارا لة حتى لقد فكرت جديا فى أن تخطو هى الخطوة الأولى وحين همت بأن تفعل ذلك حتى دخل جيرالد مارتن حياتها فجأة وعلى غير انتظار.
كانت قد قابلتة فى منزل صديقة لها فأحبها من أول نظرة حبا عنيفا ولم يمض أسبوع حتى طلب يدها.
ولم تكن أليكس تعد نفسها من الفتيات اللاتى ينسقن مع تيار الحب فى غير روية.
ولكنها وجدت بغتةأن الحب قد جرفها فعلا منذ أول لحظة وقع فيها بصرها على جيرالد.
ولم يخطر لها ببال أن هذا الحب الجارف وهذة الخطوبة السريعة ستثيران غيرة ديك على نحو ما حدث
فقد جاءها ذات يوم وهو يتميز حنقا وغضبا وقال لها فيما قال
- ولكن هذا الرجل غريب عنك تماما وأنت لا تعرفين شيئا عنة
فأجابت كل ما أعرفة اننى أحبة وأنة يحبنى
- هل أنت واثقة من ذلك؟ أنك لم تقابلية ألا منذ أسبوع واحد
فصاحت فى غضب:ليس كل رجل بحاجة ألى أحد عشر عاما لكى يعرف أنة يحب فتاتة
ففر لونة وأجاب: لقد أحببتك منذ أن وقع بصرى عليك وكنت أظن أنك تحبيننى
فقالت فى صدق : ذلك ماظننتة أنا أيضا ربما لأننى لم أكن أعرف ما هو الحب
وهنا أنفجر ديك مرة أخرى فهاج وماج وهدد وتوعد ثم لجأ ألى الرجاء والتوسل.
فلما ذهبت توسلاتة سدى عاد ألى التهديد بقتل الرجل الذى انتزعة من قلبها واستأثر بحبها.
تزكرت هذا اللقاء العاصف بينها وبين ديك وهى واقفة بباب المنزل بعد أن شيعت زوجها ببصرها حتى أختفى. كانت قد تزوجت منذ شهر وكانت سعيدة ألى أقصى حدود السعادة.
ولكن هذة السعادة كان يشوبها دائما شىء من القلق كلما غاب عنها زوجها الذى أصبح كل شىء فى حياتها.
وكان مصدر هذا القلق هو ديك وندفورد.لقد رأت نفس الحلم ثلاث مرات منذ زواجها
وفى كل مرة كان المكان يختلف ولكن الحقائق لا تتغير.
كانت ترى فيما يرى النائم أن زوجها ملقى على الأرض جثة هامدة وأن ديك واقف بجوارة وأنها تعلم عن
يقين أن يد ديك هى اليد التى صرعت زوجها.
حلم مزعج ولكن ما كان يزعجها أكثر حينما تستيقظ هو المشهد الأخير فى الحلم.
فهى فى المشهد تبدى ارتياحها لموت زوجها وتمد يدها ألى قاتلة شاكرة ومهنئة
وينتهى بها المشهد وهى بين ذراعى ديك وندفورد.


++++++++++++++الفصل الثانى+++++++++++++

لم تذكر أليكس لزوجها شيئا عن هذا الحلم ولكن الحلم أزعجها أكثر مما ينبغى
فراحت تسائل نفسها هل هو أنذار؟ هل هو تحذير من ديك وندفورد؟
وانتبهت أليكس من تأملاتها على رنين جرس التليفون داخل المنزل.
فأسرعت ألى حيث كانت ألة التليفون وتناولت السماعة ولكنها ما كادت تسمع صوت المتكلم حتى ترنحت واسندت يدها ألى الجدار لكى تحفظ توازنها.
هتفت متسائلة : من
- ماذا حدث لصوتك يا أليكس؟ كدت ألا أعرفة. أنا ديك.
- آة أين أين أنت الآن
- أننى اتكلم من حانة السائح اظن أن هذا هو أسمها حانة السائح أم لعلك لا تعرفين أن فى قريتك حانة بهذا الأسم ؟ اننى الأن فى أجازة أقضيها فى صيد السمك.هل ثمة مانع من أن أزوركما الليلة بعد العشاء.
فأجابت بحدة: كلا لا يجب أن تأتى
فساد الصمت قليلا ثم جاء صوت ديك وقد تغير تغيرا واضحا
-أرجو المعذرة فما أردت مضايقتكما لقد
قاطعتة أليكس بسرعة:لابد أنة وجد فى جوابها شيئا من الشذوذ لقد كان جوابا شاذا بالفعل
قالت بصوت حاولت أن تجعلة يبدو طبيعيا: لقد أردت أن أقول أننا على موعد مع بعض الأصدقاء الليلة
هل تتناول طعام العشاء معنا غدا
ولكن ديك لاحظ ما فى صوتها من فتور لأنة رد فى هدوء وبنفس الأسلوب المهذب
-شكرا جزيلا ولكنى أتوقع الرحيل بين لحظة وأخرى فالأمر يتوقف على صديق لى قد يأتى وقد لا يأتى ألى اللقاء يا أليكس
وبعد صمت قصير أردف قائلا بصوت مختلف تماما
-أتمنى لك كل التوفيق أيتها العزيزة.
فوضعت أليكس السماعة وتنهدت بارتياح وقالت تحدث نفسها:
-لايجب أن يأتى ألى هنا نعم لا يجب أن يأتى ألى هنا ولكن ماذا دهانى؟ وما سبب هذا الأضطراب الذى دهمنى؟ على كل حال أنا سعيدة لأنة لن يأتى
قالت ذلك وتناولت قبعة عريضة كانت على المائدة وخرجت ألى الحديقة ولكنها توقفت عند الباب وألقت نظرة على الأسم المنقوش فوقة (كوخ البلابل)
لقد قالت لجيرالد مرة قبل زواجها: الا ترى أنة أسم عجيب؟
فضحك وقا ل: أراهن أنك لم تسمعى قط بلبلا يغرد.وأنا مسرور لذلك فأن البلابل لا تغرد ألا للعشاق ولسوف نسمعها حين تغرد فى امسيات الصيف.
وتذكرت اليكس كيف أنهما سمعاها فعلا واحمر وجهها سعادة وهى تنظر ألى الأسم المنقوش فوق الكوخ.
كان جيرالد هو الذى وجد الكوخ وقد جاءها ذات يوم وهو يكاد يطير فرحا وقال لها أنة وجد بيت الأحلام.
المنزل الذى يخيل الية أنة شيد من أجلهما انة تحفة نادرة بل هو فرصة العمر!
وحينما ذهبت اليكس وتفقدتة فتنت بة على الفور واعترفت بأن جيرالد لم يبالغ فى وصف جمالة ومزاياة.
صحيح أنة كان يقع فى بقعة منعزلة تبعد نحو ثلاثة كيلو مترات عن أقرب قرية ألا أنة رائع بطرازة القديم ومرافقة الحديثة فهو مزود بالماء الساخن والكهرباء والتليفون بة حمام فسيح لم تر اليكس أفسح ولا أجمل منة. فتنت اليكس بالمنزل وأحبتة حين رأتة ولكن كانت هناك عقبة أن صاحبة وهو شخص غنى غريب الأطوار لم يكن يريد تأجيرة ولكنة كان على استعداد لبيعة!
وكان جيرالد يملك أيرادا لا بأس بة ولكن لم يكن فى أستطاعتة التصرف فى رأس الما ل وكان كل ما يستطيع تدبيرة هو الف جنية فى حين أن صاحب المنزل يطلب ثمنا لة ثلاثة آلاف من الجنيهات!
وهنا تقدمت اليكس لنجدة جيرالد كان المنزل قد استهوها فصممت على الأقامة فية وكانت ثروتها عبارة عن سندات تدفع قيمتها لحاملة ويمكن التصرف فيها بسهولة فقررت الأسهام بنصف ثمن المنزل وهكذاأصبح المنزل ملكا لهما ولم تندم اليكس فى أى لحظة على ابرام هذة الصفقة.
صحيح أن الخدم كانوا يرفضون العمل فى هذا المنزل الريفى البعيد عن العمران ولكن ذلك لم يزعج
اليكس كثيرا أو قليلا لأنها كانت تتوق ألى الحياة العائلية وتجد متعة كبيرة فى طهو الطعام وتدبير شؤون المنزل.أما العمل فى الحديقة الفسيحة المليئة بالزهور فقد كان يقوم بة بستانى عجوز من أهل القرية مرتين فى الأسبوع .
ابتعدت اليكس عن باب المنزل وتوغلت فى الحديقة وأدهشها أن ترى البستانى العجوز يعمل فى حقل الورد.
ذلك لأن البستانى تعود الأشراف على الحديقة فى يومى الأثنين والجمعة من كل أسبوع
وكان ذلك اليوم هو يوم الأربعاء.
سألتة وهى تدنو منة: ماذا تفعل هنا يا جورج
فاعتدل البستانى واقفا وقال وهو يمس طرف قبعتة البالية على سبيل التحية:
- كنت أتوقع أنك ستدهشين يا سيدتى ولكن الأمر أن صاحب المزرعة (سكواير) سيقيم حفلا فى قصرة
يوم الجمعة ولذلك قلت لنفسى أنة لن يضير مستر مارتن أو يضيرك أن أعمل هنا يوم الأربعاء بدلا من يوم الجمعة.
فقالت اليكس:طبعا طبعا وأنى أرجو لك أن تقضى وقتا طيبا فى حفلة صاحب المزرعة!
فقال جورج ببساطة: هذا ما أرجوة يا سيدتى فليس هنا شىء أفضل من أن يأكل الأنسان كفايتة دون ان يدفع ثمن طعامة .ولقد دعا صاحب المزرعة جميع عمالة وأنا منهم لتناول الغذاء على مائدتة ولذلك خطر لى أن أراك قبل رحيلك للتعرف على رغباتك بشأن سور الحديقة خاصة وأنك لا تعرفين متى ستعودين أليس كذلك.
-ولكنى لن أرحل يا جورج
فحملق البستانى نحوها فى دهشة وقال: ألا تعتزمين السفر ألى لندن غدا؟
-كلا من أوحى اليك بهذة الفكرة؟
فحك جورج رأسة فى حيرة وأجاب: أنى قابلت مستر مارتن فى القرية أمس فقال لى انكما ستسافران ألى لندن غدا وأنة لا يعرف متى ستعودان.
فضحكت اليكس وردت: هراء لا بد أنك أسأت الفهم!
ولكنها مع ذلك شعرت بمزيج من الدهشة والحيرة وتساءلت ترى ماذا قال جيرالد للبستانى العجوز
لكى يقع البستانى فى هذا الخطأ العجيب.
تسافر الى لندن؟ أنها لم تفكر قط فى العودة ألى لندن مرة أخرى
قالت بأصرار وبصوت أجش: اننى أكرة لندن!
فقال البستانى فى هدوء: آة لابد أننى أسأت الفهم ولكن يخيل ألى أنة قال ذلك بوضوح ومهما يكن من أمر فأننى سعيد بوجودكما هنا أنا ايضا لا أحب لندن ولا أريد الذهاب اليها أنها مليئة بالسيارات وتلك هى الكارثة
فأن الأنسان لا يكاد يمتلك سيارة حتى يصاب بجنون السفر والترحال فلا يقر لة قرار.
لقد كان مستر أيمز صاحب هذا المنزل رجلا هادئا وديعا ألى أن ابتاع سيارة فلم ينقض شهر واحد حتى عرض المنزل للبيع رغم الأموال الطائلة التى أنفقها فى أصلاحة وتزويدة بالكهرباء .
لقد قلت لة مرة أنك لن تسترد شيئا من النقود التى أنفقتها ولكنة أجاب سوف أسترد كل بنس أنفقتة ولن أبيع المنزل بأقل من ألفى جنية وهذا ما حدث تماما.
فقالت اليكس وهى تبتسم :أنة باعة بثلاثة آلاف من الجنيهات .
فقال جورج: بل بأ لفين هذا هو الثمن الذى كان يطلبة والناس يعلمون ذلك.
-ولكنة باعة بثلاثة آلاف
- أن النساء لا يعرفون الأرقام جيدا وأنا لا أصدق أن مستر أيمز كان من البجاحة بحيث يطلب منك ثلاثة آلاف جنية.
فقالت اليكس:أنة لم يطلب ذلك منى وأنما من زوجى
فقال جورج بأصرار وهو يعود لعملة :كان الثمن ألفى جنية يا سيدتى.

يتبع

MA7MOUD
07-18-2010, 12:58 AM
+++++++++++++++الفصل الثالث++++++++++++

ولم تكلف اليكس نفسها عناء الاسترسال فى مناقشة البستانى ومضت إلى أحد أركان الحديقة حيث قطفت بعض الزهور.
وحيث أستدارت لتعود الى المنزل وقع بصرها على شىء اسود صغير ملقى بين أوراق الشجر فانحنت وألتقطتة وعرفت فية على الفور الدفتر الصغير الذى يسجل فيةزوجها مذكراتة.
فتحتة وتأملت صفحاتة بشىء من الفضول . لقد عرفت عن جيرالد منذ بداية حياتهما الزوجية شدة حرصة على الدقة
والنظام والنظافة فهو يصر دائما على تناول الطعام فى نفس الموعد ويحرص على وضع برنامج يومة بدقة تامة ويحدد أوقات عملة وتنقلاتة بالساعة والدقيقة.
ولم تتمالك اليكس من الأبتسام حين قرأت ما سجلة زوجها فى دفتر مذكراتة بتاريخ 14 مايو
قرأت:(الزواج من اليكس بكنيسة سانت بيتر فى الساعة الثانية والنصف)
ابتسمت وقالت لنفسها: يا للأحمق الكبير
ومضت تتصفح اوراق الدفتر ثم توقفت فجأة وهمست
- الأربعاء 18 يونية أى اليوم!
ووجدت تحت هذا التاريخ سطرا واحدا بخط جيرالد الدقيق تضمنت هذة الكلمات:
( الساعة التاسعة مساء)
ولا شىء غير ذلك..
وتسألت اليكس:
ترى ماذا كان فى نية جيرالد أن يفعل فى الساعة التاسعة مساء.
وابتسمت لنفسها وقالت:
- لو أن هذة القصة من القصص التى تقراءها عادة لكشفت لها هذة المذكرات بعض الحقائق المثيرة
ولوجدت فى هذة الصفحة اسم امراءة أخرى.
ومضت تتصفح أوراق الدفتر بقلة اكتراث ووجدت فيها تواريخ مختلفة ومقابلات
وأشارات الى صفقات عمل ولم تقع الا على اسم واحد هو اسمها
ورغم ذلك فأنها أحست بقلق غامض وهى تضع الدفتر فى جيبها وتواصل السير الى المنزل
وتذكرت كلام ديك وندفورد حين قال لها:
(ان هذا الرجل غريب عنك تماما وأنت لا تعرفين شيئا عنة
رنت هذة الكلمات فى أذنها كما لو كان ديك وندفورد يسير بجوارها وينطق بها.
ولقد صدق ديك اذ الواقع انها لا تعرف شيئا عن جيرالد.
ان جيرالد فى الأربعين من عمرة ولا يمكن ان تكون حياتة خلال هذة الأربعين سنة قدخلت من النساء.
وهذ ت اليكس رأسها فى ضجر..
انها لاينبغى أن تسمح لمثل هذة الأفكار بأن تلح عليها فهناك أشياء أخرى أجدرباهتمامها ومنها على سبيل المثال
موضوع ديك وندفورد وهل ينبغى أن تصارح زوجها بأنة تحدث تليفونيا او لا ينبغى.
ان هناك أحتمالا لا يجب أن تسقطة من حسابها هو أن يكون جيرالد قد قابل ديك مصادفة فى القرية..
ولكن أذا حدث ذلك فمن المؤكد ان جيرالد سيخبرها حالما يعود وحينئذ يخرج الأمر من يدها اما أذا لم يحدث
وأحست اليكس برغبة واضحة فى الا تذكر لزوجها شيئا عن ديك وندفورد.
كانت واثقة من أنها اذا فعلت ذلك فأن جيرالد سوف يقترح دعوة ديك لزيارتهما
وسيكون لزاما عليها فى هذة الحالة ان تصارحة بأن ديك قد طلب بنفسة هذة الزيارة
وأنها انتحلت عذرا لمنعة!
ولكن ماذا تقول لة اذا سألها لماذا فعلت ذلك؟ هل تحدثةعن ذلك الحلم
اذا حدثتة عن الحلم فأنة قد يضحك.. وأسوأ من ذلك انة قد يعيب عليها اهتمامها بهذة التفاهات!
وفى النهاية قررت ألا تقول شيئا.. وكان ذلك أول سر تكتمة عن زوجها.. وقد أورثها ذلك احساسا بالضيق والقلق.


++++++++++++++الفصل الرابع++++++++++++

عاد جيرالد من القرية قبيل موعد تناول الغذاء وما ان سمعت اليكس وقع أقدامة حتى هرولت الى المطبخ لتخفى ارتباكها.
وقد وضح لها على الأثر ان جيرالد لم يقابل ديك فى القرية
وشعرت بمزيج من الأرتياح والهم فقد اصبح من الضرورى ان تلتزم بالكتمان
وتحرص على الا تفلت منها كلمة تشير الى حديث ديك التليفونى.
ونسيت اليكس كل شىء عن دفتر مذكرات زوجها. فلم تتذكرة الا بعد ان تناولا العشاء وجلسا فى غرفة المعيشة
وفتحا نوافذها ليستقبلا نسمات الليل المعطرة بشذى زهور الحديقة!
قالت لزوجها: هوذا شىء نسيتة فى الحديقة..
وألقت الية بالدفتر فرد
لابد انة سقط منى!
-نعم.. وأنا الأن ااعرف كل اسرارك
فابتسم و قال:ليس فيها ما يديننى!
- هل أنت على موعد فى الساعة التاسعة؟
- على موعد؟ وبهت..
- كان السؤال مباغتا ..ولكنة سرعان ما تمالك نفسة.. وابتسم واجاب:
- نعم.. يا اليكس.. اننى على موعد مع فتاة تشبهك كثيرا.
- فقالت بشىء من الصرامة: لا افهمك ..انك تتهرب من الأجابة.
- كلا ..الواقع اننى سجلت هذا الموعد ليذكرنى ببعض صور يجب ان أقوم بتحميضها
.واريدك أن تساعدينى فى هذة المهمة.
.وكان جيرالد مارتن من هواة التصوير ولدية آلة تصويرقديمة ولكن عدستها جيدة
.وقد تعود ان يقوم بنفسة بتحميض الصور التى يلتقطها. فى غرفة صغيرة
.فى القبو اعدها خصيصا لهذا الغرض!
قالت اليكس تعاتبة:
-وهل يجب تحميض هذة الصور فى الساعة التاسعة تماما.
فأجاب فى شىء من الضيق:
- يافتاتى العزيزة.. ان الأنسان يجب ان يحدد وقتا لكل عمل ولكل مرحلة من مراحل نشاطة
حتى تنتظم أعمالة وحياتة.
فلاذت اليكس بالصمت لحظة وراحت تراقب زوجها وهو يدخن فى هدوء وقد استرخى فى مقعدة
زأسند رأسة الى ظهر االمقعد
وفجأة غمرتها موجة من الذعر لا تعرف مصدرها فصاحت قبل أن تتمكن من السيطرة على مشاعرها.
-أواة يا جيرالد كم أتمنى أن أعرف المزيد عنك.
فتحول اليها بوجة تعلوة الدهشة وقال:
-ولكنك تعرفين كل شىء عنى أيتها العزيزة.. لقد حدثتك عن طفولتى فى (نورثمبرلند) وعن حياتى فى أفريقيا الجنوبية
والسنوات العشر التى قضيتها فى كندا وقد حالفنى فيها النجاح والتوفيق..
قالت بازدراء:
-لا تحدثنى عن أعمالك!
فانفجر جيرالد ضاحكا فجأة وقال:
- فهمت ..أنك تريدننى أن أتحدث عن مغامراتى الغرامية انكن جميعا سواء أيتها النسوة لا يهمكن سوى العامل الشخصى.
فأ حست اليكس بجفاف فى حلقها.. ولم تلبث أن تمتمت قائلة
-ولكن لا بد أن تكون فى حياتك بعض المغامرات العاطفية ليتنى فقط أستطيع أن..
ولم تتم عبارتها
وساد الصمت مرة أخرى!
وقطب جيرالد ما بين حاجبية وقال بعد تردد بصوت فية جدية لم تعهدها زوجتة:
-هل ترين من الحكمة أن أحدثك عن غرامياتى يا أليكس ؟ انى لا أنكر أنى عرفت بعض النساء
لأنى أذا أنكرت فأنك لن تصدقينى ولكنى أستطيع ان أقسم لك وبصدق انى لم أعبأ بأية واحدة منهن ولم تسكن احداهن قلبى!
وكان فى صوتة نبرة صدق واخلاص طمأنت زوجتة وأراحتها.
ونظر اليها جيرالد وسألها وعلى شفتية ابتسامة:
- هل اقتنعت الأن يا اليكس؟
ورمقها فى فضول واستطرد:
-ماذا حملك على التفكير فى هذة الموضوعات غير السارة فى هذة الليلة بالذات؟
فنهضت اليكس واقفة وراحت تذرع أرض الغرفة فى قلق
قالت:لا أعلم لقد كنت متوترة الأعصاب طوال اليوم
فقال بصوت خافت وكأنة يتحدث الى نفسة:
-هذا غريب وغريب جدا
ردت أليكس: ماهو الشىء الغريب؟
لماذا تتحفزين لمواجهتى على هذا النحو يا بنيتى العزيزة؟ أنما أردت ان أقول انسلوكك يبدو غريبا لأنك فى العادة انسانة وديعة متزنة
العقل والتفكير.
فارتسمت على شفتى اليكس انتسامة مغتصبة.
قالت:
لقد خيل الى اليوم أن كل شىء يتأمر لمضايقتى وازعاجى حتى البستانى جورج.. لقد سيطرت علية فكرة مضحكة هى أننا سنرحل الى لندن.. لقد قال لى أنك أنت الذىأنبأتة بذلك.
فسألها بحدة:
-أين قابلتة؟
- انة جاء لمباشرة عملة اليوم بدلا من يوم الجمعة.
فصاح فى غضب
- تبا للعجوز الأحمق!
فنظرت الية فى دهشة وذهول!
كان وجهة متقلصا حنقا وغضبا ولم تذكر اليكس انها رأتة مغضبا على هذا النحو من قبل.
ولاحظ جيرالد دهشتها فحاول السيطرة على مشاعرة
قال:انة عجوز أحمق!
-ولكن ماذا قلت لة لكى يتوهم اننا سنرحل؟
أنا؟ اننى لم أقل لة شيئا..آة.. تذكرت الآن .. أظن أننى قلت لة مازحا اننا قد نذهب الى لندن فى الصباح
ويبدوأنة حمل المزحة على محمل الجد وظن أننا سنرحل الى لندن حقا أو أنةلم يسمعنى جيدا ولا شك أنك أقنعتة بخطئة اليس كذلك؟
وانتظر جوابها بقلق فقالت:
-طبعا..ولكنة رجل عجوز عنيد اذا تملكتة فكرة تعذر اقتلاعها من ذهنة.
ثم حدثتة عن اصرار جورج فى موضوع ثمن المنزل.. واصغى اليها جيرالد فى صمت ثم قال ببطء:
-لقد كان مستر ايمز على أستعداد لأن يتقاضى ألفين من الجنيهات على أن يرهن المنزل ضمانا للألف الباقية..
وأعتقد أن ذلك هو سبب الخطأ الذى وقع فية جورج.
فقالت اليكس موافقة: ربما
ثم نظرت الى الساعة المثبتة على الجدار وقالت وهى تشير اليها:
-اظن أنة ينبغى عليك الأن أن تذهب الى القبو لتحميض الأفلام وفقا للموعد الذى حددتة فالساعة الآن التاسعة وخمس دقائق.
فأجاب فى هدوء:
-لقد غيرت رأيى.. ولن أقوم بتحميض الأفلام الليلة.

يتبع

MA7MOUD
07-18-2010, 12:59 AM
+++++++++الفصل الخامس+++++++++++

لا أحد يعلم كيف تفكر المرأة..أو كيف يعمل عقلها
فقد آوت اليكس الى فراشها فى تلك الليلة وهى تشعر بالراحة والطمأنينة بعد ان تلاشت الخواطر التى أزعجتها وزلزلت سعادتها.
ولكن ما أن أقبل مساء اليوم التالى حتى تضافرت بعض القوى الخفية لتعكير صفوها.
لم يتصل بها ديك وندفورد مرة أخرى ولكنها أحست بتأثيرة من الأفكار التى ألحت عليها.
لقد خيل اليها أكثر من أنها تسمع صوتة وهو يقول:
-هذا الرجل غريب عنك تماما .. وأنت لا تعرفين شيئا عنة!
ومع هذة الكلمات .. برزت الصورة التى ارتسمت فى ذاكرتها لوجة زوجها حين قال:
-هل ترين من الحكمة ان أحدثك عن غرامياتى يا أليكس؟
لماذا قال ذلك؟
لقد كانت كلماتة تنطوى على التحزير.. بل على التهديد تماما كما لو كان قد قال:
-خير لك ألا تتدخلى فى شؤونى الخاصة يا اليكس والا أصبت بصدمة شديدة.
ولم يأت صباح يوم الجمعة حتى كانت اليكس قد أقنعت نفسها بأن جيرالد كانت فى حياتة امراءة أخرى
وأنة يحاول اخفاء هذة الحقيقة عنها.
ولم تلبث غيرتها التى استيقظت ببطء أن تفاقمت بسرعة!
وتسألت اليكس:
-ترى هل كان موعد الساعة التاسعة الذى سجلة فى دفتر مذكراتة هو موعد لقائة مع امرأة؟
وهل كانت حكاية تحميض الأفلام مجرد كذبة من وحى الخاطر تفتق عنها ذهنة للخروج من المأزق؟
منذ ثلاثة أيام فقط كانت على استعدادلأن تقسم بأنها تعرف زوجها ظاهرا وباطنا ولكنها الآن تشعر بأنة غريب عنها تماما
وأنها لا تعرف عنة شيئا!
وتذكرت غضبة على جورج العجوز ذلك الغضب الذى لم يكن لة ما يبررة والذى يتعارض تماما مع
سماحتة العادية ودماثة خلقة
قد يكون الأمر فى ذاتة تافها ولا أهمية لة ولكنة يدل على أنها لا تعرف الرجل الذى تزوجتة معرفة تامة!
وكانت هناك بعض اشياء صغيرة تتطلب ذهابها الى القرية لشرائها فاقترحت على جيرالد أن تنطلق الى القرية خلالالوقت الذى
تعود أن يقضية فى الحديقة.
ولشد ما كانت دهشتها حين رأتة يعارض بقوة ويصر على الذهاب بنفسة الى القرية بينما تبقى هى بالمنزل.
ولم يسعها الا الرضوخ ولكن اصرارة ادهشها وأزعجها وجعلها تتسأل:
-لماذا يحرص على منعها من الذهاب الى القرية؟
وفجأة لمع فى ذهنها الجواب الذى يوضح كل شىء!
ألا يمكن أن يكون جيرالد قد قابل ديك مصادفة فى القرية وكتم الأمر عنها؟
انها حين تزوجت جيرالد لم تكن تغار علية .. ثم استيقظت غيرتها فجأة.. ألا يمكن أن يكون أن يكون
قد حدث لجيرالد نفس الشىء؟
ألا يمكن غرضة هو منعها من مقابلة ديك وندفورد؟
وكان هذا التفسير يتفق مع الحقائق ويقضى فى ذات الوقت على ما أصابها من حيرة وبلبلة
فأخذت بة وأطمأنت الية.
ثم أزف وقت الشاى ومر فانتابها القلق وساورتها الشكوك مرة أخرى
وحاولت آخر الأمر أن تلطف قلقها وتوتر أعصابها بالأنهماك فى العمل فأقنعت نفسها بأن المنزل بحاجة الى التنظيف..
وصعدت الى غرفة زوجها وبيدها منفضة لأزالة الغبار!
وراحت تقول لنفسها المرة تلو الأخرى:
-لو أستطيع فقط أن أتأكد؟
وعبثا حاولت أن تقنع نفسها بأن زوجها لابدأن يكون قد تخلص منذ وقت طويل من آيو ادلة تدينة!
ولكن هذا الرأى كان يقابلة رأى أخر يقول بأن الرجال كثيرا ما يحتفظون لأعتبارات عاطفية بأشياء قد
تدينهم وتوردهم موارد التهلكة.
وأخيرا أستسلمت اليكس للأغراء وشرعت وحمرة الخجل تعلو وجنتيها
فى فتح أدراج زوجها وفحص محتوياتة من الرسائل والوثائق.. بل وفعلت أكثر من ذلك اذ فتحت
دولاب زوجها وراحت تبحث فى جيوب ثيابة.
درجان فقط من ادراج المكتب لم تصل اليهما يدها لسبب بسيط هو أنهما كانا مغلقين..
ولكنها كانت قد ضربت بالخجل والحياء عرض الحائط
كانت واثقة من أنها ستجد فى احد هذين الدرجين دليلا لتلك المرأة الوهمية التى أحبها زوجها فيما مضى
والتى أصبحت تنغص حياتها..
وتذكرت أن جيرالد ترك حزمة مفاتيحة على المدفأة فى الطابق الأرضى فجأت بها..وراحت تجرب
المفاتيح الواحد تلو الأخر ونجحت فى فتح أحد الدرجين واخذت تفحص محتوياتة
وجدت بة دفتر شيكات ومحفظة مليئة بالأوراق المالية..
وفى مؤخرة الدرج وجدت مجموعة من الرسائل محزومة بعناية بخيط من حرير..
وتلاحقت أنفاسها بسرعة وهى تحل الخيط وتبسط الرسائل على المكتب
ولم تلبث أن أحمر وجهها وأعادت حزم الرسائل.. ووضعتها حيث كانت
ذلك أنها كانت رسائلها هى
الرسائل التى بعثت بها لجيرالد قبل زواجهما.
وتحولت الى الدرج الثانى.. لا لأنها كانت تتوقع أن تجد فية شيئا ذات أهمية..
وانما لكى تطمئن الى أنهالم تترك مكانا دون تفتيش!
وشعرت بضيق شديد حين لم تستطيع فتح الدرج بأى من المفاتيح التى تركها جيرالد..
ولكنها لم تكن على استعداد لقبول الهزيمة فانطلقت الى غرف المنزل وعادت بمجموعة من مفاتيح
الدواليب والأدراج والأبواب وتنفست الصعداء حين أدارت مفتاح دولابها الخاص فى قفل الدرج ففتح
ولكنها لم تجد فى الدرج سوى مجموعة من قصاصات الصحف تغير لونها بمرور الزمن..
وتنفست الصعداء
ولكنها لم تجد بأسا من القاء نظرة على مضمون هذة القصاصات القديمة
لتعلم سبب أهتمام جيرالد للأحتفاظ بها.
كانت كلها تقريبا من صحف أمريكية يرجع عهدها الى سبع سنوات مضت
وكلها تتحدث عن محاكمة رجل محتال يدعى تشارلز لومتر..
وفهمت اليكس مما قرأتة أن لومتر أتهم بقتل بعض النساء اللاتى وقعن فى شباكة
وأن جثة احدى النساء وجدت مدفونة فى قبو منزل كان قد استأجرة وأن عددا من النساء اللواتى اقترن بهن
قد اختفين تماما وانقطعت أخبارهن ولم يسمع عنهن شيئا وان عدد ضحاياة من النساء قد بلغ تسع سيدات.
وقد دافع لومتر عن نفسة بمهارة واستعان بأبرع العقليات القانونية فى الولايات المتحدة الأمريكية
ولو قد حوكم فى انجلترا لأطلق سراحة لعدم كفاية الأدلة ولكن هيئة المحلفين فى المحكمة الأمريكية
وجدتة غير مذنب فى جريمة القتل وأدانتة فى تهم أخرى منهاالأحتيال وتعدد الزوجات
وقضت المحكمة بسجنة عدة سنوات.
وتذكرت اليكس أهتمام الرأى العام بهذة القضية والضجة التى أثارها فرار لومتر من السجن بعد ثلاث سنوات.
ولم يقبض على هذا المجرم بعد ذلك أبدا
غير أن شخصيتة الغريبة.. وتأثيرة العجيب على النساء كانا موضوع مناقشات مطولة فى الصحف الأنجليزية فى ذلك العهد
كذلك تحدثت الصحف باسهاب عن براعتة فى الدفاع عن نفسة..وعن سقوطة فاقد الوعى فى قفص الأتهام
أكثر من مرة بسبب اصابتة بضعف فى القلب وان كان البعض قد فسر نوبات الأغماء بأنها دليل على قدرات
المتهم وبراعتة فى التمثيل.
ووجدت اليكس صورة للمتهم فى احدى القصاصات فأمعنت النظر فيها بشىء من الفضول.
كانت صورة رجل طويل اللحية ..يخيل للناظر الية أنة أحد العلماء أو أساتذة الجامعات.
وذكرتها الصورة بوجة تعرفة
وفجأة أدركت أن الصورة تذكرها بوجة جيرالد..نفس العينين ونفس الجبين!
لعل ذلك هو سبب احتفاظ جيرالد بالقصاصات.
ووقعت عيناهاعلى العبارة التى كانت تحت الصورة..وفهمت منها أن المتهم كان يسجل فى دفتر مذكراتة تواريخ فتكة
بضحاياة من النساء وأن احدى النساء شهدت ضدة وتعرفت علية وهو فى قفص الأتهام
من ندبة فى رسغ يدة اليسرى
وهنا ترنحت اليكس وسقطت القصاصات من يدها
لقد كانت هناك ندبة فى رسغ يد جيرالد اليسرى.


++++++++++الفصل السادس+++++++++++

دارت الدنيا حولها..
وقد أدهشها فيما بعد انها ربطت بمثل هذة السرعة والثقة بين جيرالد وتشارلز لومتر
لقد شعرت فى قرارة نفسها بأنهما شخص واحد وسلمت بهذة الحقيقة بأسرع من رد الطرف ودون تردد.
وبدأت بعض الملامح الصغيرة المتفرقة تطوف بذهنها ثم تتجمع لتشكل حقيقة كبرى واضحة المعالم.
ان النقود التى دفعها ثمنا للمنزل هى نقودها وحدها وهو لم يسهم من مالة فى ثمن المنزل بقليل أو كثير.
بل أن الحلم الذى ألح عليها ثلاث مرات قد وضح الآن مغزاة الحقيقى!
لقدكانت فى قرارة نفسها وبعقلها الباطن ترهب جيرالد مارتن وتريد الفرار منة.
وكان ديك وندفورد فى عقلها الباطن أيضا هو الشخص الذى تريد أن تفزع الية فى طلب النجدة والغوث.
هذا الحلم كان أيضا من العوامل التى جعلتها تتبين الحقيقة وتصدقها بغير تردد.
والحقيقة .. هى أن جيرالد مارتن وتشارلز لومتر شخص واحد وأنها ستكون الضحية التالية لهذا السفاح
فى موعد لعلة أقرب مما تتصور.
نعم أنها ستكون الضحية العاشرة ما فى ذلك شك..
وأفلتت من فمها صيحة ذعر حين تذكرت الموعد الذى سجلة جيرالد فى دفتر مذكراتة..
(الأربعاء.. التاسعة مساء)
والقبو حيث توجد غرفة التصوير.. لقد سبق لة ان فتك بأحدى ضحاياة ودفنها فى قبو منزلة
لابد اذا أنةكان ينوى الفتك بها الساعة التاسعة من مساء اليوم الماضى..
ولكن.. كيف وجد الجرأة على تسجيل موعد ارتكاب الجريمة بخط يدة فى دفتر مذكراتة؟
انة نوع من الجنون مافى ذلك شك..
ولكن لا ذلك كان اجراء منطقيا.. فلقد كان يحرص على تسجيل مواعيد عملة بدقة متناهية
وكان القتل بالنسبة الية عملا لا يختلف عن غيرة من الأعمال
ولكن لماذا لم يفتك بها فى ذلك الموعد؟
ومن أنقذها ؟
هل تردد فىأخر لحظة!
وجاءها الجواب فى لمحة خاطفة
ان من أنقذها هو جورج العجوز..وهنا فقط أدركت سر غضب زوجها وسخطة على ذلك البستانى الشيخ..
لا شك أنة مهد السبيل لجريمتة بأن أخبر كل من قابلة بأنهما يعتزمان السفر الى لندن فى اليوم التالى..
ثم جاء جورج لمباشرة عملة على غير انتظار .. وحدثها عن موضوع السفر الى لندن فنفتة..
وخشى زوجها أن يردد البستانى العجوز الحديث الذى دار بينة وبينها ..
فأحجم عن قتلها تلك الليلة..
ومرت بجسدها رعدة حين اكتشفت أنها نجت من الموت بأعجوبة!
اذ لولا أنها ذكرت لزوجها عرضا ذلك الحديث العابر الذى دار بينها وبين البستانى ..
لما تردد زوجها فى الفتك بها فى المعد الذى حددة.
والآن عليها أن تتحركان الوقت ضيق ولا ينبغى أن تضيع دقيقة واحدة
يجب أن تغادر المنزل فى الحال قبل أن يعود جيرالد!

أعادت القصاصات الى مكانها وأغلقت الدرج ثم وقفت جامدة فى مكانها كأنما سمرت قدماها بالأرض..
ذلك أنها سمعت صرير باب الحديقة.. فعلمت أن زوجها قد عاد..
وشل الرعب حركتها لحظة.. ثم تسللت الى النافذة وأطلت من وراء الستار..
نعم لقد رجع زوجها !
كان يجتاز الحديقة وهو يبتسم ويترنم بإحدى الأغنيات
وكان يحمل فى يدة شيئا جعل قلبها يغوص بين جنبيها.. ذلك الشىء كان جاروفا مما يستخدم فى حفر الأرض..
وأدركت بغريزتها أنة يعتزم قتلها فى تلك الليلة.
ووجدت أنة لا تزال أمامها فرصة للفرار!
وكان جيرالد قد واصل سيرة وهو لا يزال يترنم واتجة نحو الجدار الخلفى للمنزل
ولم تتردد اليكس.. وهبطت درج السلم وثبا وأندفعت نحو الباب..
ولكنها ما كادت تخرج من المنزل حتى رأت جيرالد مقبلا نحوها
رآها وهتف قائلا
-هالو! لماذا تركضين والى أين تسرعين هكذا؟
فحاولت أن تتظاهر بالهدوء وأن تبدو طبيعية..
لقد أفلتت الفرصة من يدها هذة المرة ولكنها اذا استطاعت ألا تثير ريبتة فسوف تسنح لها فرصة أخرى!
بل لعل الفرصة سانحة الأن؟
قالت بصوت رن فى أذنيها ضعيفا متخاذلا
-كنت أريد أن أمشى إلى نهاية الطريق ثم أعود
فقال جيرالد: حسنا . سأرافقك!
فردت بانفعال: كلا يا جيرالد..أرجوك.. اننى متوترة الأعصاب وأشعر بصداع وأفضل أن أمشى بمفردى.
فقال وهو يتأملها بعينية: ماذا دهاك يا اليكس ؟ انك شاحبةالوجة وترتجفين!
فأجابت وهى تحاول أن تبتسم
-ليس بى من شىء.. اننى أشعر بصداع هذا كل ما فى الأمر ولكنى أرجو أن يفيدنى السير فى الهواء الطلق!
فقال وهو يضحك:
-لا تحاولى أن تثنينى عن مرافقتك لأنى سأرافقك سواء أردت أو لم تريدى.
ترى هل ساورة الشك فى أنها عرفت حقيقتة ؟
وبذلت قصارى حهدها لكى تبدو فى حالتها الطبيعية ولكنها شعرت بأنة ينظر إليها
من ركن عينية بين الفينة والفينة وأدركت أنها لم تنجح تماما فى إزالة شكوكة.
وحينما عادا الى المنزل طلب إليها بإلحاح وإصرار أن تتمدد فى فراشها التماسا للراحة
وأحضر زجاجة كولونيا ومسح صدغيها وجبينها كما يفعل الزوج المخلص..
وأحست اليكس بأنها موثقة اليدين والقدمين فى مصيدة ولا حول لها ولا قوة
ولم يتركها جيرالد بمفردها لحظة واحدة ورافقها إلى المطبخ لمعاونتها فى إعداد وجبة العشاء
وكان أسوأ عشاء تناولتة طوال حياتها.. كانت تشعر بأن الطعام يخنقها ويحبس أنفاسها
ولكنها أرغمت نفسها على ابتلاعه بل وحاولت أن تبدو مرحة وطبيعية.
كانت تعلم عن يقين بأنها تناضل من أجل الحياة..فهى وحدها مع هذا الرجل..فى ذلك المنزل الموحش..
بمنأى عن كل عون أو نجدة كانت تحت رحمتة تماما وكل أملها أن تزيل شكوكة حتى يطمئن اليها ولو لفترة قصيرة
ريثما تصل الى التليفون فى الردهة وتطلب النجدة.
ذلك كان أملها الوحيد الآن.
وتبلج لها شعاع من الرجاء حين تذكرت كيف تخلى زوجها عن خطتة وعدل عن ارتكاب جريمتة يوم الأربعاء.
هب أنها زعمت لة أن ديك وندفورد قد اتصل بها تليفونيا وأنة الآن فى طريقة لزيارتهما
وهمت أن تتكلم ولكن الكلمات اضطربت على شفتيها ولم تلبث أن عدلت عن هذة الفكرة.
ان هذا الرجل لن يسمح لأية عقبة بأن تحول بينة وبين خطتة مرة أخرى
أنة يخفى تحت هدوءة الظاهرى عزيمة صلبة كالفولاذ فإذا قالت لة أن ديك فى طريقة إليهما
فان ذلك قد يدفعة إلى التعجيل بارتكاب جريمتة
انة قد يقتلها على الفور ثم يتصل بديك تليفونيا ويطلب إلية فى هدوء أن يرجى زيارتة لأنهما
دعيا فجأة لزيارة بعض الأصدقاء.
يا ألهى لو كان ديك وندفورد فى طريقة إليهما الآن حقا
لو كان ديك
وومض فى ذهنها خاطر فجائى .. ونظرت الى زوجها خلسة
كأنما لترى ما اذا كان يقرأ ما يدور بخلدها.
وما أن نضجت الفكرة فى ذهنها حتى عادت اليها شجاعتها ورباطة جأشها ..
وأحست بطمأنينة وثبات أدهشاها هى نفسها ..
فنهضت من مقعدها وأعدت القهوة وحملتها الى الشرفة حيث تعودا قضاء أمسياتهما!
وفجأة قال جيرالد:
- أود أن اذكرك بأننا سنقوم بتحميض الأفلام الليلة.
فمرت بجسدها رعدة شديدة ولكنها أجابت بقلة اكتراث:
- ألا يمكنك تحميضها وحدك؟ اننى متعبة اليوم.
فابتسم وأجاب:
-ان العملية لن تستغرق وقتا طويلا.. وأعدك بأنك سوف لا تشعرين بالتعب بعدها.
ويبدو أن العبارة راقت لة لما تنطوى علية من معنى خفى اذ ازدادت ابتسامته اتساعا
بينما زمت اليكس شفتيها لتمنع نفسها من الصراخ..
ولكنها أدركت ان الوقت قد حان لتنفيذ فكرتها.
فنهضت واقفة وقالت اكتراث:
- سأتصل تليفونيا بالجزار فابق حيث أنت.. لا ضرورة لأن تبرح مكانك.
فهتف قائلا: الجزار ؟ فى هذا الوقت من الليل؟
- إن حانوتة مغلق طبعا أيها الأبلة ولكنى سأتصل بة فى منزلة ان غدا يوم السبت
وأنا اريدة أن يحجز لى قطعة من لحم العجول للشواء قبل أن يتخاطف الزبائن أجود القطع..
انة رجل لطيف ومستعد لتلبية كل مطالبى.

يتبع

MA7MOUD
07-18-2010, 01:03 AM
++++++++الفصل السابع++++++++++

وهرولت اليكس الى داخل المنزل وأغلقت الباب خلفها..
وسمعت جيرالد يقول :
-لا تغلقى الباب..
واسعفها ذهنها بالجواب المناسب..
قالت بسرعة: أخشى أن يغزو البعوض المنزل وأنا امقت البعوض..هل تتوهم اننى سأغازل الجزار أيها الأبلة؟
وما أن وصلت الى الردهة حتى اختطفت سماعة التليفون وطلبت رقم فندق (السائح)
تم الأتصال بينها وبين الفندق على الفور فسألت:
ألايزال مستر ديك وندفورد بالفندق؟ هل أستطيع التحدث الية؟
ثم وثب قلبها بين ضلوعها.. فقد دفع زوجها الباب ودخل..
قالت فى دلال:
- اذهب يا جيرالد..أرجوك.. اننى لا أحب ان ينصت الى أحد وأنا أتحدث بالتليفون!
فضحك وقال وهو يلقى بنفسة على أحد المقاعد :
-أهو اجزار من تتحدثين الية حقا ؟
فأسقطفى يدها وتملكها اليأس..
لقد فشلت خطتها مرة أخرى..
بعد قليل سيتناول ديك السماعة ويتحدث اليها فهل تجازف بكل شىء وتصرخ وتطلب النجدة؟
وأنها فى أشد حلات اليأس اذ بها ترى الزر الصغير المثبت بالسماعة الذى يسمح لصوتها أو لا يسمح
لة بالوصول الى الطرف الأخر..
وأوحىاليها هذا الزر بخطة جديدة..
قالت لنفسها:
-انها خطة صعبة التنفيذ .. لأنها تتطلب اليقظة وحضور الذهن وحسن اختيار الكلمات المناسبة
مع الجرأة وعدم التردد ولكنى أعتقد أننى أستطيع تنفيذها بل يجب أن أنفذها..
وسمعت صوت ديك وندفورد فى الطرف الأخر..
فضغطت الزر قائلة:
-مسز اليكس مارتن تتكلم من منزل البلابل..احضر..
ثم رفعت اصبعها عن الزر فانقطع الأتصال التليفونى
ولكنها مضت تقول:
-غدا صباحا رطلين من لحم العجول.
وضغطت الزر ليحدث الاتصال التليفونى.. واستطردت قائلة:
إن الأمرهام جدا
ورفعت اصبعها عن الزر ومضت تقول:
-شكرا لك يا مستر هاثواى ومعذرة لأزعاجك فى مثل هذا الوقت من الليل ولكنها..
وضغطت الزر واستطردت قائلة:
- مسألة حياة أو موت..
ثم رفعت اصبعها عن الزر قائلة:
- حسنا .. غدا صباحا..
وضغطت الزر وقالت:
- بأسرع ما يمكن
ثم وضعت السماعة واستدارت نحو زوجها وهى تلتقط أنفاسها بصعوبة..
قال لها: أبهذا الأسلوب تتحدثين إلى الجزار ؟
فردت وهى تصطنع المرح:
-انه أسلوب النساء أيها العزيز..
كانت وجنتاها موردتين من فرط الانفعال ..
أن جيرالد لم يلاحظ شيئا.. أما ديك سواء فهم أو لم يفهم ..فأنة سيأتى حتما.
وانتقلت الى غرفة المعيشة وأضاءت المصباح.
قال جيرالد وهو ينظر اليها بفضول ودهشة:
-أراك ممتلئة نشاطا وحيوية؟
فأجابت:
-لا غرابة فى ذلك فقد زال الصداع!
وجلست فى مقعدها المألوف.. وابتسمت لزوجها وهو يتهالك فى المقعد المقابل.
لقد نجحت!
الساعة الأن الثامنة و25 دقيقة ومن المحقق أن ديك سيحضر قبل أن تدق الساعة التاسعة
قال جيرالد شاكيا:
- لم تعجبنى القهوة التى أحتسيتها الآن كانت مرة المذاق.
فردت:
-لقد صنعتها من نوع جديد من البن على سبيل التجربة وما دامت لم تعجبك فلن أبتاع هذا النوع مرة أخرى.
قالت ذلك وتناولت قطعة من القماش وأخذت تطرزها بينما شرع جيرالد فى قراءة أحد الكتب.
ولكنة ما لبث أن نظر إلى الساعة وطرح الكتاب بقربة وتمتم:
- الساعة الآن الثامنة والنصف..وقد آن لنا أن نذهب إلى القبو لتحميض الأفلام
فسقطت قطعة القماش من يد اليكس ..
وردت بأضطراب:
-لا يزال الوقت مبكرا فلننتظر حتى الساعة التاسعة
- كلا يا فتاتى.. أنني حددت الساعة الثامنة والنصف موعدا للعمل.. حتى يتسنى لك أن تأوى الى فراشك فى ساعة مبكرة.
ولكنى افضل الانتظار حتى الساعة التاسعة.
-أنت تعلمين اننى ألتزم دائما بالموعد الذى أحددة هلمى بنا يا اليكس انى لن أنتظر دقيقة أخرى.
فنظرت إلية.. وشعرت على الرغم منها بموجة من الذعر تغشى جسدها!
لقد سقط القناع أخيرا.
رأت يدية ترتجفان وعينية تتألقان ولاحظت أنة لا يكف عن ترطيب شفتية الجافتين بلسانة!
لقد تملكتة شهوة القتل ولم يعد يهتم بإخفاء انفعاله ولهفته
وتمتمت اليكس لنفسها :
- نعم انه لا يستطيع الانتظار أنة كالمجنون!
ومشى أليها وألقى بيدة على كتفها وأنهضها عنوة وهو يقول:
- هلمى يا فتاتى وألا حملتك إلى القبو.
قال ذلك بهدوء ولكن بصوت ينطوى على وحشية روعتها
وبحركة فجائية اودعتها كل ما تملك من قوة تخلصت من قبضتة وتراجعت حتى التصقت بالجدار.
كانت بلا حول ولا قوة وليس فى استطاعتها الفرار.. بل ليس فى مقدورها أن تفعل شيئا على الأطلاق وها هو يقترب منها.
قال: هلمى يا اليكس
فصرخت: كلا.. كلا!
وبسطت يديها كأنما لتدفعة عنها وصاحت:
- قف يا جيرالد.. أريد أن أقول لك شيئا.. أريد أن اعترف لك.
فتوقف وقال بفضول:
- تعترفين؟
كانت كلمة الأعتراف هى أول كلمة تبادرت ألى ذهنها فنطقت بها دون أن تعى..
ثم أرادت أن تثير اهتمامة وتصرفة عما عزم علية فمضت تقول فى يأس:
- نعم أريد أن أعترف لك
فنظر إليها بأذدراء وسأل:
-بعلاقة بينك وبين عاشق آخر فيما أظن؟
- كلا .. أريد أن أعترف لك بشىء آخر.. يمكنك ان تسمية جريمة
ولاحظت على الفور انها مست وترا حساسا وأنها استطاعت أن تثير أهتمامة..
وأشعرها ذلك بالطمأنينة .. وبأنة لا يزال فى مقدورها أن تسيطر على الموقف.
قالت فى هدوء:
-يحسن بك أن تجلس ..
ومضت الى مقعدها فجلست علية وأكثر من ذلك أنها انحنت وتناولت قطعة القماش التى كانت تطرزها.
كانت تتظاهر بالهدوء والثبات ولكن عقلها كان يعمل بسرعة..
لتلفيق قصة خليقة بأن تثير فضولة واهتمامة الى أن تأتى النجدة.
وبدأت تتحدث ببطء وقالت
- لقد قلت لك مرة أننى عملت كاتبة اختزال طوال خمسة عشر عاما ولكن تلك لم تكن الحقيقة..
الحقيقة هى اننى انقطعت عن العمل مرتين.. الأولى وأنا فى الثانية والعشرين من عمرى حين
التقيت برجل متقدم فى السن .. يملك ثروة صغيرة فأحبنى وطلب الأقتران بى فوافقت وتزوجنا !
وتريثت قليلا ثم استطردت قائلة:
-وبعد الزواج اقنعتة بالتأمين على حياتة لمصلحتى.
ورأت دلائل الاهتمام على وجة زوجها فمضت فى حديثها بمزيد من الثقة والاطمئنان قالت:
- وحدث خلال الحرب اننى عملت بعض الوقت فى صيدلية أحد المستشفيات العسكرية00
وعرفت الكثير عن العقاقير النادرة والسموم.
وصمتت ونظرت اليه
كان اهتمامه المفرط واضحا فى عينيه.. ولا عجب فأن المجرم يهتم دائما بأنباء الجرائم
وهى قد قامرت على هذه الحقيقة ونجحت..ونظرت خلسة إلى عقربى الساعة.
كانت الساعة قد بلغت الثامنة و35 دقيقة
قالت:
-كان يوجد نوع من السموم على شكل مسحوق أبيض تكفى كمية قليلة جدا منة لقتل من يتناولها..
أنت تعرف شيئا عن السموم البس كذلك؟
ألقت هذا السؤال على سبيل الاختبار حتى اذا كان الجواب بالإيجاب توخت الحذر فى قصتها
ولكنة أجاب :
- كلا اننى لا أعرف عنها إلا القليل.
فتنهدت بأرتياح وردت:
- لا شك أنك سمعت عن عقار الهيوكسين ؟ ان مفعول ذلك السم لا يختلف عن مفعول الهيوكسين مع فارق واحد
هو أنة لا يترك اثرا وأى طبيب يفحص جثة من يموت بة لا يسعة الا أن يقرر أن الوفاة طبيعية
نتيجة هبوط فى القلب.
وذات يوم سرقت كمية صغيرة من السم واحتفظت بها
وصمتت لتستجمع أفكارها فقال جيرالد:
- استمرى
-كلا اننى خائفة سأروى لك القصة فى وقت آخر.
فصاح وقد نفذ صبرة:
بل الأن اريد أن أسمعها الآن
- كان قد مضى على زواجنا شهر واحد وكنت أعامل زوجى العجوز بكل رقة ولطف فراح يمتدحنى ويطرى
صفاتى ويتحدث عن اخلاصى الى الأصدقاء والجيران حتى أستقر فى ذهن الجميع اننى زوجة وفية تحب
زوجها وتتفانى فى خدمتة وارضائة.
وكنت أعد لة القهوة بنفسى كل مساء!
وذات ليلة كنا وحدنا أعددت لة القهوة كالمعتاد ووضعت كمية من ذلك السم فى قدحة
قالت ذلك وتريثت .. وتشاغلت بوضع الخيط فى الإبرة فى هدوء!
لم يكن قد سبق لها أن مثلت دورا ولكنها كانت فى تلك اللحظة
تضارع أعظم ممثلة وقفت على خشبة المسرح.
كانت فعلا تعيش دور القاتلة ذات الضمير الميت والقلب الآسم !

++++++++++الفصل الثامن++++++++++


وطال صمتها واحست بعينى زوجها تتأملانها فى فضول .قالت
وجلست أرقبة ومضى كل شىء فى هدوء شهق شهقة قصيرة واحدة وبدا كأنة يبحث عن الهواء
ففتحت النافذة وسمعتة بعد ذلك يقول أنة لا يستطيع مغادرة مقعدة
ثم أسلم الروح.
وكفت عن الكلام وابتسمت
وكانت الساعة قد بلغت التاسعة الا الربع لا شك أن ديك سيصل خلال دقائق
قال جيرالد: وكم كان مبلغ التأمين ؟
- نحو الفين من الجنبهات وقد ضاربت بة وخسرتة وعدت الى عملى القديم فى المكتب
ولكن لم يكن فى نيتى البقاء طويلا
وبعد بضعة شهور قابلت رجلا آخر أوفرشبابا وأكثر مالا من الزوج الأول
وكان على جانب كبير من الوسامة
فعقدنا قراننا فى هدوء فى مدينة (ساسيكس) وحاولت اقناعة بالتأمين على حياتة فلم يوافق
ولكنة كتب وصية لمصلحتى وكان يحب القهوة التى أعدها لة بنفسى تماما كزوجى الأول.
وابتسمت واضافت قائلة ببساطة:
اننى أصنع قهوة جيدة
وعادت الى قصتها قائلة :
- وكان لى بعض أصدقاء فى القرية التى أقمنا بها فاسفوا لى أشد الأسف حين علموا ان زوجى مات فجأة بهبوط القلب فى احدى الأمسيات
عقب تناول العشاء ولم أشعر بالأرتياح الى الطبيب الذى فحص الجثة
ليس لأنة ارتاب فى وانما لأنة دهش دهشة بالغة لوفاة زوجى فجأة على هذا النحو.
ولا أدرى لماذا عدت بعد ذلك مرة أخرى الى عملى فى المكتب
وأعتقد انى فعلت ذلك بحكم العادة المهم أن زوجى الثانى ترك لى حوالى أربعة آلاف من الجنيهات..
فلم أضارب بها هذة المرة وانما استثمرتها
وها أنت ترى
ولكنها لم تتم عبارتها فقد رأت وجة جيرالد مارتن يحتقن بغتة
وفوجئت بة يشير نحوها بأصبع الأتهام ويصيح بصوت مختنق:
- القهوة .. يا ألهى القهوة لقد فهمت الأن لماذا كانت القهوة مرة كالعلقم..
أيتها التعسة انك عدت الى لعبتك القديمة ووضعت لى السم فى القهوة!
وأمسك بحافة مقعدة وتحفز للوثوب عليها..
وصاح مرة أخرى:
- انك وضعت لى السم فى القهوة..
فوثبت اليكس من مقعدها وتراجعت حتى التصقت بالجدار بجوار المدفأة
كانت ترتجف ذعرا وهلعا وفتحت فمها لتنفى التهمة عن نفسها ثم تريثت..
انة يتحفز للوثوب وسينقض عليها بعد لحظة
استجمعت كل قواها وقالت وعيناها لا تتحول عن عينية:
- نعم اننى دسست السم فى قهوتك والسم يسرى الآن فى شرايينك
انك لا تستطيع الحراك من مقعدك ...لا تستطيع الحراك من مقعدك
آة ليتها فقط تستطيع أن تبقية حيث هو بضع دقائق أخرى
ولكن ما هذا ؟
انها تسمع وقع أقدام فى الخارج وصرير باب يفتح
قالت مرة أخرى
- انك لا تستطيع الحراك من مقعدك ..لا تستطيع الحراك من مقعدك
ومرت بجوارة وركضت الى الخارج لتسقط فاقدة الوعى بين ذراعى ديك وندفورد..
وصاح الشاب فى ذهول :
- يا ألهى ماذا حدث يا اليكس..
ثم التفت إلى الرجل الذى اقبل معة والذى كان يرتدى ثياب الشرطة وقال لة:
- ادخل المنزل وانظر ماذا يحدث.
وحمل اليكس ومددها على أريكة فى الشرفة وانحنى فوقها وهو يتمتم قائلا:
- يا فتاتى العزيزة ماذا فعلوا بك أيتها المسكينة !
فخفقت . أهدابها وتحركت شفتاها وهتفتا باسمة.
وعاد الشرطي فى هذة اللحظة وقال
- لا يوجد أحد يا سيدى سوى رجل جالس فى مقعد وعلى وجهة دلائل الفزع ويخيل إلى
- ماذا؟
- يخيل إلى أنة ميت

النهـــــــ شكرا للمتابعة ــاية

MA7MOUD
10-07-2010, 02:20 AM
http://www.s-oman.net/avb/attachment.php?attachmentid=419506&d=1273856346


هذه الرواية .. الجرائم الأبجديه احدى اروع روايا اجاثا كريستى...


المسيو بوارو : بطل روايات أجاتا كريستي
الكابتن هاستنجز : صديق بوارو وزميله في الكشف عن الجرائم الغامضة
المفتش كروم : أحد رجال سكوتلانديار
المفتش جاب : أحد رجال سكوتلانديار
الدكتور ثومبسون : طبيب في إدارة اسكوتلانديار
المسز آسكر : سيدة عجوز تبيع الحلوى والسجائر
المستر آسكر : زوج المسز آسكر
ماري دراور : ابنة أخت المسز آسكر
بيتي بارنارد : فتاة تعمل مضيفة في مقهى الجنجركات
ميجان بيرنارد : أخت بيتي بارنارد
دونالد فريزر : خطيب بيتي بارنارد
السير سيرميكال كلارك : طبيب متقاعد موفور الثراء
فرانكلين كلارك : شقيق السير سيرميكال كلارك
تورا جراي : سكرتيرة السير سيرميكال كلارك
الكسندر بونابرت سوست : بائع جوارب متجول
المسز ماربري : صاحبة الغرفة المفروشة التي يقيم فيها أ.ب.سوست



الفصل الأول
الرسالة


حدث هذا في شهر يونيو عام 1935 عندما عدت الى انجلترا من مزرعتي في أميركا الجنوبية لأقضي في ربوع الوطن ستة أشهر ..أنجز خلالها بعض المهام الضرورية بعد ان تركت زوجتي وحدها تدير شؤون المزرعة
ولست بحاجة لأن أدكر ان اول شيء قمت به بعد عودتي الى انجلترا هو مبادرتي بزيارة صديقي هركيول بوارو
و قد وجدته يقيم في مسكن أنيق من أحدث المساكن بلندن ولا عجب في هذا إذ كان أحد المساكن التي تضمها عمارات نيوهافن في أحد الأحياء الراقية ودار الحديث طويلا بيننا عن أيامنا السابقة في التعون على كشف الغموض في الجرائم المعقدة وعن الشيب الذي وخط شعر كل منا وعن أحسن أنواع صبغات الشعر التي تجعله يبدو طبيعيا لامعا وعن صلعة بوارو التي ستوفر عليه كمية كبيرة من الصبغة.
وفي أثناء ذلك الحديث عن الجريمة والجرائم قال لي بوارو فجأة :
- هل تعرف ياهاستنغز انني اعتبرك تميمة حظ ؟
- أحقا ؟ وكيف ذلك ؟
ولم يرد بوارو على سؤالي مباشرة وانما استطرد يقول :
- بمجرد ان علمت انك في الطريق الى هنا قلت لنفسي لابد وان شيئا سوف يحدث واننا سنمضي
معا كالأيام السابقة للإيقاع بالمجرم في يد العدالة
وهز كتفيه وأردف قائلا :
- واذا صحت نبوءتي فلا ريب ان ما سوف يحدث سيكون شيئا ضخما مثيرا جديرا بمثل هذه النبوءة..
فهتفت قائلا :
- أقسم يا بوارو ان من يسمعك يحسبك تتحدث عن حفلة ضخمة تنوي اقامتها في فندق الريتز
- آه يا صديقي ..انني أؤمن بالحظ..أؤمن بالقدر..وأشعر ان الأقدار قد دفعت بك الينا في هذه الأيام لتكون بجانبي ولتجنبني ارتكاب الأخطاء التي لاتغتفر
- وماهي هذه الأخطاء التي لاتغتفر يا بوارو ؟
- هي اهمال ملاحظة الأشياء الواضحة العادية
- حسنا..حسنا.. وهل هذا الحدث الضخم على وشك الوقوع ؟
فهز بوارو كتفيه وقطب جبينه مفكرا ثم أومأ برأسه كأنما استقر على شيء ثم نهض وتناول من خزانة محفوظاته المرتبة و الأنيقة خطابا مفتوحا وتقدم نحوي في تردد ثم قال وهو يسلمه لي :
- اقرأ هذا الخطاب يا عزيزي وأخبرني برأيك فيه
فتناولت الرسالة من يده ووجدت انها مكتوبة على الآلة الكاتبة وعلى ورق سميك بعض الشيء وكانت كما يلي :
" المستر بوارو..
"انك تظن نفسك عبقريا في الكشف عن غموض الجرائم المعقدة التي يعجز عن كشفها رجال المباحث الإنجليز الأغبياء ..حسنا أيها العبقري بوارو دعنا نرى الى أي مدى تبلغ مهارتك .ولعلك ستجد ان هذه الجريمة أعلى من مستواك انتظر ما سوف يحدث في بلدة اندوفر في الحادي والعشرين من هذا الشهر..
المخلص جدا : أ.ب.س"

ونظرت الى المظروف الذي كان مكتوبا على الآلة الكاتبة أيضا فوجدت انه ارسل من مكتب بريد و.س.أ وبعد برهة صمت قال بوارو :
- ما رأيك ؟
فهززت كتفي وأعدت الرسالة اليه قائلا :
- أعتقد ان كاتبها رجل مخبول
- أهذا كل مالديك من أقوال ؟
- ألا ترى تماما انه مخبول؟
- الى حد ما..
ونغمة ما في صوته جعلتني أنظر اليه وأقول في دهشة :
- هل تنظر الى هذا الموضوع باهتمام كبير يا بوارو ؟
- ان الرجل المجنون يا صديقي ليس بالشيء البسيط الذي لايثير الإهتمام انه قد يكون شديد الخطر
فقلت مسرعا :
- نعم..نعم..ولكنني اردت ان اقول فقط ان مجنونا ارسل اليك هذه الرسالة لإثارة ضجة جوفاء او لعل كاتبها رجل أسرف في شرب الخمر حتى فقد صوابه
- كل هذا محتمل ...ولكنني غير مطمئن في الوقت نفسه
فسألته قائلا :
- هل عرضت هذه الرسالة على رجال الشرطة ؟
- أجل عرضتها على المفتش جاب فقال كما قلت انت تماما انها دعابة ثقيلة من رجل سكير او مجنون واكد لي ان ادارة سكوتلانديار تتلقى في اليوم الواحد عشرات من هذا النوع من الرسائل
- إذن فلماذا تهتم بأمرها كل هذا الإهتمام ؟
فأجاب بوارو ببطء قائلا :
- ان في هذه الرسالة يا هاستنغز شيئا يقلقني..
فقلت وانا اراه يعيدها الى مكانها :
- إذا كان الأمر كما تقول أفلا تستطيع ان تفعل شيئا ؟
- آه انك دائما هكذا ..ولكن ماذا في وسعي ان افعل ؟ ..رجال المباحث لايهتمون بالأمر وليس على الرسالة بصمات الأصابع .وليس هناك اي دليل يشير الى كاتبها ..
- ليس هناك في الواقع الا شعورك الخاص
- لايا عزيزي هاستنغز ..لاشأن لشعوري بهذا الموضوع انما هي المعرفة..التجربة الطويلة هي التي تقول لي ان في هذه الرسالة شيئا يثير القلق
ثم لوح بيده في شبه يأس لأن الكلمات لم تسعفه ثم هز رأسه وقال :
- لعلي أقيم من الحبة قبة .وايا كان الأمر فليس امامنا إلا الإنتظار
- أجل .وان الحادي والعشرين من هذا الشهر يوافق يوم الجمعة فاذا وقع حادث سرقة بالقرب من اندوفر مثلا..
فقاطعني قائلا بسرعة :
- عندئذ أتنهد بارتياح
- تتنهد بارتياح
- نعم لأن الذي يخيفني ان يكون الأمر أخطر جدا من مجرد حادث سرقة.

نهض المستر الكسندر بونابرت سوست من مقعده وحملق بنظره القصير فيما حوله في غرفة نومه البالية وكان ظهره متصلبا بسبب جلسته غير المريحة ومن ثم راح يتمطأ ويثب على قدمه بحيث لو رآه أحد في تلك اللحظة لحسبه رجلا طويلا جدا
ومضى الى معطفه القديم المعلق وراء الباب وتناول من جيبه علبة سجائر رخيصة وبعض أعواد الثقاب و أشعل لنفسه سيجارة ثم عاد الى المائدة التي كان جالسا اليها وتناول دليلا للسكك الحديدية وراح يبحث فيه عن شيء معين ثم راح يتأمل بعدد كبير من الأسماء المكتوبة على الآلة الكاتبة ومد يده ببطء وعلم بالقلم على الإسم الأول..
وكان ذلك في يوم الخميس العشرين من شهر يونيو.





الفصل الثاني

الجريمة الأولى

رغم تأثري بهواجس بوارو صديقي إلا أنني في الأيام التالية كنت قد نسيت في خضم شواغلي أمر تلك الرسالة ولم أتدكرها في الواقع مرة اخرى الا في اليوم الثاني والعشرين من الشهر عندما أقبل المفتش جاب الى مسكن صديقي بوارو ولما رآني صافحني بحرارة وشوق لأننل كنا صديقين قديمين وصاح مدهوشا :
- آه ..هذه مفاجأة يا كابتين هاستنغز متى جئت من تلك البراري التي ذهبت اليها ؟ اني إذ أدكر تلك الأيام الطيبة التي كنت اراك فيها مع المسيو بوارو دائما آه اني اراك بخير وان كان شعرك قد بدأ
يخف بتأثير الزمن ...حسنا..حسنا..هكذا الأمر معي أيضا.
وامتعضت قليلا من هذه الملاحظة ولكني تدكرت فجأة ان جاب لم يكن لبقا في أحاديثه مع أحد ومن تم تظاهرت بالإبتسام بينما استطرد المفتش جاب في حديثه مع بوارو قائلا :
- وهكذا انت يا مسيو بوارو كلما فكرت في اعتزال هذا الركض الطويل وراء المجرمين وجدت نفسك في خضم أحداث جديدة .هل سمعت يا كابتن هاستنغز عن الرسالة الغمضة التي تلقاها بوارو ؟
فقال بوارو :
- لقد أطلعت هاستنغز عليها منذ بضعة ايام
فهتفت قائلا :
- أجل..أجل..لقد نسيت أمرها ماذا كان التاريخ المذكور فيها ؟ فقال جاب :
- الحادي والعشرون. وهذا ما دفعني الى المجىء فقد كان أمس الحادي والعشرون من الشهر وبدافع الفضول فقط اتصلت امس تلفونيا بمركز شرطة اندوفر فقيل لي انه لم يحدث اكثر من مشاجرة بين احد السكارى وزميل له واصابة طفلة بحجر قذفه طفل عليها في مثل سنها ومن ثم اعتقدت ان المسيو بوارو لم يكن موفقا في هواجسه هذه المرة.
فاعترف بوارو قائلا :
- انني قد استرحت الآن ..حمدا لله.
- كنت شديد الجزع بسبب هذه الرسالة اليس كذلك ؟ لك الله .اننا نتلقى عشرات امثالها كل يوم .ويبدو ان هناك طائفة من الناس تهوى كتابة هذا النوع من الرسائلا لأسباب كثير مختلفة
- الواقع انني اوليته هذه الرسالة من الإهتمام أكثر مما تستحق خير.لقد حضرت لزيارتك اليوم لأطمئنك من جهة ولأني كنت اقوم بالتحقيق في حادث سرقة جواهر في الشارع المجاور .طاب يومكما
وبعدانصرافه قلت لبوارو:
- انه لم يتغير كثيرا..
- أجل ..ولكن الشعر الأبيض تكاثر في فوديه بشكل ملفت للنظر..حسنا يبدو اني كنت مخطئا حقا في هواجسي عن تلك الرسالة ويلوح ان الإنسان كلما كبر في السن ازداد ارتيابا في كل شيء كالكلب العجوز الأعنى الذي يحاول ان يثبت وجوده بالنباح الأجوف.
وهنا ضحكت وقلت :
- اسمع يا عزيزي بوارو اذا كنت تريد ان استأنف العمل معك في الإيقاع بالمجرمين فيجب ان تكون الجريمة من النوع المثير الذي يقيم الرأي العام ويقعده.
فضحك بوارو بدوره وقال :
- اذا قدر لك ان تختار جريمة كما تختار الطعام فكيف تريدها ان تكون ؟ سرقة مثلا اة تزييف ؟
- أريد ان تكون جريمة تهدتد رئيس وزراء مثلا او خطر يحدق بمليونير امريكي يقيم في انجلترا او خطف رئيس تحرير صحيفة كبرى وان يراق على جوانب الجريمة الدم.
فتنهد بوارو وقال :
- ولابد ان يكون العنصر النسائي فيها...فتاة جميلة ذات شعر ذهبي
- أجل لأن الجمال كثيرا ما يجني على صاحبه ويثير حسد الناس له
وقلت فجأة :
- ويحسن ان تعقب الجريمة الأولى جريمة ثانية لأن هذا يزيد من اهتمام الناس بالأمر لأن الجريمة الواحدة لاسيما في قصة مطولة قد تبعث على ملل القارىء
وعندئذ صلصل جرس التلفون فتناول بوارو المسماع وقال :
- أجل أنا بوارو هركيول بوارو
وصمت برهة ينصت ثم أربد وحهه يقول هذه العبارات على التوالي :
- نعم..نعم..
- طبعا..
- طبعا..طبعاسوف أحضر
- أجل ربما كان الأمر كما تقول
- سآتي بها معي
وأعاد المسماع الى الحمالة وقال لي :
- انه المفتش جاب يا هستنغز
- ماذا يريد ؟
- قال انه عقب وصوله الى ادارة سكوتلانديار وجد في انتظاره رسالة من اندوفر
فهتفت قائلا :
- اندوفر ؟
- أجل اندوفر ..وجاء في الرسالة ان امرأة عجوز تدعى المسز آسكر وجدت مقتولة في دكانها الصغير الذي تبيع فيه التبغ والسجائر والحلوى
واعترف ان انفعالاتي هبطت في تلك اللحظة ..لقد كنت اتوقع ان اسمع عن جريمة تهز الرأي العام اما مقتل امراة عجوز في بلدة نائية فهو حدث عادي يقع الكثير منه في كل يوم.

واستطرد بوارو يقول :
- ويعتقد رجال الشرطة في اندوفر ان في مقدورهم وضع أيديهم على الفاعل...
وازدادت انفعالاتي هبوطا بينما أردف بوارو يقول :
- ويبدو ان المرأة كانت على خلاف مع زوجها الذي أدمن الخمر وأصبح عاطلا منحط الأخلاق وقد سمعه الكثيرون وهو يهدد زوجته بالقتل ...
وصمت بوارو برهة قبل ان يستأنف الحديث قائلا :
- ومع هذا كله فان رجال المباحث في ادارة اسكوتلانديار يريدون ان يعيدوا النظر في الرسالة الغامضة التي تلقيتها وقد وعدتهم بأننا سنحضر الى اندوفر.
وأحسنت بالإنفعال المثير مرة اخرى وخامرني ذلك الشعور القديم شعور كلب الصيد وهو يتأهب للإنطلاق وراء الثعلب المراوغ ...
وكان بوارو لايزال يتحدث ولكنني لم اسمع شيئا مما قال :
واستقبلنا في اندوفر المفتش جلين وكان رجلا طويلا أشقر البشرة لطيف الإبتسامة.
واعتقد ان واجبي اولا ان اسرد هنا الحقائق المجردة التي عرفت عن الجريمة والظروف المحيطة بها :
"اكتشف امر الجريمة الكونستابل دوفر في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل أي في اول ساعة من صباح اليوم الثاني والعشرين من الشهر وكان يقوم بدوريته الليلية التفتيشية عندما لاحظ ان باب دكان المسز آسكر غير مغلق فدخل ..فظن في اول الأمر انه لايوجد به احد .وفيما هو يسلط كشافه الكهربائي على ما وراء منصة البيع رأى جسم امرأة عجوزا مكوما ولما حضر طبيب الصحة قال ان المرأة العجوز _الذي ثبت انها المسز آسكر نفسها_ ماتت بضربة عنيفة اصابت مؤخرة راسها .ومن المحتمل ان تكون الضربة هوت عليها اثناء استدارتها لإستحضار علبة سجائر من فوق احد الرفوف .وقد حدد الطبيب الوفاة من سبع الى تسع ساعات قبل اكتشاف الحادث "
وقال المفتش في اثناء حديثه :
- ولكننا استطعنا ان نحدد الوقت بأقل من هذا لأننا عثرنا على رجل اعترف انه اشترى علبة تبغ من المسز آسكر في الساعة الخامسة والنصف من مساء الحادي والعشرين وقال آخر انه ذهب لشراء علبة سجائر فوجد الدكان خاليا كما ظن في الساعة السادسة وخمس دقائق .وانا لم اعثر بعد على
اي شخص يشهد بانه راى زوجها المستر آسكر بالقرب من دكانها في ذلك الوقت المحدد ولكن قيل لنا انه كان في حانة "ثري كراونز" فاقد الوعي بالخمر في الساعة التاسعة من مساء امس وعندما يتم القبض عليه سوف نحجزه رهن التحقيق.
فقال بوارو :
- انه كما سمعت شخصية فاسدة.
- أجل ..
- هل كان يعيش مع زوجته ؟
- لالقد انفصلا منذ بضعة أعوام وآسكر الماني الجنسية وكان في يوم ما يشتغل جرسونا واصبح تدريجيا غير صالح لأي عمل واشتغلت زوجته بالخدمة في البيوت حينا وكان آخر عمل لها اشتغلت طاهية ومدبرة في منزل عانس عجوز تدعى المس روز وكانت المسز آسكر تعطي بعض المال لزوجها من اجرها لتسكنه عنها.ولكنه كان يسكر ويذهب اليها ويثير معها المنازعات والفضائح ...وهذا ما جعلها تقبل العمل مع المس روز في بلدة جرانج التي تبعد عن اندوفر بثلاثة اميال . وهكذا لم يكن يستطيع ان يتردد عليها بكثرة ولما ماتت المس روز تركت في وصيتها للمسز آسكر مبلغا من المال استطاعت به ان تنشىء متجرا لبيع التبغ والحلوى والصحف .وكان دخلها من هذا المتجر يتيح لها حياة الكفاف .ولكن زوجها ظل يثقل عليها بطلباته حتى اتفقت معه على اعطائه خمسة عشر شلنا كل اسبوع اتقاء لشره.
- هل لديها ابناء ؟
- لا. ولكن للمجني عليها ابنة اخت تشتغل مدبرة بيت في بلدة اوفرتون وهي فتاة ناضجة كريمة الأخلاق .
- وذلك الرجل المدعو آسكر كان يهدد زوجته دائما ؟
- أجل. وكان اذا سكر يصبح وحشا بذيء اللسان وكثيرا ما هددها بتحطيم راسها
- وكم كان عمر المجني عليها ؟
- في نحو الستين ..وكانت سيدة محترمة مكافحة .
- اذن فأنت تعتقد يا سيدي المفتش بأن زوجها هو القاتل؟
فتنحنح المفتش جلين قبل ان يقول :
- يجب اولا ان نعرف كيف امضى فترة المساء امس فاذا ثبت انه كان بعيدا عن مسرح الجريمة عند وقوعها فربما افرجنا عنه والا...
- ألم يسرق شيء ...فان النقود ظلت كما هي في الدرج ولايبدو ان هناك شيئا مسروقا.
- اذا قانت تعتقد ان المدعو آسكر ذهب _وهو مخمور_ الى دكان زوجته ثم تشاجر معها وضربها بشيء ثقيل على أم راسها ؟
- هذا ما يبدو لنا حتى الآن..ولكننا نريد ان نلقي نظرة على الرسالة الغامضة التي جاءتك
وبعد ان قرأ المفتش الرسالة قطب جبينه وقال :
- لايلوح ان آسكر هو كاتبها لأن يد الرجل اصبحت الآن ترتعد بشدة بسبب ادمانه الخمر وهذه الرسالة مكتوبة بيد ثابتة وبخط واضح .كما ان الورق والمداد من نوعين ممتازين بعيدين عن متناول رجل في مثل ظروف آسكر ولهذا ارى ان الأمر مجرد مصادفة.
- هذا محتمل..
- ولكنني لا اطمئن الى هذا النوع من المصادفات
وصمت برهة قبل ان يقطب جبينه مرة اخرى ويردف قائلا :
- أ.ب.س ...من يكون هذا الشيطان ؟ لسوف نحاول ان نعرف راي ماري دراور _ابنة اختها_ في هذا
الموضوع ولولا هذه الرسالة لراهنت بكل قرش معي ان آسكرهو الجاني .
- ألديكم اية معلومات عن تاريخ المجني عليها ؟
- انها امرأة من اقليم هامشاير ذهبت للخدمة في المنازل منذ كانت فتاة في مدينة لندن ...وهناك
تقابلت نع آسكر وتزوجته وفي عام 1945 انفصلت عنه نهائيا بدون طلاق وعادت الى هذه البلدة لتبقى في منأى عنه ولكنه تبعها الى هنا وراح يبتز مالها..
وهنا حضر احد الكونستبلات فقال له المفتش :
- حسنا يا بريجرز ؟
- لقد أحضرنا المدعو آسكر
- أدخله فورا اين كان ؟
- كان مختفيا في مركبة سكة حديد مهجورة
- حسنا . أدخله فورا.
وكان فرانز آسكر الألماني الأصل والإنجليزي الجنسية نموذجا بائسا من الجنس البشري وكان يثرثر
ويدمدم قائلا وهو يحملق في وجوهنا بنظرات ملؤها الخوف والإحتجاج:
- ماذا تريدون مني ؟ انني لم افعل شيئا..انكم تظلمونني .كل انسان في هذه الدنيا يظلمني .انني مسكين.دعوني وشأني.
وشرع آسكر في البكاء وهنا قال له المفتش :
- تمالك نفسك يا آسكر .اننا لم نوجه اليك بعد أي اتهام .ولم يجبرك احدا على ان تقول شيئا رغما عنك.
- ولكنني لم اقتلها .لم اقتلها...دعوني وشأني.
- لقدهددتها كثيرا بالقتل يا آسكر..اليس كذلك ؟
- لا..لا..كنت امزح معها فقط
- نوع لطيف من المزاح ...اليس كذلك ؟ حسنا..اين كنت بعد غروب يوم امس يا آسكر ؟
- انني لم اقترب من دكانها .لقد كنت امس بعد الظهر حتى ساعة متأخرة من الليل مع اصحاب محترمين ذهبنا اولا الى حانة "سيفن ستارز" ثم الى حانة "رد دوج" وكان معنا ديك ويلوز وكرودي العجوز وجورج وبلات وغيرهم.نعم انني لم اقترب منها امس.
ولما بدأ يصرخ _وهو في حالة انهيار عصبي _ امر المفتش بنقله الى غرفة الحجز على ذمة التحقيق ثم قال بوارو :
- ما رايك في هؤلاء الشهود ؟
- انهم جميعا من مدمني الخمر .ويتوقف الأمر الآن على ان يكون هناك شهود آخرون قد راوه بالقرب من الدكان بعد ظهر امس.
وبعد برهة صمت قال بوارو :
- هل انت واثق بان شيئا ما لم يسرق من الدكان ؟
فهز المفتش كتفيه وقال :
- من يدري ؟ ربما سرقت علبة سجائر او اثنان فان هذا الشيء لايمكن التأكد منه
وبعد برهة صمت أردف قائلا :
- لكن من غير المعقول ان يرتكب شخص ما جريمة قتل ليسرق بضع علب سجائر .
وقال بوارو :
- ألم يكن هناك في مكان الجريمة شيء ؟ أعني شيئا غريبا في وضعه او شكله او مثيرا للإنتباه ؟
ففكر المفتش برهة ثم قال :
- كان هناك دليل سكة حديد
- دليل سكة حديد ؟
- أجل وكان مفتوحا ومقلوبا على منضدة البيع وكأنما كان ثمة شخص يبحث فيه عن مواعيد القطارات المتحركة من محطة اندوفر
- وهل كانت المسز آسكر تبيع هذا النوع من الكتب ؟
فهز المفتش راسه وقال :
- كانت تبيع جداول سفر صغيرة لاتزيد ثمن الواحد منها على نصف قرش اما هذا الدليل فهو من الحجم الكبير الذي لا يباع الا في المكتبات الكبيرة .
وهنا ومضت عينا بوارو وقال بلهفة :
- أتقول دليل سكة الحديد ، أهو دليل برادشو او أ.ب.س؟
وهتف المفتش قائلا :
- بحق السماء .انه من هذه النوع الذي يقوم على الأحرف الهجائية.


يتبع

تفضلو يا جماعة الرواية حلوة

MA7MOUD
10-08-2010, 02:39 AM
الفصل الثالث

في مسرح الجريمة


أعتقد ان اهتمامي بهذا الحادث قد تضاعف عند دكر دليل برادشو السياحي القائم على تسجيل اسماء المحطات بالترتيب الأبجدي وكان اهتمامي قبل ذلك لايعدو اهتمام اي شخص غريب بمقتل امرأة عجوز فقيرة في بلدة نائية . انها جريمة من النوع الذي تنشره الصحف في اصغر اركانها وباصغر
حروف طباعتها وكنت اعتقد في قرارة نفسي ان المسز آسكر ذهبت ضحية زوجها السكير وانه لاشأن للرسالة الغامضة بهذه الجريمة وان الأمر كله لايعدو ان يكون محض صدفة .اما بعد ما سمعت بامر هدا الدليل الأبجدي للسكة الحديدية فقد احسست برعدة تسري في كياني وانا اؤمن بان هذا لايمكن ان يكون مصادفة.
لقد اتخدت الجريمة في رايي وجهة اخرى خطيرة.
فمن هو ذلك الشخص الخفي الذي قتل المسز آسكر وترك وراءه الدليل الأبجدي لمحطات السكة الحديدية ؟
وبعد ان غادرنا مرطز الشرطة في اندوفر ذهبنا الى المشرحة حيث راينا المجني عليها جثة هامدة بشعرها الأشيب والإصابة القاتلة في راسها واسرعنا بالخروج الى مكتب الجاويش الذي قال لنا مواسيا :
- انها لم تعرف من الذي قتلها فان الدكتور كار يقول ان الوفاة حدثت في الحال واني لمسرور لهذا لأن هذه السيدة كانت طيبة ومسكينة وأحمد الله انها لم تتعذب
وقال بوارو :
- يبدو انها كانت جميلة في شبابها
فنظرت اليه مدهوشا وقلت :
- هل لهذا علاقة بالحادث ؟
- حسنا.. سوف نرى..
ثم التقينا بالدكتور كار الذي قال :
- ان رجال المباحث لم يعثروا على اداة القتل بعد ولكن الواضح انها اداة من نوع عادي هراوة ثقل من اي نوع عصا محشوة بالحديد او كيس رملي كل هذه قد يكون من الأدوات التي تستعمل لإرتكاب الجريمة.
- هل توجيه هذه الضربة كان يستلزم قوة خاصة .
فنظر الطبيب اليه في ارتياب وقال :
- أتعني هل يستطيع رجل مثل آسكر في السبعين من عمره مرتعش اليدين ان يوجه ضربة كهذه
نعم .ان هذا ممكن.
- اذن فقد يكون القاتل امرأة ؟
فنظر الطبيب اليه بدهشة وقال :
- امرأة ؟ ان هذا الإحتمال لم يخطر ببالي ولكنه احتمال ممكن الوقوع اما من الناحية النفسية فيمكنني القول انها ليست جريمة نسائية
فأومأ بوارو براسه موافقا وقال:
- بكل تأكيد .بكل تأكيد. ان هذا امر بعيد الإحتمال ولكن على الإنسان ان يشمل بنظراته جميع الأحتمالات وكيف كان وضع الجثة ؟
فذكر الطبيب انه يرجح ان المجني عليها كانت قد استدارت بظهرها للقاتل لكي تأتي اليه بشيء فأهوى على مؤخرة راسها فتكومت على نفسها وراء منضدة البيع ومن ثم بدا الدكان لعابر السبيل وكانه خال تماما.
وقال لي بوارو بعد انصرافنا :
- أترى يا عزيزي هاستنغز هذه النقطة جديدة في جانب براءة آسكر فلو انه هو الذي ذهب الى زوجته يسبها ويهددها لوقفت امامه تواجهه..ولكنها كانت عند الوفاة مستديرة بظهرها الى القاتل
الذي جاء ولاشك في هيئة رجل يريد شراء شيء
ثم أردف قائلا وهو ينظر في ساعة يده :
- أعتقد ان اوفرتون ليست بعيدة عن هنا ..ما رايك في ان نسرع اليها الآن ونقابل ابنة اخت المجني عليها ؟
- الا يحسن ان نمضي اولا الى مسرح الجريمة ؟
- افضل ان افعل هذا فيما بعد لأسباب خاصة
وبعد لحظات قليلة كنا نندفع بالسيارة في طريق لندن متجهين نحو بلدة اوفرتون ..وكان العنوان الذي اعطاه لنا المفتش ينطبق على بيت كبير الحجم يبعد نحو ميل على الجانب " اللندني" من القرية .
واستجابت لرنين جرسنا فتاة شابة في ملابس سوداء جميلة الوجه متورمة العينين من فرط البكاء.
قال بوارو لها برفق :
- آه أعتقد انك المس ماري دراور ؟
- أجل يا سيدي انني ماري يا سيدي
- هل استطيع ان اتحدث معك بضع دقائق بعد اذن سيدتك ؟ ان الموضوع يتعلق بمقتل خالتك المسز آسكر.
- ان سيدتي في الخارج يا سيدي وهي لن تمانع في ان تتفضل بالدخول.
ثم فتحت بابا لغرفة استقبال صغيرة وبعد ان جلسنا بجوار النافذة رمق بوارو الفتاة بامعان ثم قال :
- لقد سمعت طبعا بما حدث لخالتك ؟
فأومأت الفتاة براسها وقالت والدموع تنساب من عينيها :
- علمت هذا الصباح يا سيدي عندما جاء احد رجال الشرطة واخبرني بالحادث .آه..ان الأمر فظيع يا خالتي المسكينة أتعيش بائسة طيلة حياتها ثم تكون هذه هي النهاية.
- ألم يعرض عليك رجل الشرطة الذهاب الى اندوفر ؟
- قال لي يجب ان احضر جلسة التحقيق التي ستعقد يوم الإثنين التالي اما الآن فكيف اذهب واين اقيم هناك ؟ انني لن اطيق الإقامة في غرفة خالتي التي تقع وراء الدكان .وزميلتي في العمل هنا
غائبة عند اهلها واعتقد انه لا يجوز ان اترك سيدتي بمفردها في مثل هذه الظروف.
فقال بوارو برفق :
- كنت تحبين خالتك ؟
- جدا يا سيدي لقد كانت عطوفا علي دائما ..هكذا كانت دائما منذ وفاة امي .وقد بدأت أعمل بالخدمة في البيوت منذ كنت في السادسة عشرة من عمري ولكنني كنت حريصة على قضاء يوم عطلتي الأسبوعية لديها وكان ذلك الألماني اللعين سببا في شقاء حياتها .انه لم يتركها تنعم يوما بالراحة والهدوء
وكانت الفتاة تتحدث بحماس .فقال بوارو :
- ألم تفكر خالتك يوما في طلب الطلاق منه ؟
- لايا سيدي ..ان خالتي لم تكن من النوع الذي يبرر الطلاق لأي سبب
- وهل سمعته يهددها يا ماري ؟
- أوه ..كثيرا..وما افظع ما كان يقوله لها .كان يقول انه سيذبحها يوما وسيحرقها يوما وسيدق عنقها
كان لايكف عن السباب بالإنجليزية والألمانية ومع ذلك كانت خالتي تقول انه كان في شبابه رجلا لطيفا جميلا مهذبا.
- اذن فأنت لم تدهشي كثيرا حين سمعت بمصرع خالتك واتهام رجال الشرطة اياه بانه القاتل ؟
- على العكس يا سيدي ... لقد دهشت جدا لأنه لم يخطر ببالي قط ان مثل هذا الرجل العجوز السكير المهدم يستطيع ان يقتل نفسا بشرية ..بل اكثر من هذا كنت اراه يتراجع عنها كالكلب المذعور عندما تستدير اليه وتبدأ في معاملته بالمثل .أجل لقد كان يخشاها
- ومع ذلك كانت تعطيه مالا ؟
- طبعا يا سيدي..ألم يكن زوجها
- أجل ..أجل..
ثم اردف بوارو بعد لحظة صمت :
- لنفرض انه ليس قاتلها...
فحملقت في وجهه بدهشة وتمتمت :
- ليس قاتلها ؟
- أجل ..لنفرض ان الذي قتلها شخص آخر فهل لديك اية فكرة من يمكن ان يكون ؟
- لايا سيدي مطلقا ان هذا غير محتمل .فمن هذا الذي يسعى الى قتل امرأة عجوز مسالمة مثل خالتي ؟
- ألم تسمعيها تدكر اسم اي شخص غاضب منها او ساخط عليها :
- أبدا يا سيدي ...
- الم تستلم قط رسائل بتوقيعات أشخاص مجهولين ؟
- لااظن يا سيدي..
- اليس لخالتك اقارب غيرك :
- لااظن يا سيدي لقد كنت واحدة من عشر بنات وابناء ولكن لم يعش منهم سوى ثلاثة غيرها هي وخالي توم الذي قتل في الحرب وخالي هاري الذي رحل الى اكريكا الجنوبية ولم نعد نسمع عنه شيئا اما امي فقد ماتت وانا طفلة ..وهكذا لم يبق لها من الأقارب غيري
- هل كانت خالتك تدخر مالا ؟
- كانت تدخر في بنك التوفير مبلغا بسيطا يكفي لنغطية نفقات جنازتها اما فيما عدا ذلك فقد كانت تجاهد حتى تقيم اودها فضلا عن المبالغ التي كان ذلك الشيطان يبتزها منها
فاومأ بوارو براسه ثم نهض وهو يقول :
- اذا احتجنا اليك في اي وقت يا ماري فهل نكتب اليك في هذا العنوان ؟
- الواقع انني لن انكث هنا طويلا ..لقد آثرت العمل في البلدة لأكون قريبة من خالتي.
ثم طفرت الدموع من عينيها وهي تردف قائلة :
- اما وقد ماتت فاعتقد ان مكان العمل الملائم لفتاة مثلي هو المدينة "لندن"
- أرجو عندما ترحلين الى لندن ان ترسلي لي بعنوانك الجديد وهذه هي بطاقتي
فقالت بعد ان نظرت في البطاقة :
- اذن فانت لست من رجال الشرطة يا سيدي ؟
- اني اعمل لحسابي الخاص
فوقفت ونظرت اليه برهة ثم قالت بصوت خافت :
- هل ثمة شيء خاص في هذه الجريمة يا سيدي ؟
- أجل يا ابنتي وسوف تعرفين كل شيء في حينه ونرجو ان تبذلي جهدك في مساعدتنا اذا احتجنا اليك
- هذا ما ارجوه يا سيدي..
وبعد لحظات كنا في طريق العودة الى اندوفر....
كان مسرح الجريمة في شارع جانبي يتفرع من الشارع العام بالبلدة وكان دكان المسز آسكر يقع في منتصف هذا الشارع الجانبي في الجهة اليمنى
وفيما نحن ندخل هذا الشارع رايت بوارو ينظر في ساعته ...وعندئذ ادركت لماذا ارجأ زيارة مسرح الجريمة حتى هذا الوقت لقد أراد ان يصل اليه في نفس الفترة المماثلة التي وقع فيها الحادث اي في الساعة الخامسة والنصف مساءا
وكان ثمة بعض الدكاكين المتناثرة بين بيوت الطبقة الدنيا في ذلك الشارع الجانبي وكان المعتاد في ذلك الوقت من اليوم ان يرى فيه بعض السكان وهم عائدون من اعمالهم الى بيوتهم او بعض الأطفال وهم يلعبون اما عندما ذهبنا نحن فقد كان المنظر جد مختلف كان هناك جمع كبير من سكان البلدة الذين دفعهم الفضول الى مسرح الجريمة راحوا من بعيد يقفون جماعات جماعات يتبادلون الأحاديث والتعليقات عن الحادث.
ولما وصلنا الى الدكان وجدناه **** المظهر مغلقا وقد وقف امامه احد رجال الشرطة ووقف بوارو ينظر الى اللافتة ال****ة التي تحمل اسم " آسكر" ثم فجأة قال لي :
- هلم ندخل هذا الدكان يا هاستنغز
وشققنا طريقنا بين المجتمعين وقدم بوارو بطاقته الخاصة لرجل الشرطة الذي اومأ براسه وفتح باب الدكان وسمح لنا بالدخول بين دهشة المتفرجين البالغة.
وكان الظلام في الداخل كثيفا فأدار الشرطي مفتاح النور..وعلى هذا الضوء الكهربائي اخذت افحص ما حولي. كان دكانا صغيرا ****ا ايضا من الداخل على منضدة البيع بعض الصحف والمجلات الرخيصة التي يعلوها الغبار ووراء المنصة بضعة ارفف عليها علب السجائر والحلوى والتبغ وبعض الدمى الخزفية الرخيصة وعلى مشجب في نهاية الدكان كان ثمة معطف من الصوف القديم ومطرف
وصديرية نسائية وكانت هذه كل بقايا ملابس المسكينة آليس آسكر .
وقال بوارو وهو يمسك بيدي :
- هلم الى الخارج يا هاستنغز فلن نجد هنا ما يلقي اي ضوء على الحادث.ولما عدنا الى الشارع وقف بوارو مترددا برهة ثم عبرنا الطريق الى الجانب الآخر حيث كان ثمة دكان فاكهي وخضري في الجهة المقابلة تماما لدكان المسز آسكر وكان الفاكهي يعرض معظم سلعه على منصات خارج الدكان. وكان بوارو قد طلب مني بصوت خافت _ونحن نعبر الطريق الى ذلك الدكان_ ان أشتري اية كمية من الفاكهة اثناء حديثنا مع البائعة ،وراح يتحدث مع البائعة البدينة وهو يشتري منها كمية الخس بينما طلبت انا شراء رطل من الفراولة وكان هو يقول معلقا على الحادث :
- كان الحادث في مواجهتك تماما..اليس كذلك ؟ أعني مقتل المسز آسكر لاشك انه اثار ضجة كبيرة في بلدة صغيرة كهذه.
ويبدو ان البائعة البدينة كانت قد تعبت من كثرة الحديث عن هذا الموضوع إذ قالت في ضجر واضح :
- انني لاادري لماذا يتجمع كل هؤلاء الناس ..ماذا يشاهدون وعلى اي شيء يتفرجون ؟
- لاشك ان الشارع امس كان هادئا ..ولعلك لاحظت القاتل وهو يدخل انه رجل طويل اشقر روسي السمت ..او هكذا يقال
- ماهذا ؟ أهو روسي ؟
- علمت ان رجال الشرطة قبضوا على رجل روسي بتهمة قتل المسز آسكر
- آه حسنا جدا..اذن فهو اجنبي غريب عن البلاد
- كنت أظن انك لمحته وهو يدخل دكانها
- الواقع انني لا ألاحظ المارة كثيرا لأنني اكون في مثل هذا الوقت مشغولة بالبيع ولكن الؤكد انني لم ار رجلا طويلا اشقر البشرة يمر بالشارع امس
وهنا تدخلت انا في الموضوع وقلت :
- معذرة ايها السيد لكنني سمعت شخصيا ان رجال الشرطة القوا القبض على رجل قصير خمري اللون له لحية صغيرة. واشترك في الحديث عندئذ صاحب الدكان _وكان زوج البائعة_ وصبي في نحو العاشرة وقد قال الثلاثة انهم راو أربعة رجال قصار سمر الوجوه ولكن ليس بينهم واحد له لحية صغيرة ..وقال الصبي انه راى رجلا طويلا اشقر وله لحية .وبعد اصرافنا قلت لبوارو في ضيق :
- ماذا كنت تهدف من هذا اللغو الفارغ ؟
- كنت اريد ان اعرف الى اي حد يمكن ان يلاحظ هؤلاء الناس مرو رجل غريب عن البلدة بهذا الشارع .
- اما كان يمكنك ان تسألهم مباشرة ؟
- لا..ان الؤال المباشر يجعلهم يتحفظون اما هذه الطريقة البسيطة في تبادل الحديث فهي التي تخرجهم وتجعلهم يتجاوبون معك ويجيبون على اسئلتك دون ان يشعروا بالخوف او الحرج .ثم اردف
قائلا وهو ينظر الى كيس الفاكهة في يدي : عندما تشتري نوعامن الفاكهة في مثل هذه الظروف يا هاستنغز يجب ان تختار نوعا من الفاكهة الجافة انظر الآن ان الفراولة قد اوشكت ان تبلل ملابسك
ولاحظت في استياء ان تلك هي الحقيقة ومن ثم انتهزت اول الفرصة واعطيتها لغلام في الطريق
واضاف بوارو اليها الخس الذي اشتراه ثم عدنا الى الجانب الذي يقع فيه دكان المسز آسكر حيث راينا ان المنزل والدكان الواقعين على يمينه خاليين ومكتوب عليهما للإيجار اما على الجانب الآخر فكان ثمة منزل صغير **** تنسدل على نوافذه الأمامية ستائر غبراء من الموسلين .وطرق بوارو باب هذا المنزل الأخير فلم يلبث ان فتحه صبي صغير قذر السمت فسأله بوارو عن والدته ..فأسرع اليها وبعث بها الينا بينما هو في ركن من الردهة يتأملنا في شك وقلق.
واقبلت سيدة حادة الملامح متجهمة الوجه وقالت فورا :
- لافائدة من اضاعة وقتكم في....
ولكن بوارو قاطعها وهو يرفع قبعته ويحييها باحترام :
- طاب مساؤك يا سيدتي انني محرر بصحيفة " الا يفننج فليشر" وارجو ان تقبلي هذه الجنيهات الخمسة مقابل اعطائنا بعض المعلومات الخاصة لكتابة مقال عن جارتك المسز آسكر
فانبسطت اسارير المرأة امام الجنيهات الخمس وقالت :
- تفضلا بالدخول ...تفضلا
ودخلنا غرفة صغيرة ضيقة مكتضة بالأثاث القديم واستطعنا ان نجلس على نحو ما أمام السيدة التي قالت معتذرة :
- انني آسفة على لهجتي الحادة التي تحدثت بها معكما في اول الأمر والواقع ان ربة المنزل منا لاتكاد تفرغ من فتح الباب بين الحين والآخر لهذا البائع المتجول او ذاك ، باعة المكانس الكهربائية والمطهرات والصابون الكيميائي والجوارب والروائح وما الى ذلك ..وكلهم يتحدثون برقة ولباقة يحاولون ان يكتبوا الإسم ويقولون " لكي تكوني عملية دائما يا مسز فارلو " وهكذا.
وانتهز بوارو فرصة التعرف باسمها فقال بلباقة :
- حسنا يا مسز فارلو ..ارجو ان تحققي رجاءنا في كتابة المقال عن جارتك المسكينة
فرمقت المرأة الجنيهات الخمسة في بوارو وقالت :
- انني ارجو هذا .ولكنني لااعرف كيف تكتب المقالات
فاسرع بوارو واكد لها انها لن تكتب بنفسها شيئا وانما يكفي ان تدلي اليه بما تعرفه عن حياة جارتها الخاصة ثم يتولى هو صياغة المقال.
وتشجعت المسز فارلو واندفعت تحدثنا بكل ما تعرفه عن المجني عليها
كانت تعيش منطوية على نفسها ولا تميل الى مصادقة احد ولاشك ان كان لها العذر بسبب المتاعب التي عاشت فيها والتي كان زوجها السبب الوحيد في اثارتها ولكن المسز آسكر لم تكن
تخشاه حقا بل انها كانت تستطيع اذا شاءت ان تملأ قلبه فزعا منها الا ان هذا لم يكن يمنع المسز فارلو من تحذير جارتها المسز آسكر الى قتلك ذات يوم فكوني دائما على حذر منه وقد حدث ما كنت أخشاه واتنبأ به وماتت مقتولة دون ان اشعر او اسمع اي شيء
وتوقفت المسز فارلو راسها وقالت انها لاتعلم شيئا عن هذا ولاتعتقد ان المسز آسكر من النساء الآتي يهتم احد بارسال خطابات بلا توقيع اليها .
وسألها بوارو قائلا :
- هل سبق ان رايت عندها دليل برادشو للسكة الحديدة ؟
فقالت في حيرة :
- انني لم ار مثل هذا الدليل في حياتي
- انه يرتب اسماء المحطات بالحروف الهجائية
- لا يا سيدي ..لم اره من قبل لا عند المسز او عند غيرها
- هل راى احد ذلك المدعو آسكر وهو يدخل دكانها في تلك الساعة التي وقعت فيها الجريمة ؟
- لاشك انه كان حريصا طبعا حتى لايراه احد .
والقى بوارو عليها مزيدا من الأسئلة ولكن المرأة ظلت تعيد تكرار ما قالته عن سوء أخلاق المستر آسكر وعن قسوة معاملته لزوجته وعن تحذيراتها هي الدائمة لها.
ولما اعطاها بوارو الجنيهات الخمسة وانصرفنا قلت له :
- أتعتقد ان هذه المعلومات المكررة التافهة تساوي هذا المبلغ ؟
فهز بوارو كتفيه وقال :
- اننا الآن كالذي يعيش في ظلام دائم. ولكن من يدري ؟ فربما نجد في النهاية بصيصا من الضوء يرشدنا الى غايتنا...ولعل بعض المعلومات التي تبدو لنا الآن تافهة تكون ذات قيمة كبيرة في المستقبل .
ولم افهم في تلك اللحظة ماذا يعني بالتحديد ولكنني لم اطلب منه التفسير او التوضيح لأننا التقينا عندئذ بالمفتش جلين.


الفصل الرابع

الرسالة الثانية


كان المفتش جلين يبدو مكتئب السمات.وكان _كما فهمت_ قد امضى طيلة فترة ما بعد الظهر يحاول ان يكتب قائمة بجميع الأشخاص الذين شوهدوا يدخلون دكان المسز آسكر بعد ظهر اليوم الحادي والعشرين من شهر يونيو
وسأله بوارو قائلا :
- ألم ير واحد منهم احدا من الداخلين ؟
- اوه بل راو الكثيرين ..راو ثلاثة رجال طوال لهم نظرات مختلسة مضطربة واربعة رجال قصار لهم شوارب كثة واثنين بلحيتين مهوشتين وثلاثة رجال بدينيين وكلهم اجانب ولست ادري لماذا لم يروا عصابة رهيبة يضع رجالها الأقنعة السوداء على وجوههم شاهرين مسدساتهم .
فابتسم بوارو في اشفاق وقال :
- ألم ير احد ذلك المدعو آسكر وهو يدخل الدكان في ذلك الوقت ؟
- لا..لم يره احد ..وهذا في صالحه طبعا واعترف الآن اني طلبت من حكمدار المنطقة ان يطلب الإستعانة برجال اسكوتلانديار لأن هذه الجريمة ليست محلية في نظري.
- اني اتفق معك في هذا الرأي
- اني متشائم جدا يا مسيو بوارو ..احس ان هذه الجريمة ستكون حلقة اولى في سلسلة جرائم متوالية ..ولست ادري لماذا ؟.
وكان علينا ان نقوم بزيارة اثنين من سكان اندوفر احدهما المستر جيمس بارتريدج الذي كان آخر من شاهد المسز آسكر وهي لاتزال حية لأنه اشترى منها علبة سجائر في الساعة الخامسو والنصف مساء يوم الحادث
وكان المستر بارتريدج رجلا ضئيل الحجم يعمل كاتبا في بنك ويضع على عينيه نظارة قراءة ويبدو دقيقا في كل حركاته وتصرفاته ويقيم في بيت نظيف مرتب :
قال وهو يحملق في بطاقة بوارو :
- آه .المسيو بوارو..من طرف المفتش جلين ؟ اني تحت امرك يا مسيو بوارو
- فهمت يا مستر بارتريدج انك آخر من راى المسز آسكر وهي على قيد الحياة
فنظر المستر بارتريدج الى بوارو كما ينظر الى شيك غير مستوف للشروط ثم قال :
- هذه مسألة لايمكن الجزم بها يا مسيو بوارو من اين لي او لغيري العلم بان احدا لم يدخل لشراء شيء بعدي ؟
- لو دخل احد بعدك لتقدم وادلى بشهادته
- ان بعض الناس يا مسيو بوارو ينقصهم الشعور باداء الواجب
- صدقت ..واعتقد انك ذهبت الى مركز الشرطة للإدلاء بشهادتك متطوعا
- نعم طبعا ..فبمجرد ان سمعت عن الحادث الأليم بادرت الى مركز الشرطة وادليت بشهادتي آملا ان القي بعض الضوء على غموض الحادث
- هذه روح طيبة فعلا ..هل يمكن ان تكرر على مسمعي هذه الشهادة ؟
- طبعا طبعا لقد كنت عائدا الى بيتي هذا وفي تمام الساعة الخامسة والنصف.
- معذرة يا مستر بارتريدج كيف امكنك تحديد هذه الوقت بدقة :
- كانت ساعة الكنيسة تدق النصف بعد الخامسة فنظرت في ساعتي حيث وجدتها متأخرة وكان هذا قبل ان أدخل دكان المسز آسكر بلحظة.
- وهل كان من عادتك ان تشتري منها بعض حاجياتك ؟
- أحيانا ..فان دكانها يقع في طريقي الى البيت وقد اعتدت ان اشتري منها علبة سجائر بين يوم
و آخر
- هل تعرف شيئا عن المسز آسكر عن ماضيها او تاريخ حياتها ؟
- لاشيء تقريبا اني لم اكن اتبادل معها اي حديث الا عن الطقس احيانا
- أكنت تعرف ان لها زوجا سكيرا اعتاد ان يبتز منها المال بالقوة ؟
- لالم اكن اعرف عنها شيئا من هذا القبيل
- انك تعرفها بالنظر فهل رايت في مظهرها ما يدل على انها كانت في حالة غير طبيعية في ذلك الحين ؟
- لابل كانت كعهدي بها تماما
ونهض بوارو قائلا :
- شكرا لك يا مستر بارتريدج على هذه الإجابات .هل أستطيع ان اجد لديك دليل أ.ب.س للسكة الحديدية اني اريد ان اعرف مواعيد القطارات المسافرة الى لندن من اندوفر
- ان الدليل على الرف يقع خلفك
وعلى ذلك الرف وجد بوارو مجموعة من المجلات بينها دليل برادشو والكتاب السنوي لأعمال البورصة الأوراق المالية ودليل كيلي التجاري ودليل شخصيات معروفة "هو :من هو"
وتناول بوارو دليل أ.ب.س للسكة الحديدة وتظاهر بالبحث عن مواعيد بعد القطارات فيه ثم اعاده الى مكانه
وكان الشخص الثاني الذي اردنا مقابلته هو المستر البرت ريدل وكان رجلا يختلف جدا عن المستر بارتريدج كان يعمل في محل لطلاء المعادن وكان جهم الوجه متحفظا في الحديث كبير الجسم عريض الوجه يبدو الإرتياب الطبيعي في عينيه وكان حين استقبلنا في ردهة بيته قد فرغ من تناول عشاءه وراح يشرب قدحا من الشاي الأسود
قال لنا وهو يحملق في وجه كل منا بسخط شديد :
- لقد قلت كل ما اعرف ولم يعد لدي المزيد من الأقوال
وهنا اقبلت زوجته من المطبخ وقالت :
- يحسن ان تدكر للمسيو بوارو ما لديك من اقوال يا برت فصاح بها ثائرا :
- اسكتي انت الا يكفي استجواب رجال الشرطة الملاعين لي ؟
فقال بوارو برفق :
- اعتقد انك ذهبت الى مركز الشرطة بمحض ارادتك
- ولماذا افعل بحق الجحيم ؟ ما شأني انا حتى لو انطبقت السماء على الأرض
- ان المسألة خطيرة ..جريمة قتل..واعتقد ان من واجب كل مواطن ان يدكر كل ما لديه من معلومات تساعد الوصول الى الحقيقة
- ان لدي اعمالي الخاصة ..وهي التي منعتني من الذهاب الى مركز الشركة بارادتي
- لقد قيل لرجال الشرطة انك شوهدت تدخل دكان المسز آسكر حوالي السادسة ولهذا جاؤا لؤالك في هذا الشأن فهل اقتنعوا باقوالك ؟
- ولماذا لا يقتنعون ؟
ولما هز بوارو كتفيه قال الرجل في تحد وعنف :
- ماذا تريد ان تقول يا هذا ؟ ان كل الناس يعلمون من هو القاتل انه زوجها اللعين بطبيعة الحال.
- ولكن احدا لم يشاهده هناك في فترة وقوع الجريمة بينما شوهدت انت
- اتريد ان تثبت التهمة علي ايها الأجنبي ؟ أتظن اني قتلتها لأسرق علبة سجائر او لفافة تبغ او مجلة ؟ اتريد ان تقول عني كما يقول غيرك اني احب منظر الدم
ونهض الرجل مهتاجا مهددا متوعدا ولكن زوجته قالت في توسل :
- برت لاتقل شيئا كهذا
وقال بوارو بثبات :
- هذىء نفسك يا سيدي..اني اريد فقط ان اعرف شيئا عن ظروف ذهابك الى الدكان ..ولست أجد
اي مبرر يمنعك من ان تدكر لي هذا فتهالك المستر ريدل جالسا وقال :
- ومن قال اني ممتنع ؟
- هل كانت الساعة السادسة عندما دخلت الدكان ؟
- نعم كانت قبل السادسة بلحظات ولكن هذا لايهم وكنت اريد شراء علبة سجائر فدفعت الباب ودخلت
- هل كان الباب مغلقا ؟
- نعم ..وكنت اظنه مغلقا بالمفتاح ولكنني وجدت من الممكن فتحهففتحت مصراعه ودخلت ولكنني لم ار احدا فأخدت ادق بقبضة يدي على منصة البيع ولما لم يسمعني احد انصرفت..هذا كل ما حدث
- كأنك لم تر الجثة المكومة وراء المنصة ؟
- لا..ان رؤيتها كانت تقتضي ان انحني فوق المنصة لأنظر الى ما وراءها فلماذا أفعل هذا ؟
- هل كان على المنصة دليل السكة الحديدة ؟
- أجل وكان موضوعا بالمقلوب ومن ثم خطر لي ان المرأة العجوز سافرت فجأة ونسيت ان تغلق
الدكان بالمفتاح
- هل لمست الدليل او حركته من مكانه ؟
- لاطبعا ..ولماذا افعل ؟
- ألم تر أحدا ينصرف عن الدكان وانت متجه اليه ؟
- لا..وقد ذكرت لك كل ما اعرفه عن هذا الموضوع
ونهض بوارو وقال وهو يهم بالإنصراف :
- شكرا يا مستر ريدل.

و في الطريق نظر بوارو الى ساعته وقال
- إذا اسرعنا فربما استطعنا ان نلحق قطار الساعة السابعة الى لندن..هلم اليه
وفي مقصورة الدرجة الأولى بالقطار قلت لبوارو :
- ما رأيك ؟
- ان القاتل رجل متوسط الطول احمر الشعر احول العينين يعرج بقدمه اليمنى قليلا ويوجد تحت لوحة كتفه اثر جرح قديم
فهتف قائلا :
- ما هذا يا بوارو ؟
فضحك قائلا :
- ماذا تريد مني ان اقول وانا اراك تنظر الي متوسلا وكأنما ترجوني ان اخرج لك القاتل على طريقة شرلوك هولمز ؟ اني لا اعرف شيئا عن القاتل لاعن شكله ولا عن محل اقامته ولا ادري كيف سيمكن القبض عليه .
- لو انه ترك وراءه اثرا فقط ؟
- لقد ترك وراءه دليل السكة الحديدية
- اتظن انه تركه وراءه خطأ ؟
- لاطبعا والدليل على ذلك بصمات الأصابع
- ولكنه لم يترك على الدليل اية بصمات
- وهذا ما يجعلني أؤمن بانه تركه عامدا .فنحن في شهر يونية والحر شديد وليس من المعقول ان يسير رجل وفي يديه قفازات .ومادام لم يكن مرتديا قفازات فلا بد ان يكون قد ترك عليه بصمات اصابعه وهو يحمله ولكننا لم نجد بصمات اصابع فمعنى هذا انه حرص على مسح ما على الدليل من بصمات اصابع ولو كان الذي ترك الدليل رجلا بريئا لما اهتم بمسح بصمات الأصابع من فوقه ولكن لماذا تركه القاتل وراءه ؟..هذا هو السؤال.
- ألا يمكن ان نستدل بشيء بسيط عن هذا الطريق ؟
- لا اظن يا هاستنغز ان المجرم كما يبدو شخص يعتز بذكائه الخارق ومثل هذا الشخص لا يترك وراء سلسلة من الأدلة والآثار التي تنم عليه.
- اذن فدليل ا.ب.س لاقيمة له في هذا الأمر.
فهز بوارو كتفيه وقال :
- ان له قيمة من الوجهة الإستنتاجية فقط ..فالقاتل شخص ينوي ان يبقى مجهولا باسمه ولكنه مع هذا اراد ان يلقي بعض الضوء على شخصيته من حيث لم يشأ ..فنحن من جهة لانعرف عنه شيئا ومن جهة اخرى نعرف عنه الكثير فانا مثلا ارى ان شخصيته بدات تتكون في غموض امامي انه رجل يكتب بخط واضح جيد ويستعمل في رسائله ورقا من النوع الجيد وفي اشد الحاجة للتعبير عن شخصيته اني اراه في طفولته طفلا مهملا لا يهتم بامره احد واراه في شبابه ينمو وهو يحس
بانه اقل شانا من غيره وبانه مظلوم من الناس ومن المجتمع ومن ثم ارى ذلك الحافز الداخلي ..الحافز الذي يدفعه للتعبير عن كيانه وشخصيته لتوجيه الإنتباه الى شخصه وظل هذا الحافز يقوي ويشتد ولكن الطروف كانت تحطمه وتكتبه بقسوة وعنف وتضيف المزيد من الشعور بالإهانة في نفسه وهكذا انتهى به الأمر الى هذا الطريق الرهيب للتعبير عن ذاته
فقلت معترضا :
- هذا كله مجرد استنتاج ..انه لايفيد في الكشف عن غموض الجريمة
- انك تفضل دلائل اخرى..طرف عود ثقاب رماد سيجارة اثار حذاءه بمسامير خيط حريري وما الى هذه الأدلة التي لم يعد المجرمون المحدثون يتركونها وراءهم ولكن يمكننا ان نسال انفسنا لماذا ترك وراءه دليل ا.ب.س. للسكة الحديدية ؟ ولماذا قتل المسز آسكر بالذات ؟ ولماذا اتخد بلدة اندوفر مسرحا لجريمته ؟ ثم الرسالة المجهولة التوقيع لماذا ارسلها الي انا بالذات ؟..كل هذه اسئلة يمكن ان تلقي بعض الضوء على هذه الغوامض كلها ؟
وبعد برهة صمت قلت :
- وماذا تنوي ان افعل ؟ اني لست ساحرا ولا قارىء غيب وكل ما يمكن ان اقوم انا به في هذا السبيل سيقوم به رجال المباحث على وجه اكمل .
ثم اردف بعد برهة صمت اخرى

الشيء الوحيد امامي هو الإنتظار ..انتظار الرسالة الثانية
فحملقت فيه مندهشا وقلت :
- اتتوقع ان تاتي اليك رسالة اخرى ؟
- بكل تاكيد يا عزيزي ان نجاح المجرم في الإفلات من نتائج الجريمة الأولى سيغريه بارتكاب جريمة ثانية
وهززت كتفي في شك
ومضت الأيام وحفظ التحقيق في قضية مصرع المسز آسكر وافرج عن زوجها..ولم يشا رجال البوليس بناء على توصية بوارو ان يشيروا اثناء التحقيق الى الدليل أ.ب.س للسكة الحديدية وعلى الجملة لو تلفت الجريمة اهتمام احد خارج بلدة اندوفر بل ان اهالي البلدة انفسهم لم يلبسوا ان بداو ينسون الحادث بعد ايام معدودة
واعترف اني شخصيا كنت على وشك نسيان الحادث ايضا لولا انني تذكرته بقوة في صباح اليوم الخامس والعشرين من شهر يوليو كنت قبل ذلك اليوم لم ار بوارو مدة يومين او ثلاثة حيث شغلت ببعض المهام في مدينة يوركشاير ولما عدت يوم الإثنين بعد الظهر رايت بوارو يصعد الى المسكن
بعد الساعة السادسة وهو يحمل خطابا وجده في صندوق بريده وما كاد يفتحه حتى هتف قائلا :
- لقد وصلت
- ماذا تعني ؟
- الرسالة الثانية..
ورحت أحملق اليه في ذهول بينما دفع بالرسالة الي وطلب مني ان اقراها
" عزيزي المستر بوارو حسنا ..ما رايك ؟..لقد اتنصرت عليك وجعلتك تقف حائرا عاجزا امام جريمة
اندوفر ولكن المباراة بيني وبينك لاتزال في اولها والآن دعني الفت نظرك الى مصيف بكسهيل في اليوم الخامس والعشرين من هذا الشهر ..يا لها من مباراة رائعة مسلية يا مستر بوارو "

المخلص : ا.ب.س

وهتفت قائلا بعد ان فرغت من قراءة الرسالة :
- يا للسماء ...هل ينوي هذا المجنون ان يرتكب جريمة اخرى حقا ؟
- طبعا يا هاستنغز ..الم اقل لك هذا ؟
- ولكن الأمر رهيب ...
- اننا نواجه مجنونا دموي المزاح
- بكل تاكيد ..
و اعدت اليه الرسالة وانا ارتعد وكان هدوؤه قد اثارني ولكنني لم البث ان تبينت ان الإنفعالات الشديدة لن تجدي في امر خطير كهذا
وفي صباح اليوم التالي عقد كبار رجال المباحث مؤتمرا خطيرا شهده المفتش جاب ومساعده
المفتش كروم وحكمدار منطقة سكس ونائبه كارتر والمفتش جلين من اندوفر وعالم التحاليل المشهور الدكتور ثومبسون وقد شهدت مع بوارو هذا المؤتمر الخطير
واستعرض الجميع الموضوع من كل جوانبه وحرص الدكتور ثومبسون _ وكان كهلا لطيفا_ على استخدام العبارات المبسطة في تحليلاته العلمية اما نائب حكمدار اسكوتلانديار فقد قال :
- لم يعد لدينا شك في ان الرسالتين مكتوبتان بخط واحد وان كاتبهما شخص واحد
- ويمكننا ان نقول _ عن يقين _ ان كاتب هاتين الرسالتين هو مرتكب جريمة اندوفر
- تماما ولدينا الآن انذار صريح بارتكاب جريمة ثانية في اليوم الخامس والعشرين من هذا الشهر وبمصيف بكسهيل ..اي ان الجريمة سوف تحدث بعد غد اذ لم نضع ايدينا على المجرم ..فما هي الخطوات الواجب اتخادها ؟
والتفت حكمدار سكس الى نائبه مستفهما وقال :
- مارايك يا كارتر ؟
وهز نائب الحكمدار راسه في حيرة وقال :
- ان الأمر جد عسير يا سيدي ..فليس هناك اية اشارة تدل على ان سوف يكون الضحية التالية بل
لانعرف هل ستكون امرأة هذه المرة او رجلا وإذا تحدثت بصراحة فأنا لا ادري ماذا يمكن ان يفعله الإنسان في هذه الظروف
وغمغم بوارو قائلا :
- انني اقترح ..اعني اظن...
والتفت الجميع اليه بينما استطرد هو قائلا :
- اظن ان الضحية التالية سوف يبدا اسمها بالحرف "ب"
فقال حكمدار سكوتلانديار في شك :
هذا راي لا باس به
وقال الدكتور ثومبسون مفكرا :
- عقدة اب ؟
- اظن الأمر مجرد احتمال لااكثر ..وقد خطر لي هذا الإحتمال عندما قرات اسم آسكر على لافثة دكانها ولما ذكر المجرم المجهول في رسالته التالية ان مسرح جريمته الثانية سيكون مصيف بكسهيل خطر لي ان اسم الضحية سيبدا بالحرف "ب" حسب ترتيب الحروف الأبجدية او الهجائية
في اسماء البلاد والضحايا.
فقال الدكتور ثومبسون :
- هذا محتمل جدا ومن الناحية اخرى قد يكون اسم آسكر وبلدة اندوفر مجرد مصادفة وفي هذه الحالة ربما تكون الضحية التالية امراة عجوز لها دكان صغير في بكسهيل لاتنسوا اننا نتعامل مع رجل مجنون لانعرف بعد دوافعه على ارتكاب هذه الجرائم
فساله المفتش جاب قائلا :
- وهل للرجل المجنون دوافع تبرر ارتكابه جرائم قتل ؟
- طبعا يا سيدي ..بل ان المجنون قد يتشبت بدوافع يعتقد تماما انها منطقية ومعقولة وواجبة التنفيذ ..فقد يعتقد واحد منهم انه مبعوث العناية الإلاهية لقتل جميع القساوسة او الأطباء او النساء العجائز اللآتي يمتلكن متاجر صغيرة لبيع السجائر والحلوى .ولهذا لايجوز ان نجري وراء نظرية الحروف الهجائية على انها هي النظرية الصحيحة تماما... فربما اسم بكسهيل بعد اندوفر هو مجرد مصادفة
وهنا قال الحكمدار سكس لنائبه كارتر :
- على الأقل يحسن ان نكون على حذر في هذه الناحية وان نتخذ بعض الإحتياطات الممكنة وان ندون الأسماء التي تبدأ بحرف الباء في ذلك المصيف ولاسيما اسماء النسوة العجائز اللآتي يبعن السجائر والحلوى في متاجر متواضعة ولا اظن ان في مقدورنا ان نفعل اكثر من هذا الا ان نراقب الأجانب في تلك البلدة بصفة خاصة
وغمغم كارتر في ضيق قائلا :
- لقد بدات العطلة المدرسية السنوية ولاشك ان مثل هذا المصيف سيكون الآن مزدحما بالطلبة واهليهم
فقال رئيسه في حدة :
- علينا ان نفعل ما في وسعنا ان نفعله
وقال المفتش جلين بدوره :
- لسوف اضع رقابة حازمة على كل شخص كانت له علاقة بجريمة اندوفر واهم هؤلاء جميعا هم
آسكر والرجلان بارتريدج وريدل فاذا ظهر ان احدهم سيغادر اندروفر فسوف يكون احد رجالنا وراءه
وانفض المؤتمر بعد تقديم بعض المقترحات الأخرى التي لاقيمة لها ...وقلت لبوارو ونحن نسير على شاطىء النهر :
- بوارو لابد ان نمنع وقوع الجريمة الثانية باي شكل
فرفع بوارو الي وجها مرهقا وقال :
- ان رجلا مجنونا واحدا قد يمكن ان يثير الفزع في قلب مدينة مليئة بالعقلاء اتذكر سلسلة جرائم جاك الجزار ؟
- كانت مفزعة
- الجنون يا هاستنغز شيء رهيب..انني خائف جدا.

يتبع

yesst

MA7MOUD
10-08-2010, 03:41 PM
كل ما استطيع القول به ان الرواية مو 8 فصول بسyesst

الفصل الخامس

الجريمة الثانية


مازلت ادكر ساعة يقظتي من النوم صباح اليوم الخامس والعشرين من شهر يوليو ..واعتقد ان الساعة كانت النصف بعد السابعة
كان بوارو واقفا بجانب فراشي يهزني برفق من كتفي ..وما ان فتحت عيني والقيت نظرة على وجهه حتى تنبهت من نومي تماما
قلت وانا انتصب جالسا
- ماذا حدث ؟
فقال ببساطة تخفي وراءها انفعال مكبوت :
- لقد رقع ما كنت اخشاه
فهتفت قائلا :
- ماذا ؟ ولكننا في اليوم الخامس والعشرين
- لقد وقعت الجريمة في الواحدة بعد منتصف الليل اي في الساعة الأولى من اليوم الخامس والعشرين ..هذا اليوم
فوثبت من فراشي واغتسلت بسرعة وراح بوارو يحدثني بما سمعه في التليفون وانا ارتدي ملابسي فقال :
- وجدت جثة فتاة شابة على شاطىء مصيف بكسهيل .وعرفت انها لفتاة تدعى بيتي بارنارد
واسمها الكامل هو "اليزابيث بارنارد" وكانت تعمل مضيفة في احد المقاهي وتعيش مع واليها في بيت صغير من طابق واحد مبني حديثا ويقول الطبيب الذي فحص الجثة ان الوفاة حدثت فيما بين
الحادية عشرة والواحدة صباحا
فسالته بسرعة وانا اضع الصابون على ذقني :
- وهل ايقن رجال الشرطة ان هذه هي الجريمة التي كنا نتوقع حدوثها ؟
- عثر وتحت جثة الفتاة على دليل برادشو للسكة الحديدية
فقلت وانا ارتعد :
- ان هذا امر رهيب..
- تمالك نفسك يا هاستنغز فانا لااريد ماساة اخرى في مسكني هذا
مسحت قطرات الدماء التي انبعثت من جرح في وجهي اثناء الحلاقة وقلت ماذا تنوي ان تفعل ؟
- ولسوف تاتي سيارة الشرطة بعد لحظات لتقلنا الى مسرح الجريمة
وفي خلال ربع ساعة كانت سيارة الشرطة السريعة تنطلق بنا خارج مدينة لندن
وكان معنا المفتش كروم الذي شهد المؤتمر في اليوم الأسبق والذي عهد اليه بالتحقيق في هذا الحادث
وكان كروم يختلف كثيرا عن المفتش جاب فهو اصغر سنا واميل الى الصمت والى الترفع عمن حواه واكثر علما وثقافة وكان يبدو لي شديد الإعجاب بنفسه لاسيما بع ان نال وسام الكفاءة الممتازة عقب قضائه على عصابة خطف الأطفال قبل ان يتسع نطاق اعمالها
والواضح انه كان الشخص المناسب لتولي هذه المهمة الخطرة ولكن عيبه الوحيد انه كان يدرك هذه الحقيقة فيزهو في اعماق نفسه ويعامل الذين حوله كانهم اطفال صغار
قال بوارو بلهجة الرئيس المترفع الذي يتحدث الى انسان بسيط :
- تحدثت طويلا مع الدكتور ثومبسون وهو كما نعرف شديد الإهتمام بهذا النوع من الجريمة "المسلسلة" او " الجريمة التي ترتكب على حلقات " ويعتبرها نموذجا على الإضطراب العقلي الذي يتميز بطابع معين وقد افاض الدكتور في شرح نظريته طويلا وضرب المثل عليها بآخر قضية عن القضايا التي كانت في عهدتي ولعلك قرات عنها انها قضية مابل هومر الطالبة في مدرسة مازويل هل
ثم راح يفيض في الحديث عن هذه الجريمة الغامضة التي استطاع ان يكتشف غموضها ويقبض على مرتبها في اسرع وقت
وبعد ان سادت بننا فترة من الصمت قال كروم عندما تجاوزنا محطة نيوكروسي :
- اذا اردت ان تستفسر عن شيء عن هذه الجريمة فيمكنك ان تسالني
- هل وصلتكم بعض التفاصيل عن شكل الفتاة ؟ وعن بعض ظروفها الإجتماعية ؟
- كانت في الثالثة والعشرين من عمرها وتعمل في مقهى جنجركات
- ترى هل كانت جميلة ؟
فرفع كروم حاجبيه ثم قال في اقتضاب :
- هذا ما لم نعرفه بعد
وارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي بوارو وهو يقول :
- اترى ان هذا لا اهمية له حسنا انني ارى ان لجمال الفتاة في مثل هذه الظروف الأهمية الأولى
ويبدو ان المفتش كروم قرر ان يضع للمحادثة نهاية اذ قال ببرود :
- آه نعم....
وظل الصمت مخيما حتى بلغنا بلدة سيفن اوك عندما قال بوارو :
- هل عرفت على نحو ما كيف خنقت الفتاة وباي شيء ؟
فاجاب كروم بايجاز :
- خنقت بحزامها ..وهو حزام ثوبها كانت ترتديه ..حزام مفتول متين معقد
فاتسعت عينا بوارو وقال :
- آها لقد استطعنا اخيرا ان نعرف شيئا محددا
- انني لاارى في هذا ما يدل على شيء معين
- اعتقد انه يدل على عقلية المجرم الوحشية المضطربة
وساد الصمت بقية الرحلة ...
واستقبلنا في بكسهيل نائب الحكمدار سكس المفتش كارتر وكان معه شاب وسيم باسم هو المفتش كيسلي الذي عهد اليه بمعاونة المفتش كروم في مهمته
وقال المفتش كارتر
- اعتقد انك تفضل القيام بتحرياتك الخاصة يا كروم ولهذا ساكتفي بذكر الخطوط العامة للجريمة لكي اترك لك الحرية البحث والتحقيق على طريقتك الخاصة
فقال كروم :
- شكرا يا سيدي...
- لقد ابلغنا النبأ الى واليها وكانت الصدمة بطبيعة الحال قاسية وقد تركتهما حتى يستردا بعض هدوئهما وعليك ان تبدا بسؤالهم الآن اذا شئت
وسال بوارو :
- هل هناك افراد آخرون يهمهم الأمر في محيط اسرتها ؟
- ان لها اختا تعمل على الآلة الكاتبة في لندن وهناك شاب يقال انه خطيبها وانها كانت على موعد معه للخروج بالأمس
وسال كروم قائلا :
- هل استطعتم ان تجدوا شيئا جديدا من دليل السكة الحديدية الذي وجد تحت الجثة ؟
فاشار نائب الحكمدار الى منضدة في غرفته وقال :
- انه على هذه المنضدة ولم نجد عليه اتة اثار لبصمات اصابع وهو دليل جديد..وقد وجدناه مفتوحا على الصفحة التي فيها اسم بكسهيل ويبدو ان المجرم اشتراه من مكان بعيد عن هنا لأننا سالنا جميع اصحاب المكتبات الموجودة في المنطقة
- ومن الذي اكتشف الجثة يا سيدي ؟
- ضابط متقاعد برتبة الكولونيل وقد اعتاد الخروج مبكرا في السادسة صباح كل يوم مصطحبا كلبه
لإستنشاق الهواء النقي وبينما هو يسير على الشاطىء في اتجاه البلاج كورين انطلق كلبه فجاة وراح يشتم شيئا على الشاطىء فلما تبعه صاحبه شاهد الجثة فاسرع _ دون ان يلمس شيئا_
لإبلاغ الشرطة بالأمر
وتحدد وقت الوفاة بمنتصف الليلة الماضية
- نعم فيما بين الحادية عشرة والنصف والواحدة صباحا ..وهذا مؤكد ويبدو ان مجرمنا المجنون مصر على ان يكون عن وعده .وهكذا ارتكب جريمته في اللحظات الأولى من اليوم الخامس والعشرين كما وعد.
فاوما كروم براسه وقال :
- نعم..هذه عقلية مختلفة قطعا ..ليس ثمة تفاصيل اخرى ؟ الم ير احد شيئا قد يفيد التحقيق ؟
- لاشيء حتى الآن ولكننا ما زلنا في ساعة مبكرة واكبر ظني ان كل واحد شاهد امس شخصا يسير مع فتاة في ثوب ابيض سوف ياتي ويدلي الينا باقواله واعتقد ان عدد الفتيات ذوات الملابس البيضاء اللآتي سرن امس مع رجال او شبان لا يقل عن خمسمائة وعلى هذا سيكون عدد الشهود ضخما
فقال كروم
- حسنا يا سيدي يحسن ان ابدا عملي الآن وهناك بيت الفتاة والمقهى الذي كانت تعمل فيه وساذهب الى اثنين بادئا بالمقهى
وتساءل نائب الحكمدار قائلا وهو يلتفت الى بوارو :
فقال هذا وهو ينحني براسه للمفتش كروم :
- يسرني ان اذهب معه
- ولاح لي ان كروم لم يعجبه هذا.. اما المفتش الشاب كيسلي الذي لم يكن راى بوارو من قبل
فقد ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة
وقال كروم :
- وماذا عن الحزام الذي كان اداة القتل ان المسيو بوارو يعتقد ان له دلالة كبيرة ولاشك انه يريد ان يراه
فقال بوارو بسرعة :
- لا..لا..يبدو انك اخطات فهم ما اقصد
وقال المفتش كارتر :
- انك لن تستطيع ان تجد في هذا الحزام ما يفيد التحقيق انه ليس حزاما من الجلد الذي قد تكون عليه بصمات اصابع وانما هو حزام من الحرير المفتول الذي يصلح تماما لمثل هذا الغرض
وارتعدت مرة اخرى بينما قال كروم :
- حسنا هلم الى العمل
- وبدانا اولا بزيارة مقهى جنجركات الذي يقع في مواجهة البحر وكان من المقاهي النموذجية الصغيرة التي تكثر في المصايف حيث يشرب فيها الرواد القهوة والشاي والمرطبات او يتناولون بعض الوجبات الخفيفة وكان بعض الرواد المبكرين قد جلسوا الى موائدهم يشربون قهوة الصباح ومن ثم اسرعت مديرته وادخلتنا الى غرفة خاصة لاتلفت تلينا الأنظار
وقال لها المفتش كروم متسائلا :
- المس ماريون :
فقالت المديرة بصوت ناعم يشوبه الحزن :
- أجل هذا هو اسمي ان ما حدث أمر رهيب مزعج اخشى ان يكون له اثر سيء على العمل هنا
وكانت المس ماريون سيدة في نحو الأربعين من عمرها نحيفة جدا وفي حالة اضطراب عصبي تدل عليه حركات اصابعها التي كانت تنقبض وتنبسط بلا توقف
وقال لها المفتش كيسلي مشجعا :
- بالعكس يا مس ماريون ان ما حدث سيدفع الكثيرين الى الحضور الى هذا المقهى بالذات بدافع الفضول
- آه هذا محتمل ولكنه شيء منفر مزعج انه يدل على قسوة الطبيعة البشرية
ولكن وميض السرور بالرواج المنتظر كان واضحا في عينيها ..
وسالها المفتش كروم قائلا :
- ماذا يمكن ان تحديثيني به عن المجني عليها يا مس ماريون ؟
- لاشيء..لاشيء اطلاقا
- منذ متى وهي تعمل هنا ؟
- منذ الصيف راضية عن عملها ؟
- نعم كانت مضيفة بارعة وسريعة في تقديم الطلبات
وسالها بوارو قائلا :
- وهل كانت جميلة ؟
ورمقت المس ماريون بوارو بنظرة وكأن لسان حالها يقول يا لوقاحتكم ايها الأجانب ثم قالت :
- كانت وسيمة لطيفة الشكل
وسالها كروم قائلا :
- متى انصرفت من عملها في الليلة الماضية ؟
- في الساعة الثامنة مساء اننا نغلق المقهى في مثل هذا الوقت لأننا لانقدم وجبة العشاء لأحد
- ألم تذكر لك كيف كانت تنوي ان تقضي سهرتها ؟
فقالت المس ماريون بلهجة تاكيد :
- طبعا لا ان علاقتنا الخاصة لم تصل الى هذا الحد
- ألم يحضر احد للخروج معها او للسؤال عنها
- لا..
- هل كانت في حالتها الطبيعية ؟ أعني الم يبد عليها اضطراب او انفعالات نفسية معينة ؟
فقالت المس ماريون في حذر :
- انني لا اعرف على وجه التحديد
- كم عدد المضيفات العاملات في هذا المقهى ؟
- اثنتان بصفة دائمة واثنتان بصفة احتياطية ابتداءا من اليوم العشرين من يوليو حتى آخر أغسطس
- وهل كانت بيتي بارنارد مضيفة احتياطية ؟
- لا بل كانت مضيفة اصلية
- وماذا عن الأخرى ؟
- أتعني المس هيلي ؟ انها فتاة لطيفة
- هل كانت هي وبيتي بارنارد صديقتين ؟
- هذا ما لا أجزم به
- هل يمكننا اذن ان نتحدث مع المس هيلي ؟
- الآن ؟
- اذا امكن
فنهضت المس ماريون قائلة :
- سابعث بها اليكم وارجو الا تحجزها طويلا لأن رواد المقهى يكثرون في هذه الساعة
وبعد لحظات اقبلت فتاة ممتلئة الجسم سوداء الشعر متوهجة الوجه بالإنفعالات لاهثة الأنفاس وهي تقول :
- لقد ارسلتني المس ماريون
- انت المس هيلي ؟
- نعم .انا
- أكنت تعرفين بيتي بارنارد ؟
- أوه طبعا اليس ما حدث لها رهيبا ؟ اني لا اكاد اصدق ما حدث لااكاد اصدق ان بيتي التي كانت امس متوقدة بالحياة تصبح اليوم جثة هامدة ..اني في حلم مزعج
وسالها المفتش كروم قائلا :
- هل كانت علاقتك بها متوطدة ؟
- كانت اقدم مني في العمل لأني بدات عملي في مارس الماضي ورايي عنها انها كانت فتاة هادئة لطيفة لاتميل الى الضحك والمزاح هذا لايعني انها كانت ثقيلة الظل او باردة العواطف وانما اقصد ان
اقول انها كانت متحفظة في علاقاتها مع زميلاتها هنا
وبعد حديث طويل فهمنا من المس هيلي انها لم تكن صديقة للمجني عليها وانها اي _بيتي بارنارد_ كانت تتبادل الحب مع شاب يشتغل كاتبا في مؤسسة لتأجير المساكن والمنازل المفروشة بالقرب من المحطة وان الشاب وسيم وتتمناه كل فتاة
وبعد انصرافها تحدثنا مع المضيفتين الإحتياطيتين ولكننا لم نخرج من حديثنا معهما بشيء جديد.




الفصل السادس

مزيد من الغموض

كان والدا بيتي بارنارد يعيشان في فيللا صغيرة بين خمسين مسكنا مشابها لها مشيدة في ضاحية المصيف وكان الوالد _ المستر بارنارد _ رجلا كبير الجسم حائر السمات في نحو الخامسة والخمسين من عمره ويلوح انه رآنا مقبلين فوقف ينتظرنا عند مدخل مسكنه.
وقال بعد ان حيانا عند هبوطنا من السيارة :
- تفضلوا بالدخول ايها السادة
واخد المفتش كيسلي يقدمنا اليه الواحد بعد الآخر حتى اذا علم الوالد ان المفتش كروم من رجال اسكوتلانديار قال بحماس :
- هذا شيء طيب جدا ..نعم يجب ان تبذل اسكوتلانديار جهدها للقضاء على ذلك المجنون الذي قتل طفلتي
واختلج وجهه بالألم الممض فلم يتم عبارته
وفي غرفة الإستقبال قال :
- لاادري هل ستستطيع زوجتي المسكينة ان تحضر لإستقبالكم او لا ؟
فالواقع ان الصدمة هدت كيانها
ولكن زوجته استطاعت بعد فترة وجيزة ان تحضر وهي تحاول جاهدة ان تسيطر على نفسها فلا تستأنف البكاء وكانت عيناها متورمتان تدلان على كثرة الدموع الحارة التي ذرفتها طيلة الليل
قال زوجها وهو يربت على كتفها ويهيء لها مقعدا تجلس عليه :
- لقد كان ناءب الحكمدار شفوقا بنا ..ابى ان يسالنا عن شيء بعد ان بلغنا النبأ ولا شك انه اراد ان يتركنا بضع ساعات نسترد فيها بعض هدوئنا
وغمغمت المسز بارنارد بصوت كله الدموع :
- انه لأمر فظيع ..انها قسوة مريرة ..قسوة ليس لها مثيل
وقال المفتش كروم :
- ان الأمر فظيع حقا يا سيدتي ولهذا ارجو ان نعرف كل ما يمكن من الحقائق حتى نقبض على القاتل في اسرع وقت وأومأ المستر بارنارد موافقا بينما اردف كروم قائلا :
- كانت بيتي تقيم معكما هنا كما فهمت وكانت تشتغل مضيفة في مقهى جنجركات ؟
- أجل..
- وبيتكم هذا جديد ..اليس كذلك ؟..اين كنتم تقيمو من قبل ؟
- كنت اعمل في تجارة الحديد بمدينة كنجتون واعتزلت العمل منذ عامين ..وكنت ارجو دائما ان اقضي بقية عمري في بيت على شاطىء البحر
- ان لك ابنتين ؟
- أجل..الكبرى تعمل في مكتب بلندن
- ألم تنزعج حينما تأخرت ابنتك عن الحضور امس ؟
فقالت المسز بارنارد بصوتها الباكي الوالد وانا ننام عادة في ساعة مبكرة ننام في الساعة التاسعة مساء ولهذا لم نعرف ان بيتي تأخرت في الحضور الا بعد ان جاء رجال الشرطة
وتهدج صوت الأم وتوقفت عن اتمام الحديث فقال كروم :
- هل كان من عادة ابنتك ان..تتأخر في العودة الى البيت ؟
فقال الوالد :
- انت تعرف كيف تتصرف الفتيات في هذا الزمن يا سيدي المفتش ..انهن يرفضن القيود ويتمادين في التحرر من رقابة الآباء ..ولكن بيتي بوجه عام كانت لاتتأخر عن الحادية عشرة مساء
- وكيف كانت تدخل البيت ؟ هل هناك من يفتح لها الباب ؟
- لا...كنا نضع لها المفتاح تحت مشاية الباب
- يقولون ان ابنتك ...مخطوبة لشاب ؟
- انها لم تكن مخطوبة رسميا ولكن علاقتها به كانت مقدمة للخطبة وهو يدعى دونالد فريزر ..شاب لطيف مستقيم ولاشك انه سيحزن اشد الحزن..
- انه يعمل كاتبا في مؤسسة لتأجير المنازل ؟
- أجل ..مؤسسة كورت وبرنسكيل
- هل كان معتادا ان يلتقي بابنتك كل ليلة بعد ان يفرغا من العمل ؟
- لا. ليس كل ليلة ..مرة او مرتين في الأسبوع فقط
- الم تعرف ما اذا كانت تنوي مقابلته الليلة الماضية ام لا ؟
- انها لم تقل لنا شيئا عن هذا ..ولم تكن بيتي تكثر الحديث عن شؤونها الخاصة معنا او مع غيرنا ولكنها كانت فتاة طيبة مستقيمة ..أوه انني لا اصدق لااصدق
- تمالك نفسك يا مستر بارنارد
- انني اتمنى لو استطيع ان اضحي بحياتي لأعاونكم في القبض على ذلك المجرم لقد كانت بيتي فتاة مرحة ضاحكة مقبلة على الحياة كالطائر الغريد ولا ادكر انها اساءت الى احد او ارتكبت شيئا تستحق الوم عليه انها لاتستحق هذه الميتة لست ادري لماذا قتلها ذلك المجرم المجهول لا ادري اطلاقا
فقال كروم مواسيا :
- تاكد يا مستر بارنارد اننا لن نستريح حتى نضع ايدينا على ذلك المجرم والآن احب ان القي نظرة على غرفة بيتي الخاصة اذ ربما نجد بين اوراقها او رسائلها ما ينير لنا السبيل
فنهض المستر بارنارد وقال :
- تفضلوا معي
ومضى قبل الوصول الى غرفة بيتي لأحكام رباط حذائي وعندئذ سمعت سيارة مأجورة تقف امام باب المسكن فنظرت من النافذة فرايت فتاة في نحو الخامسة والعشرين تقفز منها وما كادت تراني حتى تسمرت في مكانها وتمتمت قائلة :
- من انت ؟
وهبطت الدرجات القليلة التي تفصلنا وانا في حيرة من امري ..اذ لم اكن ادري هل اذكر لها اسمي او اكتفي بالقول باني من رجال الشرطة
واراحتني هي بقولها :
- آه ..استطيع ان استنتج من انت
ورفعت قبعتها البيضاء الصغيرة وامعنت النظلا الى وجهها الذي لم يكن بالغ الجمال وان لم يخل من الجاذبية..وقلت لها :
- انك المس بارنارد ..اليس كذلك ؟
- اجل ميجان بارنارد..انك من رجال الشرطة اليس كذلك ؟- الواقع انني
فقاطعتني قائلة :
- لااظن ان لدي ما اقوله لك فقد كانت اختي فتاة طيبة مستقيمة ليس لها اي اتصال بالرجال ..طاب صباحك
وارسلت ضحكة قصيرة تنم عن التحدي واردفت قائلة :
- ان هذه هي العبارات التقليدية التي تقال في مثل هذه المناسبة ..اليس كذلك ؟
- انني لست مندوبا صحفيا اذ كان هذا ما ظننت
فتلفتت حولها وقالت :
- حسنا من انت اذن ؟ اين ابي وامي ؟
- ان اباك مع رجال المباحث في غرفة اختك الخاصة
وارتسم التردد على وجه الفتاة برهة ثم اذا هي تقول فجأة :
- تعل معي
وتبعتها الى غرفة صغيرة بجوار المطبخ وفيما انا احاول اغلاق الباب اذا بوارو ينفلت داخلا وراءه وهو يقول منحنيا للفتاة :
- المس بارنارد كما اظن ؟
وقلت لها انا :
- هذا هو المستر هركيول بوارو المخبر السري الخاص
وقالت الفتاة :
- سمعت عنك الكثير يا سيدي..يقولون انك بارع في الكشف عن الجرائم المعقدة التي يعجز رجال اسكوتلانديار عن حلها
- انهم يبالغون يا آنستي..
وجلست الفتاة على حافة مائدة في وسط الغرفة وتناولت من علبة سجائرها واحدة وضعتها في جانب فمها واشعلتها ثم قالت وهي ترسل سحائب الدخان من شفتيها :
- انني لا افهم لماذا يهتم المسيو بوارو بجريمة عادية كهذه ؟
فقال بوارو :
- ان الذي لاتفهمينه يا آنستي والذي لاافهمه انا قد يملأ مجلدات ضخمة ولكن هناك اشياء يمكن ان يفهمها كل انسان
- مثل ماذا ؟
- مثل الموت الذي يجعل الأحياء لايتحدثون عن الموتى الا بالخير مع ان هذا قد لايكون من الصدق في شيء ..لقد سمعتك الآن مثلا وانت تقولين لصديقي الكابتن هاستنغز ان اختك كانت فتاة طيبة مستقيمة ليس لها علاقات بالرجال وقد ادركت من نبرات صوتك انك تريدين ان تقولي عكس ذلك
وسواء كنت مصيبا في هذا الإدراك او مخطئا فالمهم اني اريد ان اتحدث مع شخص يعرف كل شيء عن بيتي ويذكر كل ما يعرفه بلا مجاملة او مراوغة حتى نستطيع ان نحدد موقفنا من هذه الجريمة
وصمتت الفتاة برهة كانت خلالها تحملق في وجه بوارو ..وفجأة قالت :
- كانت بيتي فتاة حمقاء متهورة
وانحنى بوارو للفتاة في اعجاب وقال :
- انني احيي فيك هذه الصراحة يا مس بارنارد وقد صدق حدسي بانك فتاة لاينقصها الذكاء
- كنت احب بيتي كل الحب ولكن هذا الحب لم يكن يحجب عن عيني الحقيقة وهي انها كانت غبية متهورة لاتعرف ما يضرها وما ينفعها وكثيرا ما قلت لها هذا في بعض المناسبات وهذا ما تفعله الأخوات عادة
- وهل كانت تهتم بملاحظاتك ونصائحك ؟
- لااظن
- ارجو ان تكون اجاباك محددة يا آنستي
فترددت الفتاة برهة ثم قالت اخيرا
- لم تكن بيتي ابدا شريرة بطبعها او منحلة الأخلاق واحب ان تتاكد من هذه الحقيقة تماما..انها لم تكن من النوع الذي يقضي نهاية الأسبوع مع اي رجل يدفع الثمن لا مطلقا..كل ما في الأمر انها كانت فتاة لعوبا في براءة تحب ان تخرج مع الشبان الى النزهات والى دور السينما وان تسمعهم وهم يرددون عبارات الغزل لها..هذا عو كل ما في الأمر.
- هل كانت جميلة ؟
وعندئذ تناولت ميجان من حقيبة يدها صورة صغيرة وقدمتها الينا وقد راينا في الصورة وجها باسما لفتاة لاتستطيع ان تقول بانه جميل
وقال بوارو وهو يعيد الصورة لميجان :
- انها كبيرة الشبه بك ..
- لا..كانت اجمل مني
- حسنا ..وكيف كانت علاقتها بالشاب دونالد فريزر ؟
- كانت تبادله الحب ولكنه كان يحبها بجنون بينما كانت هي تحبه باعتدال ..وكثيرا ما كنت اخشى ان ينفض يديه منها يأسا بسبب تصرفاتها التي طالما اثارت المنازعات بينهماهذا كل ما لدي من اقوال طاب يومكما
ولكن بوارو اسرع يقول لها قبل ان تنصرف :
- مهلا يا آنستي..ان الجريمة التي ذهبت اختك ضحيتها ليست من الجرائم البسيطة التي تحدث كل يوم انها اخطر من هذا بكثير ومن ثم ارجوك ان تتريثي قليلا وتزيدي من تعاونك معنا..
ثم راح يسرد عليها ما حدث في اندوفر ودليل السكة الحديدية برادشو الذي وجدت نسخة منه في مسرح الجريمة الأولى ثم في مسرح الجريمة الثانية وقرأ عليها الرسالتين اللتين تلقاهما من المجرم المجهول فلما فرغ نظرت الفتاة اليه في دهشة بالغة وقالت :
- هل حقا هذا كله يا سيدي ؟
- نعم..
- اتعني ان تقول ان قاتل اختي رجل مجنون تطغى عليه شهوة سفك الدماء ؟
- تماما ..
- أوه بيتي ..بيتي..يا للمسكينة اذن لم يكن لها ذنب فيما حدث لها ؟
- ان في مقدورك الآن يا آنستي ان تحدثينا بكل ما تعلمين حتى تستطيع ان نقدم هذا القاتل المجنون الى العدالة
- نعم..نعم..هذا ما ينبغي
- اذن لنصل حديثنا الذي انقطع لقد فهمت ان دونالد فريزر كان ناقما على تصرفات اختك وان المنازعات كانت تكثر بينهما بسبب غيرته الشديدة عليها
فقالت ميجان بارنارد بهدوء
- سوف اضع ثقتي فيك يا مسيو بوارو وارجو ألا تخبر احدا بما ساقوله لك عن اختي والواقع ان دونالد من الشبان الهادئين الذين يتحملون كثيرا ولكنهم يختزنون الإساءات ويكبتون المشاعر ثم ينفجرون بعنف شديد وهذا ما كان يحدث مع اختي كان شديد الغيرة عليها وكان يحبها بعنف ولكن بيتي لم تكن تحبه بمثل هذا العنف ..كانت تحبه حقا ولكنها لم تكن من النوع الذي يكتفي بحب شخص واحد فلا ترى غيره في الدنيا
- نعم انها لم تكن من هذا النوع وان كانت تحب الوسامة والجمال في كل شاب تتعرف اليه وتقضي معه فترة من الوقت في نزهة او سينما وكانت بحكم عملها في المقهى طبعا كثيرة التعرف بالشبان والرجال لاسيما في موسم الإصطياف وأؤكد لك ان الأمر لم يكن يزيد بينهما وبين اي شاب او رجل عن الخروج معه في نزهة قد تستغرق اليوم كله او الذهاب في صحبته الى دار سينما وبمعنى آخر
انها لم تكن جادة في علاقاتها باي شخص آخر غير دونالد
وكثيرا ما كانت تقول لي انها سوف تتزوجه في النهاية وتستقر معه في حياة زوجية سعيدة بعد ان اشبعت نفسها باللهو والمرح
وتوقفت ميجان برهة عن الحديث فقال بوارو :
- انني افهم تماما هذا الوضع يا مس بارنارد ..استمري
- ولكن دونالد فريزر لم يكن يفهم هذا الوضع ..وانما يفهم انه كان عليها ان تحبه كما يحبها تماما..بنفس القوة والإخلاص والتفاني وقد ادى هذا الإختلاف في فهم الحب الى المنازعات الشديدة بينهما.
- متى كانت آخر هذه المنازعات ؟
- منذ شهر تقريبا ..كنت قد عدت من عملي في نهاية الأسبوع عندما علمت انهما تشاجرا بعنف حتى لقد فرغت بيتي من دونالد ولكنني صالحتهما واسرفت في تعنيف بيتي وحاولت ان ابين لها خطأ ذلك التمادي في العبث واللهو مع الشبان الآخرين وقد اكدت لي بدورها انها تحب دونالد وان كل علاقاتها بغيره مجرد صداقة عابرة بريئة وتسلية لا ضير فيها وكانت قد تعودت بعد منازعة شديدة سابقة..ان تكذب عليه احيانا خوفا من اثارته
وكان مبدؤها ان الذي لايعرفه العقل لايحزن القلب وقد حدثت هذه المنازعة الأخيرة لأن بيتي قالت له انها ستذهب لقضاء يوم في بلدة هاستنج مع صديقة لها ولكن دونالد اكتشف انها ذهبت الى بلدة ايستبورن مع صديق ..وعلم ان هذا الصديق متزوج وانه كان يخرج مع بيتي سرا وهذا ما اثاره
واخرجه عن طوره وقد احتجت بيتي على غضبه قائلة انهما لم يتزوجا بعد وان من حقها ان تخرج مع من تشاء وقد ضاعف هذا من ثورة دونالد حتى كان يرتعد ويصيح قائلا : انه سيضطر ذات يوم الى..
والى...
- الى ماذا يا مس بارنارد ؟
فقالت بصوت خافت :
- الى ارتكاب جريمة
- وهذا ما يجعلك خائفة من الحديث في هذا الموضوع ؟
- انني لم اكن اظن انه جاد في تهديده اطلاقا..ولا اعتقد لحظة انه هو القاتل ولكنني كنت اخشى
ان اتحدث بهذا كله فالفت اليه انظار رجال المباحث لاسيما وان عددا كبيرا من الناس قد سمعوه وهو يقول هذا
فقال بوارو :
- لولا غرور المجرم المجهول الذي يبدو في وضعه لدليل السكة الحديدية كل مرة مع الجثة لتركزت الشبهات على دونالد فريزر فعلا
وفي تلك اللحظة صلصل جرس الباب الخارجي فاطلت ميجان براسها خلسة من النافذة ثم عادت تقول :
- انه دونالد....
فقال لها بوارو :
- دعيه ياتي الينا اولا قبل ان يراه اصدقائي المفتشين
وانفلتت ميجان حيث غابت لحظة ثم عادت ومعها الشاب دونالد فريزر.





الفصل السابع

الرساله الثالثه


و أحسست بالعطف على الشاب حين رايته مقبلا مع ميجان ...ذلك ان وجهه الشاحب المرهق كان ينم عما يصطرع في اعماق نفسه من آلام واحزان
كان وسيما رياضي الجسم يكاد يبلغ طوله ستة اقدام بارز الوجنتين له شعر احمر كألسنة اللهب
وكان يقول لميجان وهو مقبل معها :
- ما هذا يا ميجان ؟ لماذا تدخيليني هنا ؟ لقد سمعت الآن فقط ان بيتي .
وتهدج صوته ثم ترنح في وقفته ..
فقدم بوارو اليه مقعدا تهالك عليه ثم تناول _اي بوارو _ من جيبه الخلفي زجاجة براندي صغيرة سكب منها قيلا في كأس قدمها الى دونالد قائلا :
- اشرب هذا يا مستر فريزر انه يفيدك الآن
واطاع الشاب الأمر فظهر اثر الشراب سريعا فأعاد الدماء الى وجهه فهدأ بعض الشيء وجلس منتصبا في مقعده وهو يقول في اضطراب :
- هل حقا ما سمعت ؟ هل ماتت بيتي مقتولة ؟
- نعم يا دونالد ..
فقال بلهجة آلية :
- وهل جئت من لندن فورا يا ميجان ؟
- نعم ..لأن ابي اتصل بي تلفونيا
- في قطار التاسعة والنصف على ما اظن ؟
- نعم ...
وبعد برهة صمت عاد يقول :
- وهل يقوم رجال المباحث بتحرياتهم الآن ؟
- انهم في الطابق الأعلى الآن ..في غرفة بيتي
- انهم لايعرفون من ؟ ليست لديهم اية فكرة عن ؟
ثم توقف عن الحديث فجأة وقد عاد وجهه الى الإمتقاع وهنا تقدم بوارو منه قليلا وقال له :
- ألم تخبرك بيتي اين كانت تنوي الذهاب ليلة امس ؟
- قالت انها ستذهب مع صديقة لها الى بلدة سانت ليونارد
- وهل صدقتها ؟
فهتف دونالد بحرارة
- ماذا تعني بحق الشيطان ؟
واربد وجهه بانفعالات عنيفة جعلتني اؤمن ان بيتي كانت على صواب في تجنبها اثارة غضبه ..وقال بوارو :
- ان سفاك دماء مجنونا قتل بيتي ..ولكي نصل الى الحقيقة يجب ان نلتزم الصراحة التامة في احاديثنا
وهنا قالت ميجان :
- أجل يا دونالد ليس هذا وقت العواطف يجب ان تذكر كل ما تعرفه في هذا الشأن
ونظر دونالد بارتياب الى بوارو وقال :
- من انت ؟ انك لست من رجال المباحث العامة ؟
فقال بوارو ببساطة توحي بانه يؤمن تماما بما يقول :
- انني خير منهم
وقالت ميجان :
- صارحة بكل شيء يا دونالد
فهدأت ثائرة دونالد وقال ببساطة :
- انني غير واثق من شيء كنت قد صدقتها حين قالت لي هذا ولكنني بدأت أتساءل فيما بعد ..بدأت ارتاب..
- لماذا ؟
- انني اشعر بالخجل الآن من شكوكي في امرها وايا كان الأمر فقد ذهبت الى شاطىء البحر لأرقبها وهي تنصرف من المقهى ولكنني تراجعت خشية ان تراني بيتي فتعتقد فورا انني اراقبها
- اذن ماذا فعلت ؟
- ذهبت الى سان ليونارد حيث بلغتها في الثامنة مساء ثم شرعت اراقب جميع السيارات العامة الآتية من بكسهيل آملا ان اراها وهي تهبط مع صديقتها من احداها ..ولكنني لم ارها
- ثم ماذا ؟
- غضبت جدا وايقنت انها ..انها مع رجل آخر وان من المحتمل ان يكون قد صحبها في سيارته الى مدينة هاستنغز وذهبت الة هذه المدينة ورحت اتطلع الى فنادقها ومشاربها ومطاعمها واحوم حول
مداخل دور السينما فيها ثم مضيت الى البلاج وكانت كلها تصرفات حمقاء لأنها حتى لو كانت بهذه البلدة لما امكن ان اعثر عليها بمثل هذه البساطة هذا فضلا عن وجود مصايف اخرى كثيرة جدا على طول الشاطىء
وصمت برهة ريثما تهدأ نفسه الثائرة وعاد يقول :
- ويئست أخيرا من لقائها فعدت..
- في اي وقت ؟
- لاادري ..لقد عدت ماشيا ..ولا شك ان الليل كان قد انتصف حين بلغت مسكني
- ثم ؟
وهنا فتح باب المطبخ وذخل المفتش كيسلي قائلا :
- أهذا انت هنا :
وشق المفتش كروم طريقه بسرعة والقى نظرة سريعة على ميجان ودونالد وعندئذ قدمهما بوارو اليه قائلا :
- المس ميجان بارنارد والمستر دونالد فريزر
ثم قال للشاب والفتاة موضحا :
- وهذا المفتش كروم من اسكوتلانديار
واستدار نحو المفتش واردف قائلا :
كنت اثناء تحرياتك في الطابق العلوي اتحدث مع المس ميجان والمستر دونالد آملا ان اجد شيئا يلقي بعض الضوء على الجريمة
فقال كروم وهو مشغول الفكر بالشاب والفتاة
- آه حسنا
وتراجع بوارو الى الصالة واسرعت وراءه حيث قلت له :
- هل وصلت الى شيء ؟
- عرفت فقط يا هاستنغز ان القاتل على جانب كبير من الإعتزاز بالنفس
ولم اجد الشجاعة الكافية لأقول له انني لم افهم شيئا
وعقدنا مؤتمرا آخر من سلسلة المؤتمرات التي عقدناها لبحث موضوع ذلك القاتل " ا.ب.س"
كان هذا المؤتمر الأخير خاصا بتقرير ما اذا كان ينبغي او لا ينبغي ان نعلن على الراي العام موضوع
الرسائل التي بعث بها المجرم المجهول الى بوارو ...
ذلك ان جريمة بكسهيل كان لها اثر كبير في الراي العام لأنها اولا وقعت في مصيف مزدحم بالمصيفين ولأن الضحية فيها كانت هذه المرة فتاة شابة على جانب من الجمال
وبعد مناقشات طويلة اتفقنا على ان المجرم المجهول يعاني نوعا من جنون العظمة وانه لم يرتكب هذه الجرائم ويرسل الى بوارو هذه الرسائل إلا سعيا وراء الشهرة التي ترضي غروره المكبوت ..وانتهينا اخيرا الى قرار مؤداه ان ننتظر ..فاذا ارسل الى بوارو رسالة ثالثة يحدد فيها المكان والزمان اللذين سيرتكب فيهما جريمته الثالثة اعلنا على الناس جميعا عن طريق جميع الصحف والإذاعة كل شيء عنه حتى يأخذ الجميع حذرهم ويصبح من العسير عليه تنفيذ جريمته كما يمكن الإيقاع به اذا هو حاول تنفيذها
وانني لأتذكر بوضوح وصول الرسالة الثانية التي كتبها ذلك المجرم المجهول الذي يرمز لنفسه بالأحرف الهجائية الثلاثة "ا.ب.س"
ولست بحاجة لأن أذكر ان رجال المباحث اتخذوا جميع الإحتياطات والإجراءات اللازمة لمواجهة ذلك المجرم عقب وصول رسالته الثالثة مباشرة ومن بين هذه الإجراءات ان عهد الى جاويش شاب من رجال المباحث بالبقاء في مسكن بوارو عند غيابنا عنه ليكون حاضرا عند وصول الرسالة فيستطيع ومن ثم الإتصال بادارة اسكوتلانديار دون اي تأخير وازدادت اعصابنا توترا مع مرور الأيام ورفض بوارو ان يغادر لندن رغم الجو الخانق الذي كان يسودها في تلك الفترة وقد لاحظت ان بوارو كان يعاني من قلق نفسي لإحساسه بان المجرم المجهول يتحداه شخصيا وان بعض الأبرياء سوف يدفعون ثمن التحدي اذا لم يقع المجرم في ايدي العدالة قبل ان يضيف الى جريمتيه السابقتين جرائم اخرى
وكان يوم الجمعة هو اليوم الذي وصلت فيه الرسالة الثالثة وقد جاءت الساعة العشرة مساء
فما ان سمعت طرقات ساعي البيرد المعهودة حتى وثبت مسرعا وهرعت الى صندوق بريد بوارو الخاص حيث وجدت فيه اربع او خمس رسائل وكانت بينها رسالة مكتوبة على الآلة الكاتبة تماما كسابقتيها
وهتفت قائلا وانا انطلق بها الى بوارو :
- بوارو...لقد وصلت الرسالة
فصاح قائلا :
- افتحها..افتحها يا هاستنغز بسرعة اننا في حاجة الى كل لحظة لنتخذ الإجراءات اللازمة
وفضضت الرسالة بسرعة ورحت اقرأها بصوت مسموع :
" ايها المسكين المسيو بوارو هل ادركت الآن انك لست بارعا في القبض على المجرمين وفي الكشف عن الجرائم الغامضة كما كنت تظن ؟ يبدو ان الشيخوخة قد ركبتك .حسنا لنرى ماذا يمكن ان تفعل هذه المرة سأجعل الأمر سهلا جدا موعدنا في اليوم الثلاثين من هذا الشهر وفي بلدة سيرستون حاول ان تفعل شيئا فانني بدات اشعر بالتفاهة وانا اجول في الميدان بمفردي أرجو لك
التوفيق صديقك أ.ب.س"
- سيرستون ترى اين تقع ؟
وسمعت بوارو يقول بانفعال :
- هاستنغز متى كتب هذا الخطاب ؟ هل عليه تاريخ الإرسال ؟
فنظرت الى الرسالة في يدي وقلت :
- أجل ..انها تحمل تاريخ اليوم السابع والعشرين
- وهل حدد موعد جريمته الثالثة باليوم الثلاثين ؟
- أجل
- يا الهي هل نسيت اننا في اليوم الثلاثين فعلا



ونظرت الى نتيجة الحائط ثم قلت :
- عجبا ولكن ما معنى ؟
واختطف بوارو المظروف من يدي وقرأ العنوان المكتوب عليه :
" المسيو هركيول بوارو عمارات هوايت هورس" ثم قرا ملاحظات موظفي البريد المكتوبة في اركان المظروف " غير موجود في عمارات هوايت هورس" ويجري البحث عنه في "عمارات هوايت هورس كورات" ثم يعاد البحث عنه في "عمارات هوايت هافن "
وكان بوارو يقيم في مسكن بعمارات هوايت هافن
وغمغم بوارو قائلا في انزعاج :
- يا للسماء هل الأقدار تساعد هذا المجرم فتجعله يكتب العنوان خطأ لكي تأتي الرسالة متاخرة
عن موعدها ثلاثة ايام ؟ اسرع اسرع يجب ان نتصل باسكوتلانديار فورا
وبعد لحظة كان بوارو يتصل تلفونيا بالمفتش كروم الذي ما كاد يعرف ما حدث حتى كتم مجموعة من السباب واللعنات التي تزاحمت بين شفتيه ثم قال لبوارو انه سيتصل فورا ببلدة سيرستون
ووضع بوارو المسماع ثم قال وهو ينظر في ساعته :
- الساعة الآن العاشرة والثلث..اي لايزال على منتصف الليل ساعة واربعون دقيقة ..ترى هل نستطيع ان نصل الى سيرستون قبل منتصف الليل ؟
وهل ذلك المجرم المجنون لم يرتكب جريمته بعد ؟
وفتحت دليل السكة الحديدية وقلت وانا اقرا فيه :
- بلدة سيرستون على البحر باقليم ديفون..تبعد عن بادنجتون بمائتين اميال وثلاثة ارباع الميل عدد سكانها 656 نسمة ..انها محدودة السكان جدا ولابد ان اي شخص غريب يدخلها سيلاحظه السكان فيها
- ان هذا لن يمنع وقوع جريمة قتل اخرى ..ماهي مواعيد القطارات المارة بها ؟ اعتقد ان القطار في هذه الحالة اسرع من السيارة

هناك قطار منتصف الليل به مركبة نوم يصل في الساعة السادسة وثماني دقائق الى نيوتن وفي الساعة السابعة والربع صباحا الى سيرستون
- ومن محطة بادنجتون ؟
- أجل
- لسوف نركب هذا القطار يا هاستنغز
- قبل ان نعرف ماذا حدث ؟
- وما جدوى معرفتنا ؟
وفيما كان بوارو يتصل تلفونيا مرة اخرى باسكوتلانديار اسرعت انا بوضع بعض الحاجيات الضرورية في حقيبة السفر ..ولما عاد بوارو قال ان بعض رجال اسكوتلانديار سيلتقون بنا على رصيف المحطة وانه يحسن بنا ان نأخذ معنا الرسالة الثالثة ليطلعوا عليها
وكان المفتش كروم اول من رايناه في انتظارنا على رصيف المحطة وقد قال مجيبا على نظرة بوارو المتسائلة :
- لا..لم تصلنا اية انباء بعد ان رجالنا قد حذروا بالتليفون جميع الأشخاص الذين تبدأ أسماؤهم بالحرف "س" في تلك البلدة لاتزال الفرصة سانحة امامنا .اين الرسالة ؟
وبعد ان فحصها صفر منزعجا وهو يقول :
- يا لسوء الحظ ان النجوم في سمائها تساعد هذا اللعين ضدنا
فقلت متسائلا :
- ألا يمكن ان يكون قد تعمد هذا الخطأ ؟
فهز كروم راسه وقال :
- لا انه حريص على التزام المبادىء وهذا النوع من الجنون يجعل صاحبه شديد التشبت بالفكرة المسيطرة عليه ومادام قد قرر ان يتحدى شخصا معينا فانه لا يلجأ الى المراوغة والخداع واستطيع ان اراهن انه يشرب ويسكي هوايت هورس
فأومأ بوارو براسه وقال :
- هذه لمحة بارعة يا مستر كروم ..لعل الزجاجة كانت امامه وهو يكتب العنوان وكثيرا ما تكتب اليد
ما تراه العين على غير وعي من الإنسان
ورفت ابتسامة خفيفة على شفتي كروم وقال :
- إذا اسعدنا الحظ ولم يحدث شيء حتى الآن في سيرستون فلا شك ان المجرم موجود بها الآن ..
انه لن يغادرها حتى يحقق مأربه لأنه سيعز عليه كثيرا الفشل
وفيما كان القطار يتحرك من المحطة لمحنا احد رجال المباحث يسرع نحونا ثم ينقر على النافذة المقصورة التي جلسنا فيها فأسرع كروم وفتحها قائلا :
- ماذا ؟ هل وصلت اليكم انباء ما ؟
ولم نسمع ما قاله الرجل ولكن وجه كروم كان شديد التجهم وهو يلتفت الينا قائلا :
- لقد عثروا على السير سيرميكال كلارك مقتولا بضربة قاضية على مؤخرة راسه.
وكنا جميعا نعرف السير سيرميكال كلارك أخصائي امراض العيون الذي لم يكن مشهورا جدا بين الطبقات الشعبية وكان قد تقاعد عن العمل بعد بلوغه سن الستين وذلك ليتفرغ لهوايته الخاصة وهي جمع التحف الخزفية الثمينة المصنوعة في الصين لا سيما القديم منها وكان بعد تقاعده قد ورث عن عمه ثروة طائلة اتاحت له فرصة الحصول على الشيء الكثير من هذه التحف من مختلف المزادات العالمية وكان متزوجا ولكنه لم ينجب الأطفال وكان يعيش في منزل خاص على شاطىء في اقليم ديفون ولا يذهب الى لندن إلا نادرا
وكان من الواضح ان مقتله سوف يثير في الراي العام وفي الصحافة بوجه خاص ضجة كبيرة لم يحدث لها مثيل منذ اعوام ولا سيما وقد وقعت الجريمة في شهر أغسطس حيث يكون معظم الناس متلهفين على ما يشغل اذهانهم
وقال بوارو :
- آه ..من يدري لعل هذه الضجة سوف تؤدي الغرض الذي لم تستطع جهودنا ان تؤديه فلا شك ان الناس جميعا سوف يهبون للبحث عن ذلك المجرم المجهول "ا.ب.س"
فقلت آسفا :
- ان هذا ما يريده فعلا
- نعم ..ولكن النجاح مسكر ولاشك ان شعوره بالزهو سوف يدفعه الى ارتكاب بعض الأخطاء التي توقع به في النهاية
وبعد برهة من الصمت اردف بوارو قائلا :
- اننا حتى اليوم نحارب في الظلام ..لانعرف شيئا محددا عن ذلك المجرم المجهول بل اننا لانعرف
إلا تخمينا الدوافع التي تدفعه الى ارتكاب هذه الجرائم وانه لمن أسوأ الأمور ان يقتل الإنسان اشخاصا غرباء عنه بلا اي اسباب او مبررات
فقلت وانا ارتعد :
- ألا يكفي ان يكون الجنون مبررا معقولا ؟
- نعم الى حد ما وهذا موضع الخطر
وبعد برهة صمت قلت في شيء من الحزم
- أيا كانت الأحوال فمن واجبنا ان نبذل كل ما يمكن من جهود حتى نضع حدا لهذه الجرائم البشعة
- طبعا طبعا ..علينا ان ننام الآن لأن هناك اعمالا كثيرة في انتظارنا غدا .

يتبع

MA7MOUD
10-10-2010, 01:21 AM
الفصل الثامن

السير سيرميكال كلارك

تقع بلدة سيرستون بين مصيف بريكسهام من جهة وبانتون وتوركاي من جهة اخرى وتقوم في موضع على منتصف انحناءة خليج تورباي من الجهة اليمنى وكانت قبل عشر سنوات مجرد ملعب للجولف او على الأصح ساحة لملاعب الجولف في تلك المنطقة وتمتد وراء الملاعب ارض خضراء تصل الى شاطىء البحر دون ان يكون بها غير بيت ريفي او بيتين إلا انها في السنوات الأخيرة نمت وزحف العمران عليها واقيمت بها المنازل والشوارع والفيللات المتناثرة على الشاطىء
وكان السير سيرميكال كلارك قد اشترى قطعة ارض تشرف على البحر من ربوة عالية واقام فيها منزلا على الطراز الحديث يحتوي على مسكن خاص لصحبه وجناحين يحتويان على مجموعات التحف الثمينة التي يهوى السير سيرميكال جمعها
وقد وصلنا الى ذلك المكان في الساعة الثامنة صباحا حيث وجدنا احد رجال الشرطة المحليين في استقبالنا على المحطة وهو زودنا بالمعلومات الأولى عن الحادث
علمنا ان السير سيرميكال كلارك كان قد اعتاد ان يقوم بجولة على قدميه بعد العشاء كل ليلة ولما اتصل رجال الشرطة بمنزله تلفونيا ليحذروه وكان ذلك بعد الحادية عشر ة مساء علموا انه لم يعد بعد من جولته ولما كان خط سيره معروفا فان البحث عنه لم يستغرق فترة طويلة اذ ما لبث ان عثر رجال الشرطة على جثته في مكان ما من الطريق الذي اعتاد ان يتجول فيه وكانت الوفاة قد نتجت عن ضربة عنيفة اصابت مؤخرة الراس وبجانب الجثة وجدوا دليل " ا.ب.س " للسكة الحديدة موضوعا في وضع مقلوب.


ووصلنا الى البيت في نحو الثامنة وعشر دقائق حيث فتح لنا الباب خادم تشريفاتي عجوز كان الحزن الشديد واضحا على وجهه وقد حياه رجل الشرطة المحلي بقوله :
- طاب صباحك يا ديفريل
- طاب صباحك يا مستر يلز
- هؤلاء هم السادة الوافدون من لندن
- تفضلوا من هذا الطريق ايها السادة
ومضى امامنا عبر قاعة كبيرة للطعام كان على مائدة فيها صفحة عليها وجبة افطار كاملة ثم قال :
- لسوف استدعي المستر فرانكلين
وبعد لحظات أقبل رجل كبير الجسم أشقر الشعر ملوح الوجه من وهج الشمس وكان هذا كما علمنا المستر فرانكلين كلارك شقيق المتوفي
وكان يبدو عليه من تصرفاته الثابثة انه رجل اعتاد ان يواجه مثل هذه المواقف العصبية بثبات
قال لنا :
- طاب صباحكم ايها السادة
وقام المستر ويلز رجل الشرطة المحلي بعملية التقديم فقال :
- المفتش كروم من إدارة المباحث العامة المسيو هيركيول بوارو الكابتن هاينز
فصححت له اسمي بسرعة قائلا ببرود :
- هاستنغز
وصافحنا فرانكلين كلارك كلا منا على حدة وهو يزودنا بنظرات حادة نافذة ثم قال :
- اسمحوا لي ان اقدم طعام الإفطار
ووافقنا جميعا وسرعان ما جلسنا الى مائدة حافلة بالبيض القلي والسجق والجبن والزبد والمربى والشاي وبعد ان ارضينا بطوننا قال فرانكلين كلارك :
- الى العمل الآن ..لسوف يقدم اليكم المفتش ويلز فكرة عامة عن الحادث الذي جرى بالأمس
اما من ناحيتي فاني لا أكاد اصدق ذلك الحديث عن المجرم المجهول الذي يسمي نفسه "ا.ب.س"
هل تريد مني يا سيدي المفتش كروم ان اصدق ان اخي مات قتيلا بيد مجرم ارتكب جريمتين قبل ذلك وانه يختار ضحاياه حسب الترتيب الهجائي لأسمائهم ؟ وانه يضع بجانب كل ضحية دليل "ا.ب.س." للسكة الحديدة
فقال المفتش كروم :
- هذه هي الحقيقة بقدر ما نعرف حتى الآن يا مستر كلارك
- ولكن لماذا ؟ ماهي الفئدة التي يمكن ان تعود من مثل هذه الجرائم حتى على اشد الناس جنونا ؟
فأومأ بوارو براسه موافقا وقال :
- احسنت التعبير يا مستر كلارك ..هذا هو السؤال الذي يحيرنا جميعا
قال المفتش كروم :
- لاجدوى الآن من البحث عن دوافع الجريمة يا مستر كلارك هذه مهمة علماء النفس وان كنت شخصيا اعرف ان الجرائم التي يرتكبها المجانين ليس ضروري ان يكون لها دوافع معقولة ..فمثلا هناك دوافع الرغبة عند البعض في اثباث وجودهم امام الناس وفي اثارة ضجة ضخمة حول اسمائهم او ان يصبحوا مشهورين باية وسيلة بدلا من بقائهم نكرات
فقال المستر كلارك في شيء من الإرتياب وهو يوجه الحديث الى بوارو :
- أحقا هذا يا مسيو بوارو ؟
فأجاب صديقي قائلا :
- نعم..للأسف الشديد
ففكر المستر كلارك برهة ثم قال :
- ان مثل هذا الرجل على كل حال لن يستطيع ان يبقى بعيدا عن ايديكم مدة طويلة
- نعم نعم ولكن هذا النوع من الناس يكون عادة على مكر شديد ودهاء بالغ واحساس عميق بالحقد على المجتمع ..انه واحد من الذين يعيشون في الحياة نكرات لايحس بهم احد ولا يهتم بأمرهم مخلوق
وتدخل كروم في الحديث قائلا للمستر كلارك :
- أتسمح يا مستر كلارك وتدكر لي بعض ما تعرفه من حقائق عن ظروف اخيك وتجيب على بعض ما ساوجهه اليك من اسئلة ؟
- طبعا ..طبعا ..
هل كان اخوك في حالة صحية ومعنوية طبيعية امس ؟ ألم يستلم رسائل غير منتظرة ؟ ألم يحدث ما اشاع الإضطراب في نفسه ؟
- لا...استطيع ان اقول انه كان في حالة طبيعية من جميع الوجوه
- ألم يكن هناك ما يثير قلقه واضطرابه ؟
- إن القلق والإضطراب يا سيدي المفتش من الحالات الطبيعية التي كان يعيش فيها اخي بصفة دائمة
- لماذا ؟
- لعلك لا تعرف ان زوجته الليدي كلارك في حالة صحية مؤلمة ويمكن القول فيما بننا انها تاعني من سرطان لا يرجى شفاؤه ولاينتظر ان تعيش طويلا وكانت حالتها الصحية هذه تثير الألم في نفس اخي دائما ...وانا نفسي فوجئت بالتغيير الكبير الذي طرأ عليه عندما عدت من الشرق الأقصى بعد غيبة طويلة
وتدخل بوارو في الحديث قائلا :
- لنفرض ان اخاك وجد قتيلا بطلق ناري في سفح تل او جانب طريق وان المسدس كان بجانبه فماذا يكون رايك في هذه الحالة ؟
فقال كلارك :
- كنت اعتقد فورا انه انتحر
وهنا قال المفتش كلارك وهو يلوي شفتيه قليلا :
- ان هذا الحادث ليس انتحارا على كل حال ..والآن يا مستر كلارك هل كان اخوك معتادا على القيام بجولة على قدميه كل ليلة ؟
- أجل ..
- كل ليلة بلا انقطاع ؟
- أجل فيما عدا الليالي الممطرة طبعا
- وهل جميع المقيمين في البيت معك يعرفون عنه هذه العادة ؟
- طبعا
- وفي الخارج ؟
- انني لا افهم ماذا تعني بذلك ..ربما كان البستاني يعرف هذه العادة عنه ولكنني شخصيا غير واثق
- وسكان البلدة ؟
- على وجه الدقة ليس لدينا بلدة بالمعنى المفهوم ..كل ما في الأمر ان لدينا مكتب بريد وبضعة بيوت صغيرة وبضعة شوارع قليلة ولكن ليس ثمة محلات ولا منافع عامة يمكن ان تتكون منها بلدة
- في هذه الحالة يمكن بسهولة ان يثير الإنتباه اي غريب يدخل هذه المنطقة ويتجول فيها ؟
- على العكس ..فان هذه المنطقة في شهر أغسطس تكون عادة مزدحمة بمختلف انواع الأشخاص الغرباء ..انهم يفدون من بريكسهام وتوركاي وبايتون في السيارت والحافلات وعلى الأقدام
ثم اشار بيده الى الجهة اليمنى من الشاطىء واردف قائلا :
- ان هذه الشواطىء الرملية المسماة " بروساند" و"لبري كاف" تعتبر من المناطق التي تستهوي الكثير من المصيفين ليقضوا فيها عطلة نهاية الأسبوع ولشد ما اتمنى لو انهم لا يأتون فانك لا تدري الى اي حد من الجمال تكون عليه هذه المناطق في يونيو وفي اوئل يوليو
- اذن فأنت ترى ان وجود غريب في هذه الناحية لايثير انتباه احد
- أجل ...إلا إذا كان شاذ التصرفات مخبولا او مجنونا مثلا
فقال المفتش كروم بلهجة التأكيد :
- ان ذلك المجرم لا يبدو مجنونا او شاذ التصرفات امام الناس واعتقد انه جاء اولا لإستكشاف هذه المنطقة ورسم خطته لإرتكاب الجريمة ومعرفة عادة السير سيرميكال كلارك في التمشي كل ليلة وبهذه المناسبة ألم يأت رجل غريب امس ليسأل عن السير كلارك ؟
- لا أعرف على وجه اليقين ...ولكن يمكننا ان نسأل ديفريل
ورن الجرس فأتى الخادم التشريفاتي ووجه اليه ذلك السؤال فقال الخادم مجيبا :
- لا يا سيدي لم يحضر أحد لمقابلة السير كلارك ولم ألاحظ وجود شخص غريب بالقرب من القصر وكذلك الخادمات لم يرين شيئا لأني سألتهن
وانتظر الخادم لحظة قبل ان يسأل قائلا :
- هل هذا كل شيء ؟
- أجل يا ديفريل ..يمكنك ان تنصرف
وانسحب ديفريل الى الباب حيث افسح الطريق لفتاة شابة كانت داخلة ونهض فرانكلين كلارك عند دخولها وقال يقدمها :
- هذه هي المس جراي ايها السادة سكرتيرة اخي
ولفت انتباهي فورا بياض بشرتها الناصع الذي يشبه بياض سكان الدول الإسكندنافية وكان شعرها ذهبيا فاتح اللون جدا كشعور معظم النساء النرويجيات والسويديات وكذلك كانت عيناها خضراوين فاتحتين ولبشرتها ذلك الصفاء المتألق الذي يبلغ حد الشفافية والذي يمتاز به سكان المناطق الشمالية من اوروبا بوجه عام ومن ناحية السن كانت تبدو في السابعة والعشرين كما لاح انها على كفاية ممتازة بجانب جمالها الملفت للنظر
قالت وهي تتخذ مجلسها :
- هل استطيع ان اقدم اليكم مساعدة او خدمة ؟
وعرض فرانكلين كلارك عليها مراسلات السير سيرميكال ؟
- أجل ..كلها
- أعتقد انه لم يستلم رسالة او اكثر موقعة بالحروف " أ.ب.س"
- "أ.ب.س" ؟ لا. انني واثقة تماما بانه لم يستلم رسالة موقعة بمثل هذه الأحرف
- ألم يذكر في معرض حديثه ذات مرة انه راى شخصا يتسكع في طريق جولته المسائية ؟
- لا ...لم يدكر قط شيئا من هذا القبيل
- وانت ألم تلاحظي وجود احد الأشخاص الغرباء بالقرب من القصر في الأيام الأخيرة ؟
- لرايت كثيرا من الغرباء يمرون بالقرب من القصر فمن المعتاد ان يكثر وفود بعض المصيفين في هذه المنطقة
وطلب المفتش كروم ان يذهب الى المنطقة التي اعتاد السير سيرميكال ان يتمشى فيها كل ليلة فمضى فرانكلين امامنا وخرجنا من باب الشرفة ومعنا المس جراي وكنت هي وانا في المؤخرة ومن ثم قلت لها على انفراد :
- لاشك ان ما حدث كان صدمة عنيفة لكم جميعا ؟
- انني أكاد لا اصدق ما حدث . لقد آويت الى فراشي امس وما كدت استغرق في النوم حتى رن رجال الشرطة الجرس الباب الخارجي وسمعت وقع اقدام تجري هابطة فنهضت لأرى ماذا حدث وقد رايت ديفريل والمستر كلارك يحملان المصابيح للمضي الى الخارج
- ما هو الوقت الذي اعتاد فيه السير كلارك ان يعود فيه من جولته المسائية ؟
- في العاشرة الا ربعا كالمعتاد ...وكانت عادته ان يدخل بمفرده من باب جانبي حيث يمضي الى فراشه احيانا فورا وفي احيان اخرى يقصد الى احد الجناحين الذين يضمان تحفة ثمينة ولولا ان رجال الشرطة اتصلوا هاتفيا ليسألوا عنه لما اكتشف احد غيابه إلا في صباح هذا اليوم
- لا شك ان الحادث كان صدمة رهيبة لزوجته المسكينة ؟
- ان الليدي كلارك تكاد تعيش في شبه غيبوبة بسبب المورفين واعتقد انها في حالة لا تكاد
تسمح لها بمعرفة ما يجري تماما
وكنا عندئذ قد خرجنا من باب الحديقة الكبيرة الى ساحة الغولف وبعد ان اجتزنا ركن الساحة اخذنا نهبط في حارة ملتوية شديدة الإنحدار
وقال فرانكلين كلارك وهو يشير الى نهاية الحارة :
- انها تؤدي الى شاطىء "البري كاف" ولكن البلدية أنشأت منذ عامين طريقا فرعيا يمتد من الطريق العام ويؤدي الى شاطىء "برود ساندر" ومنه الى "البري كاف" ولهذا السبب قلما يستعمل احد هذه الحارة للمرور
وسرنا في الحارة حتى راينا في نهايتها ممرا يؤدي الى شاطىء البحر وبعد ان سرنا فيه بين جوانب صخرية ورملية وعرة وجدنا انفسنا نشرف من مرتفع صخري على البحر وعلى الشاطىء الرملي المرصع بالأحجار البيضاء وكانت الأشجار تحيط بالمنطقة كلها وتصل الى حافة الماء وعلى الجملة
كان المنظر ساحرا بألوانه الطبيعية التي جمعت في مكان واحد بين خضرة الشجر وصفرة الرمال وبياض الصخور وزرقة الماء
وهتفت قائلا رغما عني ما أجمل هذا ؟
واستدار فرانكلين كلارك نحوي بلهفة وقال :
- اليس المنظر جميلا فعلا ؟ انني لا ادري لماذا يترك الناس مثل هذه المناطق الساحرة ويذهبون الى الريفيرا لقد جبت معظم انحاء العالم في مختلف مراحل عمري واشهد امام الله انني لم اجد منطقة اجمل منظرا من هذه
وكأنما تذكر الموقف ورهبته فخجل من نفسه وعاد الى الحديث الجاد الرزين وقال :
- هذا هو الطريق الذي كان يتمشى فيه اخي كل مساء انه كان يأتي الى هذه البقعة حيث يستريح قليلا ثم يعود من نفس الممر ولكنه بدلا من ان ينحرف في نهايته شمالا الى الحارة ينحرف في نهايته يمينا فيسير في بعض الحقول حتى يعود الى القصر
وأومأ كروم براسه
وعدنا من الطريق الذي اعتاد السير سيرميكال كلارك ان يعود منه حتى وصلنا الى نقطة في منتصف المسافة الباقية على الوصول الى القصر وفي جانب من احد الحقول حيث عثر رجال الشرطة على جثة المجني عليه
وأومأ كروم براسه قائلا :
- كان الأمر سهلا جدا ..لقد تربص القاتل المجهول لأخيك وراء هذه الشجرة ثم فجأه من الخلف
وارتعدت الفتاة التي كانت واقفة بجانبي
وقال فرانكلين كلارك :
- تمالكي نفسك يا تورا ..ان الموقف عصيب فعلا ..ولكن لا جدوى من الإنهيار العصبي
تورا جراي ؟ انه اسم مناسب للفتاة
وعدنا الى البيت حيث علمنا ان الجثة حنلت منه بعد ان تم تصويرها
وفيما نحن نصعد السلم الواسع رايت الطبيب يخرج من احدى الغرف وفي يده حقيبته السوداء
فسأله كلارك قائلا :
- هل لديك ما تقوله لنا يا دكتور ؟
فهز الدكتور راسه وقال :
- الحالة واضحة وسوف احتفظ بالتفصيلات لجلسة التحقيق ولكنني أؤكد ان المجني عليه لم يتعذب لحظة ...فق كان الموت مباغتا سريعا ثم اردف قائلا :
- لسوف أصعد لأرى الليدي كلارك
وأقبلت ممرضة مستشفى من نهاية الدهليز فمضى الطبيب اليها وصحبها..ودخلنا الغرفة التي رايت الطبيب يخرج منها ولكنني لم ألبث ان خرجت منها مسرعا حيث وجدت تورا جراي واقفة على راس السلم وقد ارتسمت على وجهها امارات عجيبة فقلت لها متسائلا
- مس جراي ؟ هل حدث شيء ؟
فحملقت في وجهي برهة ثم قالت بانفاس لاهثة :
- انني افكر في الحرف "د"
فنظرت اليها ببلاهة وقلت :
- الحرف "د"
- نعم الجريمة التالية لابد ان تفعلوا شيئا لابد ان تحولوا دون وقوعها بأي ثمن
واقبل فرانكلين كلارك من الغرفة وقال :
- ماذا بك يا تورا ؟ ماهذا الذي تقولينه ؟
- أقول يجب وقف هذه الجرائم بأي ثمن
فقال وهو يعض على نواجذه :
- نعم طبعا انني اريد ان أتحدث مع المسيو بوارو عن..عن...ثم ارسل العبارة التالية على غير انتظار :
- عن المفتش كروم ..هل هو كفء للقيام بهذا العبء ؟
فقلت له ان المعروف عنه انه من أكفأ رجال إدارة المباحث العامة
فصمت كلارك برهة ثم قال :
- ان لدي خطة تؤدي الى الإيقاع بذلك المجرم المجهول يا مسيو بوارو ولكننا سنتحدث عن هذا في وقت آخر و الآن سأذهب لأرى الليدي كلارك
ونظرت الى المس جراي فلما رايت امارات التفكير العميق مرتسمة على جبينها قلت لها بعد تردد بسيط :
- فيم تفكرين يا مس جراي ؟
- انني اتساءل اين هو الآن ...ذلك القاتل لقد مضت إثنا عشرة ساعة منذ وقوع الجريمة الثالثة اليس ثمة ساحر يمكن ان يقول لنا اين هو الآن ؟ وماذا يفعل ؟
- ان رجال الشرطة يعملون ....
وافاقت تورا جراي من ذهولها على كلماتي العادية ثم أومأت براسها وقالت :
- أجل..طبعا
وفيما هي تهبط درجات السلم رحت اردد في ذهني كلماتها :
"ترى اين هو الآن ؟ وماذا يفعل ؟"

غادر المستر الكسندر بونابرت سوست مسرح توركاي مع الخارجين بعد ان استمتع بمشاهدة الفيلم العطفي جدا...."ليس عصفورا"
ورمش بعينيه في شمس ما بعد الظهيرة وتلفت حوله كعادته دائما او على الأصح كما يفعل الكلب الضال في الحياة
وغمغم لنفسه " انها لفكرة.."
وانطلق باعة الصحف حوله يصيحون " آخر طبعة ..مجرم مجنون في بلدة سيرستون " وكانوا يحملون لافتات مكتوبا عليها بالخط العريض " جريمة سيرستون آخر طبعة"
ودس المستر سوست يده في جيبه فوجد قرشا اشترى به نسخة من احدى الصحف المسائية ولكنه لم يتصفحها فورا
ومضى الى حدائق " البرنس جاردنز" حيث سار في بطء وتمهل الى مقعد يواجه مينا توركاي فجلس عليه وفتح الصحيفة حيث واجهته العناوين الرئيسية بهذه الأنباء" مصرع السير سيرميكال كلارك" " مأساة رهيبة في بلدة سيرستون " " المجرم المجهول مجنون رهيب" وتحت هذا كله قرأ ما يلي " روعت البلاد منذ شهر واحد بمصرع الفتاة الشابة الحسناء بيتي بارنارد في مصيف بكسهيل ولعلنا نذكر انه وجد بجانب الجثة دليل "ا.ب.س" للسكة الحديدية وكذلك عثر رجال المباحث على دليل من هذا النوع بجانب جثة السير سيرميكال كلارك ومن ثم يرى رجال المباحث ان مرتكب الجريمتين مجرم واحد فهل يمكن ان يكون ثمة مجرم مجنون يعبث فسادا في مصايفنا"
وغمغم الشاب في قميص ملون وبنطلون رمادي كان جالسا بالقرب من المستر سوست قائلا :
- شيء مزعج
وجفل المستر سوست في جزع ولكنه تمالك نفسه وقال :
- آه..أجل...أجل...
ولاحظ الشاب ان يدي الرجل الكهل الجالس بجانبه ترتعدان بحيث كان عاجزا عن امساك الصحيفة بهما فقال له :
- ان الإنسان لا يستطيع ان يواجه مجرما مجنونا كهذا بالطرق المألوفة..وأعجب من هذا ان الواحد منهم لا تبدو عليه مظاهر الجنون في اغلب الأحوال
- اعتقد هذا..
- ويلوح ان الحرب هي المسؤولة عن كثرة هذه الإصابات العقلية
- اظن انك ...انك على حق في هذا
- انني ابغض الحرب...
فالتفت المستر سوست اليه وقال :
- ملنا نكرة الأوبئة ومرض النوم والمجاعات والسرطان ولكنها مصائب لابد من وقوعها فقال الشاب بلهجة تأكيد :
- ولكن الحروب مصائب من الممكن تلاقيها
وضحك المستر سوست ضحك عاليا ولمدة طويلة وجزع الشاب بعض الشيء وقال لنفسه " ان الرجل مجنون" ثم قال بصوت مسموع : - انني آسف يا سيدي ..اعتقد انك اشتركت في الحرب الأخيرة
- أجل وقد اصابنتني في عقلي ان عقلي لم يعد كما كان ابدا ..ان الصداع يلازمني دائما بشكل لايحتمل
- أوه انني آسف لهذا
- وفي بعض الأحيان أكاد لا اعرف ما افعله من فرط الألم ..
فقال الشاب وهو ينهض مسرعا :
- أحقا ؟ آه يجب ان امضي الآن فاني على موعد
وبقي المستر سوست في مكانه
واخذ الناس يسيرون امامه ذهابا وجيئة
وكان معظمهم يتحدثون عن الجريمة
وطوى المستر سوست صحيفته ودسها في جيبه ونهض في طريق العودة الى المدينة وراى في طريقه فتيات كثيرات جميلات ضاحكات يغازلن بالنظرات والإبتسامات الشبان والرجال الذين يمرون بهن في الطريق ولكن لم تفكر واحدة منهن في ان تلقي مجرد نظرة واحدة على المستر سوست.




الفصل التاسع

بوارو يلقي حديثا

بينما كانت الصحف تمعن في الإثارة عن المجرم المجهول وتحذر الناس منه وتكتب بالخط العريض
" انه قد يكون بجانبك الآن" كان بوارو من جانبه قد قرر ان يعقد اجتماعا مع اقرب الناس الى الضحايا الثلاث ليتحدث اليهم وليحاول ان يعتصر منهم كل ما يمكن ان يكون مختزنا في عقولهم
وكان الذين ارسل يدعوهم الى الحضور هم : ماري دراور ابنة أخت المسز آسكر وميجان بارنارد ودونالد فريزر وتورا جراي وفرانكلين كلارك
وفي اليوم المحدد للإجتماع وصل المستر كلارك اولا ..وقبل الموعد بنصف ساعة بناء على رغبة بوارو وقد قال بعد ان تبادلنا معه التحية واستقر في مجلسه :
- انني يا مسيو بوارو غير مطمئن الى كفاءة المفتش كروم اعتقد ان هذه الجرائم تحتاج الى عبقرية بوليسية خاصة ..ولولا المشاغل الكثيرة التي ينبغي ان اقوم بها بعد وفاة اخي لخصصت وقتا اطول لكي اضع نفسي تحت امركم ولكي اتعاون معكم على منع وقوع الجريمة الرابعة
- إذن فأنت ترى ان المجرم سيستمر في ارتكاب جرائمه...
- حسب الترتيب الأبجدي ...ألا ترى انت هذا ؟
- بكل تاكيد ..
- إذن يجب ان ننظم انفسنا لمقاومته
- ألديك اقتراح بهذا الشأن ؟
- ما دمنا نحن اقارب المجني عليهم سنجتمع الليلة هنا فلماذا لا نكون فيما بين انفسنا " فرقة خاصة" تعاون رجال المباحث في الإيقاع بالمجرم الرهيب ؟
- فكرة جيدة
- يسرني انك موافق عليها ..ولاشك اننا بتعاوننا معا قد نعثر على الرجل الغريب الذي كان يحوم حول مسرح كل جريمة قبل ارتكابها
- وهل تقترح ان تنضم المس جراي الى هذه الفرقة رغم انها غير قريبة لأحد المجني عليهم ؟
فاضطرم وجه كلارك وقال :
- اعتقد انها ستعاوننا كثيرا لأنها عملت مع اخي سنتين وهي تعرف المناطق المجاورة لمسرح الجريمة الأخيرة معرفة تامة كما تعرف معظم المقيمين فيها بصفة دائمة اما انا فقد كنت غائبا عن البلاد فترة طويلة تبلغ نحو عام ونصف عام
فقال بوارو بعطف :
- كنت في الشرق..في الصين ؟ اليس كذلك ؟
- نعم ..كنت اشتري لأخي مجموعات التحف الخزفية الثمينة التي تعرض في الأسواق العالمية لاسيما في الصين نفسها
- حسنا يا مستر كلارك لاشك انت كنت ذا فائدة كبيرة لأخيك الراحل
وبعد نصف ساعة كنا جميعا نجلس حول المائدة الإجتماع وكانت الفتيات الثلاث يختلفن كل الإختلاف من ناحية المظهر والشكل فتورا جراي الصارخة الجمال الناصعة البياض ..ميجان بارنارد الخمرية ذات الشعر الأسود الأثيث ووجهها الجامد التعبير الشبيه بوجوه الهنود الحمر..وماري دراور بثوبها الأسود البسيط ووجهها الذي ينم عن البراءة والذكاء اما الرجلان فكان فرانكلين كلارك بجسمه الكبير ووجهه الملوح ولباقته في الحديث يختلف كثيرا عن دونالد فريزر الهادىء الرزين الخجول
وبدأ بوارو الحديث قائلا :
- ايها السادة والآنسات انتم تعرفون من اجتماعنا هنا فبرغم ان رجال الشرطة لا يالون جهدا في اداء واجبهم للقبض على ذلك المجرم المجهول إلا انني اعتقد ان اتحادنا نحن اصحاب الشان في هذه الجرائم قد يؤدي الى كشف بعض الغموض الذي يكتنف هذه الجرائم
وبعد برهة صمت استطرد يقول :
- اننا الآن امام ثلاث جرائم راح ضحيتها سيدة عجوز وفتاة في ميعة الشباب ورجل كهل وليس يربط بينهم جميعا إلا ان الجاني عليهم رجل واحد وهذا يعني ان هذا الشخص الواحد كان موجودا في اماكن الجرائم الثلاث وليس من شك ايضا في ان هذا الؤجل _ وقد يكون امرأة_ على جانب كبير من الدهاء رغم اختبال عقله وذلك لأنه استطاع حتى الآن ان يفلت من ايدينا والا يترك وراءه اي اثر يقودنا اليه
وصمت بوارو برهة اخرى قبل ان يستطرد قائلا :
- إلا ان هناك معالم يمكن ان تحدد الشخصية ذلك المجرم المجهول ويمكن ان توضح بعض الغموض الذي يكتنف الموقف فمثلا انه لم يذهب الى بكسهيل في منتصف الليل ليجد امامه فتاة يبدأ اسمها بالحرف "ب" على الشاطىء جاهزة للقتل..
وهنا قال دونالد فريزر بصوت ينم عن الألم النفسي العميق
- هل يستلزم الأمر ان نذخل في هذه التفصيلات ؟
فقال بوارو مستديرا اليه :
- من الضروري جدا ان نناقش كل صغيرة وكبيرة في هذه الجرائم ..فالموقف لايحتمل المجاملة او مراعاة العواطف الخاصة كنت اقول ان المصادفة وحدها لم تكن المسؤولة عن التقاء المجرم المجهول بالمس بيتي بارنارد لابد انه كان هناك نوع من التمهيد وحرية الإختيار اي لابد انه قام بعملية استطلاعية لمسرح الجريمة ..كان عليه اولا ان يتأكد من بعض الحقائق وكان عليه ان يحدد افضل وقت يرتكب فيه جريمة اندوفر وان يعرف خير مكان يرتكب فيه جريمة بكسهيل وان يلم بعادات
السير سيرميكال كلارك ولهذا اعتقد انكم في مجموعكم تعرفون اشياء في قرارة انفسكم دون ان تدركوا انكم تعرفونها
ولما ارتسمت امارات الدهشة وعدم الفهم على وجوهنا جميعا ابتسم بوارو وقال :
- ان العقل قد يختزن معلومات غامضة لاتظهر الا بالحديث والمناقشة واذا كان هذا موضوع المناقشة محددا فربما كان في ذهن كل منكم جزء معين بشأن هذا الموضوع والحديث وحده هو الذي يجمع هذه الأجزاء لكي تتضح جميعا في صورة واحدة
وهنا تمتمت ميجان بارنارد قائلة :
- كلا
فلما نظر بوارو اليها متسائلا اردفت قائلة بصوت ينم عن اليأس
- مجرد كلام نظري لايعني شيئا
- ان الكلام يا آنسة هو الثوب الذي يبرز الأفكار
وقال ماري دراور :
- اعتقد يا مس بارنارد ان المسيو بوارو على حق ..فليس كالحديث المتبادل بين عدد من الأشخاص في موضوع واحد محكا لإبراز آراء وصور ذهنية وذكريات كانت مختزنة في اعماق الذهن البشري
فقال كلارك :
- وانا اوافق هذا الراي
- ما رايك يا مستر فريزر ؟
- انني ارتاب في جدوى هذه الطريقة
- وانت يا مس جراي ؟
- اعتقد ان استعراض وجهات النظر بالحديث المتبادل عن موضوع معين لابد ان ياتي بجديد في هذا الموضوع
وهنا قال بوارو :
- إذن ارجو من كل منكم ان يعتصر ذاكرته كل ما يمكن ان يتذكره قبل وقوع الجريمة ولنبدأ بالمستر كلارك
فقال المستر كلارك وهو يجمع بيديه ثنايا جيبه :
- ماذا فعلت في صباح اليوم الذي قتل فيه اخي ؟ آه ذهبت للصيد في زورق شراعي وقد اصطدمت ثماني سمكات كبيرة من نوع " الماكريل" وكان الجو صحوا ..وعدت الى البيت في موعد الغداء واذكر ان الحساء الإيرلندي كان بين اصناف الطعام ونمت ثم استيقظت وشربت الشاي وكتبت بعض الرسائل وفاتني وضعها في الصندوق في الموعد المناسب فركبت السيارة في بلدة بابيتون لأصدرها وعدت في موعد العشاء واني لا اشعر بالخجل حين اقول انني قرات للمرة الثانية كتاب مغامرات نسبيت الذي كنت مشغوفا به منذ عهد التلمذة ثم رن جرس التلفون
فقال بوارو مقاطعا :
- لاداعي لأن تذكر ما حدث بعد هذا لأنه لايهم..وانما المهم هو ان اتذكر هل رايت احد وانت في طريقك الى الصيد صباحا
- كثيرا من الناس
- هل يمكنك ات تتذكر شيئا عنهم او عن بعضهم ؟
- لاشيء الآن
- هل انت متاكد من هذا ؟
- دعني اتذكر ..آه..اذكر انني رايت سيدة بدينة لفتت نظري بثوب سباحتها الأصفر المخطط وكان معها ورايت شابين يلاعبان كلبا صغيراعلى البلاج وفتاة ذهبية الشعر كانت تضحك عاليا وهي تسبح عجبا ان بعض الذكريات تطفو فجأة كأنها الصور المتحركة
- حسنا جدا ..وبعد ذلك..ألم ترشيئا امام البيت او في الحديقة او عندما خرجت لتصدير رسائلك ؟
- رايت في الحديقة البستاني يروي الشجر وكدت اصطدم بصبي يركب دراجة اثناء ذهابي الى بابيتون وسمعت امرأة تتشاجر بصوت مرتفع مع صديق لها هذا كل ما اتدكر
والتفت بوارو الى المس جراي وقال لها :
- وانت يا مس جراي ؟
فقالت بصوتها الواضح الرزين :
- فرغت من مراسلات السير سيرميكال في الصباح وحدثت مع مدبرة البيت في البرنامج اليومي وكتبت بعض الرسائل وانشغلت بعد الظهر ببعض اشغال الإبرة والواقع ان من العسير ان اذكر كل شيء فقد كان اليوم من الأيام الرتيبة العادية واخيرا اويت الى فراشي في ساعة مبكرة
- وانت يا مس بارنارد ألا يمكن ان تتذكري ماذا حدث في آخر مرة رايت فيها اختك ؟
- رايتها قبل وفاتها بأسبوع وكنت قد عدت الى البيت لأقضي نهاية الأسبوع يومي السبت والأحد وكان الجو لطيفا فذهبنا الى مصيف هاستجز حيث سبحنا في بحيرته المشهورة
- وعن اي شيء كان حديثكما معظم الوقت ؟
- عنفتها كثيرا على ميلها الى اللهو والعبث بلا تحفظ
- وماذا ايضا ؟ عن اي شيء كان حديثها هي ؟
- تحدثت عن ضيق ذات يدها وعن قبعة جديدة وفساتين للصيف وعن دونالد قليلا وقالت ايضا انها
لا تحب زميلتها في العمل ميللي هيجلي وضحكنا كثيرا على تصرفات مارون مديرة المقهى ثم لا أتذكر اكثر من هذا
- معذرة يا مستر فريزر ..ألم تذكر لك مس بارنارد اي شيء عن رجل ما كانت تنوي ان تقابله ؟
فقالت ميجان بصوت جاف :
- انها ما كانت لتجرؤ ان تقول لي شيئا من هذا القبيل
واستدار بوارو الى دونالد فريزر بشعره الأحمر وقال :
- مستر فريزر ة..عندما ذهبت لإنتظار بيتي حتى تخرج من المقهى ألم تشاهد احدا لفت نظرك بصفة خاصة ؟
- لا ..كان المصيفون كثيرين
- ألم يلفت نظرك شخص معين منهم ؟..حاول ان تعتصر ذهنك فقال الشاب بعناد :
- لم أر غير اشخاص عاديين لم يكن بينهم واحد يلفت النظر
- وانت يا ماري دراور اعتقد ان خالتك كانت تراسلك
- أجل سيدي
- متى آخر رسالة ارسلتها اليك ؟
ففكرت مار برهة قبل ان تجيب قائلة :
- قبل وفاتها بيومين
- وماذا قالت فيها ؟
- قالت ان الشيطان العجوز _تعني زوجها_ حاول ان يبتز منها المال زيادة عن المبلغ المتفق عليه ولكنها افزعته وجعلته يهرب عن وجهها وانها كانت تتوقع حضوري اليها يوم الأربعاء يوم عطلتي الأسبوعية لنذهب الى السينما وكان ذلك يوم عيد ميلادي ايضا يا سيدي
وطفرت الدموع في عيني ماري ولكنها سرعان ما تمالكت نفسها ثم قالت :
- معذرة يا سيدي ..لقد غلبني الحزن على امري وان بعض الذكريات ...فقال كلارك :
- اني ادرك شعورك يا مس دراور فان بعض الذكريات البسيطة قد يكون لها اكبر الأثر على النفس ..فمثلا انا لاانسى ما حييت منظر سيدة صدمتها سيارة كبيرة فقتلتها وكانت جثتها ملقاة وبجانبها حذاء جديد تناثر من صندوقه لقد خيل الي ان الحذاء يرقد في حزن واسى بجوار السيدة التي ماتت قبل ان ترتديه
وهنا هتفت ميجان قائللة بشيء من الحماس :
- هذه هي الحقيقة..نعم هذا ما يحدث حقا لقد حدث نفس الشيء لأختي بيتي ذلك ان امي كانت قد اشترت جوربين لتقدمهم اليها هذية اشترتها في نفس يوم مصرعها وقد رايت اتي بعد ذلك وهي تمسك الجوربين وتبكي بحرارة وتقول "اشتريت هذين لبيتي ؟ اشتريت هذين لبيتي ولكنها لم تراهما"
وتململ دونالد فريزر في مقعده وبادرت تورا جراي الى تغيير مجرى الحديث قائلة :
- ألا تفكر في وضع خطة معينة للمستقبل ؟
فقال فرانكلين كلارك وقد استعاد حالته الطبيعية
- طبعا طبعا فعندما تصل الرسالة الرابعة يجب ان نوحد جهودنا والى ان يحدث هذا ارجو ان يحاول كل منا ان يستعيد في ذهنه كل الذكريات عن حياته قبل وقوع كل جريمة مباشرة وما راي المسيو بوارو اخيرا ؟
- ان لدي بعض المقترحات
فأسرع فرانكلين كلارك وتناول من جيبه مفكرة وقلما وقال :
- عظيم جدا..اذكرها لنا بالترتيب
- اعتقد ان الجرسونة ميللي هيجلي ربما تعرف شيئا قد يفيدنا في هذا الموضوع
فقال كلارك وهو يكتب : 1-ميللي هيجلي
واقترح طريقتين لإستدراجها الى الحديث اما ان تثيرها الآنسة ميجان حتى تدفعها الى الإفضاء بكل ما تعرفه عن بيتي وعندئذ قد نعرف الرجل المجهول الذي قيل انها تنزهت معه مرتين واما ان يقترب المستر فريزر اليها ويتظاهر بمغازلتها ويستدرجها للحديث عن بيتي في هذا الشأن
وهنا قال دونالد فريزر
- هل هذا ضروري ؟
- لا ليس ضروريا ولكنه مجرد محاولة
وعندئذ اسرع فرانكلين كلارك يقول
- هل أجرب انا هذه الطريقة مع ميللي هيجلي يا مسيو بوارو ؟ فان لي وسائلي الخاصة في الحديث الجذاب مع الفتيات..
وقالت تورا جراي بحدة :
- وهل ليك وقت فراغ كاف للقيام بمثل هذه المحاولات ؟
فتلاشت الإبتسامة من وجه فرانكلين وهو يقول متراجعا :
- آه ..صدقت يا تورا..ان اعمالي كثيرة في هذه الأيام..
وقال بوارو :
- أعتقد انه لايوجد شيء كثير يحتاج الى اهتمام خاص في البيت يا مستر كلارك وربما كان في مقدور المس جراي ان تحل محلك في القيام...
فقاطعته تورا جراي بقولها :
- ولكني تركت عملي في قصر السير سيرميكال كلارك
- آه انني لم اعرف هذا
وقال فرانكلين كلارك :
- من الطبيعي ان تفضل المس جراي البحث عن عمل مناسب في لندن بعد وفاة اخي
فتنقل بوارو بنظراته الحادة بين الإثنين ثم قال فجأة :
- كيف حال الليدي كلارك ؟
واضطرم وجه تورا جراي بينما قال فرانكلين كلارك :
- في اسوأ حال ..وبهذه المناسبة هل يمكنك يا مسيو بوارو ان تذهب لمقابلتها لقد اعربت عن رغبتها في رؤيتك
- بكل تاكيد يا مستر فرانكلين كلارك...هل يمكن ان اقوم بزيارتها بعد غد ؟
- حسنا ..لسوف اخبر الممرضة بذلك حتى تجعلها في حالة تستطيع معها ان تقابلك
واستدار بوارو الى ماري دراور وقال :
- وانت يا مس دراور اعتقد ان في مقدورك ان تقدمي لنا خدمة جليلة اذا ذهبت وتحدثت مع بعض الأطفال من جيران خالتك في اندوفر
فقالت ماري بدهشة :
- الأطفال ؟
- نعم ان الأطفال عادة ينفرون من الغرباء ولكنهم لن ينفروا من الحديث معك ومن المحتمل جدا ان يكون احدهم قد راى شخصا غريبا عن البلدة وهو يذخل دكان خالتك او وهو يحوم حوله
وقال كلارك :
- وماذا عني وعن المس جراي هذا اذا لم اذهب الى بكسهيل
ولما تردد بوارو برهة قال كلارك مستطردا:
- مارايك لو انني نشرت اعلانا في الصحف موجها الى المجرم المجهول اقول له فيه ان هيركيول بوارو يعرف عنه الكثير وان في مقدوري انقاذه اذا ما ذفع مائة جنيه وليكن نص الأعلان هكذا " رسالة عاجلة الى ا.ب.س ان ه.ب وراءك مائة لسكوتي اتصل ب"ل.م.ن" انها فكرة بدائية ولكنها قد تفيد"
- هذا ممكن جدا
- ان هذا الإعلان قد يغريه باطلاق النار علي
فقالت تورا جراي بحدة :
- انها فكرة خطرة وحمقاء
- ما رايك يا مسيو بوارو ؟
فابتسم بوارو وقال ؟
- اعتقد انه لاضرر منها ومعذرة يا مستر كلارك فانه يلوح لي انك ما زلت طفلا في اعماق نفسك
فاضطرم وجه فرانكلين كلارك وقال وهو يكتب في مفكرته :
- حسنا ..ان البرنامج الآن هو :
أ المس بارنارد مع المس هيلي
ب المستر فريزر مع المس هيجلي
س المس دراور مع أطفال اندوفر
د الإعلان
ورغم ان هذا البرنامج كان في رايي لن يؤدي الى شيء مهم الا انني رايت انه لن يؤدي الى ضرر في الوقت نفسه.
وبعد لحظات قليلة انفض الإجتماع.

يتبع

MA7MOUD
10-12-2010, 12:16 AM
الفصل العاشر

الرسالة الرابعة

كان طابع الحزن واضحا على قصر السير سيرميكال كلارك عندما ذهبنا في الموعد المحدد لمقابلة الليدي كلارك ولعل جو سبتمبر المقبض كان له اثر في شعورنا بذلك الطابع الحزين النخيم على القصر وكانت معظم غرفاته مغلقة والستائر مسدلة على نوافذها كما ان الغرفة التي جلسنا ننتظر فيها كانت رطبة كئيبة
واقبلت ممرضة محترفة ينم مظهرها على الكفاءة وقالت :
- المسيو بوارو ؟ انني الممرضة كابستيك ..وقد تلقيت رسالتك التي ذكرت فيها موعد حضورك لزيارة الليدي كلارك
- أرجو ان تكون في حالة صحية تسمح بمثل هذه الزيارة
- الواقع ان حالتها الصحية احسن قليلا
- اني سعيد إذ اسمع هذا
- الواقع ان الدكتور ليجون اتبع معها طريقة جديدة للعلاج..ورغم ان التحسن بطىء الا انه واضح
ولكن يقال انها لن تسترد صحتها مهما يكن الحال
فقالت الممرضة وقد صدمها هذا الحديث الصريح :
- ان الإنسان مهما بلغت براعته في الشؤون الطبية لايستطيع ان يصدر حكما جازما كهذا
- ولكني اعتقد ان وفاة زوجها كانت صدمة عنيفة لها
- ربما يكون هذا صحيحا لو انها كانت في حالتها الطبيعية اما وهي الآن في شبه غيبوبة فاعتقد ان الصدمة ليست بالقوة التي تظنها
- اسمحي لي ان اوجه اليك هذا السؤال يا مس كابستيك
- هل كانت الليدي كلارك شديدة التعلق بزوجها ؟
- أوه أجل ..لقد كان الإثنان زوجين سعيدين ولاعجب ان شعر المسكين السير سيرميكال بأشد
الجزع عليها حين علم حقيقة مرضها..ويمكن القول ان احزانه بسببها كانت بالغة جدا في اول الأمر
- في اول الأمر ؟ وبعد ذلك ؟
- لاتنس ان الإنسان يتعود على كل شيء حتى على المرض المزمن وقد اعتاد السير سيرميكال على مرض زوجته فخفت احزانه بعد الصدمة الأولى ثم لاتنس هوايته في جمع الخزف الثمين ..وليس كالهواية عزاء للإنسان في مثل هذه الكوارث لقد كانت تشغله كثيرا لاسيما عندما يذهب الى المزدادات الكبيرة في لندن او عندما يقضي الساعات الطوال مع المس جراي في تصنيف المجموعات وترتيبها
- آه..المس جراي لقد تركت الخدمة هنا كما علمت
- نعم وانه لأمر يدعو للأسف ولكن للزوجة عذرها لاسيما إذا كانت مريضة حين يمتلىء راسها بالهواجس والشكوك واني لشديدة الإعجاب بالمس جراي عندما رفضت ان تناقش الليدي كلارك فاعتزلت الخدمة فورا
- اذن فالليدي كلارك هي التي امرت بطردها؟
- طبعا
- هل كانت تكرهها دائما ؟
- لا لم تكن تكرهها في اول الأمر بل على العكس كانت تميل اليها ...حسنا كفى ثرثرة من جانبي الآن...ان الليدي كلارك في انتظاركما وصعدنا معها الى غرفة بالطابق الأول وكانت غرفة مضيئة لطيفة جيدة الأثاث وقد راينا فيها الليدي كلارك جالسة على مقعد وثير بالقرب من النافذة وكان وجهها الهضيم ينم على الألم والإرهاق كما كانت شاردة زائغة النظرات
قالت الممرضة :
- هذا هو المسيو بوارو الذي اردت ان يزورك
فقالت السيدة في غموض وذهول :
- آه نعم ..المسيو بوارو
ولما صافحته قال وهو يقدمني اليها :
- هذا صديقي هاستنغز يا ليدي كلارك
- كيف حالك يا كابتن هاستنغز ..ولاح لي انها استغرقت فجأة في غيبوبة بعدما جلسنا على مقعدين بالقرب منها.
ولكنها لم تلبث ان هزت راسها كأنما تفيق من حلم ثم تقول :
- اننا سنتحدث عن كار ...اليس كذلك عن مقتل كار
ثم تنهدت وهي تهز راسها كأنما تتحدث الى شخص مجهول واستطردت تقول :
- من كان يظن ان نهايتنا ستكون هكذا نهايته ستكون قبل نهايتي ؟ ولكنها الدنيا
ومرة اخرى عادت تقول وكأنما تحدث نفسها :
- لم اكن اصدق ابدا انه سيموت في الستين لقد كان يتمتع بصحة جيدة وان من يراه كان يحسبه في الأربعين من عمره ..ولكن.
وبعد برهة صمت أخرى طويلة قالت فجأة :
- نعم انني شاكرة لكما لحضوركما لقد طلبت من فرانكلين ان اراك يا مسيو بوارو ووعدني بان يبلغك رغبتي وكل ما ارجوه الا يرتكب حماقة من هذه الحماقات التي يندم عليها الرجل فيما بعد لاسيما في مسالة الزواج انه رغم بلوغه الأربعين من العمر سهل الإنقياد واعتقد ان معظم الرجال هكذا امام الفتيات الجميلات وهذا يدل على انهم اطفال في اعماق نفوسهم ولاسيما فرانكلين انه دائما طفل رغم مرور الأعوام
فقال بوارو :
- اعتقد انه مندفع بطبيعته
- أجل أجل انه مندفع وعلى جانب كبير من الشهامة لا سيما مع الفتيات وانا اعتبر ان هذه ليست
شهامة وانما حماقة ..وهكذا كان كار ..ايضا
وتلاشى صوتها قليلا وعاد الى الصمت وبعد برهة تمتمت قائلة :
- ام المرض قاس لاسيما إذا كان مصحوبا بنوبات من الألم فالمريض يعيش في قلق دائم لايعرف متى ستهاجمه النوبة التالية وهل سيهاجمه الألم او سيتوقف نهائيا ...آه ...معذرة
- انني اقدر مشاعرك يا ليدي كلارك والحياة مليئة بالمآسي
- أجل أجل ولكن المرض يجعلني اذهل عما حولي في بعض الأحيان عن اي شيء كنا نتحدث ؟ آه
نعم..
- عن شيء يتعلق بوفاة زوجك
- وفاة كار مقتله..يا للمسكين ويا للمجرم المسكين لاشك انه مجنون ولاشك ان جنونه نشأ بسبب هذه الحياة المليئة بالسرعة والضجيج التي نعيش فيها هذه الأيام انها حياة لم تعد تطاق اني دائما اشفق على المجانين فلا شك ان عقولهم المضطربة تثير فيهم اغرب الإنفعالات ثم ان سجنهم في مكان منعزل امر رهيب مزعج ولكن ماذا يمكن للمجتمع ان يفعل غير هذا ؟ لاسيما إذا بدأوا يقتلون الأبرياء
ثم التفتت نحو بوارو وسالته فجأة :
- الم تقبضوا عليه بعد ؟
- لا لم نقبض عليه بعد
- لابد انه كان يتسكع بالقرب من القصر في ذلك اليوم
- اننا في موسم الإصطياف يا ليدي كلارك والغرباء عن البلدة يكثرون بطبيعة الحال
- أجل أجل نسيت هذا ولكنهم عادة يبقون عند الشواطىء ولايصعدون الى المنزل
- لم يقترب من المنزل احد الغرباء في ذلك اليوم يا ليدي كلارك على كل حال
فقالت السيدة بحماس مفاجىء :
- من قال هذا ؟
فأجاب بوارو مدهوشا :
- الخدم و..المس جراي
- هذه الفتاة كاذبة
وحملقت الى الليدي كلارك مدهوشا بدوري بينما استطردت هي تقول :
- انني لا احبها ولم احبها ابدا وكان كار شديد الإعجاب بها وبكفاءتها وكان يقول دائما انها فتاة يتيمة
وحيدة في الحياة وما عيب اليتم انه احيانا يكون رحمة وبركة عندما يكون الأبناء والد سكير عربيد فاسد الأخلاق وام بلهاء
وحاولت الممرضة ان تهدىء ثائرتها ولكن الليدي كلارك استطردي قائلة :
- لقد امرت بفصلها من الخدمة بعد وفاة كار مباشرة والعجيب ان فرانكلين حاول بكل وقاحة ان يبقيها ويقنعني انها قد تكون ذات فائدة لي انه احمق مندفع انه طفل في قرارة نفسه وانا لا اريد ان يختلط بفتاة ذات اهداف بعيدة مثلها لقد امرت باعطائها مرتب ثلاثة اشهر وخروجها من البيت فورا وقد ذهبت وهي تتظاهر باللطف والدعة يا لها من فتاة داهية
ومرة ارخى بذلت الممرضة جهدها لتهدئة الليدي كلارك فلما هدأت قال بوارو :
- لماذا قلت انها كاذبة يا ليدي كلارك ؟
- لأن هذه هي الحقيقة ..الم تقل لكم انه لم يقترب احد الغرباء من القصر في ذلك اليوم ؟
- نعم
- حسنا جدا ..لقد رايتها بنفسي ..بعيني هاتين من هذه النافذة تتحدث مع رجل غريب تماما عن الناحية امام مدخل البيت
- متى كان هذا ؟
- في صباح اليوم الذي قتل فيه زوجي في نحو الساعة الحادية عشرة صباحا
- وماذا كان شكل الرجل ؟
- كان رجلا عاديا لايميزه شيء عن غيره
- هل كان سيدا او بائعا ؟
- لا لم يكن بائعا ولكنه كان رجلا رقيق الحال كما بدأ من ملابسه
واختلج وجهها بألأم مفاجىء فقالت الممرضة لنا ؟
- ارجو ان تتركاها لتستريح الآن
وقطعنا الرجاء ..وخرجنا
وقلت لبوارو ونحن في طريق العودة الى لندن :
- هذه حكاية غريبة جدا اعني حكاية المس جراي والرجل الغريب
- أرايت يا هاستنغز ان كل شيء يثبث ما كنت اقوله لك كثيرا وهوانه لابد ان يحدث امر ينير السبيل امام العدالة
- لماذا كذبت الفتاة وقالت انها لم تر احد الغرباء في ذلك اليوم ؟
- ان ابسط ما يمكن ان نفعله في هذا الشأن هو ان نسالها
- لنفرض انها كذبت مرة اخرى
- في هذه الحالة ستزداد الأمور وضوحا
- انني يا بوارو لا اصدق ان يكون لفتاة كهذه علاقة برجل مجنون
- تماما وهذا هو رايي ايضا
ومرة اخرى راح بوارو يستعرض الجرائم الثلاث ويحاول عبثا ان يجد رابط بينها رابطة اخرى ارتكاب شخص واحد لها
ووصلنا اخيرا الى مسكنه في عمارات هويتهافن وقبل ان نذخل المسكن قيل لنا ان فيه رجلا ينتظرنا بداخله
وتوقعت ان يكون الضيف المنتظر فرانكلين كلارك او المفتش جاب ولكن لشدة ماكانت دهشتي حين رايته الشاب دونالد فريزر الذي نهض لإستقبالنا في شيء من الإرتباك
ولم يضغط بوارو عليه لكي يدلي بالأقوال التي جاء من اجلها وانما دعاه الى مشاركتنا في وجبة الاطعام خفيفة مع بعض كؤوس من الشراب وبعد ذلك قال له :
- لقد جئت من بكسهيل يا مستر فريزر اليس كذلك ؟
- أجل
- هل نجحت مع ميللي هيجلي ؟
- ميللي هيجلي ؟ انني في الواقع ..انني لم ارها
ثم انفجر قائلا :
- بل انني في الحقيقة لا اعرف لماذا جئت الى هنا
فقال بوارو :
- انا اعرف..
- كيف يمكنك ان تعرف ؟
- لقد جئت لأن لديك اقوالا لابد ان تدلي بها الى احد ..وانا الشخص الذي ينبغي ان تدلي بها اليه
- اتعتقد هذا ؟
- تماما..
وصمت الشاب برهة قبل ان يقول في خجل :
- أتؤمن بالأحلام يا مسيو بوارو ؟
وكان هذا آخر ما توقعت ان اسمعه ولكن بوارو كما لاح لي لم يدهش وانما قال بهدوء :
- نعم..هل رايت حلما ؟
- أجل..وكان طبيعيا ان احلم بها ولكن ليس طبيعي ان يكون الحلم على هذا النحو الفظيع
- اخبرني به ..
- كنت دائما احلم انني على البلاج انتظر عودة بيتي من غيبتها وكنت واثقا في الحلم طبعا انها ستعود يوما وكان اشد ما يهمني ان اعيد اليها حزامها يا الهي..
- وبعد ؟
- وتغير الحلم ليلة امس ..فرايتها جالسة على الشاطىء ولكنها لم تشعر بي وانا اقترب منها يا الهي..لقد فاجأتها من الخلف ولففت الحزام حول عنقها وخنقتها به
واخفى الشاب وجهه بين يديه وقال :
- ولما ماتت تبينت انها لم تكن بيتي وانما اختها ميجان
ورفع الشاب راسه وقال في الم :
- فما معنى هذا يا مسيو بوارو ؟
- اشرب كاسك ..
وعاد الشاب يسال بعد ان اطاع الأمر
- اخبرني يا مسيو بوارو ..ما معنى هذا ؟
ولم اعرف بماذا اجاب بوارو لأني في تلك اللحظة سمعت طرقات ساعي البريد على صندوق بوارو الخاص
فاندفعت الى الصندوق وما كدت اتناول الرسالة التي وجدتها فيه حتى نسيت كل ما سمعت من دونالد فريزر وانطلقت عائدا اجري الى بوارو وانا اهتف قائلا :
- لقد وصلت الرسالة الرابعة يا بوارو
فوثب واقفا واختطف الرسالة وفتحها وقرأ ما يلي بصوت مسموع :
" يا لك من مسكين يا بوارو ؟ انني حزين من اجلك
" يجب يا رجل ان تتحرك ..فان الطريق لايزال طويلا امامنا
" هل يكون مسرح الجريمة التالية مدينة تيبرري ؟
" لا..لا..ان هذا الحرف لا يزال بعيدا
" اذن ليكن موعدنا في بلدة دونكاستر في الحادي عشر من هذا الشهر .وداعا "

المخلص دائما "ا.ب.س"






الفصل الحادي عشر

دهاء المجرم


لم يكن في مقدور بوارو او رجال المباحث ان يفعلوا شيئا قبل وصول الرسالة الرابعة إلا الإنتظار ..وكانت هذه الفترة مرهقة للأعصاب الى حد مزعج ولكن ما ان وصلت الرسالة الرابعة حتى انطلقت جميع القوى ككلاب الصيد لمطاردة الفريسة
لقد اسرع المفتش كروم بالقدوم الى مسكن بوارو وفيما هو يبحث الموضوع معه اقبل فرانكلين كلارك وميجان بارنارد ..
قال كروم لبوارو :
- سوف آخذ هذه الرسالة معي يا مسيو بوارو ..يمكنك ان تحتفظ بنسخة منها إذا شئت
- لا لاداعي لهذا
وسال فرانكلين المفتش كروم قائلا :
- ماذا تنوي ان تفعل يا مستر كروم ؟
- ان اليوم الحادي عشر يوافق يوم الأربعاء من الأسبوع التالي وهي فترة كافية لنثير اهتمام الراي العام ونجعل الجميع يتعاونون معنا لمطاردة هذا المجنون ولاشك ان كل مخلوق يبدأ اسمه بالحرف "د" سيكون على حذر كما اننا سنملأ البلدة برجال المباحث في ملابس مدنية..وقد بدأنا فعلا في اتخاذ هذه الخطوة
فقال فرانكلين كلارك :
- من السهل ان يعرف الإنسان انك رجل لا تهوى الألعاب الرياضية يا سيدي المفتش
- ماذا تعني يا مستر كلارك ؟
- لأنك لاتعرف ان يوم الأربعاء التالي هو يوم الحفلة الرياضية السنوية في دونكاستر وان سباق الخيل المعروف باسم سانت ليجير سيجري في ذلك اليوم عندئذ قال المفتش في حيرة
- آه نعم هذا حق
- ان "ا.ب.س" ليس بالرجل الأبله وان كان مجنونا
وخيم الصمت علينا برهة كنا خلالها نتصور بلدة دونكاستر وهي تزدحم بمجموع هواة الرياضة وسباق الخيل الوافدين من كل حدب وصوب
وقال كلارك اخيرا
- اعتقد ان الجريمة ستتم في حلبة سباق الخيل وربما اثناء انطلاق الجياد في مضمار السباق
فنهض المفتش قائلا :
- هذا من سوء الحظ
وتناول قبعته وانصرف ..وسمعناه يتبادل الحديث في الردهة الخارجية مع شخصية نسائية ولم تلبث تورا جراي ان اقبلت قائلة بانفاس لاهثة :
- اخبرني المفتش كروم ان الرسالة قد وصلت
واجاب فرانكلين كلارك هذه المرة بينما كانت تورا تخلع معطف المطر :
- انها بلدة دونكاستر هذه المرة وفي اليوم الحادي عشر من هذا الشهر اي في عيد سانت ليجير
وقال بوارو
- لايجب يا ابنائي ان نفقد الأمل ..لسوف نبذل جهودنا لنحول دون وقوع هذه الجريمة باي ثمن .ومهما يكن ازدحام البلدة في ذلك اليوم بهواة الرياضة فان الضجة التي ستثيرها الصحافة تجعل كل شخص في تلك البلدة لاسيما الذي يبدأ اسمه بالحرف "د" يشك في الواقف بجانبه ..انني واثق ان نهاية المجرم المجهول قد اقتربت
وتنهدت تورا جراي وقالت :
- لو اننا فقط نعرف عنه شيئا لو اننا نعرف فقط ما اذا كان طويلا او قصيرا عجوزا او شابا
وفجأة قال بوارو لها
- بهذه المناسبة يا مس جراي هل انت واثقة تماما انك لم تري شخصا غريبا بالقرب من المنزل في يوم مقتل السير سيرميكال كلارك ؟
- نعم كل الثقة
- عجبا ولكن الليدي كلارك شاهدتك من نافذتها وانت واقفة امام مدخل القصر تتحدثين الى رجل غريب
- لابد ان تكون اللديدي كلارك واهمة ..أوهولكن
واضطرم وجه تورا جراي وقالت بسرعة :
- لقد تذكرت ..تذكرت..يا لي من حمقاء الواقع انني نسيت هذا الرجل ولكني اعتقد انه ليس للأمر هذه الأهمية كلها انه مجرد مندوب لبيع الجوارب رجل من المحاربين القدماء الذين يكتسبون رزقهم ببيع بعض منتجات الشركات وكان قد اعترض سبيلي وانا في طريقي الى مدخل القصر ولكنني اعتذرت له ولم اشتر منه شيئا ..انه رجل مسالم هادىء من النوع الذي لايترك في النفس اي اثر
وكان بوارو في تلك اللحظة يضع راسه بين يديه ويهتز الى الأمام والى الخلف وهو يتمتم لنفسه " جوارب جوارب..ولا شيء غير الجوارب منذ ثلاثة اشهر سمعت هذه الكلمة وسمعتها منذ ايام وهانذا اسمعها الآن.."
وانتصب في جلسته ورمقني بنظرة حادة وقال :
- اتتدكر يا هاستنغز عندما كنا في اندوفر وعندما دخلنا الدكان وصعدنا الغرفة نوم المسز آسكر الواقعة خلفه وراينا على المقعد زوجا من الجوارب الجديدة واني لأدكر الآن انني اهتممت لسبب ما عندما حدثني يا مس بارنارد عن والدتك التي اشترت زوجين من الجوارب لأختك بيتي وعن بكائها الحار لأنها اي بيتي ماتت قبل ان تراها وكان ذلك في نفس يوم الحادث
وتوقف بوارو قليلا عن الحديث ثم راح يدور بعينيه في وجوهنا قبل ان يستطرد قائلا :
- اترون ؟ لقد تكرر هذا الأمر ثلاث مرات فلا يمكن ان يكون مجرد مصادفة ..والآن اخبرني يا مس بارنارد هل اشترت والدتك الجوارب من متجر او من بائع متجول ؟
- من بائع متجول ..واني اتدكر حديثها عن اولئك المندوبين البؤساء الذين يدورون على المنازل لبيع منتجات بعض الشركات والمصانع
وهنا هتف فرانكلين كلارك قائلا :
- ولكن ما هي العلاقة بين البائع الجوارب المتجول وهذه الجرائم الرهيبة يا مسيو بوارو ؟
فقال بوارو بحماس :
- ساقول لكم ايها الأصدقاء ..ان الأمر لايمكن ان يكون مصادفة لقد وقعت ثلاث جرائم وقبل وقوع كل جريمة كان ثمة رجل يبيع الجوارب في مسرحها فما معنى هذا ؟ معناه انه كان يستكشف الميدان الذي سترتكب فيه الجريمة
ثم استدار نحو تورا جراي وقال بسرعة :
- صفي لنا ذلك الرجل يا مس جراي
فارتسمت الحيرة على وجهها وهي تقول:
- انني لاادري تماما..كان رجلا عاديا ..فوق الأربعين يضع النظارة على عينيه ويرتدي معطفا قديما
- وماذا ايضا يا مس جراي ؟
- لاادكر كان متخفيا فلم ار شيء الكثير من ملامحه المهم انه رجل من النوع الذي لا يترك في النفس اي اثر
فأومأ بوارو براسه وقال :
- صدقت يا آنسة ..ان هذا الرجل هو القاتل فعلا انه الشخصية الباهتة التي لا تثير الإنتباه فارادت ان تثبت وجودها بهذه الجرائم الرهيبة
جلس المستر الكسندر بونابرت سوست في مكانه لا يريم وكان طعام الإفطار امامه كاملا باردا لم يلمسه وعلى المائدة صحيفة مفتوحة كان المستر سوست مستغرقا في قرائتها
ونهض من مكانه فجأة وراح يذرع غرفته جيئة وذهابا ثم لم يلبث ان تهالك جالسا على مقعد وثير بجانب النافذة ووضع راسه بين يديه وراح يكتم تأوهات الألم
ولم يسمع صوت صرير الباب وهو يفتح ولا وقع اقدام المسز ماربري صاحبة المسكن المفروش وهي تدخل ثم تقف وتقول :
- مستر سوست ؟ ماذا بك ؟ هل انت مريض ؟
فرفع الرجل راسه وقال :
- لا..لا..لاشيء يا مستر ماربري ..انني فقط متوعك الصحة هذا الصباح
والقت المسز ماربري نظرة على مائدة الإفطار ثم قالت :
- انك لم تلمس طعام افطارك أهو الصداع مرة اخرى ؟
- نعم..نعم..وشيء من الدوار
- انني آسفة من اجلك يا مستر سوست هل ستخرج اليوم الى عملك ايضا ؟
فوثب المستر سوست ناهضا يقول :
- آه نعم ان علي ان اقوم بعمل مهم مهم جدا
ولاحظت المسز ماربري ارتعاد يديه من فرط الإنفعال فقالت :
- وهل ..وهل ستمضي بعيدا اليوم ؟
- لا..انني ذاهب ذاهب ..الى بلدة ..شلتام
والتقطت المستر ماربري الصحيفة الواقعة على الأرض لتعيدها الى المائدة فلما وقعت نظراتها على العناوين الضخمة في الصحيفة الأولى قالت بصوت ينم على الخوف :
- ليس في الصحف اليوم حديث إلا عن الجرائم الأبدية الرهيبة انني اشعر بالإرتعاد كلما قرات عنها واتدكر جرائم "السفاح جاك"
وتحركت شفتا المستر سوست ولكن لم يصدر عنهما صوت فاستطردت السيدة تقول :
- دونكاستر انها البلدة التي قال انه سيرتكب فيها جريمته الرابعة غدا اليس هذا شيئا رهيبا ؟ لو اني كنت اقيم في هذه البلدة واسمي يبدأ بحرف "د" لهربت منها الى اقصى مكان..ما رايك يا مستر سوست ؟
- لا ادري يا مسز ماربري ..لاادري
يقال ان آلاف من رجال الشرطة سيندسون بين المحتفلين بعيد سانث ليجير غدا للبحث عن ذلك المجرم المجهول ..أوه..ان حالتك تسوء يا مستر سوست هل آتي اليك بقليل من البراندي ؟ من رايي الا تخرج اليوم فشد سوست قامته وقال :
- لابد من الخروج اليوم لأني على مواعيد كثيرة ولا مندوحة للإنسان من ان يحافظ على مواعيده اذا اراد ان يثق الناس به ومن طبيعي ان اقوم بكل ما اتخذه من قرارات لأن هذه هي الطريقة الوحيدة التي تضمن النجاح في ميدان العمل
- ولكن اذا شعر الإنسان بالمرض ؟
- انني لست مريضا مجرد صداع بسيط وبعض الدوار لأني لم انم جيدا ولم يسع المسز ماربري الا ان تهز كتفيها وتحمل صحفة الطعام وتغادر الغرفة بينما كان المستر سوست يضع حقيبة سفر صغيرة " بيجامته وادوات الحلاقة وعشر علب مسطحة من الكرتون"
وبعد ان القى نظرة على دليل السكة الحديدية الموضوع على المائدة غادر الغرفة والحقيبة في يده
وفي الصالة وضع قبعته على راسه وارتدى معطفه وهو يتنهد بعمق فانتبهت اليه فتاة كانت خارجة من غرفة في الجانب الآخر فنظرت اليه بقلق وقالت :
- هل تتالم من شيء يا مستر سوست ؟
- لاشيء يا ليلى
- لقد كنت تتنهد بشدة
- لاداعي لأن تقلقي بشاني انني بخير طاب يومك
- طاب يومك يا مستر سوست الى اين انت ذاهب هذه المرة ؟ الى الشاطىء ثانية؟
- لالا بل الى شلتام
- انه مصيف لطيف فعلا ولكن ليس اجمل من توركاي لسوف امضي الصيف القادم فيه وبهذه المناسبة لقد كنت في توركاي عندما وقع حادث قتل السير سيرميكال كلارك اي كنت جد قريب من مسرح الجريمة
- لالا ان توركاي تبعد عن سيرستون نحو ستة او سبعة اميال
- انها مسافة قصيرة جدا ومن يدري فلعلك رايت القاتل دون ان تعرفه آه ماذا بك يا مستر سوست هل انت مريض ؟
- لالا انني بخير شكرا يا مسز ماربري ..وطاب يومك
وقالت ليلى ماربري لنفسها وهي تشيعه بنظراتها :
- انه رجل مسكين يخيل الي ان عقله ليس في حالته الطبيعية

وقال المفتش كروم لمساعده :
- اكتب لي قائمة باسماء جميع منجي الجوارب النسائية ثم اتصل بمديريها واعرف منهم اسماء جميع مندوبي البيع الذين يتعاملون معهم واعني بهم اولئك المندوبين المتجولين.
اهذا كله يتعلق بجرائم ا.ب.س ؟
قال المفتش كروم على مضض :
- اجل..انها فكرة بوارو وربما لاينتهي الى شيء الا انه علينا الا نهمل اية فكرة معقولة
وقال الشاب توم هاريتيجان لخطيبته ليلى ماربري :
- لقد رايت في الصباح نزيلكم العجوز العجيب
- من تعني ؟ المستر سوست ؟
- رايته في بلدة اوستن يبدو كدجاجة الضالة كالمعتاد اعتقد ان هذا المسكين نصف مجنون ولابد ان يكون معه احد يرعاه في الخارج لقد سقطت من يده الصحيفة اولا ثم سقطت منه تدكرة السفر دون ان يشعر اطلاقا فلما اعدتهما اليه شكرني في اضطراب ولكنني اعتقد انه يتعرف علي
- انه لم يرك الا نادرا يا توم ولكن ماذا كنت تفعل في اوستن ؟
- كنت في طريقي منها الى شلتام
- وهكذا كان ايضا المستر سوست
- لا كانت تدكرة سفره تدل على انه ذاهب الى دونكاستر
- بل شلتام
- دونكاستر لقد قرات اسم البلدة بوضوح على التدكرة
- ولكنه قال لي ولأمي انه ذاهب الى شلتام
- ربما سمعتما الإسم الخطأ ولعله ذهب للفرجة على سباق الخيل
- ولكن دونكاستر هي البلدة التي ستحدث فيها الجريمة الرابعة غدا
- لاتجزعي عليه ان اسمه لا يبدأ بحرف "د"
- العجيب انه كان في توركاي بالقرب من سيرستون في المرة السابقة
- انها لمصادفة عجيبة اليس كذلك ؟
وكان الإثنان يتمشيان على طريق نهر التايمس عندما اردف توم هارتيجان قئلا وهو يضحك :
- ولعله كان ايض في بلدة بكسهيل وقت وقوع الجريمة الثانية
فجمعت ليلى ما بين حاجبيها مفكرة ثم قالت :
- كان غائبا عن غرفته فعلا وانا ادكر لأنه كان قد نسي ثوب السباحة وكانت امي ترتقه له وقد قالت لي في اليوم التالي " لقد نسي المستر سوست ثوب السباحة الذي كان ينوي ان ياخذه معه هل سمعت بالفتاة التي وجدت مخنوقة على شاطىء البحر في بكسهيل امس؟"
وهنا ابتسم توم هارتيجان وقال :
- مادام كان ينوي ان ياخد معه ثوب السباحة فلا شك انه ذهب الى احد المصايف يومذاك مارايك فيما لو كان نزيلكم العجوز هذا هو القاتل "ا.ب.س"
فضحكت ليلى وقالت :
- المستر سوست المسكين ؟ انه لايستطيع ان يؤذي ذبابة.

يتبع

هل من قرّاااااءpainterr

MA7MOUD
10-13-2010, 01:11 AM
الفصل الثاني عشر

اليوم المشهود

دونكاستر اعتقد اني سوف اتدكر اليوم الحادي عشر من شهر سبتمبر مدى الحياة
والواقع اني كلما سمعت عن عيد القديس ليجير تدكرت فورا تلك الأحداث الرهيبة المتوالية التي وقعت في ذلك اليوم
لقد كنا هناك في ذلك اليوم ..في دونكاستر . المفتش كروم وجميع معاونيه و آلاف من رجال المباحث وبوارو ودونالد فريزر وفرانكلين كلارك وتورا جراي وميجان بارنارد وماري دراور
وقررنا ان نوسع نطاق البحث بان نتفرق في انحاء البلدة وقد تم الإتفاق على ان يذهب كل من فرانكلين ودونالد فريزر بمفرده وان يصحب بوارو المس جراي الوحيدة بيننا التي سبق ان شاهدت القاتل وان اصحب انا ماري دراور لأن اسمها الثاني _ كما اشار بوارو_ يبدأ بالحرف "د" اذ ليس من المستبعد ان يتعمد المجرم المجهول طعن بوارو في الصميم بقتل واحد من اعوانه
وقال لي بوارو ونحن نفترق :
- اطمئن يا هاستنغز هذه المرة ان النجاح المتواصل سوف يدفع المجرم الى الإيمان بحظه ومن ثم لن يكون شديد الحرص هذه المرة واكبر ظني انه سيرتكب بعض الأخطاء التي ستوقع به في ايدينا
فقلت في شيء من الإرتياب :
- انني اعتقد ان هذا المجرم لن يفي بوعده ويرتكب جريمته الرابعة هذه المرة وهو يدرك احكام الحلقة
فابتسم بوارو وقال :
- ان ذلك المجرم يعاني هذا النوع من الجنون الذي يجعله يصر كل الإصرار على تنفيذ ما وعد به مهما تكن الظروف والأحوال لأنه سيدرك تماما ان تراجعه عن تنفيذ خطته سيعني الفشل وهذا ما لايتفق مع الدوافع التي دفعت به الى ارتكاب هذه الجرائم
- اكبر الظن انه سيكون ماكرا يا بوارو اذا قرر ارتكاب هذه الجريمة الرابعة
- تأكد يا هاستنغز ان عجلة الحظ قد دارت ..وسوف يقع هذه المرة في ايدينا الى اللقاء.

غمغم المستر ليدبتر بخفوت وامتعاض عندما نهض الرجل الجالس بالقرب منه في دار السينما وسار في طريق الخروج وهو يتخطاه متعثرا ثم يزداد تعثرا ويسقط قبعته على المقعد الأمامي ثم ينحني ويلتقطها وينصرف
كل هذا ضيع بعض لحظات ثمينة من مناظر الفيلم " ليس عصفورا" الذي كان المستر ليدبتر ينتظر مشاهدته بفارغ الصبر
وتململ المستر ليدبتر في مقعده وهو يتساءل في نفسه " لماذا لا ينتظر هؤلاء الناس حتى نهاية الفيلم قبل ان ينصرفوا ؟"
حسنا لقد انصرف ذلك الجار المتعثر الثقيل الظل وها هو ذا المستر ليدبتر يستمتع بمتابعة الفيلم حتى نهايته
وتنهد في ارتياح عندما اضيئت الأنوار في الصالة..
ونهض واقفا ببطء وهو يطرف بعينيه
ولم يكن من عادته ان يسرع بمغادرة دار السينما عقب انتهاء الفيلم وانما كان يجب ان يتمهل
حتى يعود الى واقع الحياة تماما ..وتلفت حوله ان الصالة لم تكن مزدحمة ..كان المتفرجون فيها عددا قليلا جدا آه لاشك ان معظم الناس كانوا في تلك الساعة يتفرجون على سباق الخيل احتفالا بعيد سانت ليجير
واستعد المستر ليدبتر للخروج وراء المتفرجين الذين كانوا يتسابقون الى ابواب السينما لاحظ ان الرجل الجالس على المقعد الأمامي بالنسبة له ظل جالسا مطرق الراس وكانه مستغرق في النوم
وشعر المستر ليدبتر بالسخط على مثل هذا الرجل الذي ينام في اثناء عرض فيلم رائع مثل "ليس عصفورا"
وهز كتفيه وسار في طريق الباب ولما وصل اليه وراح ينتظر دوره للخروج..ولم يدر لماذا التفت وراءه الى حيث كان جالسا وعلى اية حال فقد راى جمعا من الناس حول ذلك الرجل الذي ظنه نائما في مقعده
وتردد برهة ثم خرج...
وهكذا فاتته الفرجة على الحادث الذي اقام الراي العام واقعده في جميع انحاء البلاد
لقد تبين لمدير الصالة حين هز الرجل الذي ظنه هو ايضا نائما انه مقتوا بطعنة سكين في القلب.
واجتمع حوله بعض النظارة الذين لم يكونوا قد انصرفوا بعد
وساد الفزع الجميع حين هتف احدهم مشيرا الى دليل ا.ب.س للسكة الحديدة الموضوع بجانب القتيل :
- لقد ارتكب المجرم المجنون جريمته الرابعة.
غارد المستر سوست سينما ريجال وتطلع الى السماء كان الجو في ذلك المساء صحوا ..جميلا
وقال لنفسه مادام الله في سمائه فكل شيء في الأرض على ما يرام وسار في طريقه مبتسما حتى وصل الى فندق بلاك سوان الذي كان ينزل فيه
وصعد السلم الى غرفته الصغيرة الخانقة المطلة على فناء داخلي ومرآب "جراج" للسيارات
واختفت البسمة فجأة من وجهه حين لمح على كم معطفه _بعد دخوله الغرفة_ آثار الدماء
ولما لمسها وجدها لا تزال رطبة ..دماء رطبة
ودس يده في جيب معطفه فاذا هي تخرج ممسكة بسكين حاد طويل النصل ملوث بالدماء ايضا
ودار بعينيه في انحاء الغرفة كحيوان واقع في الفخ
وتهالك جالسا على مقعد قريب وهو يتمتم لنفسه :
- هذه غلطتي انا...
وبدا كانه يتحدث مع شخص مجهول بلهجة التلميذ الذي يلتمس الصفح من ناظر المدرسة
وقعت نظراته على حوض الإغتسال فنهض اليه وخلع معطفه
وملأ الحوض بالماء وراح يغسل المعطف بما فيه من دماء لقد غدا الماء احمر اللون
وفي تلك اللحظات سمع نقرا على الباب
وتسمر في مكانه لايريم وقد لراح يحملق فيما امامه ببلاهة
وفتحت الباب سيدة شابة ممتلئة الجسم ودخلت تحمل ابريقا وتقول :
- معذرة يا سيدي ..هذا هو ماؤك الساخن
واستطاع اخيرا ان يقول لها
- شكرا لقد اغتسلت بالماء البارد
ولما راى نظراتها تقع على الماء الأحمر في الحوض قال في فزع :
- لقد جرحت يدي
وبعد لحظة طويلة طويلة جدا من السكون قالت :
- حسنا يا سيدي
ووقف المستر سوست في مكانه كالتمثال من الحجر
لقد جاءت النهاية اخيرا
وارهف سمعه
هل هم قادمون اليه الآن ؟
ولكنه لم يسمع غير دقات قلبه المضطرب
وتحول جموده فجأة الى حركة دافقة فارتدى معطفه بسرعة وسار على اطراف اصابعه الى الباب وفتحه ثم ارهف السمع مرة اخرى ثم هبط متسسلا السلم وعند نهايته وقف حائرا وفجأة لمح الباب الخلفي المؤدي الى الفناء فانفلت منه وسار متمهلا امام اثنين من السائقين كانا يغسلان سيارتيهما ثم مضى الى شارع جانبي
وظل ينتقل من شارع الى آخر في اتجاه المحطة وهو يتمتم :
- لو ان الحظ يساعدني فاستقل القطار دون ان يتعرف علي احد
كان المفتش كروم جالسا ينصت الى حديث المستر ليدبتر المضطرب - أؤكد لك يا سيدي المفتش ان قلبي يهوي بين ضلوعي كلما فكرت ان القاتل الرهيب كان جالسا بجواري طيلة عرض الفيلم
فتذرع المفتش كروم بالصبر وقال :
- دعنا من هذه التعليقات يا مستر ليدبتر ارجوك ان تحدثني بوضوح هل تقول ان ذلك الرجل انصرف
قبل هنايه الفيلم ؟
- اجل..اجل
- وهل مر بك وتعثر في اثناء مروره ؟
- اجل انني ادرك الآن انه تظاهر بالتعثر ولاشك انه ظعن الرجل الذي كان جالسا امامي وهو يتظاهر بانه يسترد قبعته
- ألم تسمع شيئا لاصيحة ولا آهة ولا شيء ؟
- ربما سمعت شيئا ولكني حسبته الفيلم
- هل تستطيع ان تصف لنا هذا الرجل ؟
- كان رجلا ضخما يزيد طوله على ستة اقدام ..كان ماردا
- اشقر ام خمري اللون ؟
- لست واثقا من هذا..لكنه كان اصلع رهيب المنظر
- هل كان يعرج ؟
- آه مادمت قد دكرتني يا سيدي المفتش فيمكنني ان اقول انه كان يعرج فعلا وادكر ايضا انه كان ملوح الوجه كانه نصف زنجي
- هل كان موجودا في مقعده قبل بدء العرض ؟
- لا لقد حضر بعد بدء الفيلم بقليل عندما اظلمت القاعة
وأومأ المفتش كروم براسه وبعد انصراف المستر ليدبتر قال لمساعده :
- هذا اسوأ انواع الشهود انه على استعداد لأن يقول اي شيء توحي به اليه واكبر الظن انه لايعرف اي شيء عن شكل الرجل ..حسنا..استدع مدير الصالة
واقبل مدير الصالة الذي كان عسكريا سابقا ورفع يده بالتحية فقال له المفتش كروم :
- والآن دعنا يا جيمسون نسمع شهادتك
ورفع جيمسون يده للتحية العسكرية مرة اخرى وقال :
- تماما يا سيدي ..عند قرب انتهاء العرض يا سيدي سمعت ان احد المتفرجين لا يزال جالسا في مقعده في حالة تدل على انه نائم او مريض او اي شيء من هذا القبيل وكان ذلك السيد جالسا في مقعد بالصالة منحنيا على نفسه بشكل يلفت النظر ورايت سيدا آخر واقفا بالقرب منه يقول ان جلسة ذلك السيد الآخر غير طبيعية ولما وضع يده على كتف السيد المنحني على نفسه لاحظت فورا انها تلوثت بالدماء فارسلت من فمي سيلا من اللعنات وأسوأ من هذا يا سيدي اننا وجدنا السيد المنحني على نفسه مقتولا بطعنة في صدره امام القلب والدماء لا تزال تنساب منها وعلى المقعد الذي بجواره دليل ا.ب.س للسكة الحديدية فانتشر الفزع بيننا وبادرنا الى اخطار مركز الشرطة
فقال المفتش كروم :
- حسنا يا جيمسون لقد احسنت التصرف
- شكرا يا سيدي
- الم تلاحظ رجلا غادر الصالة قبل نهاية الفيلم بلحظات ؟
- غادرها كثيرون قبل نهاية العرض يا سيدي
- هل يمكن ان تصفهم ؟
- لااظن ..وانما اعرف منهم فقط المستر جيوفري بان تل والشاب الوسيم بيكر وزوجته الحسناء ولكنني لم الاحظ شخصا بالذات يا سيدي
- هذا امر يؤسف له حسنا يا جيمسون
- شكرا يا سيدي
ورفع جيمسون يده للتحية العسكرية وانصرف
وما كاد ينصرف حتى اقبل رجال الشرطة وقال للمفتش كروم :
- ان المسيو بوارو ومعه سيد آخر يريدان مقابلتك يا سيدي
وقطب كروم جبينه وقال :
- دعهما يدخلان






الفصل الثالث عشر

جريمة دونكاستر

ودخلت وراء بوارو الى مكتب المفتش كروم وبعد ان تبادلنا التحية قال المفتش كروم لبوارو :
- لقد ارتكب المجرم المجهول جريمته الرابعة يا مسيو بوارو
وتسمرنا في اماكننا من فرط الجزع والدهشة بينما قال المفتش مستطردا :
- وفي هذه المرة استخدم السكين اداة للقتل
- وهل وجدتم بجوار القتيل دليل ا.ب.س للسكة الحديدية ؟
- أجل
- وهل عرفتم شخصية القتيل ؟
- أجل لقد أخطأ القاتل المجهول هذه المرة لأن القتيل رجل يدعى جورج ايرسفيلد
- عجبا
- لعله تجاوز حرفا هذه المرة..لنسمع الشاهد التالي فقد عرفت انه يريد الإنصراف بسرعة
ودخل رجل في منتصف العمر وسيم الشكل مضطرب الأعصاب حاول ان يعبر عن اضطرابه بالثرثرة ولكن المفتش كروم ساله قائلا :
- اسمك ايها السيد ؟
- دونز روجر دونز
- مهنتك ؟
- مدرس بمدرسة هايفيلد الثانوية
- اخبرنا الآن بما تعرفه عن الحادث يا مستر دونز
- استطيع ان اقول لكم ما اعرف بكل ايجاز عندما انتهى عرض الفيلم نهضت لأنصرف وكان بالقرب
مني رجل حسبته نائما لأنه كان منحنيا على نفسه وكدت اتعثر في قدميه وانا احاول المرور امامه وفجأة ناديت على مدير الصالة حين خطر لي ان الرجل مريض ولما رفعت يدي عن كيفه رايتها ملوثة بالدماء وادركت فورا انه طعن بسكين نافذة الى القلب وقد لاحظنا _ مدير الصالة وانا_ وجود دليل ا.ب.س للسكة الحديدية على المقعد المجاور وأؤكد لكم ايها السادة ان قلبي كاد يقف من فرط الفزع وقلبي بطبيعته ضعيف
ونظر المفتش كروم الى المستر دونز ثم قال له :
- يمكنك ان تعتبر نفسك سعيد الحظ يا مستر دونز
- لماذا يا سيدي ؟
- قبل ان اخبرك اريد ان اسألك هل كنت جالسا على مقربة من الرجل الذي قتل ؟
- نعم على مسافة مقعدين منه وكنت في اول الأمر جالسا بجواره مباشرة ثم انتقلت الى مقعد ليس امامه احد حتى ارى الفيلم بوضوح
- انك في نفس طول الرجل القتيل وتلف حول عنقك مطرفا صوفيا كما كان الأمر معه
- ولكن ما علاقة هذا كله يا سيدي ؟
فقال المفتش كروم :
- اراهن ان القاتل كان يتبعك انت الى دار السينما وكان ينوي ان يقتلك لأن اسمك يبدأ بحرف"د"
ولكنك حين انتقلت الى مقعد آخر اخطأك وقتل المستر جورج وهو يحسبه انت
ولم يحتمل قلب المستر دونز الضعيف اكثر من هذا فتهالك الرجل على اقرب مقعد اليه وهو يلهث قائلا :
- ماء.... اريد ماء
ولما اسرع احد السقاة اليه بالماء افاق الرجل ..فغمغم وهو ينهض مضطربا :
- لا..لا..اصدق هذا لماذا يريد ان يقتلني اي انسان ..هو او غيره ؟ انني رجل مسالم ..لم اسىء لأحد ابدا..هل تريدون مني شيئا آخر ؟ لا حسنا طاب يومكم ايها السادة طاب يومكم...
واستدعى المفتش كروم احد مساعديه وقال له :
- رايس..ارسل اثنين من رجالنا لحراسة المستر دونز دون ان يشعر فانني اعتقد ان المجرم قد يعمد الى تصحيح غلطته ويحاول القضاء على هذا الرجل
وأومأ بوارو براسه موافقا وقال :
- مادام ذلك المجرم قد بدأ يخطىء فلا شك ان اخطأه سوف تتوالى
- واقبل احد رجال الشرطة وقال :
- في الخارج رجل وسيدة من فندق بلاك سوان لديهما اقوال يردان الإدلاء بها في موضوع الجرائم "ا.ب.س"
- ادخلهما..ادخلهما بسرعة
ودخل صاحب فندق بلاك سوان وكان رجلا ضخما الجسم يدعى المستر بول ومعه سيدة شابة ممتلئة الجسم ينم وجهها عن الإنفعال الشديد
قال الرجل بصوت خفيض غليظ
- ارجو الا اضيع وقتكم الثمين ايها السادة ولكن هذه الفتاة ماري تؤكد ان لديها اقوالا هامة بخصوص المجرم "ا.ب.س"
فقال المفتش كروم :
- حسنا يا فتاتي ما اسمك ؟
- ماري ..ماري ستراود
- ماذا تريدين ان تقولي يا ماري ؟
فنظرت ماري الى صاحب الفندق متسائلة فقال هذا :
- ان عملها في الفندق هو حمل الماء الساخن الى النزلاء وكان لدينا نحو سبعة او ثمانية نزلاء
بعضهم جاء للفرجة على السباق وبعضهم يقيم لأغراض تجارية والآن تكلمي يا فتاة
فقالت ماري ستراود وهي تدير عينيها في وجوه الجميع
- طرقت على الباب ولكن لم يرد علي احد وانا عادة لاادخل الا اذا قال لي النزيل "ادخلي" ولما لم يقل احد شيئا دخلت ووقفت برهة اننظر الى النزيل وهو يغسل يديه في الحوض
وتوقفت عن الحديث فجأة فقال كروم :
- استمري ..وبعد ؟
- قلت له انني جئت بالماء الساخن فقال انه اغتسل بالماء البارد ونظرت الى الماء في الحوض فوجدته يا للهول أحمر
فهتف كروم في اهتمام :
- احمر؟
وهنا تدخل المستر بول في الحديث فقال :
- واخبرتني الفتاة انها راته ايضا ممسكا بكم معطفه كأنما كان يغسله في الحوض لأن الكم كان غارقا بالماء
- تماما يا سيدي وكان وجهه يدل على انه في حالة غير طبيعية
- متى كان ذلك ؟
- في نحو الخامسة والربع مساء او اكثر قليلا
- اي منذ ثلاث ساعات فلماذا لم تات يا مستر بول مع الفتاة فورا ؟
فقال المستر بول :
- لم نسمع بنبأ الجريمة الا اخيرا ولما سمعت الفتاة النبأ تدكرت الماء الأحمر في الحوض فصرخت واخبرتني بما رات فاسرعت الى غرفة ذلك النزيل فلم اجده فيها ولهذا بادرت بالحضور مع ماري
فتناول كروم ورقة وقلما وقال :
- صفي ذلك النزيل بسرعة يا ماري
- رجل متوسط الحجم منحني القامة قليلا يضع على عينيه نظارة طبية
- وملابسه ؟
- بذلة قاتمة اللون وقبعة من نوع هامبرج وتدل ملابسه بوجه عام على رقة الحال
ولم تستطع ماري ان تضيف الى هذا الوصف اكثر من ذلك
وارسل كروم اثنين من رجاله فورا الى فندق بلاك سوان وماهي غير لحظات حتى عادا ومعهما سجل اسماء النزلاء فيه واشار المستر بول صاحب الفندق الى اسم بين الأسماء وقال :
- هذا توقيعه يا سيدي
وتجمعنا حول السجل حيث قرأ المفتش كروم الإسم قائلا
- ا.ب.سوس او سوش
وغمغم بوارو بصوت له دلالته
- اي ا.ب.س
وسال كروم صاحب الفندق قائلا : - الم يترك هذا النزيل شيئا وراءه
- ترك حقيبة سفر متوسطة الحجم فيها ملابس داخلية قليلة ومجموعة من علب الكرتون المسطحة
- علب كرتون مسطحة ؟ ماذا بداخلها ؟
- جوارب نسائية
وهنا التفت كروم الى بوارو وقال :
- اهنئك يا مسيو بوارو
عاد المفتش كروم الى مكتبه في اسكوتلانديار وصلصل جرس التلفون على مكتبه فرفع المسماع حيث صوت عامل التلفون يقول :
- هنا شاب يريد ان يدلي باقوال في قضية ا.ب.س يا سيدي
وتنهد كروم وقال لنفسه كل واحد يريد ان يدلي بشيء في هذه القضية وليتهم يدلون بما يفيد
ثم قال في التلفون :
- دعه يصعد
ودخل احد رجال المباحث يصحب شابا مترددا يقول عنه هذا هو المستر توم هارنيجيان يا سيدي المفتش ان لديه اقوالا عن قضية ا.ب.س
فنهض المفتش وصافح الشاب ثم قال له :
- طاب يومك يا مستر هارنيجيان ..تفضل بالجلوس..هل تدخن ؟ حسنا ..ماذا لديك من اقوال ؟
وجلس توم هارنيجيان وهو كما ندكر خطيب ليلى ماربري ابنة المسز ماربري صاحبة البنسيون الذي يقيم فيه المستر الكسندر بونابرت سوست
جلس توم هذا في شيء من الروع اذ كانت تلك اول مرة يدخل فيها ادارة اسكوتلانديار واخيرا قال :
- ربما لا يكون في اقوالي شيئا ولعلي بذلك اضيع وقتكم الثمين
- هذا ما سوف نعرفه بعد ان نسمع حديثك يا مستر هارنيجيان
- انني يا سيدي خاطب لفتاة شابة تدير امها شقة مفروشة حيث تؤجر غرفتها لبعض النزلاء وتقع في طريق كامدن تاون بلندن كما تعلم يا سيدي
- حسنا بعد
- وهي في الطابق الثاني ..وينزل في احدى الغرف المفروشة منذ عام رجل يدعى سوست
- سوست ؟ آه
- أجل يا سيدي رجل في منتصف العمر غريب الأطوار هادىء الطباع يبدو ان الحياة قست عليه بعض الشيء ويمكنني القول انه من النوع الذي لا يؤذي ذبابة ولهذا ما كان يخطر يبالي ابدا ان اتهمه بشيء لولا بعض الدلالات الغريبة التي لاحظتها عنه
وراح توم في شيء من الإضطراب والإرتباك يحدث المفتش كروم بقصة مقابلته للمستر سوست في اوستن وكيف اعاد اليه صحيفته وتدكرة سفره ثم استطرد يقول :
- اترى يا سيدي لقد كانت ليلى اعني خطيبتي واثقة بانه سيسافر الى شلتام بينما كان مسافرا
كما ظهر من تدكرته الى دونكاستر ولم اهتم بهذا كثيرا في اول الأمر ولكن عندما استطردت في الحديث معها وعلمت منها انه كان في توركاي القريبة من سيرستون عند وقوع الجريمة الثالثة وانه كان غائبا في مكان ما على الشاطىء البحر عند وقوع الجريمة الثانية بكسهيل عندما سمعت هذا بدأ الشلك يخامرني في امره رغم انه في رايي لايستطيع ان يؤذي ذبابة
وبعد برهة وجيزة اسطرد الشاب يقول :
- ولما قرانا نشرة ادارة اسكوتلانديار عن رغبتها في الإستدلال على كل من يبدأ اسمه بالحرفين ا.ب ثم الإسم سوس او سوش اسرعت بالإتصال بالمسز ماربري حيث علمت منها ان نزيلها الغريب
الأطوار المستر سوست يحمل اسما كاملا يبدأ بالحرفين ا.ب وقد دهشنا كثيرا وابينا ان نصدق انفسنا ولكن المسز ماربري كانت واثقة تماما ان نزريلها هذا كان غائبا عن غرفته في الليالي التي وقعت فيها الجرائم الثلاث الأخيرة وراحت هي وابنتها تعتصران ذاكرتيهما لتتذكرا اين كان في اثناء وقوع الجريمة الأولى جريمة اندوفر التي حدثت منذ ثلاثة اشهر وقد تدكرت المسز ماربري ان اخا لها كان قد وصل من كندا في ذلك الحين ولما لم تجد له غرفة يبيبت فيها اقترحت ليلى عليها ان يبيت في غرفة المستر سوست لأنه قال يومذاك انه سيغيب ليلته في الخارج وقد تحرينا تاريخ وصول الباخرة التي اقلت شقيق المسز ماربري الى لندن وعلمنا انها وصلت ميناء ساوثمبتون في صباح اليوم الحادي والعشرين من شهر يونيه الماضي
وكان المفتش كروم ينصت باهتمام الى حديث الشاب ..فلما فرغ من حديثه قال له :
- اهذا كل شيء ؟
- اجل يا سيدي
- لقد احسنت بمجيئك الينا ..اين المستر سوست هذا الآن ؟
اني احب ان التقي به لألقي عليه بعض الأسئلة ..هل هو في غرفته الآن ؟
- اجل يا سيدي
- متى عاد ؟
- من دونكاستر ؟ في ليلة وقوع الجريمة ..وتقول المسز ماربري انه لا يكف عن شراء الصحف ولا عن الحديث عن نفسه
وبعد ان دون المفتش كروم العنوان شكر توم هارنيجيان بحرارة ثم استدعى احد مرؤوسيه - بعد انصراف توم_ وطلب منه ان يرسل ببعض رجال المباحث بمراقبة عنوان المستر سوست
مرة اخرى تلفت المستر سوست حوله في جوانب غرفته المفروشة بمسكن المسز ماربري وبدت عينيه نظرة الحيوان الواقع في الشرك وفجأة نهض وقد قرر ان يخرج ..الى اين ؟ انه لايدري..
وتسلل الى الباب وفتحه ..واطل منه براسه وشعر بالمسز ماربري وهي تتحرك في المطبخ وارهف السمع قليلا ثم سار على اطراف اصابعه وهبط من المسكن الى الباب الخارجي وقتحه ووقف برهة
يتلفت حوله
الى اين يذهب ؟
ومرة اخرى شعر انه لا يدري....





الفصل الرابع عشر

في اسكوتلانديار

ومرة اخرى انعقد مؤتمر في اسكوتلانديار وضم هذا المؤتمر نائب الحكمدار والمفتش كروم والمسيو بوارو وانا وقال نائب الحكمدار لبوارو :
- كانت ضربة معلم تلك التي دكرت فيها موضوع الجوارب النسائية يا مسيو بوارو فقد ثبت بما لايدع للشك ان القاتل كان يتظاهر ببيع الجوارب النسائية
فبسط بوارو يديه وقال :
- كان الأمر واضحا بعد ان سمعت كلمة "الجوارب" تتردد كثيرا على السنة المقربين الى الضحايا
والتفت نائب الحكمدار الى المفتش كروم وقال :
- هل وضحت لك كل غوامض هذه الحالة يا كروم ؟
- كلها تقريبا يا سيدي هل اسرد كل ما لدينا من معلومات حتى الآن ؟
- ارجوك ان تفعل
- لقد ثبت لنا انه كان في فندق ببيت بمصيف توركاي قبل وقوع جريمة سيرستون بيوم واحد وقد سجل اسمه في الفندق "ا.ب.سوست" وثبت انه عاد الى الفندق في ليلة وقوع الجريمة في الساعة العاشرة والنصف مساء اي كان في امكانه ان يستقل قطار الساعة التاسعة والسابعة والخمسين دقيقة من محطة سيرستون فيصل الى محطة توركاي في العشرة وعشر دقائق وصمت المفتش كروم برهة قبل ان يستطرد قائلا :
- وكذلك الحال بشان بكسهيل لقد نزل في فندق جلوب وسجل بنفس الإسم المذكور وعرض جواربه للبيع على اكثر من اثنتي عشرة سيدة منهن المسز بارنارد وغادر الفندق في ساعة مبكرة من مساء وقوع الجريمة ثم عاد الى لندن في الساعة الحادية عشرة والنصف من صباح اليوم التالي ..اما بشان اندوفر فقد نزل في فندق ثيثرز وعرض جواربه على المسز فاولر جارة المسز آسكر _المجني عليها_ كما عرضها على اكثر من خمس سيدات اخريات وقد حصلت على الجوارب الذي اشترته المسز آسكر منه لإهدائها لإبنة اخيها ماري دراور كما يبدو ..حصلت عليه من ماري وثبت انه من نفس الصنف الذي يبيعه المستر سوست
فقال نائب الحكمدار :
- هذا عظيم جدا حتى الآن
- وبعد المعلومات التي ادلى بها توم هارنيجيان ذهبت بنفسي الى مسكن المسز ماربري حيث علمت ان المدعو المستر سوست خرج من غرفته دون ان يشعر به احد وقمت بتفتيش هذه الغرفة وثبت بما لايدع للشك انه المجرم المجهول ..لقد عثرت على رزمة من اوراق الرسائل من نفس النوع الذي كتبت عليه رسائله الى بوارو وكذلك وجدت في ذاخل خزانة الملابس كمية كبيرة من
الجوارب النسائية في علب مسطحة ولفافة بها مجموعة من دليل "ا.ب.س" للسكة الحديدية كلها
جديدة وكانت اللفافة تشبه لفافات علب الجوارب تماما بحيث يظن الذي يراها لأول وهلة انها تضم علب جوارب لا مجموعة من دليل "ا.ب.س" للسكة الحديدية
وقال نائب الحكمدار :
انه حتما مجنون
وقال المفتش كروم بلهجة الإنتصار
- وقد عثرت على شيء آخر عثرت في هذا الصباح فقط ولم تتح لي الفرصة بعد لإبلاغ النبأ رسميا والواقع انني لم اكن انتظر ان اجد السكين المستعملة في الجريمة الأخيرة في غرفته
فقال بوارو :
- مهما بلغت درجة جنونه فلا يعقل ان يخفي السكين في غرفته
- ايا كان الأمر فالمجنون ليس شخصا متزن التفكير ..ومن ثم فلا يستطيع الإنسان ان يحكم على نتائج تصرفاته بالمقدمات المنطقية ولهذا خطر لي انه ربما عاد بالسكين الى مسكنه ولكنه اخفاها في مكان آخر فماذا يمكن ان يكون ذلك المكان الآخر ؟ انه قائمة الصالة والمفروض ان احدا لا يحرك قائمة الصالة عن موضعها وبعد الكثير من الجهد استطعت مع رجالي ان نحرك قائمة الصالة قليلا عن الجدار فوجدنا السكين وراءها..
- نفس السكين ؟
- أجل ..وكانت لم تزل ملوثة بالدماء
فقال نائب الحكمدار :
- احسنت يا كروم لم يبق امامنا غير شيء واحد
- ماهو يا سيدي ؟
- القبض على الرجل نفسه
فقال كروم بلهجة تنم عن الثقة الكاملة
- لسوف يتم هذا في اقرب فرصة
والتفت الى بوارو وقال :
- ما رايك يا مسيو بوارو
وبذا كان بوارو قد تنبه من ذهوله وقال :
- معذرة ماذا تقول ؟
- كنا نقول ان القبض على ذلك المجرم المجنون مسالة وقت ...فما رايك ؟
- اوه نعم ..نعم..بلا شك
وكان صوته ينم عن شرود الفكر فقال نائب الحكمدار :
- هل هناك مايثير قلقك يا مسيو بوارو؟
- ان هناك ما يهمني جدا ان اعرف الإجابة عليه وهو السبب ..المبرر الدافع على هذه الجرائم
فقال نائب الحكمدار في ضجر :
- وكلن الرجل المجنون ...الا يعتبر هذا سببا كافيا ؟
- لايا سيدي ..ان هذا لايعتبر سببا كافيا في رايي
فقال كروم :
- - ربما يتضح لنا السبب عندما نقبض عليه
وقال نائب الحكدار :
- ترى اين هو :

وتوقف المستر سوست بجوار دكان الفاكهة الواقع امام دكان المسز آسكر عبر الشارع وراح ينظر الى دكان المسز آسكر
نعم..ان اللافتة تحمل اسمها بوضوح حلوى وسجائر وصحف وبجانب اللافتة ورقة مكتوبة عليها "للإيجار"
لقد اصبح الدكان خاليا بلا حياة
" معذرة يا سيدي"
قالتها زوجة الفكهاتي للمستر سوست لكي تتناول بعض ثمار الليمون واعتذر لها وتحرك جانبا..
وفي بطء وتمهل راح يسير متثاقلا في اتجاه الطريق العام المؤدي الى خارج البلدة
ان الأمر الشاق ...شاق تماما لأنه لم يعد يمتلك قرشا واحدا
واشق من هذا انه لم يتناول طعاما طوال يومه ويبدو ان الجوع يملأ النفس بمشاعر غريبة ويجعل الراس خفيفا مضطربا
ولاحت منه نظرة الى واجهة "كشك" لبيع الصحف فطالعته العناوين الضخمة عن جرائم "ا.ب.س" الرهيبة وعن المجرم الذي اختفى وعن المؤتمر الذي اشترك فيه هيركيول بوارو مع رجال المباحث
وتمتم المستر سوست لنفسه قائلا "لو ان المسيو بوارو يعرف.."
وعاد يستأنف السير
ولمنه قال لنفسه
- لن استطيع ان امضي هكذا طويلا
انه يحرك قدما امام قدم يا لها من حركة عجيبة غريبة لمن يلاحظها
ولكن اليس كل انسان حيوانا عجيبا غريبا ؟
او ليس هو الكسندر بونابرت سوست حيوانا عجيبا غريبا بوجه خاص ؟
لقد كان هكذا دائما
كان الناس دائما يضحكون منه وعليه..وهو لايستطسع ان ينحني عليهم باللوم ..
الى اين هو ذاهب ؟...انه لايعرف..
لقد وصل الى النهاية ولم يعد في مقدوره ان يرى شيئا غير تحركات قدميه
قدم تمضي امام قدم ورفع راسه وراى اضواء امامه ولافتة كبيرة مكتوبة عليها "مركز الشرطة"
وضحك المستر سوست وقال :
- ماعجب هذا ؟
ثم تقدم نحو المدخل وقبل ان يصل الى اولى درجات السلم تمايل واهتز ثم سقط على الأرض مغشيا عليه

يتبع

MA7MOUD
10-14-2010, 12:10 AM
الفصل الخامس عشر

بوارو يسأل

كان يوما من ايام نوفمبر الصافية الأديم وكان الدكتور ثومبسون وكروم والمفتش جاب قد جاءوا الى مسكن بوارو ليخبروه بآخر تفاصيل قضية "ا.ب.س" وكان بوارو ملازما الفراش بسبب نوبة برد
وقال المفتش جاب :
- لقد حول القاضي التحقيق قضية ا.ب.س الى محكمة الجنايات
وقلت انا :
- هل سيصر الدفاع الى انه مجنون غير مسؤول عن جرائمه ؟
فقال جاب :
- ان الدافع بالمجنون لن يؤدي الى اطلاق سراح المتهم بل سيدفع به الى مصحة الأمراض العقلية حيث لايخرج منها الا بمرسوم
ثم اردف قائلا :
- ولكنني اعتقد ان المحامي المستر لوكاس يرى امام المتهم ثغرة يمكنه النجاة منها وهي اقامة الدليل الحاسم على ان سوست لم يكن في بكسهيل ليلةوقوع الجريمة ولكنه لن يستطيع في رايي ان ينقذ المتهم من حبل المشنقة في نهاية الأمر
وقال بوارو للدكتور ثومبسون :
- مارايك يا دكتور :
- تسالني عن رايي في سوست ؟ انني لا ادري ماذا اقول انه يتظاهر بتمام العقل والحكمة ولم اجد حتى الآن اي عرض من اعراض الجنون في حديثه او تصرفاته ..ولكنه مصاب بداء الصرع
- عجبا
لقد فجأته نوبة الصرع وهو يدخل مركز الشرطة في اندوفر فسالت الطبيب قائلا :
- هل يمكن ان يرتكب المريض بالصرع بعض الأعمال كالجرائم مثلا دون ان يشعر بما يفعل ؟ انني احس انه صادق في انكاره امام المحققين
- لاتنخدع بحركاته واقوالهالمسرحية عندما كان يقسم امام المحققين " بالله العظيم ثلاثا" انه لم يرتكب اية جريمة من هذه الجرائم رايي انه كان على ادراك كامل بما ارتكب
وقال كروم :
- ان تحمس المجرم في الإنكار يكون في كثير من الأحيان دليلا على ادانته
وقال الدكتور ثومبسون
- والدليل الحاسم على ادراكه التام لإرتكابه هذه الجرائم تلك الرسائل التي ارسلها اليك يا مسيو بوارو انها تدل على عقلية تعرف كيف تحكم التدابير
وقال بوارو :
- الم يقل سوست شيئا بخصوص هذه الرسائل بعد ؟
- لا انه لا يزال مصرا على انه لا يعرف من امرها شيئا
- انني شخصيا لن اعتبر القضية منتهية حتى اعرف لماذا اختارني بالذات لكي يرسل هذه الرسائل الي.
- طبعا ..طبعا هذا من حقك
وقال بوارو :
- وذلك الشاهد العجيب المدعو سترانج الا يزال مصرا على قوله بان المتهم كان يلعب الدومنو معه الى ساعة متأخرة من مساء اليوم الرابع والعشرين من يوليو وفي فندق ببلدة ايستبورن ؟
واجاب المفتش جاب الذي كان قد بقي بعد انصراف الدكتور ثومبسون :
- نعم ..انه مصر عليها كل الإصرار هل يهمك امر هذه الشهادة يا بوارو ؟
- كل الأهمية
- ولكنها لاتهمني كثيرا لأني لا اصدقها ..لالا ان المحامي لوكاس سوف يعرف كيف يستفيد منها في دفاعه
- صف لي هذا الشاهد العنيد يا جاب
- انه رجل في نحو الأربعين قوي البنية متين الجسم شديد الثقة بنفسه وبارائه يعمل مهندسا في المناجم وهو الذي تقدم من تلقاء نفسه للشهادة واصر عليها واجل بسببها سفره الى شيلي
فقال بوارو مفكرا :
- اي انه من طراز الرجال الذين يوفضون الإعتراف بالخطأ مهما يكن الحال
فقلت انا وكنت قد سمعت شهادته اثناء التحقيق
- انه من اشد الناس عنادا واصرارا على اقواله لقد اقسم بكل شيء مقدس انه التقى مصادفة بسوست في فندق هوايت كروس ببلدة ايستبورن في مساء اليوم الرابع والعشرين من يوليو الماضي اي في ليلة وقوع جريمة بكسهيل ولما رآه وحيدا بائسا اشفق عليه وراح يتحدث اليه
وبعد طعام العشاء لعبا معا الدومينو ويبدو ان ذلك المدعو سترانج من هواة اللعبة وقد ادهشه وسره ان يجد في سوست غريما بارعا وقد اقسم مرات عديدة انهما ظلا يلعبان ساعات طوالا متوالية وانهما لم يفرغا من اللعب الا في منتصف الليل ولهذا فهو اقسم مرات عديدة بكل ماهو مقدس ان سوست لايمكن ان يكون مرتكب جريمة بكسهيل لأنه كان موجودا معه في ايستبورن
حتى آخر لحظة من الساعة الثانية عشرة مساء اليوم الرابع والعشرين وقد ثبت طبيا ان الجريمة ارتكبت في هذه الساعة فكيف استطاع سوست ان يكون موجودا في مكانين مختلفين في وقت واحد لاسيما ان المسافة بين البلدتين اربعة عشر ميلا ؟
فقال بوارو :
- هذه مسالة تستحق التفكير والتامل
فهز كروم كتفيه وقال :
- حتى لو ظل ذلك المدعو سترانج على شهادته فلا تزل لدينا جريمة دونكاستر بما فيها من السكين الملوثة بالدماء وكم المعطف الذي كان يغسله في الحوض ..انه لن يستطيع ان يجد في هذه الجريمة تغرة واحدة ثم هناك جريمة سيرستون ثم اندوفر ان هذه الجرائم الثلاث الثابثة عليه تدل على انه مرتكب الجريمة في بكسهيل مهما اقسم واصر سترانج على شهادته
وقال جاب :
- ان مهمتك يا مسيو بوارو ان تبين لنا كيف يمكن التوفيق بين اصرار سترانج على شهادته وبين ارتكاب سوست لجريمة بكسهيل
وبعد انصراف النفتش قلت لبوارو :
- ما رايك في هذا كله ؟
- ومارايك انت يا هاستنغز ؟ اتعتبر الموضوع منتهيا ؟
- اعتقد هذا لأن الرجل قد وقع اخيرا والأدلة متوافرة الى حد مذهل
- انني شخصيا لااعتبر الموضوع منتهيا حتى اعرف كل شيء عن ذلك الرجل
- لقد عرف عنه الشيء الكثير
- لا..لا..لم يعرف عنه في الواقع شيء عرفنا اين ولد حقا وانه اشترك في الحرب العالمية الأخيرة
وانه جرح في راسه واعفي من الخدمة بسبب داء الصرع ونعرف انه اقام سنتين في غرفة مفروشة بمسكن المسز ماربري وانه كان دائما هادئا منعزلا من النوع الذي لا يشعر به احد ونعرف انه وضع خطة هذه السلسلة من الجرائم واحكم تنفيذها وانه في النهاية ارتكب عدة اخطاء عجيبة لا يرتكبها
اي مبتدىء في عالم الجريمة ونعرف ايضا انه لم يحاول ان يتهم احدا بارتكاب هذه الجريمة كما تعرف في الوقت نفسه انه كان يقتل ضحاياه بلا رحمة او شفقة اترى يا هاستنغز مبلغ المتناقضات في شخصيته ؟ داهية وابله عطوف وقاس لايرحم هادىء منعزل وجبار سفاك ..هذه متناقضات كلها لابد ان يكون لها عامل اساسي يربط بينها
- اذا كنت تريد ات تحلل نفسيته على هذا النحو فلا شك
فقاطعني بوارو وقال :
- لا..لا..انني في الواقع لا اكاد اعرف عن حقيقته شيئا
- لعل شهوة القتل..
- أجل ..ان هذا الحافز يفسر الشيء الكثير ولكنه لا يقنعني فهناك اشياء كثيرة اريد ان اعرفها عن يقين مثلا : لماذا ارتكب هذه الجرائم ؟ ولماذا اختار هؤلاء الناس بالذات ؟
- لأن اسماءهم مرتبة بالحروف الأبجدية ..
- هل كانت بيتي بارنارد مثلا الفتاة الوحيدة في بكسهيل التي يبدأ اسمها بالحرف "ب" آه لقد خطرت لي فكرة ..لابد انها فكرة صائبة بل يجب ان تكون فكرة صائبة
ثم استغرق في تفكير عميق حتى ظننته نائما ..ويبدو انني الذي نمت لأني لم البث ان تنبهت على يده وهي تربت على كتفي وعلى صوته وهو يهتف بي قائلا :
- يا عزيزي هاستنغز يا ملهمي العبقري
ونظرت اليه في ارتباك لهذا التقدير المفاجىء والإعجاب غير المنتظر اما هو فقد استمر يقول :
- انك تميمة حظ يا هاستنغز انك دائما الذي تلهمني باول ضوء ينير لي السبيل
فسالته قائلا :
- وكيف الهمتك هذه المرة ؟
- بينما كنت القي على نفسي بعض الأسئلة تدكرت ملاحظة سمعتها منك ..ملاحظة وضيئة ملهمة الم القل لك ذات مرة انك عبقري في كلاحظة الأشياء الواضحة وهي نفس الأشياء التي كثيرا نا تفوتني ملاحظتها
- وماهي ملاحظتي الوضيئة الملهمة هذه ؟
- نعم...ملهمة ووضيئة لأنها اوضحت لي كل شيء انني الآن اعرف الإجابة على جميع اسئلتي اعرف السبب الذي من اجله قتلت المسز آسكر - وان كنت اعرف السبب منذ مدة- والسبب الذي من اجله قتل السير سيرميكال كلارك والسبب الذي من اجله وقعت جريمة دونكاستر واخيرا وهذا هو المهم لماذا وقع الإختيار على هيركيول بوارو بالذات لإرسال تلك الرسائل اليه
- هل تسمح وتشرح لي الأمر ؟
- لا ليس الآن اريد اولا ان اجمع بعض المعلومات وربما استطعت جمعها من فرقتنا الخاصة ثم بعد ان ارعف الإجابة على سؤال معين سوف اذهب لزيارة صاحبنا ا.ب.س لسوف اقف معه وجها لوجه ا.ب.س امام هيركيول بوارو
- وبعد ذلك ؟
- وبعد ذلك سنتحدث ..وتأكد يا هاستنغز ان الحديث من اخطر الأسلحة التي تكشف عن مكنونات الصدور ان الحديث _كما قال لي فرنسي عجوز ذات مرة_ من الضروريات التي اخترعها الإنسان لتخفف عنه كثرة التفكير والإنسان يا هاستنغز لا يستطيع ان يقاوم عملية كشف نفسه والإفصاح عن حقيقة شخصيته عن طريق الحديث و كلما زاد من الحديث ازدادت شخصيته وضوحا.
وهنا قلت له :
- ماذا تنتظر ان يقول لك سوست ؟
فابتسم بوارو وقال :
- كذبة ......وعن طريق هذه الكذبة سأعرف الحقيقة.


ملاحظة: ( بوارو قد عرف من القاتل الخفي بالجرائم الأبجدية ....فهل عرفتموه انتم..؟؟؟؟)







الفصل السادس عشر

في بكسهيل

ظل بوارو مشغولا بضعة ايام فكان يختفي ساعات طوالا ثم يظهر فجأة ثم يستغرق ساعات اخرى في التفكير العميق كل هذا دون ان يدعوني للذهاب معه او يشركني في افكاره
وبالقرب من نهاية الأسبوع اعلن عن رغبته في الذهاب الى بكسهيل وما يجاورها ثم اقترح ان اذهب معه وبطبيعة الحال رحبت بالإقتراح وتبين لي ان هذه الدعوة لم تقتصر علي فقط وانما شملت الفرقة الخاصة ايضا وذهبنا الى بكسهيل وزار بوارو اولا المسز والمستر بارنارد حيث عرف من السيدة الموعد الذي حضر فيه سوست اليها لبيع جواربه وماذا قال لها على وجه التحديد ثم ذهب الى فندق الذي كان سوست قد نزل فيها وعرف الموعد الذي رحل عنه بالتحديد ورغم انني لم اجد في هذا كله جديدا الا ان بوارو بدا لي شديد الرضا وذهبنا بعد ذلك الى الشاطىء الى المكان الذي قتلت فيه بيتي بارنارد وهناك راح بوارو يسير حوله في دوائر ولم اجد انا في هذا كله جدوى لاسيما ان المد كان يغمز المكان اكثر من مرة في اليوم
وانتقل من الشاطىء الرملي بعد ذلك الى اقرب مكان يمكن ان تقف فيه سيارة خاصة ثم مضى الى الموقف الذي تبدأ منه السيارات العامة رحيلها الى ايستبورن
واخيرا ذهبنا جميعا الى منهى جنجركات حيث شربنا اقداحا من الشاي قدمتها الينا هيجللي
ولشد ما ادهشني ان رايت بوارو يداعب المس هيجلي ويتغزل في جمال ساقيها قائلا ان جمال
الساقين في الفتيات الإنجليزيات شيء نادر
وضحكت هي ابتهاجا واكدت له انه فرنسي لطيف
وقال بوارو اخيرا :
- لقد انتهيت من بكسهيل ولم يبق امامي غير زيارة لإيسبورن ولا حاجة بكم لأن تصحبوني ..والآ، هلم نعود الى الفندق لنتناول بضع كؤوس كوكتيل ؟
وعلى مائدة الشراب قال فرانكلين كلارك :
- اعتقد انك تريد ان تحطم شهادة ذلك المدعو سترانج اليس كذلك ؟
- صبرا يا صديقي صبرا
- يبدو لي يا سيد بوارو انك راض عن نفسك جدا
- نعم نعم لأن فكرتي الصغيرة بدات تتبلور الى حقيقة اكيدة
ثم ارتسمت امارات الجد على وجهه وقال فجأة :
- حدثني صديقي هاستنغز ذات يوم انه كان يحب وهو شاب لعبة اسمها لعبة الحقيقة ومؤداها ان يوجه الى كل فرد من مجموعة اللاعبين ثلاثة اسئلة عليهان يجيب _بصدق_ على اثنين منها ويمكنه ان يرفض الإجابة على السؤال الثالث والأسئلة في هذه اللعبة تكون بطبيعة الحال بعيدة عن الخصوصيات المحرجة ولهذا يستلزم ان يقسما كل لاعب على قول الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة ولما وقف عن الحديث برهة قالت ميجان بارنارد :
- حسنا
- آه اريد ان نشترك في هذه اللعبة معا ويكفي ان يوجه الى كل واحد منا سؤال واحد فقط بدلا من ثلاثة
وقال فرانكلين كلارك في ملل :
- اننا على استعداد لفجابة على اي سؤال
- أوه ..ولكن الأمر اخطر من هذا هل انتم على استعداد للقسم ؟ ولما كان الجد واضحا في صوته فقد دهشنا جميعا ولم يسعنا الا ان نقسم الواحد بعد الآخر على قول الحقيقة كل الحقيقة ولاشيء غير الحقيقة
وقال بوارو مسرورا
- عظيم جدا ..لنبدأ الآن
وقالت تورا جراي
- فلأن انا الأولى
- آ÷ السيدات اولا ..ولكننا سنخالف هذا التقليد في هذه المرة ثم التفت الى فرانكلين كلارك وقال
- ماريك في القبعات التي ارتدتها السيدات في سباق اسكوت هذا العام ؟
- هل انت جاد في هذا السؤال يا مسيو بوارو؟
- اجل
- رايي انها قبعات مثيرة للسخرية والضحك
- عجيبة شادة ؟
- اجل
- وانت يا مسيو دونالد فريزر متى قمت باجازتك السنوية هذا العام ؟
- اجازتي السنوية ؟ في الأسبوعين الأولين من شهر اغسطس
والتفت بوارو فجأة الى تورا جراي وقال :
- لو ان السير سيرميكال كلارك عرض عليك الزواج بعد وفاة الليدي زوجته فهل كنت تقبلين ؟
فوثبت الفتة غاضبة وهتفت قائلة :
- كيف تجرؤ على توجيه سؤال كهذا الي ؟ انه اهانة
- ربما.. ولكنك اقسمت على ان تقولي الحقيقة
- كان السير سيرميكال شديد العطف علي وكان يعاملني كابنته وهكذا كان شعوري نحوه
- عفوا يا آنسة ..ولكنك لم تجيبي على سؤالي بنعم ام لا
- لا..طبعا
- شكرا جزيلا
والتفت بوارو الى ميجان التي كان وجهها شديد الشحوب ثم قال :
- اخبريني يا آنسة هل تتمنين حقا ان تنتهي تحرياتي بالكشف عن الحقيقة كلها ؟
- لا..
وابتسم بوارو وقال :
- انك لاتدريدين ظهور الحقيقة ومع ذلك فانت من اشد انصارها يا آنسة
ثم التفت الى ماري دراور وقال :
- اخبريني يا آنستي هل لك حبيب شاب؟
وفوجئت الفتاة المسكينة واضطرم وجهها ثم تمتمت :
- انني...انني لست واثقة اذا كان يبادلني الحب ام لا
فابتسم بوارو وقال :
- هذا يكفي يا ابنائي ..والآن هلم يا هستنغز الى ليستبورن
وفي الطريق الى ايستبورن قلت لبوارو
- هل يمكن ان القي عليك بعض الأسئلة يا بوارو ؟
- لايا هاستنغز عليك ان تصل الى النتئج بمفردك
ثم استغرق في سكون عميق
وبعد فترة وجيزة افاق وقال لي
- غدا سوف ازور ذلك المدعو سوست
ثم اضاف قائلا للسائق
- عد بنا الى لندن
فهتفت الى ايسبورن؟
- ما الداعي الى هذا ؟ لقد عرفت ما يكفي للوصول الى الحقيقة.




الفصل السابع عشر

الكسندر بونابرت سوست

لم احضر للمقابلة التي تمت بين هيركيول بوارو والمدعو الكسندر بونابرت سوست
لأن القاضي لم يصرح بزيارته الا لبوارو فقط
ولكني ساسرد فيما يلي تفاصيل ما دار بينهما بدقة كاملة على حديث بوارو معي بعد ذلك
لقد بدا سوست منكمشا على نفسه ولاح كأنما ازداد جسمه انحناء وهو لا يكف عن العبث باصابعه
في اطراف معطفه ومرت برهة طويلة _ كما اخبرني بوارو دون ان ينطق احد بكلمة _ وانما جلس الإثنان كل في مواجهة الآخر في هدوء واسترخاء
وقال بوارو اخيرا بصوت رقيق
- اتعرف من انا؟
فهز الرجل راسه ورفع وجهه الى بوارو وقال وهو يطرف بعينيه
- لا...لااعرفك..هل انت احد المحامين في مكتب المستر لوكاس ؟
- انني هيركيول بوارو
وحرص بوارو ان يلاحظ بدقة تاثير هذا الإسم ورفع هذا وجهه مرة اخرى وتمتم ببساطة
- آه..نعم
وبعد لحظة عاد يقول بصوت ينم على الإنفعال وكانما بدا يتدكر
- آه المسيو بوارو هيركيول بوارو
- انني الرجل الذي كنت تبعث اليه برسائلك
فجأة اغضى المستر سوست بعينيه وقال باضطراب
- انني لم اكتب اليك ابدا هذه الرسائل لم اكتبها انا هذا ما قلته كثيرا طوال جلسات التحقيق
- اعرف هذا ولكن اذا لم تكن انت كاتبها فمن يكون ؟
- احد الأعداء لابد ان لي عدوا ان الناس جميعا يعدونني ولا ادري لماذا انها مؤامرة ضخمة مبرة ضدي ولكن لماذا ؟
فصمت بوارو برهة وقال :
- هل كان الناس يعادونك حتى وانت طفل ؟
- لا..لا..لااظن كانت امي شديدة الحب لي وكانت تركز كل آمالها الكبار في شخصي ويعتقد اني ساكون عظيما يوما ما ..ولهذا اسمتني الكسندر بونابرت وكانما الإسم وحده يمكن ان يخلق من
صاحبه شخصيا عظيما ولكنها كثيرا ما كلنت تؤكد لي ان الإنسان هو سيد مصيره وان في مقدوره ان يحدد مستقبله كما يشاء
وصمت برهة قبل ان يستطرد قائلا :
- ولكنها كانت مخطئة وهذا ما عرفته بنفسي لأني لم اكن من الأشخاص الذين يمكن ان يظفروا بمكانة رفيعة في الحياة كنت دائما ارتكب الحماقات التي تثير سخرية الناس مني وهكذا اصبحت خجولا خائفا من الناس ولشد ما عانيت من سخرية وملائي في المدرسة من اسمي
ومرة اخرى لزم الصمت قترة وجيزة قبل ان يردف قائلا :
- وماتت امي ماتت ميتة حزينة ساخطة والتحقت بالمعهد التجاري وتخرجت متخلف فيه عن جميع زملائي وانا اذا كنت ابدو امام الناس غبيا الا أنني في الواقع لست غبيا
- انني ادرك هذا استمر
- ولشد ما كنت اتالم كلما رايت الناس ينظرون الي على اني انسان غبي متخلف ابله وقد ازداد شعوري بالألم اثناء التحاقي بالعمل ككاتبا في احدى الشركات
واشرق زجهه فجأة حين استطر يقول
- ولكنني استمتعت بالفترة التي قضيتها بين زملائي الجنود في الحرب لأني وجدت نفسي فجأة في مستوى واحد معهم ولكنني للأسف اصبت بجرح في راسي فسرحت من الخدمة العسكرية لأني اصبت بسبب ذلك الجرح بداء الصرع والواقع انني لا اعرف على وجه التحديد ماذا ذهاني فاحيانا اقوم باعمال على غير وعي مني
- وبعد ذلك ؟
- اشتغلت كاتبا في شركة ولكنني لم احسن القيام بعملي فكان زملائي يتخطونني في الترقيات واصبح مرتيب لا يكاد يكفي ضرورات الحياة لاسيما بعد الإرتفاع الجنوني في الأسعار ولهذا السبب رحبت بالعمل كمندوب متول لمصنع الجوارب النسائية نظير مرتب ثابت وعمولة على البيع
وهنا قال بوارو برفق :
- ولكنك علمت ان اصحاب المصنع ينكرون انهم عهدوا اليك بعمل كهذا
فقال سوست وقد عاوده الإضطراب
- لأنهم مشتركون في هذه المؤامرة وان معي ادلة مكتوبة معي رسائل مرسلة من ادارة المصنع فيها التعليمات عن الأماكن التي يجب ان اذهب اليهم واعرض عليهم الجوارب
- ان هذه الرسائل مكتوبة على الآلة الكاتبة
- طبعا لأن ادارة المصنع لابد ان تكتب رسائلها على آلة كاتبة
- ألا تعرف ان في الإمكان معرفة نوع الآلة التي كتبت هذه الرسائل ؟
- طبعا هذه مسالة بديهية
- لقد ثبت ان هذه الرسائل مكتوبة على الآلة الكاتبة التي وجدت في غرفتك
- ان هذه الآلة ارسلتها ادارة المصنع لي عند بدء التحاقي بالعمل
- اجل ولكن هذه الرسائل ارسلت اليك بعد استلامك الآلة ومعنى هذا انك كتبت عليها الرسائل وارسلتها الى نفسك
- لا هذا لم يحدث انها جزء من المؤامرة
- ومجموعة كتب دليل ا.ب.س للسكة الحديدية التي وجدت في غرفتك ؟
- لا اعرف عنها شيئا لقد ظننت انها لفافة تحتوي على علب جوارب
- لماذا وضعت علامة المسز آسكر في اندوفر ؟
- لأني قررت ان ابدأ عملية البيع معها ان على الإنسان ان ينظم اعماله ويحدد مرحلة البدء
ثم اردف قائلا في انفعال شديد :
- انها مؤامرة دنيئة ضدي وليس ادل على ذلك من وجودي في ليلة جريمة بكسهيل في مكان بعيد في ايستبورن حيث كنت العب الدومينو مع المستر سترانج
فهز بوارو كتفيه وقال :
- من السهل ان يخطىء الإنسان في التاريخ لاسيما اذا كان الخطأ في تاريخ يوم واحد ان رجلا عنيدا مثل سترانج يرفض ان يعترف بخطئه مهما تكن الظروف ومن السهل عليك ان تكتب في سجل الفندق تاريخ يوم سابق او لاحق على يوم الجريمة دون ان يفطن احد الى هذا
- لقد كنت العب الدومينو في تلك الليلة
وفجأة هتف الرجل قائلا في الم
- آه عاودني الصداع انه مؤلم مؤلم انه يجعلني في بعض الأحيان لاادري ماذا اقول او افعل
وانحنى بوارو نحوه فجأة وقال :
- ولكنك تعلم انك ارتكبت هذه الجرائم اليس كذلك ؟
ورفع المستر سوست وجهه وبدت نظراته هادئة بسيطة وكانما قد تلاشت من نفسيته رغبة للمقاومة واخيرا قال :
- نعم اعلم
- وانا على حق في قولي انك لاتعرف لماذا ارتكبت هذه الجرائم اليس كذلك ؟
- نعم اني لااعرف لماذا.








الفصل الثامن عشر

بوارو يكشف الحقائق


كنا جالسين في اهتمام وترقب ونحن ننصت الى بوارو وهو يكشف لنا عن جميع الحقائق في جرائم "ا.ب.س" قال :
- كان اهم ما يشغل فكري هو لماذا ارتكبت هذه الجرائم ..نعم لماذا ارتكب المجرم هذه الجرائم ؟ ولماذا اختارني انا بالذات للتحدي ؟ ولهذا يشهد صديقي هاستنغز انني كنت مهتما ومضطربا عندما استلمت الرسالة الأولى لأني احسست ان حقيقة الأمر اخطر مما يبدو في ظتهره
وهنا قال فرانكلين كلارك في جفاف :
- وثبت انك كنت على حق في هذا الشعور يا مسيو بوارو
- نعم ولكنني اخطات حين اهملت هذا الشعور القوي ونظرت اليه على انه نوع من الإلهام او الإسراف في الخيال او التخمين وكلنا يخمن طبعا والتخمين قد يكون صحيحا او خاطئا فاذا كان صحيحا سمي الهاما واذا كان خاطئا اهمل امره ولكن ما نسميه الإلهام ليس في الواقع الا شعورا باطنيا قائما على اساس من الخبرة والإستنتاج المنطقي فعندما يشعر احد الخبراء بان ثمة خطأ ما في لوحة تاريخية او قطعة اثرية او توقيع على شيك فان الشعور بالخطأ ياتي نتيجة مجموعة كبيرة من التفاصيل ..انه في غير حاجة لأن يفحص هذه التفاصيل بدقة كل منها في حدة ولكن خبرته تجمع هذه التفاصيل وتجعله يحس بالنتيجة
وصمت بوارو برهة قبل ان يستطرد قائلا :
- وعلى هذا الأساس احسست ان شيئا ما خطيرا يكمن وراء تلك الرسالة الأولى ولكن ادارة اسكوتلانديار سخرت منها وقالت انها مجرد دعابة ثقيلة من احد الفارغين التافهين ولم يلبث حادث اندوفر ان اثبت اني كنت على حق في ذلك الشعور الخفي ولم اعرف بطبيعة الحال المجرم الذي ارتكب هذه الجريمة ...وهكذا اوجب علي ان احاول التعرف عليه من دلالات الرسالة وطريقة ارتكاب الجريمة وشخصية المجني عليها
ولكن اهم من هذا كله هو ان اعرف لماذا ارتكب هذه الجريمة و لماذا اختارني المجرم بالذات ليبعث الي برسائله
فقال فرانكلين كلارك
- رغبته في الشهرة والظهور
وقالت تورا جراي
- لاشك ان الشعور بمركب النقص هو المبرر لهذه الجرائم
- هذا هو التبرير الواضح ولكن لماذا ارسل الي انا هيركيول بوارو ؟
اذا كانت الشهرة بغيته فلماذا لم يبعث برسائله الى اسكوتلانديار او الى احدى الصحف ؟ انه لو فعل هذا لظفر بالمزيد من الشهرة ان كانت الشهرة بغيته حقا فلماذا اذن اختارني انا بالذات ؟ هل اختارني لأسباب شخضية ؟ هذا ما لم اعرفه في حينه
وصلت الرسالة الثانية التي اعقبها حادث مقتل بيتي بارنارد في بكسهيل وقد اثبتت الحروف الهجائية في اسماء عديدة ولكنني مرة اخرى اقول ان السؤال المهم جدا ظل بلا جواب وهو لماذا يرتكب المجرم هذه الجرائم ؟
وهنا تململت ميجان بارنارد في جلستها وقالت :
- الا يوجد شيء اسمه شهوة القتل ؟
- اجل يا آنسة ..يوجد شيء اسمه شهوة القتل فعلا ولكن هذه الشهوة اذا استبدلت برجل ما والعادة ان يكون مجنونا فانها تدفعه الى القتل بالجملة الى قتل اكبر عدد من الناس واهم ما يشغل بال مثل هذا القاتل هو تغطية كل اثر ينم عليه لا ان يعلن مع كل جثة دليل "ا.ب.س" للسكة الحديدية ؟ لقد كان في مقدوره ان يرتكب هذه الجرائم الخفية تاركا عبئها يقع على اشخاص يمكن الإشتباه فيهم مثل المستر آسكر زوج الضحية الأولى والمستر دونالد فريزر خطيب الضحية الثانية
وهكذا..
اذن لماذا حرص على ان يركز الإتهام على شخصه بالذات ؟ هل هو الدافع لأن يكون شهما كريما ؟ وهل يمكن ان تعرف الشهامة طريقها الى قلب قاتل كهذا ؟
وصمت بوارو برهة ثم استطرد يقول :
- على ان هناك معالم استطعت بها ان اعرف شيئا عن عقلية المجرم ونفسيته فقال فريزر :
- مثل ماذا ؟
- اولا ادركت ان له عقلية جدولية ..لقد راى ان من الأهمية بمكان ان يرتكب جرائمه حسب الحروف الهجائية لأسماء الضحايا فلو لم تكن له عمليه جدولية لما اهتم للأمر كهذا كل الإهتمام ومن ناحية
اخرى لم يكن له احساس خاص نحو الضحايا فان المسز آسكر وبيتيت بارنارد والسير سيرميكال يختلفون بعضهم عن بعض اشد الإختلاف اي لم يكن في الموضوع عقدة جنس ولا عقدة سن معينة وهذا من الأسباب التي حيرتني كثيرا
فالمجرم حين يعمد الى ارتكاب جريمة ما ولا سيما اذا كانت جريمة محكمة اشد الإحكام فانما يهدف بذلك الى ازاحة شخص ما يضايقه من الطريق ولكن الحرص على ارتكاب هذه السلسلة من الجرائم حسب الترتيب الهجائي لأسماء الضحايا لا يتفق مع هذه النظرية ولكن هذه عقلية جدولية قد تدل من جهة اخرى على كراهية متأصلة للحروف الهجائية
وشيء آخر اسمح به لنفسي في ميدان الإستنتاج وهو ان اختيار دليل للسكة الحديدية ينم عن طبيعة ذكرية لأن الأطفال الذكور هم الذين يحبون اللعب بادوات السكك الحديدية كالقطارات والقضبان وما دمنا دخلنا في ميدان اللعب يمكن ان نقول ان للمجرم المجهول عقلية صبيانية
والطريقة التي ماتت بها بيتي بارنارد قد اوحت الي باستدلال آخر ومعذرة يا مستر فريزر فان استعمال حزامها هي في قتلها دليل على ان القاتل كان على علاقة مودة ومداعبة معها واستطيع ان اتصور انه فك حزامها مداعبا ثم لفه حول عنقها مداعبا وهو يضحك قائلا " هل اخنقك" وبينما هي تشاركه الضحك يكون هو قد بدأ في حنقها فعلا
ونحن نعرف الآن ان بيتي كانت فتاة تحب الغزل وتميل الى الرجل الوسيم الذي يعرف كيف يجذبها
بشخصيته اللطيفة وفي هذه الحالة ينبغي ان يكون القاتل شخصا جذابا للنساء بصفة عامة
وهنا حاول دونالد فريزر ان يحتج ولكن بوارو اسرع وقال :
- انتهينا من هذه النقطة يا مستر فريزر ولننتقل الى الجريمة التالية ..الى مصرع السير سيرميكال كلارك وهنا نجد المجرم يعود الى طريقه الأولى ..الضرب على الراس وهنا ايضا نجد عقدة الأحرف الهجائية واضحة ولكن جريمة سيرستون هذه لم تزودني الا بالقليل جدا من المعالم لأن الرسالة التي ارسلت الي اخطأت طريقها في العنوان مرتين حتى وصلت متأخرة اي بعد وقوع الجريمة
ولكن عندما اعلن المجرم جريمة "د" اتخذ رجال المباحث اجراءات ضخمة وظهر واضحا ان المجرم لن يستطيع الإفلات هذه المرة من العدالة وفي الوقت نفسه كنا قد علمنا ان القاتل يبيع الجوارب النسائية لحساب مصنع ما ولكنني في الحقيقة لم اكن اتوقع ان يكون على ذلك الشكل الذي وصفته به المس جراي لأ، هذا الشكل لم يكن يتفق مع الصورة التي تخيلتها عنه ليكون قاتل بيتي بارناد وننتقل الى المراحل التالية بسرعة ....لقد ارتكبت جريمة رابعة وكان المجني عليه في هذه المرة رجلا يدعى جورج ايرسفيلد وقد افترضنا ان القاتل حسبه رجلا يدعى داونز على نفس الشكل والحجم وكان يجلس بجانب المجني عليه في السينما
وهنا تدور اخيرا عجلة الحظ ضد القاتل وتعتبر القضية _ كما قال هاستنغز_ منتهية، واعتقد انها بالنسبة للراي العام وللجميع منتهية ايضا لأن القاتل في السجن ينتظر صدور الحكم عليه ولكن في هذه القضية تظهر ثغرة بسيطة مزعجة وهي شهاذة المدعو سترانج عن ليلة وقوع الجريمة الثانية
في بكسهيل وقال فرانكلين كلارك عندئذ :
- نعم...هذه ثغرة واضحة تحتاج الى تفكير عميق
فأومأ بوارو براسه وقال
- تماما يا مستر كلارك وهذا التفكير العميق يجعلنا نفترض مثلا ان قاتل بيتي بارنارد ليس المستر سوست وانما شخص آخر انتهز فرصة هذه الضجة ليرتكب هذه الجريمة وهو مطمئن الى انها ستضيع بين سلسلة الجرائم الأخرى التي يرتكبها مجرم "ا.ب.س" هذه نظرية معقولة وتؤيدها السوابق التي حدثت في جرائم " جاك السفاح"
ذلك ان كثيرا من المجرمين انتهزوا الفرصة وراحوا يقتلون بطريقة " جاك السفاح" ليلقوا تبعة الجرائم عليه
ويزيد من تاييد هذه النظرية ان الرجل الذي استطاع ان يجتذب بيتي بارنارد اليه ثم يقتلها لابد ان يكون رجلا جذابا له طريقته الخاصة مع النساء وهذه الصفات غير متوفرة في المستر سوست
ولكن يمكن ان نهدم هذه النظرية من اساسها بقولنا ان جريمة اندوفر كانت تبدو للراي العام جريمة عادية لا تدل على انها الأولى في سلسلة من الجرائم لأننا لم ندكر للصحف ايه تفاصيل عن رسائل القاتل الي او عن وجود دليل السكة الحديدية بجانب الجثة ومعنى هذا ان قاتل بيتي بارنارد لم يكن يعلم ان هناك سلسلة من الجرائم في طريقها الى الحدوث
وهنا وجدت نفسي امام عقدة لا اعرف لها حلا ولكنني في الوقت نفسه كنت اشعر ان هناك شيئا خطيرا في الرسائل التي كانت تصلني كنت اشعر نحوها بشعور الخبير الفني امام لوحة مزيفة انه يشعر بخبرته وعقله الباطن انها مزيفة ولكنه لا يدري لماذا ؟ ومن ثم عدت افحص هذه الرسائل واعيد قرائتها حتى ادركت اخيرا سر شعوري الغامض نحوها
وهنا قال فرانكلين كلارك باهتمام :
- وما هو هذا السر يا مسيو بوارو ؟
- شعرت ان هذه الرسائل لم يكتبها رجل مجنون كما ظننا جميعا وانما كتبها رجل عاقل يتمتع بذكاء خارق للعاذة
فهتفت انا قائلا في دهشة :
- ماذا ؟
- نعم يا عزيزي هاستنغز ان كاتب هذه الرسائل اراد ان يجعلها تبدو كانما هي مكتوبة بيد رجل مجنون بينما الأمر في الحقيقة غير هذا
فقال فرانكلين كلارك :
- ان هذا غير معقول يا مسيو بوارو
- حسنا لنفكر مليا في الأمر ماهو الهدف من كتابة هذه الرسائل ؟ الهدف هو تركيز الإنتباه على

كاتبها لتركيز الأنظار على الجرائم وبدا لي ان تركيز الإنتباه على المجرم والجرائم لا معنى له وفجأة وضح الأمر امامي وضح لي ان العرض هو تركيز الإنتباه على عدد من الجرائم على مجموعة من الجرائم
الم يكن شكسبير هو القائل " انك لا تستطيع ان ترى شجرة في وسط غابة اشجار" وهذا يعني ان الإنسان لايرى دبوسا معينا بين مجموعة دبابيس ولكنه يراد اذا كان مفردا
وهذا ايضا يعني ان الجريمة الواحدة تكون مكشوفة والدافع اليها يبدو واضحا اما اذا كانت بين مجموعة من الجرائم التي لايعرف احد لها حافزا او باعثا فانها تتوه او تضيع بينها
ووجدت نفسي اواجه مجرما خارق الذكاء مجرما داهية قاسيا جريئا له طبيعة المغامر المحترف وهذه الصفات كلها لاتنطبق على المستر سوست باية حال من الأحوال ..انه ببساطة ليس الرجل الذي يرتكب كل هذه الجرائم بمثل هذه الأحكام
اما المجرم الحقيقي فهو رجل مختلف تماما رجل له مزاح صبياني يدل عليه الترتيب الهجائي ودليل السكة الحديدية رجل جذاب للنساء ولا يهتم كثيرا بالنفس الإنسانية وله مصلحة خاصة اكيدة في جريمة من هذه الجرائم
اذا وقعت جريمة ما فماذا يخطر ببال المحققين لأول وهلة ؟ انه البحث عن الدافع على القتل ومعرفة اين كان الذين يدور حولهم الإشتباه ومن هم الذين سينتفعون من وراء ارتكاب هذه الجريمة
فاذا كان الدافع الى القتل واضحا جدا فان المشتبه في امره عندئذ _اي المجرم الحقيقي_ يبذل قصارى جهده ليقيم الدليل على انه كان بعيدا عن مسرح الجريمة عند وقوعها ولكن هذا الجهد كثيرا ما ينكشف امره وكثيرا ما يكشف التحقيق بطلان الأدلة التي يمكن ان يسوقها المجرم لإثبات براءته ولهذا كله راى مجرمنا ان يحصن نفسه بسد منيع من الأدلة ففكر في هذه السلسلة من
الجرائم التي تبدو في انظار الجميع انها جرائم مجنون تطغي عليه شهوة القتل
وما علي الآن الا ان استعرض هذه الجرائم المختلفة لأهتدي من ورائها الى الأشخاص الذين يمكن ان يدور الإشتباه حولهم ثم احاول ان اركز الإتهام كله في شخص واحد بينهم يكون هو صاحب مصلحة اساسية في ارتكاب جريمة منها ثم ارتكب الجرائم الباقية لتضيع الجريمة الأصلية بينها
ولنبدأ بجريمة اندوفر ان اول شخص يمكن ان نشتبه فيه هو فرانز آسكر زوج المجني عليها ولكن شخصية آسكر لا تدل اطلاقا على ان في مقدوره تدبير وتنفيذ هذه السلسلة من الجرائم
فلننتقل اذن الى جريمة بكسهيل والإشتباه فيها يدور حول المستر دونالد فريزر ...انه شاب ذكي له عقلية رصينة مدبرة يمكن ان تضع خطة محكمة لمثل هذه السلسلة من الجرائم
ولكنني عرفت انه نال اجازته السنوية في الأسبوعين الأولين من شهر اغسطس وهذا لا يتيح له اطلاقا ان يرتكب الجريمة الأولى او الجريمة الثالثة في سيرستون ثم لماذا يرتكب جريمة بكسهيل بدافع الغيرة ؟ انه مبرر ضعيف لأسباب كثيرة اذ لم يثبت بصفة قاطعة ان بيتي امعنت في خيانته
امعانا يدفعه الى قتلها ثم انها لم تكن زوجته ..وحتى لو كانت كذلك لما ارتكب هذه السلسلة من الجرائم للإنتقام من فتاة يمكن ان يفترق عنها ببساطة كما يفترق اي خطيب عن خطيبته لا ان الغيرة في هذه الحالة لا تبرر اطلاقا ارتكاب هذه السلسلة من الجرائم


ومن ثم ننتقل الى الجريمة الثالثة ...وهنا نجد انفسنا واقفين على ارض من الحقائق الواضحة والمبررات القوية فقد كان السير سيرميكال كلارك رجلا واسع الثراء فمن الذي سوف يرثه بعد وفاته ؟ زوجته التي من حقها ان تستمتع بالثروة اثناء حياتها ثم تنتقل بعد ذلك الى اخيه فرانكلين كلارك ؟
كلنا نعرف ان الزوجة في حالة احتضار بطيء الآن
واستدار بوارو ببطء حتى تلاقت نظراته بنظرات فرانكلين كلارك ثم استطرد قئلا
- كنت واثقا عندئذ ان ذلك الشخص الذي طالما فكرت فيه على انه صاحب الرسائل"ا.ب.س" ليس احدا سوى فرانكلين كلارك ..انه الشخصية المغامرة التي طافت كثيرا خارج البلاد والذي يتمتع بجاذبية خاصة للنساء تجعل في مقدوره ان يتعرف ببساطة على اية فتاة جميلة في مقهى جنجركات وان يتواعد على اللقاء سرا انه الشخصية ذات العقلية الصبيانية كما قالت الليدي كلارك الذي يميل الى قراءة كتب المغامرات مثل كتاب "اطفال السكة الحديدية" للكاتب نيسيت كما ذكر لي بنفسه انه كان يقرؤ ه للمرة الثانية...نعم ان كل الصفات المتوفرة في كاتب تلك الرسائل كانت تنطبق تماما على فرانكلين كلارك
وضحك فرانكلين كلارك عاليا وقال :
- حقا انك نابغة يا مسيو بوارو وماذا عن صاحبنا سوست الذي فبض عليه ودماء المجني عليه في الجريمة الرابعة على كم معطفه وعن السكين التي وجدت في مسكنه ؟ انه ينكر الجرائم الثلاث الأولى ولكن...
- انك مخطىء في هذا يا مستر كلارك ..لقد اعترف بارتكابه للجرائم كلها
- ماذا ؟ اعترف ؟ أتقول اعترف ؟
نعم..انني ما ان فرغت حديثي معه حتى اصبح يعتقد مجرد اعتقاد انه هو الجاني
- ومع ذلك فانت غير مطمئن ؟
- نعم لأني ما ان رايته حتى ايقنت تماما ان هذا الرجل لا يمكن ان يكون الجاني باي شكل ليست له الجرأة ولا الأعصاب ولا التفكير الآزم لتدبير وتنفيذ هذه السلسلة من الجرائم ولكنني ادركت حين رايته انه الشخصية التي اتخذها القاتل الحقيقي ليختفي وراءها ثم يقدمها للعدالة في النهاية باعتبارها المجرم الحقيقي وكانما لم يكفك يا مستر كلارك ان ترتكب هذه الجرائم كلها وانما ابيت الا ان تقدم عن نفسك كبش فداء
واعتقد ان الفكرة نبتت في ذهنك عندما التقيت مصادفة بالمستر سوست في احد المقاهي ولعل اسمه العجيب لفت انتباهك ثم ازداد اهتمامك به حين رايت شخصيته الواهنة الضعيفة المسالمة
وكنت في ذلك الحين تستعرض في ذهنك مختلف الوسائل لقتل اخيك
- احقا ؟ لماذا ؟
- لأنك كنت شديد القلق على المستقبل كنت تخشى ان يتزوج اخوك بسكرتيرته تورا جراي بعد وفاة زوجته الليدي كلارك وينجب منها وريثا لثروته لاسيما وقد كان اخوك محتفظا بقوته وحيويته
وفي هذه الحالة تظل انت طيلة حياتك شريدا مفلسا وان خبرتك التي اكتسبتها من رحلاتك في الخارج ومن علاقاتك مع النساء جعلتك تدرك ان تورا جراي من النوع الصياد الذي يجري وراء الرجل الثري وهكذا قررت ان تبادر وتؤمن مستقبلك بالقضاء على اخيك قبل ان تموت زوجته وقبل ان تسنح له فرصة الزواج بتورا جراي
ولما التقيت بالمستر سوست وعرفت اسمه الكامل بدأت فكرة جرائم ا.ب.س تتبلور في ذهنك لاسيما حين علمت انه مصاب بالصرع ايضا وبنوبات من الصداع المؤلم الذي يجعله كما قال لك لايكاد يشعر بما يقول او يفعل واختمرت الفكرة في ذهنك وتبينت كل معالمها وقررت ات ترتكب سلسلة من الجرائم تضيع بينها جريمة سيرستون على ان تكون اسماء الضحايا مطابقة للتسلسل الأبجدي وهو التسلسل الذي اوحى به اليك الكسندر بونابرت سوست اي ا.ب.س تجعل منه كبش فداء وكان تدبيرك عجيب محكم اذ كتبت باسم ا.ب.س رسالة على آلة كاتبة عندك تطلب فيها من احد المصانع كمية من الجوارب والملابس النسائية الذاخلية واعدت كمية من كتب دليل ا.ب.س للسكة الحديدية في لفافة تبدو كأنها لفافة تحتوي على علب جوارب نسائية وملابس ذاخلية وكتبت له هو رسالة على الآلة الكاتبة باسم مصنع تعرض عليه البيع مقابل مرتبا مجزيا وعمولة ثم كتبت على نفس الآلة مجموعة الرسائل التي نويت ان ترسلها الي باسم ا.ب.س ثم ارسلت الآلة الكاتبة نفسها الى سوست على اعتبار انها هدية من مصنع الجوارب اليه وشرعت بعد ذلك تبحث عن ضحايا تبدأ اسماؤهم بالأحرف ا.ب.س على ان يكون كل منهم مقيما في بلدة يطابق الحرف الأول من اسمها الحرف الأول من اسمه
وبدات ببلدة اندوفر ووقع اختيارك على المسز آسكر حين قرأت اسمها بوضوح على اللافتة وحين رايت انها امرأة عجوزا وحيدة يمكن قتلها بسهولة اما الحرف "ب" فقد استلزم منك مناورة غرامية بارعة لكي توقع بيتي بارنارد في حبائلك ولكي تخرج معها للنزهة في اماكن بعيدة زاعما لها انك رجل متزوج ولا تحب ان ينتشر امر علاقتك بها
ولما تمت جميع تدابراتك الأولية ارسلت الي رسائل التحدي وارسلت الى سوست قبل كل جريمة باسم المصنع تعليمات تأمره فيها بالذهاب الى مسرح الجريمة في نفس يوم وقوعها بحجة بيع جوارب لسيدات معينات دكرت له اسماءههن فمثلا جعلته في صباح يوم ارتكاب جريمة اندوفر يذهب الى اندوفر ويبيع او يعرض الجوارب على المسز آسكر والمسز فاولر جارتها وبعض السكان الآخرين وكذلك فعلت في كل من جريمة بكسهيل وسيرستون طبعا كان المسكين يذهب وهو خالي الذهن تماما من الجرائم التي ترتكب باسمه من وراء ظهره وهكذا نحجت في ارتكاب جريمة اندوفر وفي ارتكاب جريمة بكسهيل ..ولكنني واثق تماما انك قتلت بيتي بارنارد قبل منتصف اليل الرابع و العشرين من يوليو على سبيل ضمان النجاح
وننتقل الآن الى الجريمة الثالثة ...الجريمة الهامة في نظري الأساسية التي اردت ان تجعلها تضيع بين هذه السلسلة من الجرائم وهنا اشكر صديقي هاستنغز الذي كان اول من لفت نظري الى عنواني الذي كتب خطأ عن عمد على مظروف الرسالة لكي يصلني متأخرا اي بعد وقوع الجريمة نعم لقد تعمدت ان تكتب العنوان خطأ حتى تضمن ارتكاب جريمة سيرستون الأساسية قبل ان يتذخل رجال المباحث في الأمر وهذا ايضا يفسر اختيارك لي بالذات لكي تبعث لي بالرسائل ...لقد اخترتني بالذات لأن في مقدورك ان تكتب عنواني خطأ ..اما لو اخترت اسكوتلانديار او احدى الصحف لما امكنك ان تكتب العنوان الخطأ وحتى لو كتبته فان ادارة البريد كانت سترسله فورا الى العنوان الصحيح والواقع ان هذا التفكير يدل على عقلية جبارة خارقة للذكاء
وبعد نجاحك في ارتكاب الجريمة الثالثة التي اقامت الدنيا واقعدتها رايت ان تختم سلسلة الجرائم بجريمة

رابعة تبعد بها كل اشتباه في امرك وتجعلها واضحة المعالم كثيرة الأخطاء بحيث تنتهي بالقبض على الفداء وهكذا اخترت دونكاستر مسرحا لها وحددت يوم الإحتفال بعيد سانت ليجير واخترت رجلا اي رجل كان في طريقه الى السينما بعد ان رايت سوست يدخلها وكنت تسير وراءه تتعقبه لتنتز اول فرصة سانحة ترتكب فيها جريمة وتلقي بعبئها عليه
وساعدك الحظ ودخلت وجلست على مقربة من سوست ونهضت قبل نهاية العرض وسرت في طريق الخروج ثم تضاهرت بانك تعثرت وبان قبعتك وقعت على مقعد امامي واثناء استردادك لها طعنت الرجل الجالس بجوارها بالسكين في القلب تماما ولم يهمك اسمه يبدأ بالحرف "د" ام لا لأنك كنت تعتقد انه لابد ان يكون بين المتفرجين رجل يبدأ اسمه بهذا الحرف فيظن الناس انه كان هو المقصود ولكن المجرم أخطأه وايا كان الأمر فقد كان هدفك الأساسي هو ان ينكشف امر الجريمة الرابعة وان تثبت على المستر سوست ولهذا تعمدت ان تصطدم به عند الخروج من السينما حين انتهزت فرصة عدم الإضاءة الكاملة والزحام والإصطدام به من الخلف فمسحت نصل السكين او جانب منها في كم معطفه ثم اسقطتها في جيب المعطف
ويمكننا ان نتصور حالة المسكين سوست حين يعود الى غرفته بالفندق فيجد الدماء على كمه والسكين في جيبه ثم حين يربط بين هذا كله وبين ما يقرؤه عن سلسلة الجرائم التي يرتكبها رجل يدعى ا.ب.س وحين يتذكر انه كان موجودا في مسرح كل الجريمة في نفس يوم وقوعها
لاشك ان الأمور اختلطت في عقله وخامره الشك في نفسه وفي انه ربما يكون قد ارتكب هذه الجرائم على غير شعور منه
ولكن ..ماذا عن الرسائل ؟ ان المسكين يخرج من غرفته من مسكن المسز ماربري في لحظة ياس ويمضي شاردا بلا مال او هدف ولكن الى اين ؟ ان قدميه تقودانه الى اندوفر وهناك وقف يتامل دكان المسز آسكر الضحية الأولى ثم انصرف عنها حث فاجأته نوبة الصرع وهو يذخل مركز الشرطة ولما اعترف لي لحظة ياس واستسلام للمصير بانه ارتكب هذه الجرائم ازددت يقينا من نظريتي
وهنا قال فرانكلين كلارك :
- ان نظريتك هذه غريبة شادة
- لا يا مستر كلارك لقد كنت آمنا على نفسك لعدم وجود ادلة اما الآن فقد توافرت الأدلة على اتهامك
- أدلة ؟
- نعم لقد عثرنا على العصا التي استعملت في جريمة اندوفر وسيرستون وهي عصا عادية الشكل ولكن طرفها الأعلى مفرغ ومصبوب فيه رصاص عثرنا هليها في خزانة قديمة بقصر اخيك في بلدة سيرستون وتعرف على صورتك ثلاثة من الذين كانوا في السينما وقالول انك كنت احد الخارجين منها بعد انتهاء العرض الذي وقعت اثناءه الجريمة الرابعة وتعرفت على صورتك ميللي هيجلي وفتاة اخرى تدعى سكارليت رانز في مشرت رودهاوس الذي جلست فيه مع بيتي بارنارد في ليلة وقوع الجريمة
واخيرا وهذا هو الأهم عثرنا على بصمة من بصمات اصابعك على الآلة الكاتبة التي وجدناها في غرفة المستر سوست فلو انك كنت بريئا لما كان لك اي شان بها.





الفصل التاسع عشر

الخاتمة


وساد الصمت برهة وفجأة قال فرانكلين كلارك :
- انني لست آسفا على ما فعلت ..لقد كنت اريد ان اضمن مستقبلي ثم دس يده في جيبه واخرج مسدسا صغيرا وضعه على جانب راسه ولكن بوارو كان له بالمرصاد فضربه على يده والقى المسدس بعيدا
ودخل في تلك اللحظة اثنان من رجال اسكوتلانديار كانا في الغرفة المجاورة والقيا القبض على فرانكلين كلارك
والتفت بوارو نحوي باسما وقال :
- لقد خانه الذكاء اخيرا ..لأن الحقيقة لم نجد آثار بصمات لأصابعه على الآلة الكاتبة ولكنها حيلة قديمة اوقعته بها في فخ الإعتراف
ونهضت تورا جراي شاحبة الوجه اتنصرف فقال لها بوارو :
- انني آسف يا مس جراي لقد طار العصفوران من يدك
واندفعت الى باب الخروج دون ان تجيب من فرط الغضب
- اما انت يا مس ماري دراور فارجو ان تتأكدي من ان صاحبك يبادلك الحب قبل ان تتمادي في علاقتك به
ثم ابتسم واردف قئلا للشاب دونالد فريزر حين رآه ينهض ممسكا بيد ميجان بارنارد :
- لاتخجل يا مستر فريزر من مصارحة ميجان بحقيقة مشاعرك فالواقع انها تبادلك الحب ولكن مأساة بيتي تقف عقبة في سبيلكما اذكر دائما ان الحياة اقوى من الموت وان الحب اجمل ما في الحياة
ثم قال بعد انصراف الجميع :
- اما المستر سوست المسكين فيجب ان اعرضه على طبيب عيون لكي يصنع له نظارة جديدة لأنني اعتقد ان صداعه المؤلم ناشيء من سوء حالة نظارته الطبية.



النهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاية

MA7MOUD
10-14-2010, 12:51 AM
http://www.3sam.cc/image/CIMG9100.JPG (http://www.4shared.com/get/xygZ1HZC/___online.html)






واختفى كل شيء(اجاثا كريستي)



الروية التي بيع منها 100 مليون نسخة



المؤلفة:اجاثا كريستي



الملخص

:عشرة

عشرة غرباء وقعوا في شرك الذهاب الى احد القصور الواقعة في جزيرة على ساحل ديفون وبينما كانوا يتناولون وجبة العشاء يوجه صوت مجهول لهم اتهاما لكل منهم سر يدينه ثم يبدأ يقتل واحدا تلو الاخر لم يظهر لهم الشخص الذي استضافهم ولاسبيل للرجوع …..مع مرور الزمن يكتشف كل واحد وجود اغنية في غرفته يمشي على اساسها القاتل…..يدركوا ان القاتل واحدا منهم لامحالة …..يوجد تمثال على راسه عشر هنود واكتشفوا انه كلما قتل واحدا منهم يتم نزع التمثال ………واختفى كل شيء لم يبقى احدا على القرية ولا القاتل


<< تسعة >>

لم يظهر لهم الشخص الذي استضافهم ،
وبينما كان الطقس متقلباً ومتغيراً ،
فقد أصبح المكان كئيباً ومخيفاً ومهجوراً .


http://www.aylol.net/mada/albums/userpics/normal_image014.jpg


<< ثمانية >>

من خلال تكرار ترديدهم لأنشودة الأطفال .
أدركوا جميعاً أن القاتل ليس فقط أحدهم .
لكنه يستعد لتكرار جريمته .


<< سبعة >>

ازداد التوتر للغاية .

بينما يحاول الباقون على قيد الحياة أن يحتفظوا بالمسافة التي تبعدهم خطوة عن المطارد الحاذق

الذي يحاول أن يصل إلى محطته الأخيرة



الانشودة الموجودة هيا :

ذهب عشرة صبية هنود الى الخارج للعشاء…..خنق احدهم نفسه…بقى تسعة

سهر تسعة صبيةهنود لوقت متاخر…..نام احدهم…بقى ثمانية

كان ثمانية صبيةهنود مسافرين في ديفون…..وقال احدهم انه سيبقى هناك…بقى سبعة

كان سبعة صبية هنود يكسرون العصى…..فشطر احدهم نفسه الى نصفين…بقى ستة

كان ستة صبية هنود يلعبون بخلية النحل…..فلسع زنبور احدهم…بقى خمسة

كان خمسة صبية هنود يمارسون القانون…..قبض على احدهم بالمحكمة…بقى اربعة

ذهب اربعة صبية هنود الى البحر…..فابتلعت احدهم سمكة حمراء…بقى ثلاثة

ثلاثة صبية هنود كانوا يسيرون في حديقة حيوان…..فاحتضن احدهم دب كبير…بقى اثنان

كان صبيان هنديان صغيران يجلسان في الشمس…..فاحترق احدهم بالحرارة…بقى واحد

بقى صبي هندي وحده …..فذهب وشنق نفسه…لم يبق احد






قالوا عنها //

( واحدة من أكثر روايات أجاثا كريستي إثارة وامتاعاً )

( أكثر الروايات غموضاً ونجاحاً وعبقرية وإبهاراً بعد رواية مقتل روجر أكرويد )

( واحدة من أكثر الروايات إثارة على الإطلاق )

( الأمر برمته مستحيل تماماً ، ومبهر بالفعل ، إنها حقاً أكثر رواية غامضة ومحيرة

كتبتها أجاثا كريستي على الإطلاق )


(http://www.4shared.com/get/xygZ1HZC/___online.html)
تحميل
(http://www.4shared.com/get/xygZ1HZC/___online.html)
هنا (http://www.4shared.com/get/xygZ1HZC/___online.html)
//\\ (http://www.4shared.com/get/xygZ1HZC/___online.html)

http://www.heac.gov.om/heac_ar/images/download_icon.gif (http://www.4shared.com/get/xygZ1HZC/___online.html)





تحياتي للجميع

Rana
10-14-2010, 02:30 AM
شكراً لك محمود قصص جميلة ومشوقة وممتعة

hmm;)tooo

MA7MOUD
10-14-2010, 12:46 PM
شكرا لمتابعتك الدائمة للروايات مدام رنا نورتي

MA7MOUD
10-15-2010, 03:02 AM
مزحة غريبة

اجاثا كريستي


مرحبا

رواية جديدة للرائعة أجاثا كريستي




قالت جين هيلر وهي تكمل تعريف ضيوفها ببعضهم البعض: وهذه هي الآنسة ماربل!

وكونها ممثلة فقد كانت تستطيع أن تعطي كلامها المعنى الذي تريد وكان واضحا أن عبارتها تلك كانت قمة التشويق أو الخاتمة الرائعة! كانت نبرة صوتها مزيجا من الرهبة والاحترام والزهو في آن واحد.

كان الغريب في الأمر أن من تم تقديمها للضيوف بكل هذا الفخر لم تكن الا عجوزا رقيقة يبدو عليها الميل للقيل والقال ولذلك ظهر عدم التصديق وشئ من خيبة الأمل في عيون الشاب والفتاة اللذين سعت جين لتعريفهما بها. كانا شابين جميلين: الفتاة (وتدعى تشارميان ستراود) نحيلة سمراء, والرجل (ويدعى ادوارد روسيتر) أشقر الشعر لطيف وعملاق.

قالت تشارميان وهي تلهث قليلا: آه! اننا مسروران جدا بلقائك.

ولكن الشك كان باديا في عينيها. نظرت الى جين هيلر نظرة تساؤل سريعة فقالت جين ردا على نظرتها: "انها رائعة تماما يا عزيزتي... اتركي كل شئ لها. لقد أخبرتك أنني سأحضرها الى هنا وقد فعلت". ثم أضافت تخاطب الآنسة ماربل: ستحلين المشكلة لهما أعرف ذلك. سيكون ذلك سهلا عليك.

نقلت الآنسة ماربل عينيها الهادئتين عميقتي الزرقة صوب السيد روسيتر وقالت: ألن تخبرني عن طبيعة الأمر كله؟

تدخلت تشارميان بنفاد صبر قائلة: ان جين صديقة لنا. أنا وادوارد وقعنا في ورطة. وقد طلبت جين منا أن نحضر حفلتها حتى تقدمنا لشخص يمكن... من شأنه...

أسرع ادوارد لنجدتها: أخبرتنا جين بأنك صاحبة القول الفصل في أمور التحري يا آنسة ماربل!

طرفت عينا السيدة العجوز ولكنها عارضت بتواضع: آه, لا, لا! لست كذلك. كل ما في الأمر أن من يعيش في قرية مثلي يعرف الكثير عن الطبيعة البشرية. ولكنكما زدتما فضولي حقا. أرجو أن تحدثاني عن مشكلتكما.

قال ادوارد: أخشى أن يكون تعبيري مكرورا مبتذلا... انها مجرد كنز مدفون.

- أحقا؟ ولكن هذا يبدو مثيرا جدا!

- أعرف, مثل حكاية "جزيرة الكنز". ولكن مشكلتنا تفتقر الى اللماسات الرومنسية المعتادة؛ فلا توجد علامة على خريطة ولا رموز الجمجمة والعظمتين المتقاطعتين ولا تعليمات كتلك التي تقول: "أربع خطوات الى اليسار ثم الشمال الغربي..." انها قضية عادية لا اثارة فيها وملخصها هو أين يجب أن نحفر

- هل حاولتم الحفر؟

- لقد حفرنا مساحة تقدر بنحو فدانين مربعين كاملين حتى لقد أصبحت الأرض جاهزة لتكون حديقة انتاجية... غير أننا نناقش فقط هل نزرعها بالكوسا أم بالبطاطا!

قالت تشارميان فجأة: أيمكننا أن نخبرك كل شئ عن هذا الأمر؟

- بالطبع يا عزيزتي.

- اذن, هيا نبحث عن مكان هادئ. هيا يا ادوارد.

تقدمت خارجة من الغرفة الصغيرة المكتظة العابقة بروائح الدخان وصعدوا جميعا الدرج الى الطابق العلوي ثم دخلوا غرفة جلوس صغيرة هناك.

وعندما جلسوا بدأت تشارميان حديثها على الفور: حسنا, هاك الحكاية! الحكاية تبدأ بالعم ماثيو... أو بالأحرى العم البعيد, البعيد... لنا نحن الاثنين. كان عجوزا بلغ من العمر أرذله وكنت أنا وادوارد قريبيه الوحيدين. وكان يحبنا كثيرا وقد أخبرنا دائما أنه سيترك عند موته كل ثروته لنا نحن الاثنين مناصفة. وقد مات في شهر آذار الماضي وترك كل شئ كان يملكه لنقتسمه أنا وادوارد مناصفة. ان ما قلته توا قد يبدو كلاما قاسيا ولكنني لا أقصد هنا أن موته كان أمرا مفيدا؛ فقد كنا نحبه كثيرا في الواقع. ولكنه كان مريضا منذ فترة طويلة. المهم أن "كل شئ" الذي تركه لنا ظهر أنه لا شئ أبدا وكانت هذه -بصراحة- صدمة موجعة لنا نحن الاثنين, أليس كذلك يا ادوارد؟

وافقها ادوارد الودود قائلا: لقد اعتمدنا قليلا على هذا الأمر. أقصد أن المرء عندما يعلم أن ثروة كبيرة في طريقها اليه فانه لا يبذل مجهودا كبيرا لجمع ثروة بنفسه. أنا في الجيش ولا أملك شيئا يذكر سوى راتبي كما أن تشارميان نفسها لا تملك شيئا انها تعمل كمديرة مسرح وهو عمل ممتع تماما وهي مستمتعة به ولكنه لا يحقق عوائد تذكر. كنا نعقد آمالا على موضوع زواجنا لكننا لم نقلق بخصوص المال لأننا كنا نعرف أننا سنصبح أغنياء تماما يوما ما.

قالت تشارميان: وكما ترين فنحن لسنا كذلك! والأنكى من هذا أن "أنستيز" (وهو بيت العالة الذي أحببناه أنا وادوارد) ربما تعين عرضه للبيع ونحن نشعر أننا لا يمكن أن نطيق هذا الأمر ولكن اذا لم نجد أموال العم ماثيو فسوف نضطر الى بيعه.

قال ادوارد: ما زلنا بعيدين عن النقطة الحيوية يا تشارميان.

- حسنا, تكلم أنت اذن.

التفت ادوارد الى الآنسة ماربل وقال: الأمر هكذا. فمع تقدم العم ماثيو بالعمر أخذ يزداد ارتيابا ولم يعد يثق بأحد.

قالت الآنسة ماربل: انه سلوك حكيم جدا من جانبه؛ فالطبيعة البشرية فاسدة الى حد لا يمكن تصديقه.

- ربما تكونين على حق. على أية حال كان العم ماثيو يعتقد بذلك. كان له صديق فقد أمواله في أحد البنوك وصديق آخر دمر حياته محام فار من وجه العدالة كما أنه هو نفسه قد خسر أموالا في شركة وهمية. وقد بلغ به هذا الأمر حدا جعله يقول دائما ان التصرف الوحيد الآمن والمعقول هو أن يحول المرء أمواله الى سبائك ذهبية ويدفنها.

قالت الآنسة ماربل: آه, بدأت أفهم.

- نعم. لقد ناقشه أصدقاء له في هذا مشيرين الى أنه لن يحصل على فوائد بهذه الطريقة ولكنه كان يرى أن هذا الأمر غير مهم. وقد قال ان ثروة المرء "يجب أن تحفظ في صندوق تحت السرير أو تدفن في الحديقة". كانت هذه كلماته.

أكملت تشارميان الحديث قائلة: وعندما توفي لم يترك أي سندات مالية أبدا رغم أنه كان غنيا جدا. ولذلك نعتقد أن ذلك هو ما فعله دون شك.

أوضح ادوارد: لقد كشفنا أنه باع سندات مالية وسحب مبالغ ضخمة من وقت لآخر دون أن يدري أحد ماذا فعل بها. ولكن يبدو ممكنا أنه طبق خطته فاشترى ذهبا ودفنه.

- ألم يقل شيئا قبل أن يموت؟ ألم يترك ورقة أو رسالة؟

- هذا هو الأمر الذي يثير الجنون... لم يترك شيئا! لقد فقد وعيه بضعة أيام لكنه أفاق قبل أن يموت وقد نظر الينا نحن الاثنين وضحك... ضحكة ضعيفة باهتة, ثم قال: "ستكونان على ما يرام أيها الغزالان الجميلان". ثم أغمض عينيه (بل عينه اليمنى, وغمزنا) ثم مات. مسكين العم ماثيو.

قالت الآنسة ماربل متأملة: أغمض عينه.

قال ادوارد متلهفا: هل يدلك هذا على شئ؟ لقد جعلني هذا أفكر في قصة أرسين لوبين حيث كان شئ مخبأ في عين زجاجية لأحد الرجال. لكن العم ماثيو لم تكن له عين زجاجية.

هزت الآنسة ماربل رأسها حيرة وقالت: لا, لا أستطيع التفكير بأي شئ في هذه اللحظة.

قالت تشارميان بشئ من خيبة الأمل: أخبرتنا جين أنك ستخبريننا فورا عن المكان الذي ينبغي علينا أن نحفر فيه!

ابتسمت الآنسة ماربل وقالت: أنا لست بالساحرة, ولم أعرف عمك أو أي نوع من الرجال كان كما أنني لا أعرف البيت أو الأ**** المحيطة به.

قالت تشارميان: واذا عرفتهما؟

- حسنا, لا بد أن الأمر سيكون بسيطا للغاية, أليس كذلك؟

- بسيطا! تعالي الى البيت وانظري ان كان بسيطا!

ربما لم تكن تشارميان تقصد بعبارتها تلك دعوة الآنسة ماربل جديا, الا أن الأخيرة سارعت على القول: حسنا, هذا كرم كبير حقا من طرفك يا عزيزتي. لقد أحببت دائما أن تتاح لي فرصة للبحث عن كنز مدفون.

ثم أضافت وهي تنظر اليهما مبتسمة: وباهتمام دافعه الحب أيضا!

* * *

قالت تشارميان وهي تشير بيدها بطريقة درامية: أترين!

كانوا قد اختتموا جولة كبيرة في البيت وما حوله فقد تمشوا في حديقة المطبخ التي حفرت في كل جزء منها كما ساروا خلال الغابات الصغيرة حيث حفر حول كل شجرة ونظروا بحزن الى السطح الملئ بالحفر للمرجة العشبية التي كانت يوما مستوية رائعة. ثم صعدوا الى العلية حيث بعثرت محتويات الصناديق والخزائن الموجودة فيها وأفرغت من محتوياتها ونزلوا الى السراديب حيث تم اقتلاع الأحجار من مكانها وقاموا بقياس الجدران والضرب عليها وشاهدت الآنسة ماربل كل قطعة أثاث أثرية احتوت أو يشك في أنها تحتوي على درج سري.

كان على طاولة في غرفة الطعام كومة من الأوراق... جميع الأوراق التي تركها الراحل ماثيو ستراود. لم يتم اتلاف أي ورقة منها, وقد اعتادت تشارميان وادوارد الرجوع اليها مرة تلو الأخرى يمعنان النظر في الفواتير والدعوات ومراسلات العمل على أمل أن يعثروا على دليل لم يلحظاه حتى اليوم.

سألتها تشارميان بشئ من الأمل: هل يمكنك التفكير في أي مكان لم نبحث نحن فيه؟

هزت الآنسة ماربل رأسها بالنفي وقالت: يبدو أنكما تعمقتما تماما في البحث... بل ربما كان تعمقكما هذا أكثر قليلا من المطلوب. أنا أرى دوما أن على المرء أن يضع خطة وهذا يشبه ما حدث مع صديقتي السيدة ايلدريتش فقد كانت لديها خادمة صغيرة لطيفة تلمع أرضية البيت بكل حرص ولكنها كانت من الحرص بحيث بالغت في تلميع أرضية الحمام وبينما كانت السيدة ايلدريتش تخرج من الحمام انزلقت الممسحة من تحت قدميها فوقعت على الأرض وقعة شديدة وكسرت ساقها! وكانت تلك مشكلة فظيعة للغاية لأن باب الحمام كان مقفلا وقد توجب على البستاني أن يحضر سلما ويدخل من خلال النافذة لانقاذها.

تململ ادوارد فسارعت الآنسة ماربل للقول: أرجو أن تسامحني. أعرف أنني أنحرف دوما عن موضوع الحديث ولكن الشئ بالشئ يذكر وهذا ما يكون مفيدا أحيانا. كل ما أحاول قوله أننا لو حاولنا أن نشحذ عقولنا ونفكر في مكان محتمل...

قال ادوارد غاضبا: أنت فكري لنا في مكان يا آنسة ماربل؛ فعقلي وعقل تشارميان أصبحا الآن فارغين!

- أيها المسكينان. انه أمر متعب جدا لكما بالطبع. اذا لم تمانعا فانني أود القاء نظرة على هذه...

وأشارت الى الأوراق على الطاولة وقالت: هذا ان لم يكن فيها أوراق خاصة؛ فلا أريد الظهور بمظهر المتطفلة.

- آه, لا بأس. لكن أخشى ألا تجدي شيئا.

جلست قرب الطاولة وبدأت تعمل في كومة الأوراق وعندما كانت تنتهي من كل واحدة كانت تفرزها -آليا- في مجموعات صغيرة مرتبة. وعندما انتهت من عملها جلست تحدق أمامها بضع دقائق.

سألها ادوارد بنبرة لا تخلو من خبث: حسنا يا آنسة ماربل؟

فوجئت الآنسة ماربل (وكأنها كانت شاردة بعيدا) وقالت: أرجو المعذرة, لم أسمع ما قلته.

- هل وجدت شيئا ذا صلة بالأمر؟

- آه لا, لا شئ من هذا. ولكنني أعتقد -حقا- أنني أعرف أي نوع من الرجال كان عمك. انه مثل عمي هنري؛ كان مولعا بالمزاح. واضح أنه كان أعزب... لا أدري سبب ذلك ربما كان بسبب خيبة أمل مبكرة؟ وهو منهجي الى حد معين ولكنه لا يحب الارتباط. ان كثيرا من العزاب على هذا الشكل!

قامت تشارميان باشارة لادوارد من وراء ظهر الآنسة ماربل مفادها أن هذه المرأة معتوهة.

كانت الآنسة ماربل مستمرة في الحديث عن عمها الراحل هنري بسعادة: كان مولعا جدا بالغمزفي كلامه وهذا الغمز مزعج جدا لبعض الناس... ان من شأن التلاعب بالألفاظ أن يثير الغضب الشديد. كما كان رجلا شكاكا أيضا وكان مقتنعا دائما بأن الخدم كانوا يسرقونه. صحيح أنهم كانوا يسرقونه أحيانا ولكن ليس دائما. وقد تفاقم ذلك عند الرجل المسكين حتى بات -في النهاية- يرتاب في عبثهم بطعامه فأخذ يرفض أكل شئ سوى البيض المسلوقة (بحجة أن أحدا لا يمكنه العبث بداخل البيضة المسلوقة)! لقد كان العم العزيز هنري ذا روح مرحة في وقت من الأوقات وكان يحب تناول القهوة بعد العشاء ويطلب المزيد منها دائما.

أحس ادوارد بأنه سيصاب بالجنون لو سمع المزيد عن العم هنري, ولكن الآنسة ماربل تابعت قائلة: كما أنه كان مولعا بالشباب والصغار ولكنه كان يميل الى اغاظتهم قليلا فكان يضع علب الحلوى في مكان لا يمكن للطفل أن يصله.

ألقت تشارميان بالأدب جانبا وقالت: أظنه يبدو فظيعا!

- آه, لا ياعزيزتي؛ كان مجرد أعزب عجوز ولم يكن معتادا على الأطفال. ولم يكن بالغبي أبدا في الواقع. كان يحتفظ بمبلغ كبير من المال وقد ركب خزانة حديدية في البيت وظل يردد -طوال الوقت- مزاياها وما توفره من أمان. ونتيجة لحديثه الكثير عنها اقتحم اللصوص بيته ذات ليلة وفتحوا ثغرة في الخزنة باستخدام أداة كيميائية.

قال ادوارد: ووقع في جزاء عمله.

قالت الآنسة ماربل: آه, ولكن لم يكن في الخزنة شئ. كان يحتفظ بنقوده في مكان آخر... وراء بعض مجلدات المواعظ في المكتبة وكان يقول ان الناس لا يأخذون كتابا من هذا النوع من مكانه!

قاطعها ادوارد بانفعال: هذه فكرة جديدة. ماذا عن المكتبة؟

لكن تشارميان هزت رأسها بازدراء وقالت: أتظنني لم أفكر بهذا؟ لقد فتشت جميع الكتب يوم الثلاثاء الماضي عندما ذهبت أنت الى بورتسماوث. أخرجت جميع الكتب ونفضتها ولم أعثر على شئ.

تنهد ادوارد, ثم نهض وحاول -بلباقة- تخليص نفسه من ضيفتهما المخيبة للآمال قائلا: جميل منك أن تأتي الى هنا وتحاولي مساعدتنا. نحن نأسف لاخفاقنا. أشعر أننا بددنا الكثير من وقتك... سأخرج السيارة لايصالك بحيث تلحقين بقطار الثالثة والنصف.

- آه, ولكن يجب أن نعثر على النقود أليس كذلك؟ يجب ألا تستسلم لليأس يا سيد روسيتر. اذ لم تنجح من أول مرة فحاول, ثم حاول, ثم حاول.

- هل تقصدين أنك ستواصلين... ستواصلين المحاولة؟

- بالضبط. أنا لم أبدأ بعد, وكما تقول السيدة بيتون في كتابها عن الطهي: "أمسك أولا أرنبك...", وهو كتاب رائع ولكنه باهظ الثمن وتبدأ معظم وصفات الطعام بعبارة: "خذي ربع غالون من القشدة وعشر بيضات". ماذا كنت أقول؟ آه, نعم؛ علينا أن نمسك بأرنبنا. وقد أمسكنا أرنبنا اذا صح التعبير والأرنب هنا عمك ماثيو بالطبع وما علينا الا أن نقرر الآن أين كان من شأنه أن يخبئ الأموال. يجب أن يكون هذا بسيطا جدا.

سألتها تشارميان: بسيطا؟

- نعم يا عزيزتي. أنا واثقة أن من شأنه أن يفعل الشئ الواضح... أظنه وضع المال في درج سري.

قال ادوارد بجفاء: لا يمكنك أن تضعي سبائك ذهبية في درج سري.

- نعم, بالطبع. ولكن لا يوجد سبب للاعتقاد بأن المال يأخذ شكل سبائك ذهبية.

- لقد كان دائما يقول...

- وهذا ما كان يقوله عمي هنري عن خزنته! ولذلك أشك كثيرا في أن كلامه لم يكن سوى ستار للتضليل. ان أحجار الألماس يمكن وضعها في درج سري بسهولة تامة.

- ولكننا فتشنا كل الأدراج السرية. لقد أحضرنا نجارا لفحص الأثاث.

- أحقا يا عزيزتي؟ هذا ذكاء منك. أرى أن طاولة المكتب الخاصة التي كان عمك يستخدمها هي المكان الأرجح. أكان مكتبه ذلك المكتب المقابل للحائط هناك؟

- نعم, وسوف أريك.

ذهبت تشارميان الى المكتب وفتحت مصراع المنضدة. كان في الداخل رفوف صغيرة مربعة وأدراج صغيرة وفتحت بابا صغيرا في الوسط ولمست لولبا داخل الدرج الأيسر. أصدر الدرج الأوسط صوتا وانزلق الى الأمام فأخرجته تشارميان كاشفة عن حجيرة صغيرة تحته وكانت فارغة.

صاحت الآنسة ماربل: أليست هذه مصادفة غريبة؟ كان للعم هنري مكتب مثله الا أنه كان من خشب الجوز أما هذا فمن خشب الماهوغاني الأحمر.

قالت تشارميان: على أية حال ليس فيه شئ كما ترين.

- أظن أن النجار الذي أحضرتماه كان شابا ولم يكن يعرف كل شئ. كان الناس بارعين جدا عندما يصنعون مخابئ سرية في تلك الأيام وكان ما يسمى السر داخل السر.

أخرجت دبوسا من كومة شعرها الرمادي المرتب فأدخلته في مكان بدا ثقبا صغيرا لحشرة في أحد جوانب الدرج السري وببعض الصعوبة أخرجت منه درجا صغيرا. وكان بداخله حزمة من الرسائل باهتة اللون وورقة مطوية.

انقض ادوارد وتشارميان على هذا الاكتشاف معا. ففتح ادوارد الورقة بأصابع مرتجفة ثم رماها وهو يصيح مغتاظا: تبا! انها وصفة لتحضير وجبة طعام... لحم مشوي!

حلت تشارميان الخيط الذي كان يربط الرسائل وأخرجت واحدة منها فنظرت اليها قائلة: انها رسائل غرامية!

هتفت الآنسة ماربل بحماسة فكتورية: هذا مثير جدا! ربما كان هذا هو سبب عدم زواج عمك أبدا.

قرأت تشارميان بصوت مرتفع:

عزيزي الغالي ماثيو,
لابد أن أعترف بأن الوقت قد طال على استلام آخر رسالة منك. انني أحاول أن أشغل نفسي بالمهام العديدة الموكلة الي وغالبا ما أقول لنفسي انني محظوظة جدا لمشاهدتي كثيرا من بلاد العالم رغم أنني لم أحسب عندما ذهبت الى أمريكا أنني سأسافر الى هذه الجزيرة البعيدة!

سكتت تشارميان ثم قالت: من أين هذه الرسالة؟ آه! من هاواي! ثم أكملت:

للأسف, فان السكان المحليين أبعد ما يكونون عن المدنية. انهم بدائيون ويقضون معظمهم وقتهم في السباحة والرقص ويزينون أنفسهم بأكاليل الزهور. وقد نجح السيد غراي في تنصير بعض السكان ولكنه عمل شاق وقد ثبطت عزيمته وعزيمة زوجته. انني أحاول بذل جهدي لتشجيعه وادخال السرور الى نفسه لكنني -أنا الأخرى- حزينة لسبب تعرفه يا عزيزي ماثيو. للأسف فان الغياب محنة قاسية على القلب المحب. ان قسمك الذي تجدده كل مرة وتأكيداتك على حبك لي تفرحني كثيرا. أنت تملك الآن والى الأبد قلبي المحب والمخلص يا عزيزي ماثيو. وسأبقى دائما... حبك الحقيقي, بيتي مارتن.

ملاحظة: أرسل رسائلي لك على عنوان صديقتنا المشتركة ماتيلدا غريفس كالعادة. أرجو أن يسامحني الله على حيلتي الصغيرة هذه.

صفر ادوارد قائلا: امرأة تعمل في البعثات التبشيرية! كانت تلك -اذن- هي قصة حب العم ماثيو. ترى لماذا لم يتزوجا؟

قالت تشارميان وهي تتفحص الرسائل: يبدو أنها سافرت الى جميع أنحاء العالم... جزر موريشيوس... جمع الأماكن. ربما ماتت من الحمى الصفراء أو مرض مثله.

جفل الاثنان بسبب ضحكة خفيفة أطلقتها الآنسة ماربل وقد بدا عليها الفرح. قالت:حسنا, حسنا,هذاغريب!

كانت تقرأ وصفة تحضير اللحم المشوي, وعندما رأت نظراتهما المتسائلة قرأت بصوت مرتفع:

لحم مشوي مع السبانخ. تؤخذ قطعة من لحم الفخذ تفرك بالثوم وتغطى بالسكر الأحمر ثم توضع على نار خفيفة في الفرن. ثم تقدم محاطة بالسبانخ المهروس.

ماذا تريان في هذه؟

قال ادوارد: أراها أكلة مقززة.

-لا, من شأنها أن تكون أكلة رائعة. ولكن ما رأيكما بالأمر كله؟

أضاء وجه ادوارد فجأة وقال: أتظنينها شفيرة ما... أو رسالة سرية؟

أمسك بها وقال: انظري يا تشارميان قد تكون كذلك بالفعل! والا لما كان من داع لوضع وصفة طعام في درج سري.

قالت الآنسة ماربل: بالضبط؛ هذه نقطة مهمة جدا.

قالت تشارميان: أعرف ما يمكن أن تكون... حبرا سريا! دعنا نسخنها, أشعل المدفأة الكهربائية.

فعل ادوارد ما قالته, ولكن لم تظهر أية اشارات على وجود كتابة سرية.

تنحنحت الآنسة ماربل وقالت: أظن أنكما تصعبان الأمر قليلا. ان وصفة الطعام مجرد مؤشر فقط. أعتقد أن الرسائل هي الأمر المهم.

- الرسائل؟

- وخصوصا التوقيع.

لكن ادوارد لم يكد يسمعها, اذ صاح دهشا: تشارميان, تعالي هنا! انها على حق. انظري... المغلفات قديمة بالفعل ولكن الرسائل نفسها كتبت حديثا.

قالت الآنسة ماربل: بالضبط.

- لقد زيفت بحيث تبدو قديمة. أراهن أن العم ماثيو هو الذي زورها بنفسه...

قالت الآنسة ماربل: بالضبط.

- الأمر كله خدعة. لم تكن هناك امرأة تعمل في التبشير. لا بد أنها شفيرة.

- يا ولدي العزيزين... لاحاجة لجعل الأمر صعبا للغاية. كان عمكما رجلا بسيطا تماما وكان يريد أن يمزح كعادته وهذا كل ما في الأمر.

لأول مرة اصغيا اليها اصغاء كاملا. سألتها تشارميان: ماذا تقصدين بالضبط يا آنسة ماربل؟

- أقصد أنك تمسكين بالمال بيدك في هذه اللحظة بالفعل.

حدقت تشارميان الى الرسالة.

- التوقيع يا عزيزتي... انه يكشف كل شئ. وصفة الطعام مجرد مؤشر. اذا جردنا كلماتها من الثوم والسكر الأحمر وبقية هذه الأشياء فماذا تكون عمليا؟ سيبقى فخذ اللحم والسبانخ بالتأكيد. فخذ اللحم والسبانخ. والمعنى: هراء! ولذلك فالواضح أن الرسائل هي المهمة. ثم فكرا بما فعله عمكما قبل موته بوقت قصير. لقد غمز بعينه كما قلتما. حسنا, هذا يعطيكما المفتاح.

قالت تشارميان: هل أنت مجنونة أم نحن المجانين؟

- لابد أنك سمعت -يا عزيزتي- العبارة التي تقول: "ليس كل ما يلمع ذهبا". لقد كان القدماء يقولون اذا ما رأوا فتاة جميلة: "عيني على بيتي مارتن".

شهق ادوارد وعيناه تنظران الى الرسالة التي يمسك بها بيده وقال: بيتي مارتن...

- بالطبع يا سيد روسيتر. كما قلت لتوك: لم توجد أبدا واحدة بهذا الاسم. عمك هو الذي كتب الرسائل كما أظن أنه استمتع كثيرا بكتابتها! وكما قلت فان الكتابة على المغلفات تبدو مكتوبة قبل الرسائل نفسها بوقت طويل... وفي الواقع هذه المغلفات لا تخص الرسائل التي فيها لأن خاتم البريد على المغلف الذي بيدك يحمل تاريخ ألف وثمانمئة وواحد وخمسين.

سكتت, ثم شددت على كلماتها: عام ألف وثمانمئة وواحد وخمسين. وهذا يوضح كل شئ, أليس كذلك؟

قال ادوارد: ليس بالنسبة لي.

- بالطبع, أظن أنه ما كان سيتضح لي أيضا لولا ليونيل, ابن بنت اختي. كان ولدا صغيرا يهوى جمع الطوابع ويعرف كل شئ عن طوابع البريد. وهو الذي أخبرني عن الطوابع النادرة والثمينة وأن طابعا اكتشف حديثا سيعرض في المزاد. وأذكر أنه ذكر لي طابعا معينا... صدر عام ألف وثمانمئة وواحد وخمسين... طابع أزرق من فئة سنتين. وقد بيع بمبلغ يصل الى نحو خمسة وعشرين ألف دولار حسب ظني. تخيل! وأظن أن الطوابع الأخرى نادرة وثمينة. لا شك أن عمكما قد اشترى هذه الطوابع من أناس يتعاملون بها وكان حريصا على "تغطية خدعه" كما يقال.

زأر ادوارد وجلس واضعا وجهه بين يديه, فسألته تشارميان: ماذا في الأمر؟

- لا شئ. لقد راودتني فقط الفكرة بأننا -لولا الآنسة ماربل- كنا سنحرق هذه الرسائل بكل أدب وفاء لذكرى العجوز!

قالت الآنسة ماربل: هذا ما لا يدركه هؤلاء المسنون الذين يحبون المزاح. أذكر أن العم هنري أرسل ورقة نقدية بمبلغ خمسة جنيهات لابنة أخ له يحبها هدية في عيد الميلاد. وقد وضعها بين ورقتي بطاقة المعايدة وألصق الورقتين وكتب عليها: "مع حبي وأطيب أمنياتي. أخشى أن يكون هذا كل ما يمكنني عمله لك هذا العام". وقد تضايقت الفتاة المسكينة مما ظنته بخلا منه فألقت البطاقة مباشرة في النار. ثم كان عليه أن يعطيها غيرها بالطبع.

تغيرت مشاعر ادوارد نحو العم هنري تغيرا تماما وقال: آنسة ماربل, سأقيم لك مأدبة عامرة على شرف عمك الراحل هنري

النهايــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــة

Rana
10-15-2010, 11:08 PM
جميلة جداً القصة شكراً لك محمود
خاصة أنها انتهت في نفس الحلقة ولم ننتظر طويلاً ..


d5555

MA7MOUD
10-16-2010, 12:14 AM
اي اهم الشي انو خلصت من اول صفحة

بشكر مرورك الكريم مدام رنا

*******************************
سرا لطاهيه المختفية

اجاثا كريستي

في الوقت الذي كنت أقيم مع صديقي هيركيول بوارو في مسكنه كان من عادتي ان اتلوعليه بصوت مرتفع
عناوين الصحيفة الصباحية الدلبلير وكانت الدلبلير من الصحف التي تعلى بنشره الانباء المثيره وتجعل من
الصغيرة كبيره وكانت العناوين في ذلك اليوم تتضمن اختفاء احد موظفي المصرف ومعه سندات قيمتها خمسون
إلف جنيه وزوج ينتحل بوضع رأسه في داخل فرن مشتعل وحياه عائليه بائسة واختفاء كاتبه على الإله الكاتبة
والى أين ذهبت ادنافيلد
قلت له امامك العديدمن القضايه ماذاتختار يابوارواختفاء احد موظفي المصارف جريمه انتحار غامض ه اختفاء
كاتبه ايه واحده تثير انتباهك
ظل صديقي على هدوئه وهويهز رأسه قائلا لاتثير أي واحده منهافضولي ياصديقي اريد ان استسلم اليوم للراحه
ولدي بعض المشكلات المنزليه التي تحتاج الى عنايتي
مثل ماذا
الاواني ياهيستنغز ...لدي حله فيهابقعه من الزيت تحتاج الى التنظ يف وهناك المعطف الشتوي الذي يحتاج الى
وضعه في التنظيف واعتقد ان الوقت حان لكي اهذب شاربي ثم علي ان اصبغه بعدذلك
فقلت وانااتجه نحوالنافذه اشك في انك ستنفذ هذا البرنامج الشاق هذاهوجرس الباب يرن لقدجاءك احد العملاء
واجاب بوارو قائلا اذالم تكن القاضيه ذات اهميه قوميه فلن اتولاها
كانت القادمه سيده بدينه ذات وجه احمر وتلهث من المجهود الذي بذلته في ارتقاء الدرج بسرعه وقالت وهي
ترتمي متهالكه على احدالمقاعد اانت السيدبوارو
نعم سيدتي اناهيركيول بوارو
انت لاتشبه بحال الصوره التي اتخيلها لك هل دفعت للصفيحه اجرا لكي تنشر ماقيل عنك من انك مخبر داهيه
قال بوارو باستياء سيدتي
انااسفه فانت تعلم ماينشر في الصحف اليوم ولكنني لم اقصد اهانتك ساخبرك بمااطلبه منك ....اريد منك ان تبحث
عن طاهيتي
حملق بوارو في وجهها بانفه ولاول مره يخونه لسانه السليط
واسترسلت السيدة تقول انهم يضعون في رؤؤس الخدم افكاراشريرة في هذه الايام يغرونهم ...بالتحول الى
الطباعه على الإله الكاتبة اواغيرها من الاعمال .اريد ان اعلم الاسباب التي تدفع الخدم الى الشكوى فهم
يحصلون على يوم للراحه في الاسبوع ويرتاحون بعد ظهر السبت وياكلون الطعام الذي ناكله ونحن لانستخدم
السمن الصناعي لاشي غير السمن الطبيعي
ثم سكتت لبرهة لتلتقط انفاسها فقال بوارو لقد اخطات بقدومك الي ياسيدتي انا لااتولى قضايا البحث عن الخدم
المختفين انا مخبر خاص
اعلم هذاوانااطلب منك البحث عن طاهيتي التي اختفت في يوم الاربعاء الماضي من غير ان تترك لي كلمه
واحده
انااسف ياسيدتي انالااتولى مثل هذه القضايا
صرخت السيده قائله بانفعال انت تانف من مثل هذه القضيه ايهاالمخبرالعظيم ...تريدان تكتفي
بقضاياالاسرارالحكوميه وسرقات حلي النبلاء دعني اقل لك ان الخادمه بالنسبه لي لاتقل اهميه عن التاج
الملكي ...الطاهيه الجيده كنزثمين اذا فقدتها فكانك فقدت الجواهرواللالئ
انفجربواروضاحكا في التهايه ثم عاد الى مقعده قائلا الحق معك سيدتي لقدكنت مخمخطئا تعبيراتك تنم عن الذكاء
وستكون هذه القضيه شيئا جديدابالنسبه الي فلم يسبق لي قط ان طاردت الخدم الهاربين كنت تقولين ان جوهرتك
اعني الطاهيه قدغادرت البيت في يوم الاربعاء ولم تعد تعنين امس الاول
فقالت السيده نعم وكان ذلك يوم راحتها
اليس من المحتمل ان تكون قداصيبت بحادث هل اتصلت بالمستشفيات
هذاماكنت افكرفيه بالامس الاانها ارسلت في صباح هذااليوم تطلب صندوقها ولوكنت موجوده في لبيت
لماسمحت بتسليم الصندوق لها ولكنني كنت قدذهبت الى القصاب لسوء الحظ
قال بواروهل تستطعين ان تصفي لي الطاهيه
انهافتاه في منتصف العمربدينه وشعرهاالاسود بداالشيب يغزوه وشكلها ينم عن الاحترام قضت في عملها السابق
+++++++++++++++++++++++++
عشرسنوات اسمهااليزادان
الم يحدث أي خلاف بينكمابشان اجازتها في يوم الاربعاء__

?
لم يحدث بيننااي خلاف قط وهذاوجه الغرابه في الامر
سال بوارو وهل لديك خادمه سوى هذه الطاهيه ياسيدتي
نعم اني هي وصيفتي وهي شابه بالغه اللطف عيبها الوحيد النسيان واطاله التفكير في الشبان ولكنها خادمه
ممتازه اذاالتفتت الى عملها
هل كانت العلاقه طيبه بينها وبين الطاهيه
كانتاتختلفان بشان بعض المشكلات ولكن العلاقه بينهماكانت طيبه
الاتستطيع الوصيفه ان تلقي بعض الضوء على اسباب اختفاء الطاهيه
اجابت بعدصمت قصيرقائله انت تعلم طباع الخدم فهم لايفشون اسرارهم
ماعنوانك ياسيدتي
كلايهام ?? في شارع الاميرالبرت
حسناياسيدتي توقعي زياره مني في هذااليوم
انصرفت السيده تود ونظرالى بوارو باكتئاب قائلا هذانوع من القضايا جديدعلينا ياهيستنغز اختفاء طاهيه كلايهام
ارجو الايسمع صديقك المفتش جاب شيئاعن هذاالموضوع
وانصرف بواروالى تسخين المكواه لكي يزيل بقعه الزيت عن حلته الرماديه م ستخدماقطعه من ورق النشاف
وقرر اسفا تاجيل تهذيب شاربه وصبغه الى يوم اخر ثم توجهناالى كلايهام
قرعناجرس باب المسكن المرقم ?? في شارع الاميرالبرت ففتحت لناالباب خادمه انيقه ذات وجه صبوح
وخرجت السيده تودالى الصاله لتحييناقائله لاتذهبي يااني هذاالسيدمخبرويريدان يوجه اليك بعض الاسئله
عبر وجه اني عن صراع بين الفزع والاثاره وقال بوارو وهوينحني انحناءه بسيطه شكرالك ياسيدتي اريد ان
اتحدث الى خادمتك الان وارغب في ان نكون على انفراد
اقتادتنا السيده تود الى غرفه صغيره ثم غادرت الغرفه باستياء وبدابواروحديثه قائلاوالان ي اانسه اني سيكون
لماتقرين به اهميه كبرى فانت وحدك التي تستطعين القاء الضوء على هذه القضيه انالااستطيع ان افعل شيئا بلا
مساعدتك
اختفى الفزع عن وجههاوقالت ساخبرك بكل مااعرفه بكل مااعرفه ياسيدي
فقال بوارو الامر الاول هومافكرتك الخاصه عن اختفاء الطاهيه انت فت اه ذات ذكاء هذايتضح من اول نظره
فكيف تفسرين اختفاء الطاهيه
انطلق لسانالفتاه امام هذاالتشجيع قائله انهم تجار الرقيق الابيض ياسيدي كانت الطاهيه تحذرني منهم على الدوام
لقدوقعت في النهايه في ايديهم اناواثقه من ذلك ومن يدري لعلهم ارسلوها الى احدى بلادافريقيا فقد سمعت انهم
يميلون هناك الى السيدات البدينات
اذافرضناان هذا ماحدث هل كانت سترسل في طلب صندوقها
حسنا لاادري ياسيدي لاشك في انها تريد حاجياتها حتى لوكانت في بلاداجنبيه
من الذي جاء يطالب بالصندوق
رجل
من هو
كارترباترسون ياسيدي
هل حزمت لهاالصندوق
لاكانت اشياؤها معده في داخل الصندوق والصندوق مربوطابالحبال
آه هذا امرمثير هذايعني انها كانت مصره عند مغادرتها البيت في يوم الاربعاء على عدم العوده الاتوافيقنني على
ذلك
ترددت الخادمه لبرهه قبل ان تقول لم افكر في ذلك من قبل ولكن مايزال احتمال وقوعها بين ايدي تجار الرقيق
الابيض قائما اليس كذلك
بلى هل كنتما تشتركان في غرفه واحده
ردت الخادمه قائله كلاياسيدي لكل منا غرفتها الخاصه
هل كانت غيرراضيه عن عملهاالحالي هل كنتما تشعران بالسعاده هنا
لم تتحدث اليزا قط عن رغبتها في ترك العمل
العمل مريح في الواقع
وترددت الخادمه لبرهه فقال بوارو مشجعاتحدثي بحريه لن اخبرسيدتك
حسنا السيده تشك بعض الشئ الاان الطعام طيب ووفير نتناول عشاء ساخنا ويسمح لنا بالقدر الذي نحتاجه من
السمن على ايه حال لوفكرت اليزافي التغيير لماتصرفت بهذه الطريقه
وبالنسبه الى العمل اهوشاق__

++++++++++++++++++++++++?
حسنالاتكلف السيده عن معاينه الا ركان بحثاعن الغبار وهناك الزائر الدائم الذي يتردد على البيت ولكن
هذالايحدث الافي الافطاروالعشاء والسيدوالسيده يتغيبان عن المنزل طوال اليوم
هل تحبين سيدك
لاغبارعليه وهورجل شديد الهدوء وان كان سليط اللسان بعض الشئ
الاتذكرين اخركلمه قالتها اليزا قبل انصرافها
بلى اذكرانهاقالت اذاكان هناك بعض الخوخ فسنتناوله في العشاء مع قطعه من اللحم والبطاطاالمحمره
كانت مولعه بالخوخ وربما استدرجها مختطفوها تحت اغراء الخوخ
هل كانت تخرج في يوم الاربعاء بصوره منتظمه
نعم الاربعاء يومهاوالخميس لي
ووجه بواروبعض الاسئله الاخرى قبل ان يسمح للخادمه بالانصراف وعندما جاءت السيده تود مسرعه كان
بوارو حريصا على ان يخفف من حده غضبها لعدم السماح لهابالبقاء مع الخادمه وقال لهابلباقه من الصعب على
سيده ذات ذكاء خارق مثلك ان تصبر على الاستماع الى الاسئله الكثيره الملتويه التي يوجهها المخبرون من
امثالنا
بعدذلك حول بوارو الحديث الى السيدتود وعلم من زوجته انه يعمل في احدى المؤسسات في المدينه وانه لن
يعود الى المنزل قبل السادسه مساء ثم سالها قائلا لاشك في ان اختفاء الطاهيه اقلقه اشد القلق اليس كذلك
فقالت السيده تودلم يكن يعرف القلق قط كان كل ماقاله ابحثي عن طاهيه اخرى تلك الطاهيه ناكره للجميل وحسنا
فعلت بذهابها بمحض ارادتها
مامعلوماتك عن بقيه سكان المنزل ياسيده تود
تعني السيدسمبسون ضيفنا الدائم حسنا مادام يحصل على وجبتي الافطار والعشاء فلايوجدثمه مايدفعه الى
الشكوى
فسال بوارو قائلا مامهنته ياسيدتي
يعمل في احدالمصارف
وعندما ذكرت اسم المصرف شعرت برجفه تسري في بدني وانااتذكرقصه اختفاء موظف المصرف في صحيفه
الديلي بلير وسال بواروقائلا اهوشاب في مقتبل العمر
فاجابت السيده تود لقد كان في الثامنه والعشرين على مااعتقد وهوشاب لطيف هادئ الطباع
اريدان اتحدث اليه وكذلك مع زوجك ساعودفي المساء لهذاالغرض وانصحك بالراحه فانت كمايظهرلي متعبه
ياسيده تود
اجابت بتمهل انامجده بالفعل بسبب القلق على اليزا والقيام بجوله للمشتريات في الامس ثم مهام البيت التي تعملها
ياسيدبوارو لان الوصيفه اني لاتستطيع ان تنهض بالعنل وحدها وانا ا خشى ان تعطيني انذارابترك العمل هي
الاخرى من اجل ذلك تراني متعبه غايه التعب
واستاذن بوارو ثم غادرناالمنزل
قلت له بعدانصرافنا هذه مصادفه غريبه دافيز موظف المصرف المختفي يعمل في المصرف نفسه مع سمبسون
هل توجدعلاقه بين الاثنين
فابتسم بواروثم قال يوجد في هذاالط رف الاخر طاهيه مختفيه ومن الصعب ان توجد علاقه بين الطرفين الا
اذاكان دافيز قدقام بزياره سمبسون ووقع في غرام الطاهيه واقنعها بالفرار معه
فضحكت الاان بوارو ظل جاداواسترسل قائلا وربمايكون قدفعل ماهواسوامن ذلك تذكر ياهيستنغز انك عندما
تنوي الاغتراب تكون بحاجه الى طاهيه بارعه توفر لك الراحه اكثر من حاجتك الى الوجه الحسن
وسكت بوارولبرهه ثم اردف يقول هذه القضيه غريبه ومتناقضه لقد بدات القضيه تثير اهتمامي
ذهبنا في المساء الى المنزل المرقم ?? في شارع البرت لمقابله كل من تود وسمبسون وكان الاول في الاربعين
من عمره ع ريض الفكين وعلى وجهه مسحه من الحزن وقال بشرود آه نعم نعم اليزا كانت طاهيه ممتازه على
مااعتقد ومدبره وانااميل الى الاشخاص المدبرين
هل تتصور سببا معقولا لتركها الخدمه فجاه على هذه الصوره
فقال السيدتود مفكرا حسنا موضوع الخدم يقلق زوجتي هذاالقلق يسبب لهاالازع اج واناارى الامر غايه في
البساطه واقول لهاابحثي عن طاهيه اخرى لاداعي للبكاء على اللبن السكوب
ولم يقدم لناالسيدسمبسون ايه معلومات مفيده كان شابا غيرمتميز الصفات يضع نظاره طبيه وقال لابد انني رايتها
سيده عجوز الم تكن كذلك اه توجد خادمه اخرى اني شابه لطيفه تميل الى الخدمه
فقال السيدسمبسون لاستطيع ان احكم
وقال بوارو عندمغادرتنا المنزل حسنا لم يسفر هذا عن شئ مفيد
وقلت له هل تشعربخيبه الامل هل كنت تتوقع ان تسمع شيئا معينا
فهزبوارو رأسه ثم قال كانت هناك بعض الاحتمالات ولكني لم اكن اعول كثيرا على هذااللقاء
4
++++++++++++++++++++++++++++++
كان التطور التالي في القضيه ان بوارو تلقى خطابا في اليوم التالي وناولني الخطاب بامتعاض بعد ان انتهى من
قرائته كان الخطاب مرسلامن السيده تود التي ذكرت انهالم تعدفي حاجه الى خدمات السيدبوارو بعدان ناقشت
الامرمع زوجها الذي يرى ان من الحماقه استدعاء مخبر خاص للبحث في مساله عائليه بحته وارفقت السيده
تودمع خطابهاجنيهااجره الاستشاره
صرخ بواروقائلابغضب اه يتصورون انفسهم يستطيعون التخلص من هيركيول بواروبهذه الكيفيه كنت اتصور
اني اؤدي معروفاللسيده تودنظيراجرتافه ثم تكون النتيجه ان يطردوني بهذاالاسلوب واذالم اكن مخطئ افهذه لعبه
السيدتود ولكنني اقول كلاوالف كلا ساصرف كل مااملك للكشف عن اسراهذه القضيه
قلت له ولكن كيف
بدءاسننشراعلانافي الصحف شيئا كهذا واذاقامت اليزا دان بالاتصال بهذاالعنوان فسوف تسمع انباء لصالحها
انشر الاعلان في جميع الصحف ياهيستنغز بينماساقوم ببعض التح ريات الخاصه يجب ان ننفذ ذلك باسرع وقت
مستطاع
لم التق ببوارو حتى المساء عندما بدايقص علي مافعله في ذلك اليوم اذقال لقدقمت بالتحري عن السيدتود لم
يتغيب عن العنل في يوم الاربعاء والاخباركلهاتشيرالى انه انسان محترم امابالنسبه الى سمبسون كان مريضايوم
الخميس ولم يذهب الى المصرف ولكنه كان في عمله يوم الاربعاء وكان على علاقه طيبه بديفز يجب ان نركز
امالنا كلها على الاعلان المنشور في الصحف
ظهرالاعلان في الصحف الرئيسيه اليوميه كلهاواستمرالنشربناء على تعليمات بوارولمده اسبوع كان اهمتامه
بموضوع اختفاء الطاهيه امراغيرع ادي ولكنني ادركت انها اصبحت مساله دفاع عن الكرامه وعرضت على
بواروفي هذه المده قضايه مهمه باجورمرتفعه الاانه رفضهاكلها وكان يقوم بفحص عشرات الخطابات التي
يتلقاهافي كل يوم ثم يطرحهاجانبا ولكن صبرناتكلل بالنجاح في النهايه ففي يوم الاربعاء التالي لزياره السيده
تودلنا اخبرتناصاحبه البيت بان السيده تدعى اليزادان تطلب مقابلتنا وطلب منهابوارو ان تحضرهابسرعه وكانت
اوصافهامطابقه للاوصاف التي حصلناعليها قالت اليزا لقدجئت بناءا على الاعلان الموجودفي الصحيفه فكرت
في انه ربمايكون وقع لبس ما ولم تعلمواانني حصلت بالفعل على التركه التي ورثتها كان بوارو يتفرس فيهامليا
ثم قدم لهامقعداوهويقول حقيقه الامران مخدومتك السابقه السيده تودكانت قلقه عليك كانت تخشى ان تكوني
قداصبت بحادث
فاعربت اليزا عن بالغ دهشتها قائله الم تتلق رسالتي اذن
قال بوارو بعد قليل لم تتلق شيئا من الافضل ان تقصي عليناالقصه بنفسك
قالت اليزا حين كنت عائده الى البيت في مساء الاربعاء استوقفني احدالرجال وهوسيد طويل القامه ذولحيه
ويرتدي قبعه كبيره وقال لي انت الانسه اليزادان فقالت نعم فقال كنت اسأل عنك في المنزل المرقم ?? واخبروني
بانني استطيع ان التقي بك هنا
لقدجئت ياانسه دان من استراليالابحث عنك هل تعرفين اسم جدتك لامك جين ايمرت وقلت له اعرفه جيدا فقال
ربمالم تكوني تعرفي هذه الحقيقه من قبل لقدكان لجدتك صديقه حميمه تدعى اليزاليشي وقدتوجهت تلك الصديقه
الى استرالياحيث تزوجت من احد المستوطنين الاثرياء وانجبت طفلين ماتا في طفولتهما وقدورثت عن
زوجهاثروته كلها وقدماتت تلك السيده منذ بضعه شهور واوصت لك ببيت في الريف وقدركبيرمن المال وسكتت
اليزالبرهه ثم اردفت تقول وقع علي الخبركالصاعقه ولم اصدق ماسمعته في بادئ الامر ولاشك في ان الرجل
لاحظ ذلك فقدابتسم وقال معك الحق في ان تكوني على حذرياانسه دان هذه هي مستنداتي
وناولني خطابامن مكتب احدالمحامين في ملبورن اسمه هيرست كورشيت وبطاقه تحمل اسمه أي السيد كورشيت
واضاف الرجل قوله هناك شرط اوشرطان كانت عميلتنا غريبه الاطوار فقداشترطت ان تضعي يدك على البيت
الموجود في كامبرلاند قبل الساعه الثانيه عشرمن ظهرالغد اماالشرط الثاني فهوقليل الاهميه مجرد اشتراط
بالاتقومي باعمالا الخدمه للاخرين
فامتعق لوني وقلت له ولكني اعمل طاهيه ياسيد كورشيت الم يخبروك بذلك في البيت واجابني قائلالاتنزعجي
ياعزيزتي لم اكن اعلم ذلك لاشك في ان هذامن سوء الحظ فقلت بلهفه هل هذايعني ان افقدالمال كله فقال لي
بعدالتفكير انت تعرفين ياانسه دان ان هناك كثيرا من الاساليب للتحايل على القوانين نحن معشرالمحامين نتقن
الاساليب المخرج من هذه الورطه ان تكوني قد تركت وظيفتك بعدظهرهذااليوم
وقلت له بقلق وماذابشان الشهر الذي انذرفيه مخدوم تي في ترك الخدمه فقال لي باسما ياعزيزتي الانسه دان
تستطعين ان تتركي مخدومتك في ايه دقيقه اذاتنازلت عن اجرالشهر وستقدر مخدومتك الظروف المشكله الان
هي الوقت يتحتم عليك ان تلحقي بالقطارالذي يتحرك الى الشمال من محطه كنجز كروس في الحاديه
عشروخمسه دقائق استطيع ان ادفع لك مقدمامن استحقاقك عشره جنيهات لتدفعي ثمن التذكره وتكتبي رساله
لمخدومتك في المحطه وساحمل لهاالرساله بنفسي واشرح لهاالظروف
5++++++++++++++++++++++++++++++++
فوافقت بالطبع وبعدساعه كنت استقل القطاروانا مضطربه لااتبين راسي من قدمي كنت ماازال اتخيل الامركله
مجردحلم اوقصه من تلك القصص ا لخياليه التي نسمعها ولكنني توجهت الى العنوان الذي حدده لي المحامي
فوجدت كل شئ على مايرام فقدتاكدت من ان البيت الذي ورثته يدردخلاقدره ثلاثمئه جنيه في العام
وقيل لي في مكتب المحامي الذي توجهت اليه ان معلوماتهم عن الامر محدوده وان كل مافي الموضوع انهم
تلقواتعليمات من احدالساده في لندن تقضي بان يسلموني مئه وخمسين جنيهاقيمه اجرالمنزل للشهورالسته القادمه
وارسل لي السيدكروشيت امتعتي الانني لم التق كلمه واحده من مخدومتي واعتقدت انهاغاضبه مني اوانها حاقده
علي للثروه التي هبطت علي وقد احتفظت بالصندوق وارسلت ملابسي في لفافه من الورق ولكن موقفي يكون
شديد السخف لوانها لم تتسلم رسالتي
كان بوارو يصغي الى القصه باهتمام بالغ ثم اومابراسه وبداالرضايظهرعليه ثم قال شكرالك ياانسه يظهرانه
قدحدث بعض اللبس كماتذكرين واسمحي لي ان اعوضك عمالقيته من التعب
وسلمها مظروفا وهويقول هل ستعو دين الى كامبرلاندمباشره اريدان اهمس بكلمه في اذنك لاتنسي قط كيف
تطهين الطعام لان المفيد للانسان ان يتقن شيئا في حال مااذا سارت الامورعلى غيرمايشتهي
وحين انصرفت الانسه دان قال لي بواروبوجه عابس اسرع ياهيستنغز يجب الانضيع دقيقه واحده ابحث عن
سياره اجره بينمااكتب مذكره لجاب
كان بوارو ينتظرني على عتبه الباب عندمااحضرت سياره الاجره وسالته بقلق قائلاالى اين تذهب
فتمتم بوارو بهدوء بقوله الامرالاول ان نرسل هذه المذكره مع مراسل خاص
وحينماانتهينا من ذلك طلب بوارو من السائق التوجه الى المنزل المرقم ?? في شارع الامير البرت في كلايهام
وقلت له اذن فنحن ذاهبون الى هناك
نعم بالرقم من اخشى ان نصل بعدفوات الاوان فقديكون طائرناقدافلت ياهيستنغز
ومن طائرنا
فردبواروقائلاالسيدسمبسون ذو الشخصيه الغامضه
قلت له بدهشه ماذاتقول
ياعزيزي هيستنغز هل تريد ان تقول ان المر لم يتضح لك بعد
فقلت له اناادرك ان الطاهيه قداستدرجت للابتعاد عن المكان ولكن لماذا لماذايسعى سمبسون لاخراجها من
المنزل هل كانت تعلم شيئاعنه
لاشئ ابدا
حسنالماذا
كان يريد شيئا تمتلكه
فسالته قائلا المال الميراث الذي جاءها من استراليا
لاياصديقي بل شيئا مختلفاكل الاختلاف
وسكت بوارو للحظه ثم قال باسى صندوق متين من المعدن
فنظرت اليه بدهشه وانااتخيل انه يمزح فقد كانت ملاحظته غريبه ولكنه كان جادا كل الجد وقلت له كان
باستطاعته ان يشتري صندوقالواراد
لم يكن يريد صندوقاجديدا كان يريد صندوقاعريقا صندوقا يوحي بالاحترام
قلت له هل تريد ان تسخرمني يابوارو
فنظرالي بهدوء وقال انت تفتقر الى خيال السيجسمبسون هيستنغزانصت الي جيدايتخلص سمبسون من الطاهيه
في مساء الاربعاء لم يكن من الصعب طبع البطاقه اوالمستندات التي اطلعت الطاهيه عليها وكان على
استعدادعلى التضحيه بمئه وخمسين جنيهاقيمه ماسماه ايجار البيت للشهورالسته في سبيل نجاح خطته لم تستطع
الانسه دان ان تتعرف عليه وهومتنكر باللحيه والقبعه الضخمه والتحدث باللهجه الاستراليه انتهى يوم الاربعاء
بحصوله على سندات ماليه قيمتها خمسون إلف جنيه
فقلت مستغرباسمبسون ولكن ديفزهو
ردبواروبهدوءقائلاارجوك ان تسمح لي باكمال القصه ياهيستنغز كان سمبسون يعلم ان السرقه لن تكتشف
الابعدظهرالخميس وهولايذهب الى المصرف في يوم الخميس ولكنه يتربص في انتظارديفزفي عودته للعشاء من
الجائزانه اعترف له بارتكاب السرقه واخبره بانه سيردله السندات على ايه حال فقدنجح في استدراج ديفز ليذهب
معه الى كلايهام وهذه اجازه الوصيفه بينماخرجت السيده تودفي جوله للمشتريات وهكذا فلايوجدفي المنزل
احدوعندماتكتشف السرقه مع اختفاءديفزستتجه اليه اصابع الاتهام وبذلك يكون سمبسون في مامن ويستطيع ان
يعودالى عمله في اليوم التالي كاي موظف شريف
ماذابشان ديفز
هزبواروكتفيه ببطْ ثم قال ربما كان الامرغيرقابل للتصديق ولكن لايوجدتفسيراخرياصديقي الصعوبه الاولى التي
تواجه القاتل هي كيفيه التخلص من الجثه ولكن سمبسون فكرفي هذه المشكله قبل ارتكاب جريمته وقداثارت

6+++++++++++++++++++++++++++++++++++++
انتباهي حقيقه ان اليزاكانت عازمه على العوده عندماخرجت في تلك الليله هل تذكرملاحظتهابشان تناول الخوخ
في العشاء وبالرغم من هذا فقدكان صندوف امتعتهامعداحينمااقبل من يطالب به
كان سمبسون هوالذي كتب لكارا ترباترسون طالبامنه المجئ في يوم الجمعه وهونفسه الذي حزم الصندوق
بعدظهريوم الخميس أي شك كان يمكن ان يثورخادمه تترك المنزل وتبعث من يطالب بامتعتها وتكتب بطاقه على
الصندوق عليهاالاسم والعنوان والارجح ان يكون العنوان احدى محطات السكك الحديديه القريبه من لندن التي
يسهل الوصول اليهاويذهب سمبسون في تنكره الاسترالي ليطالب بالصندوق بعدظهرالسبت ثم يلصق على
الصنودق بطاقه جديده ويبعثه الى مكان اخرلكي يترك الى ان يطالب به وحين يتطرق الشك الى السلطات
المسئوله لاسباب وجيهه ويفتح الصندوق تكون المعلومات التي يحصلون عليهاهي ان المرسل كان استراليا شحن
الصندوق من احدى الاماكن القريبه من لندن ولاتتضح العلاقه بين الصندوق والمسكن المرقم ?? في شارع
الاميرالبرت اه قدوصلنا
كانت تصورات بوارو كلهاصحيحه فقدسافرسمبسون منذيومين ولكنه لم ينجح في الفرارمن عواقب جريمته
اذامكن عن طريق اللاسلكي معرفه المكان الذي يقصده حيث استقل الباخره اوليمبيا في طريقه الى امريكا
واجتذب انتباه رجال السكك الحديديه في غلاسغو صندوق المعدن مرسل باسم السيدهنري وينترجرين وحين فتح
الصندوق عثر في داخله على جثه ديفيز ذي الحظ المنكود
ولم يحاول بواروقط ان يصرف الجنيه الذي ارسلته له السيده تود كاتعاب الاستشاره بل وضعه في داخل
اطاروعلقه على الحائط في غرفه الجلوس وقال لي سيظل في مكانه هذا لك ي يذكرني بان على الانسان الايغفل
اتفه الملاحظات فقدكانت هناك في طرف من القضيه طاهيه مختفيه وفي الطرف الاخر من يتمتع ببروده
الاعصاب وهي بالنسبه الي واحده من امتع القضايا التي توليتها


النهاية

MA7MOUD
10-17-2010, 12:01 AM
علبة الحلوى

اجاثا كريستي

كانت ليلة هائجة فقد كانت الريح تزأر بعنف والمطر يضرب النوافذ بموجات هائلة.

جلسنا -بوارو وأنا- مقابل الموقد وقد سرحنا سيقاننا باتجاه ألسنة اللهب البهيجة كانت بيننا طاولة صغيرة وعليها -أمامي- كوب ضخم من الشاي الحار وأمام بوارو كوب من الشراب الكاكاو الكثيف الذي ماكنت لأشربه لو دفعوا لي مائة جنيه!

ارتشف بوارو ذلك المزيج الثخين البني من كوبه الصيني الأحمر وتنهد باطمئنان ورضا قائلا: يا للحياة الجميلة!

- نعم انه عالم جيد فها أنا لدي عمل وعمل جيد أيضا! وها أنت مشهور...

قاطعني بوارو محتجا: آه ياصديقي!

- ولكنك مشهور بالفعل وعن جدارة أيضا! عندما أستعيد في تفكيري سلسلة نجاحاتك الطويلة فانني أدهش لها لا أعتقد أنك تعرف ما هو الفشل!

- إن من يستطيع ادعاء ذلك يكون مهرجا غريب الأطوار!

- كلا ولكن قل لي بجد: هل أن سبق أن فشلت أبدا؟

- مرات لا حصر لها ياصديقي ماذا بوسعك أن تفعل؟ ان المصادفة السعيدة لا يمكن أن تكون دائما الى جانبك كثيرا ماتم استدعائي في وقت متأخر جدا وكثيرا ما وصل قبلي شخص آخر كان يعمل باتجاه الهدف نفسه مرتين صرعني المرض تماما عندما كنت على حافة النجاح على المرء أن يأخذ بالاعتبار حالات النجاح وحالات الفشل معا ياصديقي.

- ليس هذا ماقصدته بالضبط ما عنيته هو: هل فشلت من قبل تماما في قضية بسبب خطأ ارتكبته أنت؟

- آه فهمت! انك تسأل ان كان قد سبق أن جعلت من نفسي حمارا كما تقولون في بلادكم هما؟ مرة واحدة يا صديقي...

وتبدت على وجهه ابتسامة بطيئة متأملة وأضاف: نعم مرة واحدة جعلت من نفسي أضحوكة!

ثم اعتدل فجأة في كرسيه وقال: اسمعني يا صديقي أعرف أنك احتفظت بسجل لنجاحاتي الصغيرة وعليك أن تضيف قصة أخرى الى مجموعتك قصة فشل!

انحنى الى الأمام ووضع حطبة في الموقد وبعد أم مسح يديه بعناية بمنشفة معلقة بمسمار قرب الغرض لهذا الغرض عاد ليسترخي على كرسيه وبدأ قصته:

هذا الذي أرويه لك حدث في بلجيكا منذ سنوات عديدة كان ذلك في زمن الصراع الرهيب في فرنسا بين الكنيسة والدولة كان السيد بول ديرولار نائبا فرنسيا نابها ولم يكن سرا أن حقيبة وزارية تنتظره كان واحدا من أكثر المعادين للكنيسة وكان من المؤكد أنه سيضطر لمواجهة عداء عنيف لدى توليه السلطة وقد كان رجلا متميزا من عدة جوانب ومع أنه لم يكن يشرب ولا يدخن الا أنه لم يكن متزمتا كثيرا في جوانب أخرى هل تفهمني يا هيستنغر أعني في النساء... انهن دوما في الصورة!

كان تزوج قبل بضع سنوات امرأة شابة من بروكسل أعطته مهرا لا بأس به ولا شك أن المال كان مفيدا له في حياته المهنية اذ لم تكن عائلته غنية مع أنه كان -من جهة أخرى- مخولا بتسمية نفسه بارونا لو أراد لم يسفر الزواج عن أطفال وماتت زوجته بعد عامين نتيجة سقطة من الدرج ومن ضمن الممتلكات التي ورثها عنها بيت في شارع لويس في بروسكل.

في ذلك البيت حدثت وفاته المفاجئة تصادفت وفاته مع استقالة الوزير الذي كان مقدرا له أن يخلفه وقد نشرت كل الصحف مقالات مطولة عن حياته السياسية وعزت موته -الذي حدث بشكل مفاجئ تماما بعد طعام العشاء- الى حدوث أزمة قلبية.

في ذلك الوقت كنت ياصديقي -كما تعلم- عضوا في جهاز التحري البلجيكي ولم تكن وفاة السيد بول ديرولار مثيرة بشكل خاص بالنسبة لي فأنا -كما تعلم- متدين أيضا وقد بدت لي وفاته أمرا مفرحا.

بعد ثلاثة أيام من وفاته وكانت اجازتي على وشك أن تبدأ جاءتني زائرة الى بيتي كانت امرأة تضع خمارا سابغا ولكنها بدت شابة تماما وأدركت علىالفور أنها كانت فتاة كأجمل ما يمكن للفتاة أن تكون. سألتني بصوت عذب منخفض: أنت السيد هيركيول بوار؟ فانحنيت لها. قالت:من جهاز التحري؟. انحنيت ثانية وقلت: تفضلي بالجلوس أرجوك يا آنستي.

أخذت كرسيا ورفعت خمارها كان وجهها ساحرا رغم الدموع التي شوهته وكانت ذاهلة كأنها مسكونة بقلق حاد. قالت: سيدي إنني اعرف أنك ستأخذ إجازتك الآن ولذلك ستكون حرا للنظر في قضية خاصة. أنت تدرك بأنني لا أريد استدعاء الشرطة.

هززت رأسي يالنفي وقلت: أخشى أن لا يكون ما تطلبينه ممكنا يا آنستي فأنا أظل واحدا من رجال الشرطة ولو كنت في إجازة.

اتكأت الى الأمام وقالت: اسمع ياسيدي... إن كل ما أطلبه منك هو أن تتحرى وفيما يخص نتيجة تحرياتك فأنت حر تماما في تقديمها للشرطة إن كل ما أظنه صحيحا بالفعل فإننا سنحتاج الى كل "ماكينة" للقانون.

أضفى ذلك طابعا مختلفا بعض الشئ على القضية ووضعت نفسي في خدمتها دون مزيد من اللغو صبغ لون خفيف وجنتيها وقالت: أشكرك ياسيدي ان وفاة السيد بول ديرولار هي ما أطلب منك أن تتحرى عنه.

هتف مدهوشا: ماذا؟

قالت: سيدي ليس لدي من شئ أنطلق منه في هذه القضية... لاشئ سوى غريزة المرأة ولكنني مقتنعة -يقينا- بأن السيد ديرولار لم يمت ميتة طبيعية!

قلت: ولكن من المؤكد أن الأطباء...

قاطعتني قائلة: قد يخطئ الأطباء لقد كان مفعما بالحيوية قويا جدا آه ياسيد بوارو انني أتوسا إليك أن تساعدني...

كانت الطفلة المسكينة في غاية الهم والقلق وكانت مستعدة لأن تركع أمامي فهدأتها بأفضل ما استطعت وقلت: سأساعدك يا آنسة انني أكاد أكون واثقا من أن مخاوفك لا أساس لها من الصحة ولكننا سنرى. سأطلب منك -أولا- أن تصفي لي ساكني البيت.

قالت: يوجد الخدم بالطبع: جانيت وفيليس ودينيس الطباخة وقد عملت الطباخة في البيت من سنين عديدة أما الخادمتان فهما فتاتان ريفيتان بسيطتان يوجد أيضا فرانسو ولكنه هو الآخر خادم قديم وأيضا والدة السيد ديرولار التي تعيش معه وأنا. اسمي فيرجيني منسار وأنا ابنة عم فقيرة للراحلة زوجة السيد ديرولار ولقد أصبحت عضوة في أسرة ساكني المنزل منذ أكثر من ثلاث سنوات. لقد وصفت لك الآن ساكني المنزل ولكن لدينا أيضا ضيفان يقيمان في المنزل.

- وهما؟

- السيد دوسان آلار وهوجار للسيد ديرولار في فرنسا وصديق انكليزي هو السيد جون ويلسن.

- ألا يزالان معكم؟

- بالنسبة للسيد ويلسن فانه موجود ولكن السيد دوسان آلار غادر بالأمس.

- وما هي خطتك يا آنسة منسار؟

- إن أمكنك المجئ الى البيت خلال نصف الساعة القادمة فسأكون قد رتبت قصة لتبرير وجودك من الأفضل أن أقدمك على أنك مرتبط بالصحافة بشكل أو بآخر سأقول انك جئت من باريس وانك أحضرت بطاقة تعريف وتوصية من السيد دوسان آلار ان صحة مدام ديرولار عليلة تماما ولن تلتفت كثيرا للتفصيلات.

وبناء على التبرير العبقري للآنسة دخلت المنزل وبعد مقابلة قصيرة مع والدة النائب المتوفى -التي كانت ذات شخصية جليلة أرستقراطية رغم وضوح تداعي صحتها- تحررت من المقدمات وبسط الأعذار.

انني لأتساءل -يا صديقي- ان كان بوسعك تصور الصعوبات التي تكتنف مهمتي؟ فأنا أمام رجل حدثت وفاته لعبة قذرة بالفعل فان احتمالا واحدا فقط كان يمكن قبوله: السم ولم تكن لدي فرصة رؤية الجثة ولم أملك أي امكانية لفحص أو تحليل الوسط أو الطعام الذي تم فيه دس السم. لم أجد أية دلائل أو مؤشرات يمكن تقييمها سواء أكانت مزيفة أم حقيقية. هل تم تسميم الرجل؟ هل مات موتا طبيعيا؟ كان علي أنا -هيركيول بوارو- ودون أية مساعدة أن أقرر.

في البداية قابلت الخدم وبمساعدتهم أعدت تلخيص أحداث تلك الليلة وقد أوليت انتباها خاصا لطعام العشاء وطريقة تقديمه فقد قام السيد ديرولار نفسه بتقديم الحساء ثم تقديم طبق شرائح اللحم مع عظامها ثم الدجاج وأخيرا طبق فواكه مطبوخة بالسكر وكل ذلك وضع على الطاولة وقدمه السيد ديرولار بنفسه وقد جئ بالقهوة في ابريق كبير الى طاولة العشاء لم أجد شيئا يا صديقي يستحيل تسميم شخص دون تسميم الجميع!

بعد العشاء عادت مدام ديرولار الى جناحها ورافقتها الآنسة فيرجيني وقد انتقل الرجال الثلاثة الى مكتب السيد ديرولار حيث تبادلوا الأحاديث بشكل ودي لبعض الوقت ثم فجأة ودون سابق انذار سقط النائب بقوة على الأرض اندفع السيد دوسان آلار الى الخارج وطلب من الخادم فرانسوا احضار طبيب قائلا انها سكتة قلبية بلا شك كما شرح الخادم ولكن عندما وصل الطبيب كان الوقت قد فات لمساعدة المريض.

كان السيد جون ويلسن -الذي قدمتني له الآنسة فيرجيني- رجلا انكليزيا نموذجيا في تمثيله لأبناء جلدته في أواسط عمره ضخم البنية وقد كانت روايته للحادثة التي سردها بفرنسية تغلب عليها اللكنة الانكليزية شبيهة مع ما سردته عليك الى حد كبير.
قال: "احمر وجه ديرولار كثيرا ثم سقط ارضا".

لم يكن من شئ اضافي يمكن العثور عليه هناك بعد ذلك ذهبت الى مسرح وقوع المأساة في المكتب وتركت هناك بناء على طلبي حتى الآن لم أجد ما يؤيد نظرية الآنسة منسار ولم استطع منع نفسي من الاعتقاد بأن الأمر كان مجرد وهم من طرفها وكان من الواضح أنها كانت تحتفظ للفقيد بعاطفة رومانسية لم تسمح لها بأن تنظر نظرة طبيعية للقضية ومع ذلك فقد فتشت المكتب بعناية تفصيلية دقيقة كان ممكنا أن توضع ابرة حقن في كرسي النائب بطريقة تسمح بتمرير حقنة قاتلة الى جسده وكان يحتمل أن تمر اللسعة الخفيفة التي تسببها البرة دون أن ينتبه لها. ولكنني لم أستطع اكتشاف أية اشارة تدعم هذه النظرية ورميت نفسي على الكرسي بحركة يأس.

قلت لنفسي بصوت عال: وماذا بعد؟ سأترك القضية! ليس من مؤشر في أي مكان! كل شئ طبيعي تماما.

وفيما كنت أقول هذه الكلمات وعت عيناي على علبة حلوى كبيرة تنتصب على طاولة قريبة وقفز قلبي من مكانه ربما لم يكن هذا مؤشرا يقود الى تفسير وفاة السيد ديرولار ولكن ها قد وجدت -على الأقل- شيئا ليس طبيعيا رفعت غطاء العلبة كانت مليئة لم تمس ولم تفقد ولا قطعة واحدة ولكن لم يكن من شأن ذلك الا أن يجعل الغرابة التي جذبت انتباهي أقوى وأشد تأثيرا أتدري لماذا يا هيستنغز؟ لأنه بينما كانت العلبة نفسها وردية اللون كان غطاؤها أزرق يمكن للمرء أن يرى دوما شريط زينة أزرق على علبة وردية والعكس ولكن أن يجد علبة من لون وغطاءها من لون آخر فلا. بالتأكيد هذا ما لم أره مطلقا!

ومع ذلك فلم أكن أعتقد بأن هذا الحديث البسيط يحمل أي فائدة لي ولكنني صممت على تحري الأمر باعتباره خارجا عن المألوف قرعت الجرس طلبا للخادم فرانسوا وسألته ان كان سيده الفقيد مغرما في ما مضى بالحلويات ارتسمت على شفتيه ابتسامة كآبة باهتة وقال: كان مغرما بها جدا يا سيدي كان يحتفظ دوما بعلبة حلوى في المنزل انه لم يكن يشرب الخمر أبدا كما تعلم.

رفعت غطاء العلبة أمامه وقلت: ومع ذلك فان هذه العلبة لم تمس أبدا؟

- عفوا يا سيدي ولكن هذه العلبة جديدة وقد اشتريت يوم وفاته باعتبار أن الحلوى هي الأخرى أوشكت على النفاد.

قلت له ببطء: اذن فان العلبة الأخرى فرغت يوم وفاته.

- نعم يا سيدي وجدتها فارغة عند الصباح ورميتها.

- أكان السيد ديرولار يأكل الحلويات في كل ساعات النهار؟

- بعد العشاء عادة يا سيدي.

بدأت أرى بصيص نور. قلت: فرانسوا.. أتستطيع حفظ السر؟

- بالطبع يا سيدي.

- حسنا! فاعلم اذن أنني من الشرطة هل تستطيع أن تجد لي تلك العلبة الأخرى؟

- دون شك يا سيدي ستمون في سلة المهملات.

غادر ثم عاد بعد دقائق بعلبة يعلوها الغبار كانت نسخة طبق الأصل عن العلبة التي لدي باستثناء أن العلبةكانت زرقاء هذه المرة وكان غطاؤها ورديا.

شكرت فرانسوا ونصحته مرة أخرى بالتكتم وغادرت المنزل في شارع لويسدون مزيد من اللغط.

بعدها زرت الطبيب الذي عاين السيد ديرولار وكانت مهمتي معه صعبة فقد تخندق بعناد خلف جدار من الكلمات والمفردات المتخصصة ولكنني تخيلت بأنه لم يكن واثقا تمام بخصوص القضية كما كان يجب أن يكون.

قال بعد أن تمكنت من انتزاع أسلحته الى حد ما: لقد ةقعت حوادث غريبة كثيرة من هذا النوع نوبة غضب مفاجئة عاطفة هوجاء بعد عشاء ثقيل هذا أمر يحدث ثم بموجة من الغضب يصعد الدم الى الرأس ثم "بست"! ينتهي كل شئ!

- ولكن لم تكن لدى السيد ديرولار عاطفئة هوجاء.

- لم تكن لديه؟ انني واثق أنه كان يخوض مشاحنة كلامية عاصفة مع السيد دوسان آلار.

- ولماذا؟

رفع الطبيب كتفيه دهشة وقال: أمر واضح! ألم يكن السيد دوسان آلا كاثوليكيا متعصبا؟ لقد دمرت صداقتهما بسبب هذه المشكلة بين الكنيسة والدولة ولم يكن يمر يوم دون نقاشات كان ديرولار يبدو للسيد دوسان آلار معاديا للقيم الدينية.

كان هذا الأمر غير متوقع وقد أعطاني ذخيرة للتفكير قلت: سؤال يا آخر يا دكتور: هل من الممكن دس جرعة قاتلة من السم في قطعة حلوى؟

- أحسب أن ذلك ممكن ان حامض البروسيك الصافي يمكن أن يناسب هذا الاحتمال بغياب فرصة لتبخره ويمكن ابتلاع كرة صغيرة من أي مادة دون الانتباه لها ولكنه لا يبدو احتمالا مرجح الحدوث ان قطعة حلوى مليئة بالمورفين أو الاستريكنين...

ثم أبدى وجها متمعجا وأردف قائلا: أنت تدرير يا سيد بوارو ان لقمة واحدة تكفي! والغافل لن يدقق في الشكليات والتفصيلات.

- شكرا لك ياسيدي الدكتور.

غادرته وقمت بعدها بتحريات لدى الصيادلة وخاصة أولئك القريبين من شارع لويس إنه لأمر جيد أن تمون في سلك الشرطة فقد حصلت على ما أردته من معلومات بدون مصاعب ولم أعثر -الا في حالة واحدة- على أية مناسبة تم فيها تزويد ساكني البيت بأي نوع من السموم وكان الأمر -في تلك الحالة- على شكل قطرات عين من سولفات الأتروبين للسيدة ديرولار والأتروبين سم فعال ولقد فرحت للحظة ولكن أعراض الأتروبين قريبة من أعراض التسمم الغذائي وليس فيها أي شبه بالحالة التي كنت أحقق فيها وبالاضافة الى ذلك فقد كانت الوصفة قديمة فقد كانت المدام ديرولار تعاني منذ سنوات طويلة من اعتام العدسة في عينيها.

وكنت أهم بالخروج خائبا عندما أعادني صوت الصيدلي: دقيقة يا سيد بوارو أتذكر أن الفتاة التي أحضرت لي هذه الوصفة قالت شيئا يفيد بأنها مضطرة للذهاي الى الصيدلي الانكليزي بوسعك أن تجرب هناك.

وقد جربت بالفعل فارضا مرة أخرى مكانتي الرسمية وحصلت على المعلومات التي أريدها في اليوم الذي سبق وفاة السيد ديرولار حضر العاملون في الصيدلية وصفة للسيد جون ويلسن وهذا لا يعني أنها كانت بحاجة الى تحضير فلم تكن سوى حبوب من الترينيترين سألت ان كان بوسعي أن أرى نموذجا لها فأروني اياها فأخذ قلبي يدق أسرع فأسرع ذلك أن الحبوب الصغيرة كانت مصنوعة من الحلوى.

سألت: هل هي سم؟

قال الصيدلي: كلا سيدي.

- هل تستطيع أن تصف لي تأثيرها؟

- انها تخفض ضغط الدم وهي توصف لبعض أنواع أمراض القلب كالخناق الصدري مثلا انها تخف التوتر في العضلة القلبية وفي حال تصلب الشرايين...

قاطعته قائلا: يا عزيزي! هذه المفردات المختصة لا تعني شيئا بالنسبة لي هل تجعل هذه الحبوب الوجه يتورد؟

- نعم بالتأكيد

- ولنفترض انني ابتعلت عشرا أو عشرين من حباتك الصغيرة هذه فما الذي يحدث؟

أجاب الصيدلي بجفاء: انني لا أنصحك بمحاولة ذلك.

- ومع ذلك فانك تقول انه ليس سما؟

أجاب بجفاء أيضا: يوجد الكثير من الأشياء التي لا تمسى سما وتستطيع قتل الانسان.

تركت الصيدلية مبتهجا فقد بدأت الأمور تنجلي أخيرا!

لقد عرفت الآن بأن جون ويلسن كان يملك أداة الجريمة... ولكن ماذا عن الدوافع؟ كان قد جاء الى بلجيكا في عمل وطلب من السيد ديرولار -الذي كان على معرفة سطحية به- أن يستضيفه. كان واضحا أنه ما من طريقة يمكن أن يكون بها موت السيد ديرولار مفيدا له وفوق ذلك فقد أدركت من خلال تحريات في انكلترا بأنه كان يعاني منذ سنوات عديدة من ذلك النوع من مرض القلب الذي يدعى الخناق الصدري ولذلك فقد كان له حق مطلق في الاحتفاظ بتلك الحبوب في متناول يده ومع ذلك كنت مقتنعا بأن شخصا ما ذهب الى علبة الحوى وفتح العلبة الملأى في البداية عن طريق الخطأ ثم نزع لب أو محتويات آخر قطعة في العلبة القديمة ثم حشاها بدل ذلك بكل ما يمكن أن تستوعبه من حبات الترينترين لقد كانت قطعة الحلوى كبيرة وكنت واثقا أنه كان بالامكان ادخال ما بين عشرين الى ثلاثين حبة في القطعة ولكن من الذي فعل ذلك؟

كان في المنزل ضيفان وكانت لدى جون ويلسن أداة الجريمة ولدى سان آلار الدافع لها تذكر أنه كان متعصبا وليس من متعصب كالمتعصب لدينه أيمكن أن يكون قد حصل -بطريقة أو بأخرى- على حبوب جون ويلسن؟

خطرت لي فكرة صغيرة أخرى آه انك تبتسم لأفكاري الصغيرة! لماذا استنفذ جون ويلسن حبوبه؟ من المؤكد أن يكون قد أحضر معه ذخيرة تكفيه من انكلترا عدت مرة أخرى لزيارة البيت في شارع لويس كان ويلسن خارجا ولكنني رأيت فيليس الفتاة التي تنظف غرفته وسألتها فورا ان كان صحيحا أن السيد ويلسن قد فقد زجاجة دواء من فوق مغسلته قبل بعض الوقت أجابت الفتاة بلهفة بأن ذلك كان صحيحا تماما وأنها قد تعرضت للوم بسبب ذلك وقد ظن السيد الانكليزي بأنها كسرتها ولم ترغب بالاعتراف بذلك بينما هي لم تلمسها أبدا وقالت: انها بلا شك جانيت التي تدس أنفها دوما في أمور لا علاقة لها بها...

هدأت من سخطها واستأذنت بالانصراف لقد عرفت الآن كل ما احتجت لمعرفته بقي علي أن أثبت قضيتي وشعرت بأن ذلك لن يكون سهلا قد أكون أنا واثقا من أن سان آلار قد أخذ زجاجة الترينيترين عن مغسلة جون ويلسن ولكن حتى أقنع الآخرين لا بد لي من ابراز دليل ولم يكن لدي لأبرزه!

ولكن لا يهم... انني أعرف الحقيقة كان ذلك هو الأمر العظيم انك تتذكر الصعوبة التي واجهتنا في قضية ستايلز يا هيستنغز؟ هناك أيضا كنت أعرف ولكنني استغرقت وقتا طويلا حتى أجد الصلة الأخيرة المفقودة التي جعلت من سلسلة دلائلي ضد القاتل سلسلة كاملة.

طلبت مقابلة مع الآنسة منسار وجاءت على الفور طلبت منها عنوان السيد دوسان آلار اعترت وجهها مسحة قلق وقالت: لماذا تريده يا سيد بوارو؟

- انه ضروري يا آنستي.

بدت مرتابة قلقة قالت: انه لايستطيع أن يخبرك بشئ فهو رجل يعيش خارج هذا العالم ولا يكاد يلاحظ مايدور حوله!

- هذا ممكن يا آنسة ولكن مع ذلك فقد كان صديقا قديما للسيد ديرولار وربما كان يعرف أشياء يستطيع أن يخبرني عنها أشياء من الماضي... عداوات قديمة... علاقات حب قديمة.

توردت وجنتا الفتاة وعضت شفتها ثم قالت: كما ترغب ولكني... ولكني أشعر الآن بأنني على ثقة من أنني كنت مخطئة لقد كان لطفا منك أن توافق على طلبي ولكنني كنت منزعجة... بل كنت شديدة الاضطراب في ذلك الوقت انني أدرك الآن بأنه لم يكن في الأمر لغز يتطلب حلا اترك الأمر أرجوك يا سيدي.

تأملتها بامعان ثم قلت: يا آنستي من الصعب أحيانا على كلب الصيد أن يعثر على الأثر الذي يقوده الى طريدته ولكن -اذا وجده فعلا- فما من قوة تجعله يتركه! ذلك اذا كان كلب صيد جيدا... وأنا يا آنستي هيركيول بوارو كلب صيد جيدا جدا!

دارت دون أن تنبس بشفة وبعد بضع دقائق عادت بالعنوان مكتوبا على ورقة صغيرة غادرت المنزل وكان الخادم فرانسوا ينتظرني في الخارج نظر الي بلهفة وقال: أما من أخبار يا سيدي؟

- حتى الآن كلا يا صديقي.

تنهد وقال: آه! السيد ديرولار المسكين! أنا أيضا كانت لي نفس طريقة تفكيره ولكن هذا لا يعني أنني استطيع التصريح بذلك في البيت فالنساء هناك ورعات كلهن وربما كان ذلك أمرا جيدا ان السيدة تقية جدا والآنسة فيرجيني كذلك أيضا.

تساءلت: الآنسة فيرجيني؟ أهي تقية جدا؟

تعجبت من ذلك وأنا أفكر بوجهها العاطفي الذي أهزلته الدموع الذي رأيته في ذلك اليوم الأول.

وعندما حصلت على عنوان السيد سان آلار لم أضيع أي وقت وصلت الى جوار بيته الريفي في مقاطعة آردين ولكن أعياني العثور على عذر لدخول المنزل لبضعة أيام وفي النهاية وجدت ذلك العذر كيف تظنني دخلت؟ كسمكري ياصديقي! استغرقت مسألة ترتيب تسرب صغير في الغاز في غرفة نومه دقيقة واحدة تركت المنزل لاحضار أدواتي وحرصت على العودة بأدواتي في ساعة عرفت فيها أنني سأكون في الساحة وحدي لم أكد أعرف ما الذي أبحث عنه ولم أستطع اقناع نفسي بوجود أية فرصة للعثور على الأمر الوحيد المفيد بالنسبة للقضية فلم يكن يجازف للاحتفاظ به.

ومع ذلك فعندما وجدت الخزانة الصغيرة فوق المغسلة مقفلة لم أستطع مقاومة اغراء رؤية ما بداخلها كان القفل من النوع الذي يسهل تماما فتحه انفتح باب الخزانة وكانت مليئة بالزجاجات القديمة أخرجتها واحدة واحدة بيد ترتعش وفجأة ندت عني صرخة تصور يا صديقي لقد أمسكت بيدي قارورة صغيرة عليها ملصق الصيدلي النكليزي وقد كتب عليه: "حبوب ترينيترين تؤخذ حبة واحدة عند اللزوم. السيد جون ويلسن".

سيطرت على انفعالي وأغلقت الخزانة ودسست القارورة في جيبي وتابعت تصليح تسرب الغاز... اذ أن الانسان ينبغي أن يكون منظما! بعدها غادرت البيت الريفي وركبت القطار عائدا الى بلدي بأسرع ما يمكن وصلت الى بروكسل في وقت متأخر من تلك الليلة وفي الصباح كنت أكتب تقريرا لرئيس جهاز التحري عندما جاءتني ملاحظة وكانت الملاحظة من مدام ديرولار تطلبني فيها الى المنزل في شارع لويس دون تأخير.

فتح فرانسوا الباب لي وقال: السيدة البارونة في انتظارك.

قادني الى جناحها كانت تجلس على كرسيها بكل جلالها ولم أر أثرا للآنسة فيرجيني قالت السيدة العجوز: سيد بوارو لقد سمعت لتوي بأنك ليس كما ادعيت وأنك ضابط شرطة.

- هذا صحيح يا سيدتي.

- وجئت هنا لتحقق في ظروف وفاة ابني؟

أجبت ثانية: هذا صحيح يا سيدتي.

- سأكون سعيدة ان تكرمت باخباري بالتقدم الذي أحرزته.

ترددت ثم قلت: خبريني كيف عرفت كل ذلك يا سيدتي؟

- من شخص لم يعد من هذا العالم.

كلماتها والطريقة التي نطقت بها جعلت قشعريرة رعب تسري في صدري وعجزت عن الكلام قالت: ولذلك يا سيدي أتوسل اليك بكل الحاح أن تخبرني بالضبط بالتقدم الذي أحرزته في تحرياتك.

- سيدتي لقد انتهت تحرياتي.

- وابني؟

- قتل عمدا.

- هل تعرف القاتل؟

- نعم يا سيدتي.

- فمن هو اذن؟

- السيد دوسان آلار.

- أنت مخطئ فهو غير قادر على ارتكاب مثل هذه الجريمة.

- الأدلة في يدي.

- أتوسل اليك ثانية أن تخبرني بكل شئ.

أطعتها هذه المرة مستعرضا كل خطوة قادتني الى كشف الحقيقة أصغت الي بانتباه وفي النهاية هزت رأسها وقالت: نعم، نعم كل شئ كما قلت كل شئ باستثناء أمر واحد فليس السيد دوسان آلار هو من قتل ابني بل أنا الذي قتلته... أمه!

حدقت اليها واستمرت هي تهز رأسها بهدوء ثم قالت: كان خيرا أنني أرسلت في طلبك ان من عناية الله الرحيم أن فيرجيني أخبرتني -قبل أن ترحل للالتحاق بدير- بما فعلته. اسمع يا سيد بوارو: لقد كان ابني رجلا شريرا فقد آذى الكنيسة وعاش حياة من الخطايا المهلكة وقد أغوى نفوسا أخرى مع نفسه ولكنه فعل ما هو أسوأ من ذلك ففي صبيحة أحد الأيام بينما كنت أخرج من غرفتي في هذا البيت رأيت زوجة ابني واقفة عند رأس الدرج كانت تقرأ رسالة ورأيت ابني يتسلل من خلفها وبدفعة سريعة واحدة وقعت وارتطم رأسها بالدرجات الرخامية وعندما انتشلوها كانت قد ماتت لقد كان ابني قاتلا وأنا فقط أمه كنت أعرف ذلك.

أغمضت عينيها لحظة ثم تابعت: لا تستطيع -يا سيدي- تخيل ألمي ويأسي ماذا كان علي أن أفعل؟ أدينه أمام الشرطة؟ لم أستطع حمل نفسي على ذلك كان ذلك واجبا علي ولكن جسمي كان ضعيفا وفوق ذلك: هل كانوا سيصدقونني؟ كان نظري يضعف منذ مدة وكانوا سيقولون بأنني كنت مخطئة لزمت الصمت ولكن ضميري لم يسمح لي بالراحة فبلزومي للصمت كنت أنا أيضا قاتلة وقد ورث ابني أموال زوجته وازدهر كشجرة اللبلاب وأصبح الآن على وشك استلام حقيبة وزارية وسيكون أذاه للكنيسة مضاعفا ورأيت فيرجيني تلك الطفلة المسكينة الجميلة التقية بطبيعتها تتعلق به بشغف كانت له سلطة غريبة فظيعة على النساء ورأيت المصيبة قادمة رأي العين وكنت عاجزة عم منعها لم يكن ينوي الزواج بها وجاء الوقت الذي أصبحت فيه جاهزة لتسليمه كل شئ.

عندها رأيت طريقي واضحا لقد كان ولدي فأنا التي أعطيته الحياة وكنت مسؤولة عنه وقد قتل جسد امرأة ويوشك الآن على قتل روح امرأة أخرى! ذهبت الى غرفة السيد ويلسن وأخذت قارورة الحبوب كان قال مرة مازحا بأنه كان في تلك القارورة ما يكفي لقتل رجل! ذهبت الى المكتب وفتحت علبة الحلوى الكبيرة التي كانت دائما على الطاولة فتحت علبة جديدة بالخطأ وكانت الأخرى على الطاولة أيضا وفيها قطعة واحدة باقية فقط وقد سهل ذلك الأمور علي فلا أحد يأكل الحلوى سوى ابني وفيرجيني وكنت سأبقيها معي تلك الليلة وقد حدث كل شئ كما خططت...

توقفت وقد أغمضت عينيها لبرهة ثم فتحتها ثانية وقالت: سيد بوارو انني بين يديك لقد قالوا لي بأن أيامي معدودة في هذه الحياة وأنا مستعدة لتحمل مسؤولية عملي أمام الله فهل علي أن أتحملها على الأرض أيضا؟

ترددت ثم قلت لكسب بعض الوقت: ولكن ماذا عن الزجاجة الفارغة يا سيدتي كيف جاءت تلك الى حوزة السيد دوسان آلار؟

قالت: عندما جاء ليودعني يا سيدي دسستها في جيبه لم أكن أعرف كيف أتخلص منها انني عاجزة الى الحد الذي لا أستطيع معه التحرك كثيرا دون أي مساعدة وكان العثور عليها فارغة في جناحي مسألة قد تثير الشكوك هل فهمتني يا سيدي؟

ثم عدلت جلستها لتبلغ كامل طولها وقالت: كان ذلك دون أن أقصد القاء الشبهة على السيد دوسان آلار! لم أحلم أبدا بشئ كهذا فكرت بأن خادمه سيجد قارورة فارغة ويرميها دونما سؤال.

انحنيت لها وقلت: لقد فهمت يا سيدتي.

- وقرارك أيها السيد؟

كان صوتها عازما غير متعلثم ورأسها مرفوعا أكثر من أي وقت مضى نهضت على قدمي وقلت: سيدتي يشرفني أن أتمنى لك يوما سعيدا لقد قمت بتحرياتي... وفشلت! انتهت القضية.

صمت بوارو لحظة ثم قال بهدوء: ولقد ماتت بعد أسبوع فقط تلك يا صديقي هي القصة علي أن أعترف بأنني لم أوفق الى تخمين صحيح فيها.

- ولكن ذلك لا يكاد يكون فشلا فما الذي بوسعك أن تخمنه غير ذلك في مثل تبك الظروف؟

صاح بوارو وقد دبت فيه الحماسة فجأة: آه يا صديقي هل علتك أنك لا ترى؟ لقد كنت مغفلا ستا وثلاثين مرة! خلاياي الرمادية لم تعمل على الاطلاق فقد كان الدليل معي طوال الوقت.

- أي دليل؟

- علبة الحلوى! ألم تفهم؟ هل كان لأحد يمتلك كامل قوة بصره أن يرتكب خطأ كهذا؟ كنت أعرف أن المدام ديرولار تعاني من اعتام عدسة العين علمت ذلك من قطرات الأتروبين التي تستعملها كان في المنزل شخص واحد فقط ذو بصر ضعيف بحيث لا يستطيع أن يرى أي الغطاءين ينبغي وضعه على العلبة كانت علبة الحلوى هي التي وضعتني على طريق البداية في ذلك المسار ومع ذلك فقد فلت حتى النهاية -وباصرار- في ادراك مغزاها الكبير!

وكذلك فان تحليلي النفسي كان خاطئا فلو كان دوسان آلار هو المجرم لما احتفظ أبدا بقارورة تدينه ان عثوري عليها لديه كان دليلا على براءته كنت قد عرفت آنفا من الآنسة فيرجيني بأنه كان شارد الذهن لقد كانت هذه القضية التي رويتها لك بمجملها قضية تعسة! لم أرو هذه القصة الا لك أنت هل تفهمني؟ لم أقم بتخمين جيد فيها! امرأة عجوز ترتكب جريمة بكل تلك البساطة والذكاء بحيث أغدو أنا -هيركيول بوارو- مخدوعا تماما تبا! لا أتحمل التفكير فيها! عليك أن تنساها. أو... كلا، بل تذكرها وان اعتقدت في أي وقت بأنني أصبحت مغرورا وهو أمر غير محتمل ولكنه قد يقع...

أخفيت ابتسامة فيما تابع بوارو: حسنا يا صديقي ان رأيتني أصبحت مغرورا فما عليك الا أن تقول: "علبة الحلوى" اتفقنا؟

- اتفقنا.

قال بوارو متأملا: لقد كانت تجربة مفيدة في نهاية المطاف! أنا الذي أملك دون شك أبرع دماغ في أوروبا في الوقت الحاضر أستطيع أن أكون متساهلا واسع الصدر.

تمتمت بهدوء: علبة الحلوى...

- عفوا ماذا قلت يا صديقي؟

نظرت الى وجه بوارو البرئ وهو ينحني متسائلا فشعرت بتأنيب الضمير لطالما عانيت على يدي بوارو ولكنني أيضا -رغم عدم امتلاكي أبرع دماغ في أوروبا- أستطيع أن أكون متساهلا واسع الصدر!

أجبته كاذبا: لا شئ.

وأشعل غليونا آخر وأنا أبتسم مع نفسي.

النهايــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــة

MA7MOUD
10-18-2010, 02:36 AM
جريمة في المرآة

اجاثا كريستي

لا أملك تفسيرا لهذه القصة، وليست لدي نظريات عن أسبابها وظروفها. إنها مجرد شيء...حدث.
ومع ذلك أتساءل-أحيانا- كيف كانت الأمور ستجري لو أنني لاحظت في ذلك الوقت تلك الجزئية الجوهرية الواحدة فقط، التي لم أقدر قيمتها أبدا إلا بعد سنوات عديده ولو كنت لاحظتها فأظن أن حياة ثلاث أشخاص كانت ستتغير كليا. وهذه فكرة مخيفة جدا إلى حد ما.
من أجل البدء بالقصة علي أن أعدود إلى صيف عام 1914، قبل اندلاع الحرب تماما، عندما ذهبت إلى باغويرثي مع نيل كارسليك.
أضن أن نيل كان أفضل صديق لي تقريبا. وكنت أعرف أخاه ألان أيضا، ولكن ليس معرفة جيدة. أما شقيقتهما سيلفيا فلم ألتق بها أبدا. كانت أصغر من ألان بسنتين ومن نيل بثلاث سنوات. وحين كنا في المدرسة معا قررنا مرتين أن أقضي جزءا من العطل المدرسية مع نيل في باغويرثي، وفي المرتين حدث طارىء منع ذلك. ولذلك كنت في الثالثة والعشرين عندما رأيت بيت نيل وألان لأول مرة.
كنا مجموعة كبيرة هناك. وكانت سيلفيا، شقيقة نيل، قد خطبت لشاب يدعى تشارلز كراولي. كان أكبر منها بكثير كما قال نيل، ولكنه محترم جدا وغني إلى حد ما.
أذكر أننا وصلنا في الساعة السابعة مساء تقريبا. كان كل واحد قد ذهب إلى غرفته ليغير ملابسه ويستعد للعشاء، فأخذني نيل إلى غرفتي.
كان ((باغويرثي)) بيتا قديما جذابا ينقصه الترتيب السليم؛فقد حقق ساكنوه رغبتهم في إضافة المزيد من البناء إليه خلال القرون الثلاثة الأخيرة، وكان مليئا بالأدراج الصغيرة صعودا ونزولا وبشكل غير متوقع. كان من تلك البيوت التي يصعب على المرء أن يجدطريقه فيها، وأذكر أن نيل وعدني بأن يعود ويأخذني وهو في طريقه إلى العشاء. لقد كنت أشعر بشيء من الخجل من الالتقاءبأهله لأول مرة، و أتذكر أنني قلت ضاحكا إنه بيت يتوقع فيه المرء الالتقاء بأشباح في الممرات،وقال-بلا اكتراث- إنه يظن أن البيت مسكون بالأشباح كما قيل، ولكن أحدا منهم لم ير أي شيء، كما أنه لم يكن يعرف الشكل الذي يفترض أن يتخذه الشبح.
ثم خرج مسرعا وبدأت أبحث في حقيبتي عن ملابس أرتديها على العشاء. وقد كنت أقوم بربط ربطة العنق وأنا أقف أمام المرآة و أرى وجهي وكتفي، و أرى ورائي جدار الغرفة...
حائطا عاديا في وسطه باب. وعندما انتهيت -أخيرا- من تسوية ربطة العنق لاحظت أن الباب قد بدأ يفتح.
لا أعرف لماذا لم ألتفت...أظن أن ذلك كان هو رد الفعل الطبيعي، ولكني لم ألتفت. اكتفيت بمراقبة الباب وهو يفتح ببطء، وعندما فتح رأيت ما في الغرفة وراءه.
كانت غرفة نوم... غرفة أكبر من غرفتي، وبها سريران، وفجأة حبست أنفاسي؛ فقد كانت عند طرف أحد السريرين فتاة وحول رقبتها تلتف يدا رجل، وكان الرجل يدفعها إلى الوراء ببطء ويضغط على حنجرتها بحيث كانت الفتاة تختنق ببطء.
لم يكن في الأمر أي مجال للخطأ. ما رأيته كان واضحا تماما؛ فالذي فالذي كان يحدث هو جريمة قتل.
كان بوسعي أن أرى وجه الفتاة بوضوح... شعرها الذهبي المتألق، ونظرات الرعب المتألم على وجهها الجميل وهو يحتقن ببطء. ولم أكن أرى من الرجل إلا ظهره ويديه وندبة في الجانب الأيسر من وجهه تمتد حتى رقبته.
لقد استغرق حديثي عن ذلك الأمر بعض الوقت، ولكنه لم يستغرق -في حقيقته- سوى لحظة أو لحظتين بينما كنت أنظر مصعوقا. ثم استدرت بسرعة لإنقاذ الفتاة...
وعلى الجدار ورائي, ال جدار الذي كان ينعكس في المرآة، لم أر سوى خزانة فكتورية الطراز من خشب البلوط. لم يكن هناك باب مفتوح...ولا مشهد عنف. والتفت إلى المرآةة مرة أخرى فلم تعكس شيئا سوى الخزانة، والخزانة فقط!
مسحت عيني بيدي، ثم ركضت نحو الخزانة وحاولت سحبها إلى الأمام، وفي تلك اللحظة دخل نيل من الباب الآخر في الممر وسألني عما كنت أحاول عمله.
لا بد من أنه اعتقد أنني معتوه عندما التفت إليه وسألته إن كان يوجد باب وراء الخزانة أو لا.
قال: نعم، كان هناك باب يؤدي إلى الغرفة المجاورة.
سألته عمن كان يشغلها فقال إنه شخص يدعى أولدهام،الرائد أولدهام وزوجته. وسألته إن كانت السيدة أولدهام شقراء الشعر، وعندما رد علي ببرود قائلا إنها سمراء بدأت أدرك أنني ربما كنت أجعل من نفسي أضحوكة. استعدت رباطة جأشي وقدمت تفسيرا غير مقنع، ثم نزلنا إلى الطابق الأرضي معا. قلت لنفسي إنني تعرضت-دون شك- لنوع من الهلوسة، وأحسست بالخزي والغباء.
وعندها... عندها قال نيل:" أقدم لك أختي سيلفيا". ورأيت أمامي الوجه الجميل للفتاة التي رأيتها لتوي وهي تخنق حتى الموت! وقدمني إلى خطيبها، وكان رجلا طويلا أسمر ذا ندبة تمتد نزولا على خده الأيسر.
حسنا هذا ما جرى. وأريدك أن تفكر و تخبرني ما الذي كنت ستفعله لو كنت مكاني. ها هي ذي الفتاة، الفتاة بعينها، وها هو ذا الرجل الذي رأيته يخنقها... وكانا سيتزوجان خلال شهر من الزمان.
هل كنت ( أم لم أكن)صاحب نظرة تنبئية للمستقبل؟ هل من شأن سيلفيا أن تأتي مع زوجها لقضاء فترة هنا في المستقبل وتعطى لهما تلك الغرفة( وهي أفضل غرفة إحتياطيه)؟ وهل من شأن ذلك المشهد الذي رأيته أن يحدث في الواقع؟
ما الذي كان علي فعله حيال هذا الأمر؟ أكان باستطاعتي فعل شيء؟ أكان من شأن أحد، سواء أكان نيل أم الفتاة نفسها، أن يصدقني؟
قلبت النظر في الأمر كله مرة بعد مرة في الأسبوع الذي قضيته هناك. هل أتكلم أو لا أتكلم؟ وعلى الفور- تقريبا- ظهر تعقيد آخر؛ فقد وقعت في حب سيلفيا كارسليك منذ اللحظة الأولى التي رأيتها فيها، ولكن ذلك كبل يدي بطريقة ما.
ومع ذلك، إن لم أقل أي شيء فسوف تتزوج سيلفيا تشارلز كراولي وسوف يقتلها هذا الرجل.
وهكذا، ففي اليوم الذي سبق مغادرتي، كشفت لها كل شي. قلت إنني أظن أنها ستعتبرني رجل به مس من الجنون، ولكني أقسمت بأغلظ الأيمان بأنني رأيت الأمر كما أخبرتها به تماما، وأنني شعرت بأن من واجبي أن أخبرها بتجربتي تلك إن كانت مصممة على الزواج بكراولي.
أصغت إلي بهدوء شديد. كان في عينيها شيء لم أفهمه، ولم تكن غاضبة أبدا. وعندما انتهيت شكرتني بكل جدية. وقد مضيت أكرر لها كالأبله: لقد شاهدت ذلك...شاهدته فعلا.
قالت: أنا واثقة من أنك شاهدته ما دمت تقول هذا. إنني أصدقك.
* * *
خلاصة القول أنني رحلت دون أن أعرف إن كان ما فعلته صوابا أو حماقة، وبعد أسبوع فسخت سيلفيا خطبتها مع تشارلز كراولي.
بعد ذلك وقعت الحرب، ولم أجد متسعا من الوقت للتفكير بأي شيء غير الحرب. وقد صادفت سيلفيا مرة أو مرتين أثناء إجازتي ولكني كنت أتجنبها قدر الإمكان.
كنت أحبها و أريدها كثيرا، ولكني شعرت-على نحو ما- بأن ذلك لن يكون لائقا؛ فقد فسخت خطبتها مع كراولي بسببي، ولذلك بقيت أقول لنفسي إن الطريقة الوحيدة لتبرير التصرف الذي أقدمت عليه أن أجعل موقفي خاليا من أي غرض خاص أو فائده.
وفي عام1916 قتل نيل وطلب مني أن أخبر سيلفيا لحظاته الأخيرة في الحياة. ولم نستطع -بعدها- أن نبقي على علاقتنا رسمية هكذا. كانت سيلفيا تحب نيل كثيرا وكان هو أفضل أصدقائي. وقد تمكنت من إمساك لساني بصعوبة وذهبت متضرعا إلى الله أن تأتيني طلقة وتنهي هذا الأمر الصعب كله؛ فقد أحسست بأن الحياة بلا سيلفيا لم تكن جديرة بأن أحياها.
ولكن القدر لم يرمني برصاصة قاتله؛ فقد مرت رصاصة واحدة من تحت أذني اليمنى تقريبا، وواحدة أخرى انحرفت عندما أصابت علبة معدنية في جيبي، ولكني لم أصب بأي جرح. ثم قتل تشارلز كراولي في معركة في بداية عام 1918.
وقد جعل ذلك الوضع مختلفا إلى حد ما. وهكذا عدت إلى الوطن في خريف عام1918 قبل الهدنة بقليل، وذهبت مباشرة إلى سيلفيا وصارحتها بحبي لها. لم يكن عندي أمل كبير في أنها ستهتم بي مباشرة، وقد صعقت عندما سألتني لم لم أبلغتها بذلك من قبل.
تلعثمت وقلت شيئا عن كراوليفقالت:"ولكن لماذا تظنني فسخت الخطبة معه؟".ثم أخبرتني بأنها وقعت في حبي تماما كما وقعت أنا في حبها منذ اللحظة الأولى.
قلت لها إنني ظننت أنها فسخت خطبتها بسبب القصة التي رويتها لها فضحكت بازدراء وقالت إن المرء عندما يحب لا يكون على هذا المستوى من الجبن، ثم استعرضنا موضوع تلك الرئية القديمة التي رأيتها واتفقنا على أنها كانت غريبة، ولكن لا شيء أكثر من ذلك.
مر بعد ذلك وقت طويل ليس فيه ما يمكن إطالة الحديث عنه. فقد تزوجت سيلفيا وعشنا سعيدين، ولكن ما أن أصبحت سيلفيا لي حتى أدركت أنني لم أخلق لأكون زوجا جيدا. كنت أحب سيلفيا بإخلاص، ولكني كنت غيورا، غيورا لحد السخافة حتى لمجرد ابتسامة تبتسمها لأي واحد. وكان ذلك يسليها في البداية، بل أضنها أحبت ذلك بعض الشيء... فهذا يثبت-على الأقل- مقدار حبي لها.
أما أنا فقد أدركت تماما، وبما لا يقبل الشك، أنني لم أكن أجعل من نفسي أضحوكة فحسب، بل كنت راحة بالنا وسعادتنا للخطر. و أقول إنني عرفت ذلك، ولكنني لم أملك تغييره. وفي كل مرة كانت سيلفيا تتلقى فيها رسالة ولا تريني إياها كنت أتساءل عمن أرسلها لها... وإذا ما ضحكت وتحدثت مع أي رجل كنت أجد نفسي متجهما قلقا.
كانت سيلفيا -في البداي- تضحك معي كما قلت، ولعلها كانت في ذلك مزحة كبيرة. ثم لم تعد المزحة مضحكة ممتعة، وفي النهاية لم تعد تراها مزحة أبدا.
ثم بدأت بالابتعاد عني شيئا فشيئا. لا أعني بالمفهوم المادي، ولكنها أخفت عني تفكيرها الداخلي. ولم أعد أعرف بماذا تفكر. كانت لطيفة...ولكن على نحو حزين، كما لو كانت بعيدة جدا.
وشيئا فشيئا أدركت أنها لم تعد تحبني. لقد مات حبها، وكنت أنا الذي قتلته!
وكانت الخطوة التالية حتمية، ووجدت نفسي أنتظرها و أنا خائف منها.
ثم دخل ديريك وينرايت في حياتنا. كان لديه كل ما أفتقر أنا إليه... كان صاحب عقل راجح ولسان عذب، وكان وسيما أيضا. و أنا مجبر على الاعتراف بأنه كان رجلا طيبا. وحالما رأيته قلت في نفسي: هذا هو الرجل الذي يناسب سيلفيا تماما!
وقد حاربت سيلفيا ذلك. أعرف أنها قاومت، ولكني لم أساعدها، إذ لم أستطع. كنت أسير تحفظي النكد، وكنت أعاني معاناة شديدة...ولم أستطع أن أمد إصبعا لإنقاذ نفسي. لم أساعدها، بل جعلت الأمور أكثر سوءا. فقد أطلقت لساني عليها ذات يوم وشتمتها شتما قبيحا. كنت شبه مجنون غيرة وبؤسا، وكانت الكلمات التي قلتها قاسية جدا وغير صحيحة، وقد عرفت -و أنا أقولها- كم هي قاسية وغير صحيحة،ومع ذلك استمتعت بقولها استمتاعا بهيما!
أتذكر كيف احمرت سيلفيا وانكمشت. بقد دفعتها إلى حافة التحمل. و أتذكرأنها قالت: لا يمكن لهذا أن يستمر...
* * *
عندما جئت إلى البيت في تلك الليلة كان فارغا...فارغا. وكانت هناك رسالة...وفق الطريقة التقليدية تماما.
كانت تقول فيها ستتركني...إلى الأبد، وإنها ذاهبة إلى ((باغويرثي))ليوم أو يومين،وبعد ذلك ستذهب إلى الشخص الوحيد الذي أحبها واحتاج إليها... وإن علي أن أفهم أن ذلك أمر نهائي.
أظن أننني لم أكن مصدقا شكوكي حتى تلك اللحظة؛ فهذه الرسالة التي تؤكد -بما لا يقبل الشك- أسوأ مخاوفي جعلتني كامجنون.
وهكذا ذهبت إلى باغويرثي وراءها بأسرع ما يمكن للسيارة أن تصل به. و أذكر أنها كانت قد غيرت ثوبها لتوها لتناول العشاء عندما اندفعت داخل الغرفة ورأيت وجهها... جميلا... خائفا!
قلت:" لا أحد غيري سيأخذك...لا أحد" . و أمسكت رقبتها بكلتا يدي و أطبقت عليها وألقيتها إلى الوراء.
و فجأة رأيت انعكاسا لنا في المرآة... سيلفيا تختنق و أنا أخنقها، و أثر الجرح على خدي حيث مرت الرصاصة من تحت أذني اليمنى!
لا، لم أقتلها؛ فقد شلني ذلك الكشف المفاجىء فأرخيت قبضتي وتركت سيلفيا تنزلق إلى الأرض.
ثم انهرت. وقامت هي بالترويح عني... نعم، لقد روحت عني.
أخبرتها بكل شيء، و أخبرتني هي بأن المقصود بعبارتها:"الشخص الوحيد الذي أحبها ويحتاج إليها" هو أخوها ألان. وفي تلك الليلة دخل كل منا قلب صاحبه، ولا أحسب أن أحدنا ابتعد عن الآخر منذ تلك اللحظة.
كانت تلك تجربة تهدىء من غلو المرء وهو يحملها في حياته، ولولا رحمة الله ثم تلك المرآة لأصبح المرء قاتلا!
وشيء آخر مات في تلك الليلة... إنه شيطان الغيرة الذي تملكني فترة طويلة!
ولكني أتساءل أحيانا. لنفترض أنني لم أرتكب ذلك الخطأ الأول... أثر الجرح على الخد الأيسر، بينما كان في الحقيقة على الخد الأيمن وعكسته المرآة... فهل سأكون - عندها - متأكدا لتلك الدرجة من أن الرجل هو تشارلز كراولي؟ هل كنت سأحذر سيلفيا؟ هل كانت ستتزوجني... أو تتزوجه؟
أم أن الماضي و المستقبل شيء واحد؟
إنني رجل بسيط ولا أزعم أنني أفهم هذه الأمور، ولكني رأيت ما رأيته... وبسبب ما رأيته فقد أصبح كل منا،أنا وسيلفيا، ملكا للآخر ( حسب الكلمات التقليديه)... إلى أن يفرق الموت بيننا

النهــــــــــــــــــــــــاية

MA7MOUD
10-20-2010, 12:00 AM
http://www.al-ajyal.com/images/uplcovers/crooked.jpg





البَيْتُ المَائِل



كانت عائلة ليونايدز عائلة كبيرة سعيدة يعيش أفرادها بقناعة في بيت واسع (كثير الزوايا و الأشكال المثلثة) في بعض ضواحي لندن الفاخرة. و لكنهم يكتشفون – بعد مقتل أريستايد ليونايدز – أن بينهم قاتلاً...
الشرطة يراقبون و يحققون، و لكن جريمة أخرى كادت تقع أمام أنظار الجميع، ثم يكاد شخص ثالث أن يلقى حتفه. هل أمسك الشرطة القاتل الصحيح؟
"إنها واحدة من أفضل رواياتي...
أغاثا كريستي"


طُبعت للمرة الأولى باللغة الإنكليزية عام 1949

ترجمة: محمود الخطيب
مراجعة الترجمة: جهاد الكردي
تحرير: رمزي رامز حسّون
تنفيذ الغلاف: عروة مؤمن ديرانية
النسخة الإلكترونية: هيستينغز

مقدمة المؤلفة
هذه القصة من أخص رواياتي المفضلة، و قد حفظتها سنين طويلة أفكر في أمرها و أعيد النظر فيها. أقول لنفسي: في يوم ما، في الوقت المناسب، حين أريد إمتاع نفسي حقا، شوف أبدأ في كتابتها.
إن روايتي (( البيت المائل )) كانت متعة خالصة. و أتساءل كثيرا: هل يظن الناس الذين يقرؤون الكتب أن التأليف عمل صعب أم متعة؟ و كان الناس يقولون لي مرة بعد أخرى: ((لا بد أنك استمتعت بكتابة هذه القصة أو تلك)).
أما هذه القصة فأبَتْ بعناد أن تخرج كما أتمنى، فشخصياتها بغيضة و عقدتها متشابكى من غير ضرورة، و الحوار متكلف. و ربما لا يكون المؤلف أفضل من يحكم على عمله، و مهما يكن فكل من قرأ رواية (( البيت المائل )) قد أحبّها، و من أجل هذا أقول بأنها واحدة من أفضل رواياتي.
لا أعرف كيف جائتني فكرة عائلة ليونايدز؟ فقد جاءت هكذا، ثم – كما يقول توبْساي - : (( لقد نمت و ترعرعتْ)).
إنني أشعر بأنني كنت ناسخةً لهذه الفكرة ليس غير.
أغاثا كريستي.




- 1-
عرفتُ صوفيا ليونايدز أول مرة في مصر قبل نهاية الحرب العالمية. كانت تشغل منصباً إداريا رفيعاً في إحدى دوائر وزارة الخارجية هناك، و قد عرفتها أثناء وظيفتي بصفة رسمية فأُعجبتفي الحال بكفاءتها التي أوصلتها إلى ذاك المنصب رغم صغر سنها إذ كانت آنذاك في الثانية و العشرين من عمرها.

و إلى جانب حسن مظهرها فقد كانت ذكية و صريحة تسهل محادثتها رغم ميلها للسخرية، فأصبحنا صديقين، و أحببتها و رغبت في الزواج بها. كان ذلك حين تقرر نقلي للعمل في المشرق بعد خمود الحرب في أوروبا.

عزمت على هذا القرار بعدما تناولنا العشاء في فندق شبرد، فأقررت بحقيقةٍ كنت أعرفها منذ زمن طويل، فقد أعجبتني منذ رأيتها قبل الحرب! أعجبني كل شيء رأيته فيها: الشعر الداكن الأجعد الذي كان يتشامخ إلى أعلى من جبهتها، و العينان الزرقاوان المفعمتان بالحيوية، و الذقن البارز الصغير، و الأنف المستقيم، و ثيابها الأنيقة!

كانت تبدو إنكليزية ممتلئة بالحيوية، و قد أعجبني ذلك كثيراًبعد ثلاث سنين قضيتها غائبا عن بلدي. و فكرت في نفسي أنْ لا أحد يبدو إنكليزيا أكثر منها.. ترى هل تستطيع أن تكون إنكليزية حقا كما تبدو؟ هل يصبح الشيء الزائف كالشيء الخالص في الكمال؟
أدركت أن صوفيا – رغم حديثنا الحر الطويل و مناقشة الأفكار فيما نحب و ما نكره و المستقبل و أصدقائنا المقربين – لم تذكر شيئا عن بيتها و أسرتها. لقد عرفت كل شيء عني – و كانت مستمعة جيدة – و لكني لم أعرف عنها شيئا! كنت أقدر أن لها الجذور الاجتماعية المعروفة، لكنها لم تتحدث عنها قطّ، و لم أدرك الحقيقة حتى هذه اللحظو. سألتْني:

- فيم كنت تفكر؟

أجبتها بصدق:

- أنت!

- عرفت ذلك.

- قد لا نلتقي قبل عامين، لا أعرف متى أعود إلى إنكلترا، لكن أول شيء أفعله حين أرجع إلى إنكلترا هو المجيء لكي أراك و أطلب منك أن تتزوجيني.

تقبلت صوفيا الأمر دون أن يطرف لها جفن، و جلستٍ نحنسي القهوة دون أن تنظر إليّ، و شعرت بالعصبية قليلاً، قلت:

- اسمعي، سأفعل كل شيء إلا شيئاً واحدً، لن أطلب منك الزواج الآن، ربما ترفضينني فأرحل بعدها يائساً، و ربما أعشق ارمأة أخرى قبيحة حتى أنتقم لغروري، و حتى لو وافقتِ فما عسانا أن نفعل إزاء هذا الأمر؟ نتزوج في الحال؟ نعلن خطبتنا ثم نبقى على تلك الحال زمناً طويلاً؟

لا أحتمل رؤيتك على هذه الحال، فقد تلتقين رجلا غيري ثن تشعرين بأن عليكِ أن تكوزني مخلصة لي. أحب أن أراك تعودين إلى وطنك حرة مستقلة لكي تنظري حولك و تعرفي عالم ما بعد الحرب الجديد و تقرري ما تريدينه من هذا العالم، فالذي بيني و بينك يا صوفيا سيبقى خالداً لأنني لن أتزوج أي امرأة أخرى.

- و أنا أيضاً..

- هل تعلميبن بم أشعر؟

همست صوفيا:

- لا ينبغي الغزل الآن.

- حبيبتي، ألا تفهمين؟ لقد حاولت ألا أقول بأنني أحبك..

قاطعتْني:

- إنني أفهم يا تشارلز، و أنا أحب أسلوبك الغريب، قد تأتي لتراني حين تعود إن كنت تريد أن..

و قاطعتُها:

- لا شك في ذلك.

- الشك يدخل كل القلوب يا تشارلز، قد يظهر أحياناًأمرٌ غير محسوب و لا مقدّر يغير الأحداث كلها. تذكّر أنك لا تعرف شيئاً عني، أليس كذلك؟

- بلى، حتى أنني لا أعرف أين بيتكم في إنكلترا؟

- إنني أعيش في سْوينلي دين.

أومأتُ برأسي حين ذكرت هذه الضاحية الشهيرة في لندن التي تتباهى بثلاثة ملاعب غولف، و أضافتْ بهدوء و صوت مطمئن:

- في بيت صغير مائل..

و ضحكتْ فجفلتُ قليلاً، ثم أردفت بجملة مقتبسة:

- ((و كانوا جميعا يعيشون في بيت صغير مائل))، هذه حالنا نحن، بيتنا ليس بيتا صغيرا، لكنه حتما منحرف خشبي موشور الشكل، في سطحه زوايا كثيرة!

- هل أنت من عائلة كبيرة؟ إخوتك و أخواتك؟

أخ واحد و أخت واحدة، و أبي و أمي و عمي و زوجته و جدي و زوجته و خالة عجوز.

صحت و أنا مرتبك قليلاً:

- يا إلهي!

ضحكت صوفيا:

- نحن لا نعيش معاً، لكن الحرب و الغرات الجوية هي التي اضطرتنا أن نجتمع، لكنني لا أدري.. – و قطبت حاجبيها تفكر - .. ربما كان أبناء العائلة يعيشون معاً في الروح تحت رقابة جدي و حمائته، إنه رجل له شأنه. لقد تجاوز الثمانين من عمره، و هو قصير القامة، لكن شخصيته قوية بدرجة غير عادية.

- يبدو مثيرا للاهتمام.

- إنه فعلا كذلك، فهو يوناني من سميرْنا، اسمه أريستايد ليونايدز. ثم أضافت و عيناها تطرفان: و هو غني جداً!

- من يرثه بعد وفاته؟

- جدي سيقرر، و لن يئثر فيه أي أسلوب أو يزحزحه، إنه داهية! ترى، هل ستحبه؟

- و هل تحبينه أنت؟

- أكثر من أي شخص في الدنيا.

*****




- 2 -
كان ذلك قبل سنتين من عودتي إلى بلدي. لم تكن سنين الغربة سهلة، كنت أكتب صوفيا و أسمع منها كثيراً، و كانت رسائلها مثل رسائلي: رسائل صديقين حميمين لا رسائل حب، فكانت هي تكثر من ذكر شؤون الحياة اليومية، لكنني كنت أعرف أن مشاعر أحدنا تجاه الآخر كانت تزداد و تقوى.

و رجعت إلى إنكلترا في يوم هادئ كئيب من أيام أيلول: بدت الأوراق على الأشجار ذهبية في ضوْء المساء، و كانت الريح تعصِف.

أرسلت لصوفيا برقية من أرض المطار:

((لقد عدت لتوي.
أرجو أن نتناول العشاء معاً هذا المساء في ماريو الساعة التاسعة!
تشارلز))

بعد ذلك بساعتين كنت أجلس أقرأ جريدة ((التايمز)) و أتفحص أعمدة المواليد و الزواج و الوفيات، فوقعتْ عيني على اسم ليونايدز:

((في 19 أيلول، في ثري غابِلْز، سوينلي دين، مات أريستايدليونايدز زوج بريدنا ليونايدز المحب عن عمر يناهز الثامنة و الثمانين. مع الأسف العميق!))

ثم قرأتُ إعلاناً آخر:

((مات أريستايد ليونايدز فجأة في مسكنه ثري غابلز، سوينلي دين! ينعاه أولاده و أحفاده المحبون بعمق الأسى!
ترسل الورود إلى كنيسة القديس إلْيرْد في سوينلي دين))

أثار الإعلان استغرابي، فربما أدّى خطأ من جانب المحررين في الصحيفة إلى هذا الإزدواج، لكنّ شغلي الشاغل كان صوفيا.

أرسلت لها برقية ثانية على عجل:

((لقد قرأت لتوي خبر وفاة جدك.. آسف جداً!
متى أستطيع رؤيتك؟
تشارلز))

وصلتني برقية من صوفيا في السادسة و أنا في بيت أبي:

((سأكون في ماريو في التاسعة ليلاً.
صوفيا))

جعلتني فكرة لقاء صوفيا مرة أخرى عصبياً. و كان الوقت يمرّ بطء يثير الجنون. كنت أنتظرها في الماريو قبل الموعد بثُلث ساعة و تأخرت هي عن الموعد خمس دقائق.

إن لقاء شخص مرة أخرى بعد انقطاعٍ طويلٍ مربكٌ إلى حدٍّ ما و إن يكن حاضراً في ذهنك طوال تلك الفترة. حين دخلت صوفيا من الباب الدوار كان لقاؤنا متكلِّفاً. كانت تلبس الأسود بسبب الحداد بلا ريب، و قد فاجأني أن صوفيا من الذين يلبسون الأسود حقاً حداداً على قريب مات!

شربنا عصيراً ثم ذهبنا إلى طاولتنا. تحادثنا سريعاً بطريقة محمومة، نسأل عن الأصدقاء القادمى أيام كنا في القاهرة. و كان حديثنا مجاملة لكنه طغى على الارتباك الذي ساد بداية اللقاء.

واسيتها بوفاة جدها و قالت صوفيا بهدوء بأنها حدثت فجأة كلُّها.

ثم اطنلقت مرة أخرى للذكريات، وبدأت أشعر بالخوف من شيء ما، شيء غير الارتباك الطبيعي من اللقاء ثانية بعد غيبة طويلة. كان في صوفيا شيء غير طبيعي حتماً: هل تخبرني بأنها عرفتْ رجلاً آخر غيري تهتم به أكثر مني و أن إحساسها بي كان خداعاً؟ ساورني إحساس عميق بأن الأمر لم يكن كذلك، و لكني فشلت في الاهتداء إلى احتمال آخر، و في غضون ذلك أكملنا حديثنا المصطنع!

ثم فجأة عندما وضع الساقي القهوة لنا و تراجع و هو ينحني، بدأ الحديث يتغير، فأنا أجلس الآن مع صوفيا كما كنا نفعل من قبلُ كثيراً على طاولة صغيرة في مطعم، كأن سنين الغربة التي عشناها لم تكن أبداً. قلتُ:

- صوفيا!

- تشارلز!

تنهدتُ عميقاً دلالة على الارتياح و قلت:

- أحمد الله أن هذا الأمر قد انتهى و ولّى. ما الذي أصابنا؟

- ربما كانت غلطتي، كنت حمقاء!

- هل الأمرُ الآن طبيعي؟

- أجل.. طبيعي الآن.

و ابتسمنا، فقلت:

- حبيبتي، هل نتزوج قريباً؟

انطفأت ابتسمتها فأصابني الانقباض ثانية، قالت:

- ربما، لا أدري يا تشارلز إن كنت أستطيع الزواج بك؟

- و لِمَ لا يا صوفيا؟ ألأنك تشعرين بأنني غريب؟ أتريدين وقتاً لتعتادي عليَّ ثانية؟ هل عرفتِ رجلاً غيري؟

هزت رأسها و قالت:

- لا، ليس كذلك.. – و خفضت صوتها – .. بل بسبب موت جدي.

- موت جدك؟ لماذا؟ و ما الفرق؟ إنك لا تقصدين حتماً أن امتناعك بسبب المال، أليس كذلك؟ و هل ترك جدك مالاً؟ لكنّ الأمر يا عزيزتي..

- إنه ليس المال – و ابتسمت ابتسامة سريعة – أظن أنك سكتون راغباً تماماً أن تأخذني على حالتي الجديدة كما يقول المثل القديم، ثم إن جدي لم يخسر مالاً في حياته.

- إذن فما الأمر؟

- أظن – يا تشارلز – أن جدي لم يمت موتاً طبيعياً، ربما يكون قد قتل!

- يا لها من فكرة غريبة! ما الذي يجعلك تظنين أن جدك قُتل؟

- أنا لم أفكر فيها، بل كان الطبيب يشك في الأمر. إنه لم يوقّع شهادة الوفاة، و سوف يشرّح الأطباء الجثة، فلعل في الأمر شيئا غير طبيعي.

لم أجادلها، لأنها فتاة ذكية جداً، صاحبة آراء صائبة و استنتاجات سليمة، بل قلت لها جاداً:

- قد يكون لشكوكهخم أسبابُها، لو أن لها أسباباً فكيف يؤثر هذا علينا نحن الاثنْين؟

- قد يؤثر في حال من الأحوال، فأنت تعمل في السلك الدبلوماسي. إنهم شديدو الاهتمام بأمر الزوجات. لا، أرجوك لا تقل شيئا يتفطّر له قلبك! كأنك تريد أن تقول:((أريد أن يكون زواجنا حسناً، لا ينبغي لأحدٍ منا أن يضحي من أجل الحب!))، فما يدريك يا تشارلز؟ ربما يكون كل شيء طبيعياً..

- أيكون الطبيب قد ارتكب خطأ؟

- و إن لم يرتكب خطأ فلا يهم ما دام ذلك الشخص قد قتله.

- ماذا تقصدين يا صوفيا؟

- إنه أمر بغيض لكنني أريد أن أكون صريحة.

و أدركتْ صوفيا كلماتي قبل أن أقولها، فقالت:

- لا يا تشارلز، لن أقول شيئا آخر. ربما قلت كثيراً من قبل، لكنني أصررت على المجيء هنا و لقائك هذه الليلة؛ لكي أراك بعيني و أفهمك. لن نفعل شيئا حتى تنجلي هذه المشكلة.

- خبريني عنها على الأقل.

- لا أريبد يا تشارلز، لا أريدك أن ترى الأمر من زاويتي، بل أريد أن تكون نظرتك صواباً و أن ترى الأمر بطريقة صحيحة.

- كيف أفعل ذلك؟

قالت لي و هي تنظر إليَّ بعينين زرقاوين تبرقان بوهج غريب:

- فلتسمعه من أبيك.

كنت قد أخبرت صوفيا – و نحن في القاهرة – أن أبي يعمل مساعد مفوّض في سكوتلانديارد، و هو ما يزال كذلك. و عندما قالت كلمتها الأخيرة أحسست بالإحباط فقلت مستفسراً:

- إذن فالأمر سيّء إلى هذا الحد؟

- أظن ذلك، هل ترى رجلا يُطيل الجلوس إلى طاولة قرب الباب وحيداً؟ رجلاً وسيماً بليداً كان يعمل من قبل في الجيش؟ لقد كان هو نفسه على رصيف محطة سوينلي دين هذا المساء ساعة دخلتُ القطار.

- تقصدين إنه تبِعك إلى هنا؟

- نعم، أظن أننا جميعاً تحت الرقابة، لقد ألمحوا إلينا أن من الأفضل أن نمكث جميعاً في البيت، و لكنني كنت عقدت العزم على رؤيتك – و برز ذقنها الصغير و هي تتكلم مشاكسة – لقد خرجت من شباك الحمام ة انزلقت على أنبوب المياه!

- حبيبتي!

- لكن الشرطة قديرون في عملهم، و هناك طبعاً البرقيةُ التي أرسلتُها لك. حسناً، لا تؤاخذني، إننا هنا معاً لكنّ علينا من الآن فصاعداً أن نفترق.. و سكتت قليلاً ثم أضافت:

- و لسوء الحظ، فإن أيّاً منا لا يشك بحب صاحبه له يا تشارلز!

- لا شك بتاتاً، و لا تقولي:(( لسوء الحظ))، لقد بقيت أنا و أنت على قيد الحياة أثناء الحرب العالمية، و نجونا من الموت المفاجيء كثيرا، و لا أعلم كيف يدهم الموت عجوزاً فجأة؟.. كم كان عمره؟

- سبعة و ثمانين عاماً!

- أجل، قرأته في جريدة ((تايمز)) و لو سألتني لقلت أنه مات في الشيخوخة، و أن أي طبيب يحترم نفسه سوف يرضى بهذه الحقيقة.

- لو كنتَ تعرف جدي لأسِفْت على موته!




يتبع

MA7MOUD
10-21-2010, 01:17 AM
<!--[if gte mso 9]><xml> <w:WordDocument> <w:View>Normal</w:View> <w:Zoom>0</w:Zoom> <w:PunctuationKerning/> <w:ValidateAgainstSchemas/> <w:SaveIfXMLInvalid>false</w:SaveIfXMLInvalid> <w:IgnoreMixedContent>false</w:IgnoreMixedContent> <w:AlwaysShowPlaceholderText>false</w:AlwaysShowPlaceholderText> <w:Compatibility> <w:BreakWrappedTables/> <w:SnapToGridInCell/> <w:WrapTextWithPunct/> <w:UseAsianBreakRules/> <w:DontGrowAutofit/> </w:Compatibility> <w:BrowserLevel>MicrosoftInternetExplorer4</w:BrowserLevel> </w:WordDocument> </xml><![endif]--><!--[if gte mso 9]><xml> <w:LatentStyles DefLockedState="false" LatentStyleCount="156"> </w:LatentStyles> </xml><![endif]--><!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"جدول عادي"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]-->



- 3-
اهتممت على الدوام بعمل أبي في الشرطة، لكني لم أتهيأ للّحظة التي أكون فيها مهتماً بشكل مباشر هكذا. و لم أكن بعدُ قد رأيت الرجل العجوز، فعندما وصلت البيت كان هو في الخارج. بعدما اغتسلت و حلقت ذقني و غيّرت ثيابي خرجت من أجل صوفيا، و حين رجعت أخبرني جلوفر أنه كان في مكتبته.

كان يجلس وراء مكتبه عابساً يطالع كثيراً من الأوراق، و حين رآني داخلاً قفز عن مقعده مرحبّاً:

- تشارلز، لم أرك منذ زمن بعيد.

كان لقاؤنا بعد خمس سنين من الحرب لقاء يصيب أي فرنسي بخيبة أمل، و الحقيقة أننا كان بيننا عاطفة اجتماع الشمل؛ فأنا و العجوز نحب بعضنا كثيراً و نفهم بعضنا جيداً. قال العجوز:

- آسف لأنني كنت خارجاً حين وصلتَ هنا، إنني غارق في العمل حتى أذنيّ، تباً! لهذه القضية التي بدأت أدرسها الآن..

أسندت ظهري إلى الكرسي و سألته:

- قضية أريستايد ليونايدز؟

عبس العجوز و قطب حاجبيه و نظر إلي نظرة تقدير، و قال بلسان هادئ و قوي:

- تشارلز، كيف عرفت ذلك؟

- بلغتني معلومات.

- ما خطبك يا تشارلز؟ أخبرني.

- أخشى ألا يعجبك كلامي! لقد لقيت صوفيا ليونايدزفي القاهرة. أحبتها، و سوف أتزوجها. ألتفينا هذه الليلة. لقد تعشّت معي.

- تعشت معك؟ في لندن؟ و كيف خرجتْ؟ لقد طلبنا من أفراد العائلة ألاّ يغادروا البيت.

- أجل، لكنها انزلقتْ على أنبوب المياه من شباك الحمام.

ابتسم العجوز ابتسامة سريعة و قال:

- تبدو فتاة داهية!

- لكن شرطتكم قديرون تماماً، فقد تبعها شرطي إلى مطعم ماريو، و سوف ترى أوصافي في البيانات التي بين يديك: الطول خمسة أقام و أحد عشر إنشاً، الشعر بني، العينان عسليتان، بدلة كحلية مقلّمة..

نظر العجوز إليّ نظرة قاسية، و سألني:

- أهذا كلام جاد؟

- أجل، إنه كلام جدا يا أبي!

صمتنا برهة قصيرة، ثم سألته:

- و هل تمانع ذلك؟

- لم أكن لأمانع ذلك قبل أسبوع. إنها أسرة غنية جداً، و الفتاة سوف ترث المال، و أنت فتىً بالغ عاقل راشد، و لكن..

- ماذا يا أبي؟

- سيكون الأمر طبيعيا لو..

- ماذا؟

- لو كان الذي فعلها هو ذاك الشخص!

للمرة الثانية أسمع العبارة ذاتها في تلك الليلة، و بدأت أتشوق لمعرفة التفاصيل و جلاء الموضوع:

- من هو ذلك الشخص؟

نظر إليَّ نظرة حادّة:

- ماذا تعرف عن هذا الأمر؟

- لا شيء.

تساءل مندهشاً:

- ((لا شيء))؟ ألم تخبرك الفتاة؟

- لا، قالت بأنها تحب أن أرى الأمر من وجهة نظري من غيرتأثيرٍ منها.

- لماذا؟

- أليس ذلك واضحاً؟

- لا يا تشارلز.

و جعل أبي يروح و يجيء و ما زال عايساً. أشعل السيغار و نفث دخانه، فعرفت أن الوالد العجوز انزعج. ثم فاجأني بسؤال:

- ماذا تعرف عن العائلة؟

- تباً! أعرف أن هناك الرجل العجوز و العديد من أبنائه و أحفاده و أزواجهم. لكني لم أستوعب جميع أفراد هذه العائلة الكبيرة، ليتك يا أبي توضح الصورة لي!

قال و هو يجلس:

- نعم، هذا جيد. سوف أبدأ بالأب الكبير إريستايد ليونايدز، فقد وصل إلى إنكلترا و هو في الرابعة و العشرين.

- يوناني من سميرنا؟

- ها أنت تعلم هذا!

- أجل، لكن هذا هو كل ما أعرفه.

و انفتح الباب، و دخل جلوفر ليقول إن رئيس المفتشين تافيْرنر حضر فقال أبي:

- إنه المسؤول عن القصة فلْنُدخلْه، لقد كان يطلع على ملفّ العائلة، و هو يعلم عن أفرادها أكثر مما أعلم.

و سألتُ أبي إن كانت دائرة الشرطة المحلية قد استدعت سكوتلانديارد فقال:

- إنها من شأننا، لأن سوينلي دين تقع في منطقة لندن الكبرى.
و دخل رئيس المفتشين تافيرنر إلى الغرفة فأومأت برأسي محيّياً، فلقد كنت أعرفه منذ سنين. حيّاني بحرارة و هنأني على عودتي سالماً. ثم قال أبي:

- إنني أبين الصورة لتشارلز، فإن أنا أخطأت فذكّرْني يا تافيرنر. وصل ليونايدز إلى لندن عام 1844، حيث أنشأ مطعماً صغيراً في سوهو، و كان ناجحاً، فأنشأ مطعماً آخر، و ما زال هكذا حتى صار يمتلك سبعة مطاعم أو ثمانية، و كانت كلُّها رابحة!

تافيرنر: لم يكن ليونايدز يخطئ في أي شيء يفعله.

أبي: كانت فيه حاسة طبيعية، و سرعان ما أصبح وراء معظم مطاعم لندن الكبرى. ثم عمل في سوق التجهيزات الغذائية، و كان عمله فيها ضخماً حقاً.

تافيرنر: و كان ليونايدز وراء بعض التجارات الأخرى مثل الثياب البالية و محالّ الجواهر التقليدية و غيرها كير!.. و كان رجلاً غير أمين.

قال تافيرنر الجملة الأخيرة بعد هنيهة من التفكير، فسألته قائلاً:

- أكان محتالاً؟

- لا، كان فيه عِوجٌ و لكنْ لم يكن محتالاً، و هو – و إن لم يخرج عن القانون – إلاّ أنه كان يفكر بأي أسلوب للالتفاف عليه. لقد جنى أرباحاً كبيرة بهذه الطريقة، و حتى في الحرب الأخيرة رغم أنه كان أثناءها طاعنا في السن. لم يفعل شيئا غير قانوني، لكنه كان إذا شرع في عمل يلتمس له في القانون مخرجاً ثم يكون قد انتقل إلى عمل غيره! أرجو أن تكون قد فهمت ما أعنيه.

قلت:

- إنه لا يبدو شخصية جذابة.

- من الغريب إنه كان جذاباً قوي الشخصية حتى أنك لتشعر بذلك من لمحة واحدة. و إذا نظرت إليه لم تَرَ ما يثير إعجابك، كان قزماً قبيحاً لكنه كان ساحر، فما أكثر النساء اللائي أحببْنه!
قال أبي: لقد تزوج زواجاً يصدم السامع، تزوج ابنة إقطاعي في الريف صاحب اراضٍ لتربية الثعالب.
رفعتُ حاجبيّ من الدهشة و قلت:

- المال!؟

هز العجوز رأسه و قال:

- لا، كان زواج حب. لقيَتْخ الفتاة لتبحث معه شأن بعض التجهيز الغذائي في حفل زفاف صديقة لها فوقعت في حبه. و سخِط أبوها عليها لكنها ألحّتْ في الزواج منه. لقد قلت لك بأن للرجل سحراً عجيباً جذبها، و يبدو أنها كانت قد سئمت من الرجال التقليديين حولها.

- و هل كان زواجهما سعيداً؟

- كان سعيداً جدا. و رغم أن أصدقاءهما المحترمين لم يخالطوهما فإن ذلك لم يكن يقلقهما، و عاشا من غير أصدقاء. و بنى زوجها بيتاً تنكره الطبيعة و العقل في سوينلي دين، و سكنا هناك و أنجبت هي ثمانية أطفال. كان العجوز لينايدز ذكيا حين اختار سوينلي دين؛ لأنها كانت في بداية التحول إلى متطقة نموذجية راقية، فلم يكن فيها – بعدُ – ملعبا الغولف الثاني و الثالث.

و كان حولهما جماعة من السكان القدامى الذي كانوا يحبون حدائقهم كثيراً، أحبوا جارتهم السيدة ليونايدز، و أحبوا رجال المدينة الأغنياء الذين أتوا ليعيشوا جوار السيد ليونايدز.

أعتقد أنهم كانوا سُعداء تماماً حتى ماتت السيدة في عام 1905 بمرض ذات الرئة!

- و هل تركته مع ثمانية أطفال؟

- أحدهم مات طفلاً و اثنان قُتلا في الحرب الأخيرة، و كان هناك ثلاث بنات إحداهن تزوجت و رحلت إلى أستراليا و ماتت هناك، و الثانية بقيت عانساً ثم صدمتها سيارة فماتت، و الثالثة ماتت قبل سنة أو اثنتين. و ما زال من أبنائه اثنان على قيد الحياة: روجر، الولد الأكبر، تزوج و لم ينجب أطفالاً، و فيليب الذي تزوج ممثلة شهيرة فأنجبت له ثلاثة أطفال: صاحبتك صوفيا، و يُوسْتيس، و جوزفين.

- و هل يعيشون جميعاً في.. ما اسم ذلك البيت؟ ثري غابلز؟

- أجل، لقد تدمر بيت روجر ليونايدز من القصف في أوب الحرب. أما فيليب و بناته فإنهم يعيشون هناك من عام 1937. و هناك الخالة العجوز أخت السيدة ليونايدز – الآنسة دي هافيلاند – التي كانت تشمئز من زوج أختها، لكنها عرفتْ أن من واجبها بعد موت أختها أن تقبل دعوة السيد ليونايدز لكي تعيش عنده و تربي الأطفال.

قال تافيرنر: إنها دائمة الحماس في عملها لكنها لا تغير رأيها في أحد من الناس، فهي تعارض ليونايدز و تنقد أسلوبه.

قلت:

- حسنا، يبدو إنه بيت مليء تماماً! فمن تظنه القاتل؟

هز تافيرنر رأسه و قال:

- الوقت ما يزال مبكرا لقول ذلك.

قلت:

- ماذا دهاك يا تافيرنر؟ أنا واثق بأنك تعلم القاتل، تحدث بحرية فنحن لسنا في محكمة يا رجل!

تجهّم تافيرنر و قال:

- لا، و ربما لا تنعقد المحكمة أبداً.

- هل تقصد أنه ربما لا يكون قد قُتل؟

- بل قُتل بلا شك، تسمم، لكن إثبات الدليل في أحوال التسمم هذه يتطلب براعة شديدة، قدتشير جميع الوجوه إلى اتجاه واحد. إنها قضية واضحة، جريمة كاملة، لكني في حيرة، إنها جريمة متقنة جداً!

نظرت إلى العجوز مستغيثاً، فقال بطء:

- أنت تعلم يا تشارلز أن الحل الواضح في قضايا القتل يكون غالبا هو الحل الصحيح. لقد تزوج العجوز ليونايدز مرة ثانية قبل عشر سنين.

- و هو في السابعة و السبعين؟

- أجل، تزوج فتاة في الرابعة و العشرين!

صفَرتُ مندهشاً:

- و من هي؟

- فتاة كانت تعمل في مقهى، محتشمة و حسناء، لكنها ضعيفة و مهمِلة.

- أتكون هي قتلتْه؟

و خاطبني تافيرنر:

- إنني أسألك أنت يا سيدي، فالفتاة قد بلغت الرابعة و الثلاثين، و هذه سنّ خطرة. و هي فتاة تحب العيش الهاديء، و في البيت شابّ غريب يعلّم الأطفال، و هو لم يذهب إلى الحرب لمرضٍ أصاب قلبه، و كانت علاقتهما معاً علاقة حميمة.

نظرت إليه متأملاً، كان ذلك نموذجاً قديماً و مألوفاً: تلك العائلة المتباينة الأفراد، و معها السيدة ليونايدز الثانية التي كانت – حسب كلام أبي – امرأة جديرة بالاحترام، و لكن لا يجدر أن ننسى أن الكثير من الجرائم ارتكبت دوما مستترةً بثوب الاحترام.

و سألت تافيرنر:

- و ماذا كان ذلك السم؟ أهو الزرنيخ؟

- لم يأتينا – بعدُ – تقرير المختبر، لكن الطبيب يظن أنه سُمّ الإيسيرين.

- هذا مُستغرَب قليلاً، أليس كذلك؟ من السهل حتما كشف المشتري.

- كان دواءيتداوى به... لقد كان قطرة عين.

قال أبي: كان ليونايدز مصاباً بالسكري، و كان يأخذ حقناً دوريّة من الأنسولين. كان الأنسولين في قنانيّ صغيرة أغطيتها من المطاط، فيوخز الغطاء بإبرة الحقن ثم تسحب الحقنة و فيها الأنسولين.

قلت مستنتجاً:

- و لم يكن الذي في الزجاجة الأنسولين، بل اٌيسيرين، أليس كذلك؟

- تماماً.

- و من الذي حقنه الإبرة؟

زوجته.

لقد فهمت الآن ماذا كانت تقصد صوفيا بقولها:((ذلك الشخص)). و سألته:

- و كيف كانت العائلة مع السيدة ليونايدز الثانية؟

- لم تكن جيدة، و نادراً ما تبدلوا الحديث مع بعضهم.

كان كل شيء يتضح أكثر فأكثر، لكن كان واضحا أن المفتش تافيرنر لم يكن سعيداً بذلك. فسألته:

- لا يبدو أنك مقتنع تماما بهذه الفرضية؟

- لو أنها فعلت ذلك يا تشارلز لكان سهلاً عليها أن تستبدل بالقنّينة قنينة أنسولين حقيقية بعد ذلك، لا أستطيع أن أفهم لِمَ لمْ تفعل ذلك؟

- و هل في البيت كثير من الأنسولين؟

- أجل، قنانٍ ملأى و أخرى فارغة، و لو أنها فعلته لما استطاع الطبيب كشفه قطّ، لأن جسم الإنسان إذا تسمم بالإيسيرين فمات لا يُعرف في الأعراض التي تظهر على الجثة إلا قليلاً جداً. أما الذي حصل هنا فهو أن الطبيب قد فحص زجاجة الأنسولين فعرف فوراً أن الذي فيها لم يكن أنسوليناً.

قلت متأملاً:

- إذن فإما أن تكون السيدة ليونايدز غبية جداً و إما أن تكون ذكية جداً.

- أنت تقصد..

- ربما راهنت على استنتاج ستصلون إليه بأن أحداً لا يمكن أن يكون بالغباء الذي يبدو لكي يرتكب عملاً كهذا. على أية حال، هل هناك مشبوهون آخرون!

- كل من في البيت مشبوهون جميعاً، و قد كان فيه مخزون كبير من الأنسولين يكفي أسبوعين، فربما عبثتْ يدٌ بإحدى القوارير و تم وضعها لكي تستعمل في الوقت المقرر.

- و هل يستطيع كل منهم أن يصل إليها؟

- أجل، فلم تكن في خزانة مقفلة، بل كانت تحفظ على رف خزانة الأدوية في الحمام، و كل ساكن في البيت يأتي و يذهب إليه بحرية.

- و ماذا يدفعهم لقتله؟

تنهد أبي و قال:

- يا عزيزي تشارلز، كان أريستايد ليونايدز غنياً جداً، صحيح أنه خصّص مالاً كثيراً لعائلته، و لكن لعل أحدهم أراد المزيد.

- لا يوجد أحدٌ يريد أن يكون نصيبه أكبر من الجميع أكثر من تلك الأرملة، هل كان صديقها ذا مال؟

- بل فقيرا مثل فأر الكنيسة!

و فجأة لمعت في ذهني بعض الأفكار. تذكرت عبارة صوفيا المقتيسة، و تذكرت فجأة أبيات نشيدنا في الحضانة:

((رجلٌ ملتوٍ مشى مسافة ميلٍ ملتوٍ فوجد قطعة شِلْنٍ ملتوية عند باب ملتوٍ و قطّه الملتوي أمسك بفأرٍ ملتوٍ، و عاشوا جميعاً معاً في بيتٍ صغيرٍ ملتوٍ)).

قلت أخاطب تافيرنر:

- كيف وجدت السيدوليونايدز و ما رأيك فيها؟

ردّ بطء:

- إنها ليست سهلة، هادئة جداً قلا تعرف ما تفكر فيه لكنها تحب العيش الهاديء، أقسم إنني لعلى حق في هذا. إنها تذكرني بقطة، قطة كسولة كبيرة تهرهر، و هذا لا يعني أنني أكره القطط، إنها جميلة! – و تنهد - .. إننا نسعى وراء الدليل.

أجل، كنا جميعاً نريد دليلاً على أن السيدة ليونايدز قد سممت زوجها. صوفيا كانت تريده، و تافيرنر رئيس المفتشين، و كذلك أنا، و كل شيء سيكون حسنا بعد ذلك.

لكن صوفيا لم تكن متأكدة، و أنا لست متأكداً، و رئيس المفتشين مثلنا!

*****




- 4 -
ذهبت في اليوم التالي إلى منزل ثري غابِلْز مع تافيرنر. كان موقفي غريباً و غير تقليدي أبداً، لكن العجوز لم يكن تقليدياً بتاتاً.

و كانت لي مكانة، فقد عملت في الشهبة الخاصة في سكوتلانديارد في أيام الحرب الأولى، و عملي ذاك قد بوأني مكانة رسمية إلى حدّ ما، و إن كانت مهمتي الآن مختلفة تماماً. و قال أبي:

- إذا أردنا حل هذه القضية فينبغي أن نحصل على معلومات داخلية، يجب أن نحيط بالناس الذين يعيشون في ذلك البيت، علينا أن نعرفهم من الداخل لا الخارج. أنت وحدك الذي تستطيع فعل ذلك.

لم أكن أحب ذلك. ألقيت عقب لفافة التبغ في المنفضة و أنا أقول:

- و هل أنا جاسوس للشرطة؟ هل عليّ أن أجلب معلومات داخلية من صوفيا التي أحبها و تحبني و تثق بي؟

انفعل العجوز كثيرا و قال محتداً:

- أرجوك لا تنظر للأمر هكذا. أولاً: هل تظن أن فتاتك الشابة قد قتلت جدها؟

- كلا، هذه فكرة سخيفة دون شك.

- حسناً، و نحن لا نظن ذلك أيضاً؛ لأن صوفيا كانت في الخارج بضع سنين، و كانت على علاقة ودية معه دائماً، و كانت تتقاضى راتباً سخياً منه، و لا شك أن خطوبتها كانت ستسره. إننا لا نشتبه فيها، لكني أريدك أن تعلم شيئا واحداً: إذا لم يتم حل هذه القضية فلن تتزوجك الفتاة، إنني متأكد مما أقول بسب ما أخبرتني به، و هذه جريمة لعلها لا تحلّ أبداً.

ربما نكون – يا تشارلز – متأكدين أن الزوجة و صديقها الشاب تعاونا على هذا العمل لكنّ إثباته مسألة أخرى. و ليس بين أيدينا حتى الآن قضية بيّنة نرفعها إلى المدعي العام، و ما لم نحصل على دليل قطعي يدينهما فسيبقى هناك شك بغيض دائم، هل تفهم؟

- أجل، لقد فهمت.

- لم لا تلجأ إليها؟

- هل تقد أسأل صوفيا إن كنت..؟

ثم سكتُّ و ما زال العجوز يوميء برأسه بقوة:

- نعم نعم. لا أقصد أن تتحيّل و تخادعها من غير أن تصارحها. انظر ماذا تقول.

و هكذا حدث، خرجت في اليوم التالي مع رئيس المفتشين تافيرنر و الرقيب التحري لامب إلى سوينلي دين.

انعطفنا إلى طريق ضيقة وراء ملعب الغولف عند واحدة من البوابات، و سرنا بالسيارة على طول طريق ملتوية غطت الأعشاب جنباتها، و انتهت هذه الطريق إلى كومة من الحصى عند باب البيت.
عجبت لذلك البيت، و أحسسن أنه مشوّه غريب التصميم، و لعلّي قد عرفت السبب، فالبيت كان على هيئة كوخ تضخّم بصورة غير هندسية، كأنك تنظر إليه من خلال عدسة مكبّرة: عوارضه الخشبية مائلة، و أخشابه مسّندة... كان بيتاً صغيراً أميل كأنه نما كما ينمو الفطر في الليل!

و لقد عرفت الفكرة. فكرة صاحب مطعم يوناني فيها شيء من الإنكليزية، كان يريد أن يجعله بيت رجل إنكليزي مبني بحجم القلعة! تُرى، ماذا كان رأي السيدة ليونايدز حين رأته أول مرة؟ أظن أنها لم تستشر و لم تَرَ مخطط البناء بل الأرجح أنها كانت مفاجأة من زوجها الغريب، لكني أظنها عاشت فيه راضية.

و قال المفتش تافيرنر:

- إنه يحير الناظر قليلاً، أليس كذلك؟ كأن العجوز رأى في البيت حين بناه شيئاً كبيراً على شكل ثلاثة بيوت منفصلة مع مطابخها، و جُهّز في الداخل بمثل الفنادق الفخمة.

و جاءت صوفيا من الباب الأمامي حاسرة الرأس تلبس قميصا أخضر و تنورة من الصوف الخشن، فوجئت من رؤيتي و صاحت:

- أنت؟

- لقد جئت لأتحدث معك يا صوفيا، أين يمكننا أن نذهب؟

اعتقدت في البادية أنها سترفض، لكنها التفتت و قالت:

- من هذه الطريق.

- سرنا فوق المرجة، كان المنظر رائعاً عبر ملعب الغولف في سوينلي دين، حيث كانت تبدو في الاتجاه المقابل مجموعة من أشجار الصنوبر فوق إحدى التلال، و الريف يمتد وراءها داكناً.

أخذتني صوفيا إلى حديقة صخرية، و جلسنا على مقعد خشبي بسيط غير مريح. قالت:

- حسناً؟

لم يكن صوتها مشجعاً. أخبرتُها عن دوري كلِّه و استمعتْ إليِّ بإصغاء شديد و كان وجهها يخبرك بما تفكر فيه، لكنها حين أتممت كلامي تنهدت عميقاً و قالت:

- إن أباك رجل ذكي جداً!

- الرجل العجوز له أهدافه، أظن أنها فكرة حقيرة، لكن...

قاطعتني قائلة: لا. ليست فكرة حقيرة على الإطلاق، بل هي الشيء الوحيد الذي قد يكون مفيداً. إن أباك يا تشارلز يعرف يقيناً ما يدور في دماغي، يعرفه أكثر مما تعرفه أنت.

و أطبقت كفيها بعنف يائس و قالت بحدّة:

- يجب أن أصل إلى الحقيقة. يجب أن أعرف!

- هل هذا بسبنا؟ لكن يا عزيزتي...

- ليس بسبنا فحسبُ يا تشارلز. يجب أن أعرف حتى يطمئن بالي. إنني لم أخبرك يا تشارلز الليلة الماضية، لكن الحقيقة هي.... إنني خائفة!

- خائفة؟

- نعم، خائفة، خائفة، خائفة. الشرطة يعتقدون، و والدك يعتقد، و أنت تعتقد، الجميع يعتقدون أن بريندا هي القاتلة.

- الاحتمالات...

- آه! إنها مجرد اختمالات. إنها ممكنة، لكن حين أقول:((من المحتمل أن بريندا فعلت ذلك)) فإنني أدرك تماما أن ذلك ما هو إلا أمنية أتمناها؛ لأنني في الحقيقة لا أعتقد ذلك.

قلت بطء:

- ألا تعتقيدن ذلك؟

- لا أدري، لقد سمعتَ عن الجريمة من الخارج كما أردتُ لك ذلك، و الآن سوف أريك إياها من الداخل. إنني – بساطة – لا أشعر أن بريندا تفعل شيئا يوقعهل في الخطر؛ لأنها تحرص على نفسها كثيراً.

- و ماذا عن هذا الشاب لورنس براون؟

- لورنس جبان كالأرنب، ليست لديه الشجاعة لفعل ذلك؟

- عجيب!

- الناس يفاجئون بعضهم كثيراً، أحياناً تظن بإنسان شيئا فيكون ظنك خاطئاً، ليس دائماً، أحياناً..

و هزتْ رأسها و قالت:

- بريندا كانت تتصرف دائماً تصرفات مناسبة للنساء: تحب الجلوس في البيت و أكل الحلوى و لبس الثياب الجميلة و المجوهرات، و كانت تقرأ الروايات الرخيصة و تذهب إلى السينما.
و من الغريب أن جدي كان في السابعة و الثمانين لكنها كانت تحبه، كانت فيه قوة مؤثرة تجعل المرأة تشعر كأنها ملكة في قصرها! و لعلّه أقنع بريندا أنها امرأة متميزة، فقد كان ذكيا في معاملة النساء طوال حياته.

و تركت مشكلة بريندا و رجعت إلى كلمة قالتها صوفيا أزعجتني. سألتها:

- لماذا قلت إنك خائفة؟

ارتعشت صوفيا قليلاً و ضغطت على يديها و قالت بصوت خافت:

- لأن هذه خقيقة يجب أن تفهمها يا تشارلز. نحن – كما ترى – عائلة غريبة جداً، و هناك الكثير من القسوة في داخلنا... أنواع كثيرة من القسوة.

لعلّها رأت عدم الفهم بادياً على وجهي و لكنها استمرت تتحدث بنشاط:

- سوف أحاول أن أوضح ما أعنيه. جدّي – مثلاَ – كان يحدثنا ذات مرة عن صباه في اليونان، و ذكر عرضاً و بدون أي اهتمام أنه طعن رجلين بسبب شجار حدث هناك بصورة طبيعية تماماً و نُسي هذا الحادث. و لكن بدا غريباً الحديث عنه هنا في إنكلترا بهذه الطريقة العرضية غير المبالية.

أومأت برأسي موافقاً و أكملت صوفيا:

- كان ذلك نوعاً من القسوة. ثم كانت جدتي التي أكطاد لا أتذكرها، لكني سمعت عنها كثيراً. أظن أنها كانت قاسية أيضاً، و لعل سبب قسوتها افتقارها إلى الحنكة.
كل هؤلاء الأجداد صائدي الثعالب و الجنرالات العجائز الذين كان القتل يسري في دمائهم، نفوسهم مليئة بالغرور و الاعتزاز بالنفس، و لم يكونوا يخافون تحمل المسؤولية في المسائل التي تتعلق بالحياة و الموت.

- أليس في ذلك بعض المبالغة؟

- بلى، أظن ذلك، و لكنني أخاف هذا النوع كثيراً، إنه معتدٌّ قاسي الفؤاد. ثم هناك والدتي. كانت ممثلة. إنني أحبها، لكنها مغرورة و غير واعية ترى الشيء حسب تأثيره فيها و لا يهمها تأثيره في الناس. إن هذا مخيف!
و هناك زوجة عمي روجر. اسمها كليمنسي. إنها عالمة باحثة تقوم بإعداد أبحاث هامة جداً، و هي قاسية القلب أيضاً اذت دم بارد عديمة الإحساس. أما عمي روجر فهو عكسها تماماً: لعله ألطف و أحب امرىءٍ في العالم، لكن فيه حدة بغيضة، إذا أصابه أمر جعل دمُه يغلي ثم لم يعرف ما يفعله! و هناك أبي...

و توقفت طويلاً، ثم قالت ببطء:

- أبي يضبط نفسه. لا تعلم فيم يفكر، و لا يُظهر أي انفعال على الإطلاق. ربما يكون ذلك نوعاً من الدفاع اللاواعي عن النفس ضد والدتي المنغمسة في العاطفة، لكن ذلك يضايقني قليلاً في بعض الأحيان.

- أنت يا طفلتي تثيرين نفسك من غير ضرورة. إن الذي نفهمه في النهاية هو أن كل شخص ربما كان قادراً على ارتكاب الجريمة.

- أجل، حتى أنا.

- ليس أنت!

- لا يا تشارلز، لا تسْتثْنِني، أعتقد أن بإمكاني أن أقتل شخصاً.. و لكن إنْ حدث ذلك فلابد أن يكون من أجل شيء يستحق.

و ضحكتُ. لم أملك ألاّ أضحك، و ابتسمت صوفيا و قالت:

- ربما كنت حمقاء، و لكن كان يجب علينا اكتشاف الحقيقة حول وفاة جدي، يجب علينا. ليتها كانت بريندا..!

أحسست فجأة بالأسف على بريندا ليونايدز.
*****




- 5 -
أقبلت علينا امرأة طويلة تمشي بخفة. كانت تلبس قبعة بالية، و تنورة لا شكل لها، و كنزة ثقيلة. و قالت صوفيا:

- إنها الخالة إيديث.

توقفت المرأة مرة أو مرتين لتنظر في أحواض الزهور، ثم جاءت إلينا فنهضتُ محيّياً.

- هذا هو تشارلز هيوارد يا خالتي – و التفتتْ إليّ – خالتي الآنسة دي هالفيلاند.

كانت إيديث دي هافيلاند امرأة في حدود السبعين من عمرها، شعرها رمادي غير مرتب، ذات نظرات خارقة لاذعة. قالت:

- كيف حالك؟ لقد سمعت عنك و علمت أنك عدت من الشرق. كيف حال أبيك؟

أجبتُها و قد تفاجأت:

- إنه بخير!

- أعرفه منذ كان صبياً، و أعرف أمه جيداً. أنت تشبهها. هل جئت لتساعدنا أم من أجل أمرٍ آخر؟

قلت متضايقاً:

- أرجو أن أساعدكم!

- لعل بعض المساعدة تنفعنا. إن المكان يعجّ بالشرطة الذين يراقبوننا من كل صوْب، و أنا لا أحب بعضاً منهم. لا ينبغي للولد الذي كان في مدرسة محترمة أن يعمل في الشرطة. لقد رأيت ابن مويرا كينول أمس يدير إشارة المرور في ماربل آرش... يجعلك تشعر كأنك في دوّامة!

و التفتت إلى صوفيا و قالت: إن الخادمة تسأل عنك يا صوفيا... السمك.

قالت صوفيا: يا إلهي! سوف أذهب و أتصل بالهاتف بخصوص ذلك.

أسرعتْ إلى البيت بخفة و تبعتها الآنسة دي هافيلاند ببطء، و سرتُ بجانبها. قالت:

- لا أعرف ماذا كنا سنفعل دون الخادمات؟ كل امرئ لديه خادمة عجوز. إنهن يغسلن و يكوين و يطبخن و يُنجزن الأعمال المنزلية... مخلصات. لقد اخترت هذه الخادمة بنفسي من سنين.

توقفتْ و اقتلعت نبتة من حوض زهور بقوة:

- نبتة كريهة، إنها اللبلاب، أسوأ نبتة: تلتف و تنعقد و لا نستطيع اقتلاعها بسهولة، فهي تمتد في الأرض.

و سحقتْ بعضاً من اللبلاب بقدمها ثم نظرت إلى البيت قائلة:
ما أسوأ هذا العمل يا تشارلز هيوارد! ما هو رأي الشرطة؟ أخشى أنني تعديتُ حدودي، يبدو أنه من الغريب الاعتقاد أن أريستايد قد تمسمم و مات! إنني لم أحبه قطّ، لكني لا أستطيع الاعتياد على فكرة موته. إن هذا يجعل البيت يبدو فارغاً!

و مضيتُ أصغي إلى إيديث دي هافيلاند و هي تروي ذكرياتها في البيت:
- لقد عشت دهراً طويلاً هنا، أكثر من أربعين عاماً. جئت إلى هذا البيت عندما توفيت أختي. هو طلب مني ذلك.. سبعة أطفال أصغرهم له سنة واحدة فكيف أتركهم للمربية؟ كان زواجهما مستحيلاً. كنت أشعر أن مارسيا قد سُحرتْ به: أجنبي قبيح و قزم خسيس! أعترف أنه أطلق يدي في البيت في إحضار المربيات و الخادمات و شؤون المدارس.

همستُ: و هل عشت هنا منذ ذلك الوقت؟

- أجل.. أمر عجيب! كنت أستطيع أن أغادر البيت عندما كبر الأطفال و تزوجوا. كنت مهتمة بالحديقة ثم كان هناك فيليب. لو أن رجلاً تزوج ممثلة فلا يمكنه أن يتوقع أن يحيا حياة عائلية. لماذا تنجب الممثلة أطفالاً؟ فحالما يلدن أطفالهن يسرعن إلى التمثيل في مسرح ريبَرْتوري في إيدَنبرغ أو أي مكا بعيد آخر. لقد أحسن فيليب عندما جاء إلى هنا... مع كتبه.

- و ماذا يفعل فيليب ليونايدز؟

- يؤلف الكتب. لا أعرف لماذا، فلا أحد يريد أن يقرأها، ليس فيها غير أخبار تاريخية مجردة لم نسمع بها، أليس كذلك؟

- بلى.

- كان عنده مال كثير. يجب على الناس أن يخالفوا نزواتهم و يكسبوا عيشهم.

- أليست هذه الكتب مربحة؟

- قطعاً لا. فيليب يستحق أن يكون مرجعا عظيما في عصور معينة، لكنه لم يكن مضظراً أن يجعل كتبه تدر عليه أرباحاً، فقد خصص له أريستايد ما يقارب مئة ألف جنيه! و من أجل أن يجنب أريستايد أبناءه ضرائب الإرث بعد موته جعل لكل واحد منهم نصيبه على حدة: روجر يدير مؤسسة للتجهيز الغذائي، و صوفيا تتلقى دخلاً كبيراً جداً، و أموال الأطفال تحت الوصاية.

- إذن فلا أحد يستفيد بشكل خاص من وفاته.

نظرت إلي نظرة غريبة.

- نعم، إنهم يستفيدون جميعاً، يأخذون مزيداً من المال كلهم، و لو أنهم طلبوه منه على أية حال لأعطاهم.

- هل عندك فركة عمن سممه يا آنسه دي هافيلاند؟

ردت بطريقة مميزة:

- لا. لقد أزعجني ذلك كثيراً. ليس جميلاً أن تفكّر أن شخصاً كهذا يتجول في البيت طليقاً. أظن أن الشرطة سوف يلصقون التهمة بالمسكينة بريندا.

- أليسوا على صواب في ظنهم هذا؟

- لا أدري. كانت تبدو لي دائماً شابة غبية تماماً مبتذلة... شابة عادية لا أظنها يمكن أن تضع له السم. لكن إذا تزوج رجل قريب من الثمانين فتاة في الرابعة و العشرين فلا شك أنها قبلت به من أجل المال. كنا نتوقع – حسب الأحداث – أن تصبح أرملة غنية في القريب العاجل، لكن أريستايد كان عجوزاً قوياً بصورة متميزة و لم يكن مرض السكريّ يؤثر على صحته، و ربما كان سيعيش عشرين عاماً أخرى! أعتقد أنها سئمت الانتظار.

قلت: في تلك الحالة...

قالت الآنسة دي هافيلاند بحدة:

- في تلك الحالة يكون الأمر طبيعيا. الأقاويل مزعجة طبعاً، لكنها – على أية حال – ليست من العائلة.

- أليس عندك أفكار أخرى؟

- و ما هي الأفكار الأخرى التي يمكن أن تكون عندي؟

تساءلت؟ كان عندي شك بأن هناك الكثير يدور في رأسها مما لا أعرفه و فكرت أن وراء غرورها و كلامها غير المترابط عقلاً يعمل بدهاء شديد، و قلت في نفسي: هل تكون الآنسة دي هافيلاند نفسها قد سممت أريستايد ليونايدز؟

لا تبدو الفكرة مستحيلة. و تذكرت كيف سحقت نبات البلاب بقدمها بقسوة تدل على الحقد.

و تذكرت كلمة قالتها صوفيا..((القسوة)). و اختلست نظرة إليها من طرف عيني. إنها تعطي سببا مقنعاً، لكن، ما الذي يبدو لإيديث دي هافيلاند سبباً مقنعاً؟

و للإجابة عن ذلك كان ينبغي أن أعرفها أكثر.

*****




- 6-
انفتح الباب و دخلنا إلى قاعة رحبة على نحو مدهش فيها طقم من خشب البلوط الداكن و عليها نحاسيات برّاقة. و قالت إيديث:

- هذا جناح زوج أختي من البيت، و في الطابق الأرضي يعيش فيليب و ماجْدا.

دخلنا من جهة اليسار إلى غرفة استقبال كبيرة، حيطانها مدهونة بالأزرق الفاتح و أثاثها مغطى بقماش مطرز. و على الحيطان كانت صور و رسومات الممثلين و الراقصين و صوؤ من المسرحيات معلقة. و كانت فوق رف الموقد صورة لراقصي (الباليه)، و مزهريات كبيرة فيها زهور الأقحوان و القرنفل. و قالت إيديث أيضاً:

- أظنك تريد رؤية فيليب؟

هل كنت حقاً أريد لقاءه؟ لا أدري! كنت فقط أريد رؤية صوفيا، و هذا ما فعلته..

لقد ساهمتُ حقا في خطة الرجل العجوز، أبي، لكن صوفيا قد انسحبت الآن و لا بدّ أنها في مكان ما تتصل هاتفياً لتطلب السمك.

و لم أعرف كيف أبدأ العمل؟ هل أتقرب من فيليب ليونايدز كشاب يريدخطبة ابنته أم مجرد صديق عابر دخل البيت للزيارة أم كرجل مرتبط بالشرطة؟ لم تعطني الأنسة دي هافيلاند أي وقت لكي أفكر في سؤالها، الحقيقة أنه لم يكن سؤالاً بل كان إصراراً. قالت:

- سنذهب إلى المكتبة.

قادتني خارج غرفة الاستقبال عبر ممر طويل، ثم دخلنا من باب آخر. كانت غرفة فسيحة تملؤها الكتب، و لم تكن الكتب في الخزائنالتي وصلت حد السقف، بل كانت على الكراسيّ و الطاولات و حتى على الأرض. و مع ذلك لم تكن في حالة فوضى.

كانت الغرفة باردة كأن أحداً لم يدخلها، و كانت رائحة عفن الكتب العتيقة و شمع العسل تخرج منها. و بسرعة أدركت أن الغرفة تفتقر إلى رائحة التبغ، لم يكن فيليب مدخناً!

و عندما دخلنا نهض فيليب من وراء طاولته كان رجلاً طويلاً أنيقاً في حوالي الخمسين من عمره.

كان الناس يذكرون كثيراً قبح أريستايد ليونايدز، فتوقعت أن يكون ابنه قبيحاً مثله، و لم أكن مستعداً لرؤية رجل كامل الأوصاف: الأنف المستقيم، الخط المتصدع في فكه، الشعر الأشقر الذي خطه الشيب و المصفف إلأى الخلف، و الجبهة الجميلة.

قالت إيديث:

- هذا تسارلز هيوارد يا فيليب.

- ها! كيف حالك؟

لا أدري إن كان فيليب قد سمع بي من قبل؟ فقد صافحني برود و لم يكن وجهه فضولياً، وقف دون اهتمام. و سألته إيديث:

- أين رجال الشرطة البغيضون؟ هل جاؤوا إلى هنا؟

- أظن أن رئيس المفتشين – و نظر في بطاقة على الطاولة – تافيرنر قادم ليتحدث معي في الحال.

- أين هو الآن؟

- لا أدري يا خالتي إيديث، أظن أنه بالطابق العلوي.

- مع بريندا؟

- لا أعرف.

عندما تنظر في وجه فيليب ليونايدز لن تصدق أن جريمة وقعت قريباً منه. سألته إيديث:

- أماتزال ماجدا فوق؟

- لا أعلم، في العادة لا تذهب هناك قبل الحادية عشرة.

قالت إيديث:

- هذا الصوت يشبه صوتها.

الصوت الذي كان يشبه صوت السيدة ماجدا كان صوتاً عالياً يتحدث بسرعة كبيرة و يقترب بسرعة. و انفتح الباب من خلفي بقوة و دخلت امرأة كأنها ثلاث نساء لا واحدة!

كانت تدخن لفافة في مِمْسك طويل، و تلبس ثوبا فضفاضاً طويلاً من الساتان قرنفلي اللون تمسك به بيد واحدة، و كان شعرها الغزير المتموج مسترسلا على ظهرها، وجهها بلا مساحيق كأنه لوحة زيتية، و عيناها زرقاوين جاحظتين، و كانت تتكلم بسرعة و ينطلق لسانها بصوت جذاب قوي و نظق واضح! قالت:

- حبيبي فيليب، لا أستطيع احتمال ذلك، ألم تفكر في البلاغات؟ إنها لم تظهر في الصحف بعد و لكنها ستنتشر حتما. و لا أعرف ماذا ألبس في التحقيق؟ لن ألبس ثوباً أسود، ربما ثوبا أرجوانياً. و لم يبقى عندي كوبونات، لقد أضعت عنوان ذاك الرجل البعيض الذي يبيعها لي! إن الموقف قريب من شارع شيفتْسْبوري، و لو ذهبت هناك بالسيارة فإن الشرطة سيتبعونني و ربما يسألونني أسئلة سمجة، أليس كذلك؟ ماذا أقول لهم؟ ألا نستطيع أن نترك هذا البيت الكريه الآن؟ حرية. حرية! آه! إنه عمل غير لطيف. العجوز المسكين! نحن لم نتركه يوماً حين كان حياً. و كان يحبنا رغم كل المشاكل التي حاولت أن تثيرها تلك المرأة في الطابق الأعلى! إنني متأكدة أننا لو ذهبنا و تركناه لها لقطع عنا كل شيء. لو لم تكن امرأة مرعبة فظيعة لما وقفتْ كل العائلة في وجهها حين دخلت حياته و هو على باب التسعين! فيليب، أظن أن الفرصة الآن رائعة لنؤدي مسرحية ((لإيديث تومبسون))، هذه الجريمة ستعطينا الكثير من الدعاية مقدماً. لقد قال بيلدين ستين أنه يستطيع أن يجعل هذه المسرحية الشعرية الحزينة عن عمال المناجم ناجحة في أي وقت. إنه دور رائع! أعرف أنهم يقولون أنني يجب أن أقوم دائما بالأدوار الهزلية بسب شكل أنفي، لكنك تعلم يا فيليب أن في مسرحية ((إيديث تومبسون)) كثيراً من المشاهد الكوميدية. لعل المؤلفة لم تدرك ذلك. الكوميديا تزيد عنصر التشويق. إنني أعلم كيف أقوم بهذا الدور مبتذلاً و سخيفاً و كاذباً من أوله إلى آخره، و من ثم...

و مدت ذراعيها، فسطقت اللفافة من الممسك على طاولة فيليب المصنوعة من الماهوغانيالمصقول و جعلت تحرقه، فأمسكها فيليب بهدوء و ألقاها في سلة المهملات.

همست ماجدا و قد استسعت عيناها فجأة و تشنج وجهها:
- ثم يأتي الرعب!

بقيت علامات الخوف الشديد بادية على وجهها قليلاً، ثم انبسط وجهها و تجعد، و أصبحتمثل طفلة متحيرة توشك أن تبكي. و فجأة زال كل الانفعالات و سألتني بنبرة رسمية و قد التفتت إلي:

- ألا تعتقد أن هذه هي طريقة عرض مسرحية ((إيديث تومبسون))؟

وافقتُها. في تلك اللحظة استطعت أن أتذكر بغموض شديد إيديث تومبسون، لكني كنت مهتماً أن أبدأ بداية جيدة مع والدة صوفيا. قالت ماجدا:

- إيديث تشبه بريندا، أليس كذلك؟ هل تعرف أنني لم أفكر بذلك أبداً. غنه مشوق جدا، هل يجب أن أوضح هذا للمفتش؟

قطب الرجل الجالس وراء المكتب حاجبيه قليلاً ثم قال:

- لا حاجة يا ماجدا أن تَريْه على الإطلاق. يمكنني أن أخبره بكل شيء يريد معرفته.

ارتفع صوتها: لا أراه؟ بل يجب أن أراه. إنك يا حبيبي ضيق الخيال لا تفهم أهمية التفاصيل. سوف يرغب في معرفة كيف و متى حدث كل شيء بالضبط و سائر التفاصيل الصغيرة التي رأيناها و تعجبنا منها آنذاك.

قالت صوفيا و هي تدخل من البياب المفتوح:

- أمي، لا نريدك أن تخبري المفتش كثيراً من الأكاذيب.

- صوفيا، حبيبتي!

- أعرف أنك قد أعددت كل شيء و أنك تهيأت لأداء دور جميل جداً، لعلك حفظتِهِ بطريقة خاظئة. خاطئة تماماً!

- هراء.. أنت لا تعرفين.

- إنني أعرف. يجب أن تمثلي هذا الدور على شكل مختلف تماماً: تكونين متحفظة قليلة الكلام، تكبحين جماح لسانك و تحرصين على حماية العائلة.

ظهرت على وجه ماجدا ليونايدز حيرة طفلة ساذجة. قالت:

- حبيبتي، هل تظنين حقاً..؟

- أجل، أظن ذلك، احترزي في الكلام، هذه هي الفكرة.

ابتسمت الأم بسمة رضى عندما أضافت صوفيا قائلة:

- لقد صنعت لك بعض الشُكُلاته، إنها في غرفة الاستقبال.

- ها! جيد! أكاد أموت جوعاً.

وقفت عند الباب و قالت:

- ما أجمل أن يكون لك ابنة!

و لم أدرِ هل كانت تخاطبني أم تخاطب رف الكتب الذي فوق رأسي؟ ثم خرجت من الغرفة، فقالت اآنسة دي هافيلاند تخاطب صوفيا:

- الله أعلم بما ستقول أمك للشرطة!

- ستكون على ما يرام.

- قد تقول شيئاً!

- لا تقلقي. ستؤدي الدور كما يريد المنتج، و أنا المنتج.

و خرجت صوفيا وراء أمها ثم التفتت لتقول:

- هاهو رئيس المفتشين جاء يراك يا أبي. لن تمانع أن يبقى تشارلز هنا، أليس كذلك؟

أظن أنني لمحت بعض الحيرة على وجه فيليب ليونايدز، ربما، لكنه همس بصوت غامض:

- أوه بالتأكيد... بالتأكيد.

دخل رئيس المفتشين تافيرنر و قد بدا الحزم على ملامحه، أما سلوكه فكأنه كان يقول:((سنتحمل بعض المكاره ثم نخرج من البيت و لا نعود أبداً، و لن يكون أحد أكثر سروراً مني بذلك.. أؤكد لك أننا لم نأت لنتسكع)).

لا أدري كيف فهمنا ما فعله من كلمة واحدة سوى أنه سحب كرسياً إلى الطاولة. و جلست غير متطفل بعيداً قليلاً. قال فيليب:

- نعم حضرة المفتش؟

قالت الآنسة دي هافيلاند فجأة:

- هل تريدني يا حضرة المفتش؟

- ليس الآن يا آنسة دي هافيلاند، ربما، من بعدُ، أتحدث معك قليلاً.

- بالطبع، سأكون في الطابق العلوي.

و خرجت دي هافيلاند و أغلقت الباب وراءها. و قال فيليب مرة ثانية:

- حسنا يا حضرة المفتش؟

- أعلم أنك رجل أعمال منشغل جداً و لا أريد أن أعوّقك كثيراً، لكن شكوكنا ربما تصير من بعدُ مؤكدة. إن أباك لم يمت ميتة طبيعية، بل مات من جرعة زائدة من مادة سامة: ((فايسوستجماين)) و هي معروفة عادة ((الإيسيرين)). هل يوحي لك هذا شيئاً؟

- و ماذا يوحي؟ إن رأيي أن أبي لابد قد أخذ السم دون قصد.

- هل تعتقد ذلك حقيقة سيد ليونايدز؟

- نعم، هذا يبدو لي ممكناً تماماً؛ لأنه كان قريبا من التسعين و بصره ضعيف!

- لذلك فرغ محتويات زجاجة قطرة العين في زجاجة الأنسولين. هل يبدو هذا اقتراحاً معقولاً يا سيد ليونايدز؟

لم يُجبه فيليب حتى أن وجهه أصبح خالياً من التعبير. و أ:مل التافيرنر:

- لقد وجدنا زجاجةو القطرة فارغة في سلة المهملات و ليس عليها بصمات، و هذا شيء غريب بحد ذاته، ففي الأحوال الطبيعية كان يجب أن يكون هناك بصمات أصابع، قد تكون بصمات أبيك أو بريندا أو الخادم...!

رفع فيليب بصره:

- الخادم؟ ماذا عن جونسون؟

- هل ترى أن جونسون هو المجرم؟ إن لديه فرصة بالتأكيد. لكن عندما نصل إلى الدافع يكون الأمر مختلفاً. كان من عادة أبيك أن يدفع لجونسون مكافأة كل عام، و في كل سنة كانت المكافأة تزيد؛ لأن جونسون يعلم أن تلك المكافآت هي بدل من نصيبه في الوصية. و الآن بعد سبع سنين، بلغت المكافأة من الخدمة مبلغاً كبيراً يأخذه كل عام و ما زالت تزيد. و من مصلحة جونسون أن يعيش أبوك طويلاً، كما أنهما كانا متحابّين كثيراً، و سجل جونسون من خدمته السابقة لا يرقى إليه الاتهام. إنه خادم ماهر جداً و مخلص! إننا لا نشل فيه.

- فهمت.

- و الآن يا سيدي، هل تعطيني وصفاً مفصلاً لتحركاتك في اليوم الذي حدثت فيه وفاة والدك.

- أجل يا حضرة المفتش: كنت هنا في هذه الغرفة طوال اليوم باستثناء أوقات وجبات الطعام.

- ألم تَرَ والدك على الإطلاق؟

- قلت له: ((صباح الخير)) بعد الإفطار، و هي عادتي.

- هل كنتما وحدكما عندئذ؟

- كانت... كانت زجة أبي في الغرفة.

- و هل كان طبيعياً كالعادة؟

أجاب فيليب بسخرية مبطنة:

- لم يظهر عليه أنه سيقتل ذلك اليوم.

- هل جناح أبيك منفصل تماماً عن هذا الجناح؟

- أجل، لا مدخل إليه إلا من باب القاعة.

- و باب القاعة هل يظل مغلقاً؟

- لا. لم أعلم أنه يغلق.

- هل يستطيع أي واحد أن ينتقل بحرية بين دلك الجناح و هذا؟

- أجل. لقد كان مفصولاً من أجل راحة أهل المنزل.

- كيف بلغك أول مرة نبأ موت أبيك؟

- أخي روجر هو الذي يسكن الجناح الغربي من الطابق الذي فوقنا جاء هرولة ليخبرني أن أبي قد انتابته نوبة مفاجئة، و قال أنه يتنفس بصعوبة و أنه يبدو مريضاً جداً...

- فماذا فعلت؟

- اتصلت بالطبيب، حيث بدا لي أن أحداً لم يفكر في استدعائه. و كان الطبيب خارجاً فتركت له بلاغاً لكي يأتي من فوره ثم صعدت إلى الطابق الأعلى..

- و بعدها؟

- أبي كان في حال خطيرة. لقد مات قبل أن يصل الطبيب!

لم يكن في صوته أي انفعال، كان بيانا بسيطا عن الحقيقة!

- أين كان بقية أفراد العائلة؟

- زوجتي كانت في لندن و عادت بعد موته بوقت قصير، و أظن أن صوفيا كانت غائبة هي الأخرى. أما يوستيس و جوزيفين فقد كانا في البيت.

- أرجو أن لا تخطئ فهمي يا سيد ليونايدز لو أنني سألتك: كيف يؤثر بالضبط موت أبيك في وضعك المالي؟

- أقدر تماماً أنك تريد الحقيقة. لقد جعلنا مستقلين مادياً منذ سنين عدة. فقد جعل أخي رئيساً و مساهماً في شركة لتجهيز الأغذية، و هي أكبر شركة له، و وضع إدارتها تحت يده.
و لقد خصص لي ما أعتبره مبلغاً مساوياً: مئة و خمسين ألف جنيه على شكل سندات مالي مختلفة، و كان بإمكاني أن أستثمر رأس المال كيف أشاء. كما خصص نصيباً كبيراً أيضاً لشقيقتيّ اللتين توفيتا بعد ذلك.

- و رغم ذلك ظل رجلاً غنياً جداً؟

ابتسم فيليب لأول مرة ابتسامة باهتة و قال:

- لا، فقد احتفظ لنفسه بدخل متواضع نسبياً لكنه بدأ بمشاريع جديدة فصار أغنى من ذي قبل!

- لقد جئت أنت و أخوك للعيش هنا. هل كان ذلك بسبب صعوبات مالية؟

- كلا بالتأكيد، بل من أجل الراحة. كان أبي يرحب بنا دائماً لنعيش عنده، و لأسباب مختلفة كنت أرغب هذا. كنت أحب أبي كثيراً. جئت هنا مع أسرتي عام 1937. لا أدفع أجرة لكني أدفع نسبة من الضريبة.

- و أخوك؟

- أخي جاء هنا هارباً من الغارة الجوية التي دمرت بيته عام 1943 في لندن.

- و الآن يا سيد ليونايدز، هل لديك أية فكرة عن محتويات وصية والدك؟

- فكرة واضحة جداً. لقد أعاد أبي كتابة وصيته عام 1946. لم يكن والدي كتوماً و كان يهتم بأفراد العائلة، فعقد احتماعاً خاصاً للأسرة حضره محاميه الذي شرح لنا بنود الوصية، و أظنم أنك اطلعت عليها فلاشك أن السيد جيتْسْكيل قد أبلغك بها.
لقد أوصى بمئة ألف جنيه خالية من الضرائب لزوجته ناهيك عن ((هبة الزواج)) السخية التي حصلت عليها. ثم جعل أملاكه ثلاث حصص: واحدة لي، و الثانية لأخي، و الثالثة تحت الوصاية لأحفاده الثلاثة. إن البيت كبير لكن ضريبة الإرث ستكون كبيرة.

- و هل أوصى بشيء للخدم أو المؤسسات الخيرية؟

- لا. إن الرواتب التي تدفع للخدم كانت تزاد سنويا ما داموا في الخدمة.

- هل أنت – و عذراً لسؤالي هذا يا سيد ليونايدز – في حاجة ماسّة للمال؟

- ضريبة الدخل – كما تعرف يا حضرة المفتش – كبيرة، لكن دخلي يكفي حاجتي و حاجة زوجتي أيضاً. أضِفْ إليه أن والدي كان دائم العطايا، و إذا طرأت لنا حاجة كان يسدّها فوراً! تأكدْ أنْ ليس عندي أي ضيق مالي يدفعني إلى الرغبة في موت أبي يا حضرة المفتش.

- أنا آسف جداً يا سيد ليونايدز لا أعني هذا لكنّ علينا أن نحصل على جميل الحقائق. أخشى أنه يجب أن أسألك بعض الأسئلة الحرجة... هل كان والدك و زوجته سعيدين معاً؟

- حسب ظني كانا سعيدين تماماً.

- ألم تحدث بينهما مشاجرات أو خلافات؟

- لا أظن ذلك.

- ألم يكن بينهما فرْق كبير في السن؟

- بلى.

- اسمح لي: هل وافقت على زواج أبيك الثاني؟

- لم يطلب موافقتي على ذلك.

- هذا ليس جوابا يا سيدي.

- مادمت تصر فإنني أقول أن زواجه كان عملاً غير حكيم.

- و هل تنازعت معه من أجل ذلك؟

- عندما سمعت به كان الزواج تمّ و انقضى الأمر!

- هل صدمك الخبر؟

لم يُجبْه فيليب.

- هل غضبت من زواجه؟

- كان والدي حراً يفعل ما يشاء.

- كيف كانت علاقتك مع السيدة ليونايدز؟

- عادية.

- هل أنت على علاقة ودية معها؟

- إننا لا نكاد نلتقي.

غير تافيرنر موضوعه:

- هلا أخبرتني بشيء عن السيد لورنس براون؟

- أخشى أنني لا أستطيع! والدي هو الذي وظفه.

- لكنه كان يعلّم أطفالك أنت يا سيد ليونايدز.

- صحيح. كان ابني مصاباً بشلل الأطفال إصابة بسيطة و قد نصح الأطباء ألا نرسله إلى مدرسة حكومية، فأشار أبي أن نعيت له معلماً يعلمه هو و ابنتي الصغيرة جوزيفين، و كان الخيار في ذلك الوقت محدوداً؛لأن المعلم كان يجب ألاّ يكون مطلوباً للخدمة العسكرية آنذاك. كانت أوراق هذا الشاب مرْضية، و كان أبي و خالتي التي تعتني بالأطفال راضييْن عنه فأذعنت لهما، و أنا لم أجد عيبا في طريقة تعليمه، فقد كان مخلصا و يفي بالمطلوب.
- كان يسكن في جناح أبيك و ليس هنا، أليس كذلك؟

- في الطابق العلوي غرف كثيرة.

- أرجو ألا يسوؤك هذا السؤال: هل لاحظت ما يدل على علاقة غرامٍ بين لورانس براون و زوجة أبيك؟

- لم تتهيأ لي فرصة حتى ألاحظ شيئاً مثل هذا.

- ألم تسمع كلاماً أو ثرثرة في هذا الأمر؟

- أنا لا أصغي إلى الثرثرة يا حضرة المفتش.

- هذا جدير بالإكبار! إذن فأنت لم تسمع سوءاً و لم تر سوءاً و لا تريد أن تنطق بسوء، أليس كذلك؟

- إن كنت تريد أن تفهمها كطذلك، فلك ما تريد يا حضرة المفتش.

نهض تافيرنر و قال:

- حسناً، شكراً لك يا سيد ليونايدز.

و تبعته دون فضول خارج الغرفة فسمعته يقول:

- إنه رجل فاتر.


يتبع

MA7MOUD
10-22-2010, 04:06 PM
<!--[if gte mso 9]><xml> <w:WordDocument> <w:View>Normal</w:View> <w:Zoom>0</w:Zoom> <w:PunctuationKerning/> <w:ValidateAgainstSchemas/> <w:SaveIfXMLInvalid>false</w:SaveIfXMLInvalid> <w:IgnoreMixedContent>false</w:IgnoreMixedContent> <w:AlwaysShowPlaceholderText>false</w:AlwaysShowPlaceholderText> <w:Compatibility> <w:BreakWrappedTables/> <w:SnapToGridInCell/> <w:WrapTextWithPunct/> <w:UseAsianBreakRules/> <w:DontGrowAutofit/> </w:Compatibility> <w:BrowserLevel>MicrosoftInternetExplorer4</w:BrowserLevel> </w:WordDocument> </xml><![endif]--><!--[if gte mso 9]><xml> <w:LatentStyles DefLockedState="false" LatentStyleCount="156"> </w:LatentStyles> </xml><![endif]--><!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"جدول عادي"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]-->
- 7 -
قال تافيرنر:

- و الآن سنذهب لنتحدث مع السيدة فيليب. اسمها الفنّي هو ((ماجدا ويست)).

- و هل تفيدنا؟ أعرف اسمها، و لقد رأيتها في مسرحيات عدة لكن لا أذكر متى و أين؟

- إنها واحدة من فؤقة ((الأعمال الناجحة))، مثلتْ دور البطولة مرة أو مرتين في غربي إنكلترا، و قد نجحت و اشتهرت في المسارح الثقافية الرفيعة و أندية الأحد. أظن أنها لم تكن تعتمد على المسرح في كسب الرزق. كانت تستطيع أن تختار المسرحية التي تعجبها و تذهب حيث تشاء، و من وقت لآخر كانت تدفع المال من أجل عرضٍ فيه دور أحبته، و لم تكن ترضى بأي دور. النتيجة أنها تراجعت قليلاً إلى مرتبة الهواة أكثر من كونها ممثلة محترفة! إنها ممثلة جيدة لا سيما في الكوميديا لكن المخرجين لا يحونها كثيراً، يزعمون أنها لا تلتزم بالقيود و تثير المتاعب و المشاجرات و تستمتع بإثارة المنزعات بين الناس. لا أعرف مدى صحة هذا، لكنها غير محبوبة من قبل زملائها الفنانين.

خرجت صوفيا من غرفة الاستقبال و قالت:

- والدتي هنا يا حضرة المفتش.

تبعتُ تافيرنر إلى غرفة الاستقبال الكبيرة. في البداية لم أستط معرفة المرأة التي جلست على الأريكة المطرزة. كان شعرها يرتفع عالياً فوق رأسها بتسريحة من العهد الإدواردي، و كانت تلبس معطفاً أخضر أنيقاً و تنورة و قميصاً بنفسجياً باهت اللون مثبتاً عند الرقبة بدبوس صغير من الحجر الكريم.

أدركت لأول مرة سحر أنفها المائل الذي ذكّرني بأثين سيلر، و لم أصدق أن هذه المرأة كانت هي ذات المرأة العنيفة في الثوب المخملي الفضفاض! قالت:

- المفتش تافيرنر؟ هلا دخلت و جلست؟... هل تدخن؟ هذا عمل فظيع جداً! إنني أشعر الآن بالنفور من التدخين!

كان صوتها خافتاً و خالياً من العاطفة، صوت امرئٍ عازم على ضبط النفس مهما يكن الثمن، و قالت:

- أرجو أن تخبرني: هل أستطيع مساعدتك بشيء؟

- شكراً لك سيد ليونايدز: أين كنت يوم المأساة؟

- كنت قادمة في سيارتي من لندن حيث تناولت الغداء في ذلك اليوم في مطعم إيفي مع صديقة لي، ثم ذهبنا لنشاهد عرض أزياء و شربنا القهوة مع بعض الأصدقاء في بيركلي، و بعد ذلك انطلقتُ راجعة إلى البيت و حين وصلت رأيت كي شيء مضطرباً...

و ارتعش صوتها قليلاً و هي تقول: وجدت حماي قد أصابته نوبة فجأة... كان ميتاً!

- أكنت تحبين حماك؟

رفعت صوتها:

- كنت أحب...

ارتفع صوت ماجدا، و في تلك اللحظة مدّت صوفيا يدها بهدوء فعدّلت لوحة معلقة فوق الموقد، و في الحال انخفض صوت ماجدا:

- كنت أحبه كثيراً. كنا جميعاً كذلك.لقد كان طيباً جداً معنا!

- هل كانت علاقتك جيدة مع السيدة ليونايدز؟

- لم نكن نرى بريندا كثيراً.

- و لم كان ذلك؟

- لم تكن بيننا أشياء كثيرة مشتركة. مسكينة بريندا! لا بدّ أن حياتها كانت صعبة في بعض الأحيان.

مرة أخرى عبثتْ صوفيا باللوحة فوق الموقد.

- حقاً؟ و كيف؟

هزت ماجدا رأسها و ابتسمت بسمة حزينة قصيرة:

- آه! لا أدري.

- هل كانت السيدة بريندا سعيدة مع زوجها؟

- أظن ذلك.

- لأم تحدث بينهما مشاجرات؟

مرة أخرى هزت رأسها و هي تبتسم ابتسامة لطيفة:

- الحق أنني لا أعرف يا حضرة المفتش، فجناحهما من البيت منفصل عنا تماماً.

- ألم تكن هي على صداقة حميمة مع السيد لورنس براون؟

عبست ماجدا ليونايدز، فتحت عينيها تنظران إلى تافيرنر نظرة توبيخ، و قالت بوقار:

- ما كان ينبغي لك أن تسألني أسئلة كهذه. كانت بريندا محبوبة عندنا جميعاً، كانت امرأة لطيفة جداً!

- هل أنت راضية عن السيد براون؟

- إنه رجل هادئ لطيف، لكنك لا تحس بوجوده. أنا لم أره كثيراً!

- أأنت راضية عن تدريسه؟

- أظن ذلك، لا أعرف. و لكن كان فيليب يبدو راضياً.

جرّب تافيرنر أسلوب الصدمة:

- آسف لسؤالي هذا: هل كان هناك برأيك أي علاقة حب بين السيد براون و السيدة ليونايدز؟

نهضت ماجدا مثل سيدة من النبلاء و قالت:

- لم أرى أي دليل على شيء من هذا، و أحسب – يا حضرة المفتش – أنه ليس من حقك أن تسألني مثل هذا السؤال، فبريندا كانت زوجة حميّ.

استحسنت جوابها هذا. أما تافيرنر فقد وقف قائلاً:

- هل أستطيع أن أسأل الخدم هذا السؤال؟

لم تُجبْه ماجدا، فتابع: شكراً لك يا سيدة ليونايدز.

و خرج المفتش، فقالت صوفيا لأمها بحرارة:

- لقد أديت ذلك بشكل جميل يا حبيبتي.

فتلت ماجدا خصلة من الشعر وراء أذنها اليمنى و نظرت وجهها في المرآة. قالت:

- نعم... نعم. أعتقد أنني أديت عملي بالطريقة الصحيحة.

نظرت صوفيا إليّ و سألت:

- أما كان يجب أن تخرج وراء المفتش؟

- اسمعيب يا صوفيا، ما الذي ينبغي لي...؟

سكت لساني. لم أستطع سؤالها صراحة أمام أمها عن دوري الذي يجب أن أقوم به؛ لآن ماجدا لم تُبدِ – حتى الآن – أقل اهتمام بي. لعلي كنت في نظرها صحفياً أو مستشاراً عند ابنتها! ربما أكون صحفياً أو عيناً للشرطة أو حتى ناحوتياً، إذْ كل هذه الأشياء عند ماجدا واحدة؛ فالشرطي و الصحفي و الحانوتي كلهم عندها ((جمهور))! قالت ماجدا و هي تنظر إلى قدميها بسخط:

- هذا الحذاء تافه!

استجبتُ لحركة متعجرفة من صوفيا و أسرعتُ خارجاً وراء تافيرنر. لحقت به في الصالة الخارجية و هو يلج الباب إلى الدرج، قال:

- سأصعد لأرى الأخ الأكبر.

أوضحت له مشكلتي دون ضجة مستفسراً:

- أرجوك اسمعني يا تافيرنر! ماذا يفترض أن أكون؟

اندهش:

- ماذا يفترض أن تكون؟

- أجل، ماذا أفعل هنا، في هذا البيت؟ إن سألني أحدٌ فماذا أقول؟

فكر المفتش لحظة و قال:

- ها! فهمت... – و ابتسم –.. و هل سألك أحدٌ شيئاً؟

- لا.

- إذن فلِمَ لا تترك الأمر هكذا؟ لا تشرح أبداً. هذا أسلوب جيد، لا سيما في بيت مضطرب كهذا البيت: كل منهم شغلتْه مشاكله الخاصة و مخاوفه فلا أحسَبُه يفكر في أمرك. سوف يرضوْن بوجودك ما دمت تبدو واثقاً من نفسك. إن قول أي شيء خطأ عظيم ما دمت لا توجد ضرورة لذلك. و الآن هيا إلى الدرج، لا شيء مغلقاً هنا. أنت تفهم طبعاً أن هذه الأسئلة التي أسألها كلها هراء. إن الأسئلة عمن كان في البيت و من لم يكن غير هامة، أو: أين كانوا جميعاً في ذلك اليوم؟

- إذن فلماذا..؟؟

- لأنها فرصة لأنظر إليهم جميعاً فأكوّن انطباعاتي و أسمع ما يريدون قوله، ربما يعطيني أحدهم – بالمصادفة المخصة – مؤشراً مفيداً..

و صمت قليلاً ثم همس: أُقْسِمُ أن ماجدا ليونايدز يمكنها أن تكشف أشياء كثيرة لو أرادت ذلك.

- و هل تعتمد على كلامها هذا؟

- لا، لن يُعتمد عليه، لكن لعله يرشدنا إلى وجهةٍ ما في التحقيق! كل أحدٍ في هذا البيت الملعون له وسائله و فرصته. ما أسعى إليه هو الدافع.

عند رأس الدرج كان ثمة باب يسد الممر الأيمن و كان عليه مطرقة نحاسية. طرق المفتش البا كما ينبغي ففتحه رجل بدت في وجهه علامات الدهشة و المفاجأة. لا بد أنه كان يقف وراء الباب!

كان رجلاً عملاقاً لك كتفان قويان و شعر أسود جعد ووجهه قبيح إلى أبعد حدّ غير أنه وجه لطيف.

نظر إلينا ثم ردّ بصره بسرعة بتلك الطريقة المتحيرة ينظر بها الرجل الصادق الحييّ، و قال:

- تفضلا. نعم. أرجوكما! كنت أنوي الخروج لكن هذا لا يهم. تفضلا إلى غرفة الجلوس. سأنادي كليمنسي... ها! انت هنا يا حبيبتي؟ إنه رئيس المفتشين تافيرنر... هل عندنا تبغ؟ أرجوك انتظر لحظة.

اصطدم بِسُورٍ و قال مرتبكاً:

- أرجو المعذرة!

ثم خرج من الغرفة كالنحلة الطنانة التي تترك وراءها صمتاً!

كانت زوجته واقفة بجانب الشباك. أسرتني شخصيتها الجذابة و شدّت انتباهي الغرفة التي كنا نقف فيها. كانت الحيطان مصبوغة باللون الأبيض. الأبيض الحقيقي، غير العاجيّ و لا المائل إلى الصُّفرة، و لم يكن عليها من الصّور سوى واحدة فوق رف الموقد كانت عملاً هندسياً غير تقليدي: مثلثات رمادية داكنة و سفينة زرقاء!

كانت السيدة روجر تختلف عن السيدة فيليب تماماً. ماجدا ليونايدز قد تكون في دور ست نساء مختلفات، لكن كليمنسي ليونايدز – هو ما كنت متكأداً منه – لا يمكن أن تكون أبداً واحدة أخرى غير ذاتها: كليمنسي ليونايدز. كانت امرأة ذات شخصية حادة واضحة.

أظن أنها في الخمسين. شعرها رمادي قصير لكنه يزيد رأسها الصغير الجميل جمالاً! ووجهها رقيق يدل على الذكاء، و عيناها رماديتان تدلان على قوة غريبة حادة. و كانت تلبس ثوباً خمرياً من الصوف يناسب قوامها النحيف تماماً.

و شعرتُ فوراً أنها امرأة مذعورة؛ لأن مستوى المعيشة الذي تعيشه لم يكن ذلك الذي تعيشه امرأة عادية، و فهمت لماذا استخدمت صوفيا تعبير القسوة حين وصفتْها. ارتعشت قليلاً بسبب برودة الغرفة، و قالت كليمنسي بصوت هادء و لسان مهذب:

- اجلس من فضلك يا حضرة المفتس! هل عندك أخبار جديدة؟

- كان موته بسب الإيسيرين يا سيدة ليونايدز.

قالت متأملة:

- إذن فهذا يجعل الأمر جريمة قتل! ألا يمكن أن تكون حادثاً من أي نوع؟

- لا يا سيدتي.

- أرجو أن تكون لطيفاً مع زوجي يا حضرة المفتش، فهذا الأمر يؤثر فيه كثيراً. لقد كان يحب أباه كثيراً و هو مرهف الإحساس عاطفي إلى أبعد الحدود.

- هل كنتما على علاقة حسنة مع حماك يا سيدة ليونايدز؟

- نعم، علاقة حسنة تماماً. ثم أضافت بهدوء: و لكني لم أكن أحبّه كثيراً.

- لماذا؟

- لا تعجبني أهدافه في الحياة و لا أسلوبه في تحقيقها.

- و السيدة بريندا؟

- بريندا؟ لم أكن أراها كثيراً.

- هل تظنين أن من الممكن وجود علاقة بينها و بين السيد لورانس براون؟

تقصد علاقة حب؟ لا، لكني لم أكن أعلم شيئاً من ذلك.

بدا من صوتها أنها غير مهتمة.

رجع زوجها روجر مسرعاً بنفس حركته الطنانة المزعجة و قال:

- لقد تأخرت... مكالمة هاتفية. حسنا يا حضرة المفتش، ماذا هناك؟ حسنا، هل لديك أخبار؟ ما الذي سبب وفاة والدي؟

- كانت الوفاة بسبب التسمم بالإيسيرين.

- حقاً؟ يا إلهي! إذن لابد أنها تلك المرأة! لم تستطع الانتظار! لقد أخرجها من حياة الفقر، أهكذا جزاؤه؟ قتلته بدم بارد! يا إلهي! إن دمي يغلي عندما أفكر بهذا.

- هل لديك سبب محدّد يجعلك تعتقد ذلك؟

كان روجر يُراوح جيئة و ذهاباً و هو يشد شعره بيديه:

- سبب؟ لِمَ؟ من يمكنه أن يفعل ذلك غيرها؟ لم أكن أثق بها يوماً. لم أحبها ألبتة.لا أحد منا يحبها. لقد فزِعتُ أنا و فيليب حين دخل علينا والدي يوماً من الأيام و أخبرنا أنه تزوج! في مثل عمره؟ ذاك جنون... جنون! كان أبي رجلاً مدهشاً يعجبك يا حضرة المفتش. كان عقله مدبّراً كأنه في سن الأربعين. إن كل شيء أملِكُه هو من خيره و فضله. لقد فعل كل شيء من أجلي. لم يخذلني يوماً بل أنا الذي خذلته! إني كلّما ذكرتُ ذلك...!

و ألقى بنفسه على الكرسي بقوة، و جاءت إليه زوجته:

- كفى يا روجر! لا تجهد نفسك!

أمسك بيدها و قال:

- أعرف يا عزيزتي. أعرف، و لكن كيف أقعد هادئاً؟ كيف أتمالك نفسي؟

- يجب أن نبقى جميعاً هادئين. إن السيد المفتش يريد
مساعدتنا.

- هذا صحيح يا سيدة ليونايدز.

صاح روجر:

- هل تعلم ما أود أن أفعل؟ لو أنني أحنق تلك المرأة بيديّ كلتيهمـا! لقد ضنّتْ على ذلك العجوز بضع سنين من الحياة! يا ليتني أمسك بها!... – وقف روجر و هو يرتعش من الغيظ، و مدّ يديه المرتعشتين – أجل، كنت سألوي عنقها... ألوي عنقها.

زجرته كليمنسي:

- روجر!

نظر إليها خَجِلاً:

- آسف يا عزيزتي.

ثم التفت إلينـا قائلاً: أسف فعـلاً، لقد غلبتني مشاعري. إنني... اعذروني.

و خرج من الغرفة ثانية، و قالت زوجته في ابتسامة باهتة:

- الحقيقة أنه لا يستطيع أن يؤذي ذبابة!

قبِل تافيرنر كلمتها بأدب ثم شرع في أسئلته الروتينية.

- أين كنتما يوم مات السيد ليونايدز؟

- كان روجر في لندن في بوكْس هاوْس – و هو مركز شركة التجهيز الغذائي – ثم عاد في وقت مبكر من المساء و أمضى بعض الوقت مع أبيه، و هذه عادته. أنا كنت – كالعادة – في معهد لامبِرْت في شارع غورو حيث مكان عملي، و رجعتُ إلى البيت قبل السادسة.

- أرأيت حماك؟

- لا. كنت قد رأيته آخر مرة في اليوم الذي صبق وفاته و شربنا القهوة معه بعد العشاء.

- ألم تريْهِ يوم وفاته؟

- ذهبت – في الحقيقة – إلى جناحه من البيت لأن روجر حسِب أن ترك غليونه عند والده في غرفة نومه... غليون ثمين جداً، لكنني وجدته على طاولة الصالة هناك فلم أرغب أن أزعج العجوز. كان غالباًً ينام نوماً خفيفاً في حوالي السادسة.

- متى بلغك نبأ مرضه؟

- جاءت بريندا مسرعة. كان ذلك بعد السادسة و النصف بدقيقة أو اثنتين.

لم تكن هذه الأسئلة هامة كما علمت، لكني أدركت كيف يحرص المفتش تافيرنر أن يمعن النظر في المرأة التي كانت تجيب عن اسئلته.

سألها بعض الأسئلة عن طبيعة عملها في لندن فقالت أنه يتعلق بالتأثير الإشعاعي للتفجير النووي.

- إذن فأنت تعملين في حقل القنبلة الذرية، أليس كذلك؟

- عملي لا يمسّ القدرة التدميرية للقنبلة الذرية، فالمعهد ينفذ تجارب في التأثير العلاجي.

و عندما نهض تافيرنر أبدى رغبته في رؤية جناحهما الخاص من البيت فتفاجأت قليلاً لكنها أظهرت له استعدادها الكامل.

ذكرتني غرفة النوم بسريرها المزدوج ذي الأغطية البيضاء بالمستشفى أو بصومعة ديْرِ من الأديرة! أما الحمام فكان بسيطاً لا ترى فيه أي أداة رفاهية و لا مواد تجميل، و كان المطبخ خالياً من الأثاث نظيفاً و مجهزاً تجهيزاً جيداً بأدواتٍ من النوع العملي. ثم جئنا إلى باب فتحته كليمنسي قائلة:

- هذه غرفة زوجي الخاصة.

قال روجر:

- أدخلوا. تفضلوا.

أحسست بالطمأنينة... هاهو شيء من البساطة في مكان آخر من هذا البيت الأعوج الذي يثير في نفسي الكآبة.

كان في غرفته الشخصية مكتب كبير تبعثرت عليه الصحف و الغليونات القديمة و رماد التبغ، و كانت فيه كراسيّ كبيرة عتيقة. و السجّادُ العجمي يغطي البلاط، و على الحيطان صور باهتة لجماعات مدرسية و جماعة ((كالريكيت)) و الفصائل العسكرية، و رسومات بالألوان المائية للصحراء و المنارات و القوارب المبحرة و البحر و غروب الشمس. كانت غرفته صافية، غرفة رجل محب حنون و حلو المعشر.

كان روجر يصب لنا الليمون بطريقة غير بارعة من وجاجة و هو يُبعد الكتب و الصحف عن أحد الكراسي. قال:

- الغرفة فوضى! كنت أفرغ الغرفة و أتخلص من الصحف القديمة... قدم لنا الليمون ثم تابع كلامه ملتفتاُ إلى تافيرنر:

أرجو أن تسامحني... لقد فقد السيطرة على مشاعري.

و نظر حوله كأنه يشعر بالذنب، و لم تكن كليمنسي ليونايدز معنا في الغرفة ثم تابع.

- إنها رائعة، أعني زوجتي. رغم كل الذي جرى فهي رائعة! لا تدري كم أنا معجب بها! فقد عاشت وقتاً عصبياً مخيفاً قبل أن نتزوج أحب أن أخبرك عنه. لقد كان زوجها الأول رجلاً عظيماً – أقصد أنه ذو عقل عظيم – لكن جسمه كان ضعيفاً من مرض السل، و كان ينجز بحثاً قيماً في علم البلوريات، و كان راتبه قليلاً مع أنه كان متفوقاً في عمله. لكنه لم يستسلم، و قد كدحتْ من أجله فلم تجعله يعلم أن كان يموت، و لم تشتكِ بتاتاً و لم تتذمر، و كانت تبدو دائماً سعيدة!

ثم مات فحزنتْ عليه كثيراً، و أخيراً رضيتْ بالزواج مني، و كنت سعيداً جداً لأنني كنت قادراً أن أمنحها السعادة و الراحة. و قد رجوتها أن تترك العمل لكنها عرفت بالطبع أن العمل في الحرب كان واجباً عليها و ما تزال تشعر أنها يجب أن تستمر في عملها... زوجة رائعة! لقد كنت محظوظاً! كنت سافعل كل شيء من أجلها.

أجابه تافيرنر جواباً مناسباً ثم عاد إلى أسئلته السابقة من جديد:

متى بلغك أن أباك مريض؟

- أسرعت بريندا تناديني، قالت إن نوبة مرضية ما أصابت أبي، و كنت أجلس مع العجوز العزيز قبل ذلك بنصف ساعة فقط، و كان في صحة تامة! أسرعت إليه و كان يلهث و وجهه أزرق. نزلت مسرعاً إلى فيليب فاتصل بالطبيب. إنني... إننا لم نستطع أن نفعل شيئاً! لم أتخيل قطعاً و لا لحظة واحدة بأن هناك عملاً غريباً. غريب؟ هل قلت: غريب؟ يا إلهي يبا لها من كلمة استخدمتها.

و ببعض الصعوبة خلصنا أنفسنا أنا و تافيرنر من الجو العاطفي لغرفة روجر ليونايدز، و وجدنا أنفسنا خارج الباب مرة أخرى عند أول الدرج. قال تافيرنر:

- إنه مختلف تماماً عن أخيه... أشياء و غرف غريبة، هذا يخبرك كثيراً عمن يعيشون فيها.

- أجل.

- و غريبون هؤلاء الناس، و زواجهما غريب أيضاً أليس كذلك؟

لم أكن أعلم أكان يقصد كليمنسي و روجر أم فيليب و ماجدا؟ كانت كلماته تنطَبق على الزواجين لكن الزواجين كلاهما سعيد، كان زواج كليمنسي و روجر سعيداً حتماً. ثم سألني:

- هل يمكن أن يكون مجرما يضع السم؟ هل تقول عنه ذلك؟ لا أحسبه رجلاً خشناً. أما زوجته فالاحتمال لديها أكبر. إنها من صنف النساء عديمات الرحمة، و ربما كان بها مس من الجنون!

- لكني أظن أنها لن تقتل أحداً من الناس لمجرّد أن هدفه و أسلوب حياته غير مرضيين بالنسبة لها. ربما كانت تكره العجوز حقاً، و لكن هل تُرتكب جريمة بسب الكراهية الخالصة؟

- قليلاً جداً، و أنا لم أصادف حالة كهذه. لا. أظن أننا في حال أكثر أماناً لو اشتبهنا في السيدة بريندا، لكن أين الدليل؟

*****




- 8 -
فتحت الخادمة باب الجناح المقابل و أصابها الخوف حين رأت تافيرنر و إن كانت مسحة من الإزدراء ظاهرة عليها. قالت:

- لعلك تريد أن ترى السيدة؟

- نعم، من فضلك.

و تقدمتنا إلى غرفة الجلوس الكبيرة و خرجتْ.

كان أثاثها يشبه ذاك الموجود في غرفة الاستقبال في الطابق الأرضي: قماش الريتون ملوناً بألوان زاهية، و ستائر حريرية مخططة، و لوحة فوق رف الموقد لفتت انتباهي، ليس من اليد البارعة التي رسمتها فحسب، بل أيضا بسبب الوجه الآسر لصاحب الصورة.

كانت رسماً لرجل ضئيل. عيناه داكنتان خارقتان، على رأسه قلنسوة من المخمل الأسود، و قد التصق رأسه بكتفيه. لقد كانت حيوية الرجل و قوته تشعّ من اللوحة، و بدا أن العينين اللامعتين أذهلتاني! قال تافيرنر:

- هذا هو. رسمها أوغسطس جون. إن شخصيته قوية، أليس كذلك؟

- بلى.

و فهمتُ معنى قول إيديث دي هافيلاند إذ قالت أن البيت يبدو يدونه خالياً. ما اغرب هذا الرجل الصغير املنحني: الذي بنى البيت الصغير المائل، فلما غاب فَقَد البيت الصغير المائل معناه! قال تافيرنر:

- و تلك زوجته الأولى هناك. رسمها سارجِنت.

أمعنتُ النظر في الصورة المعلّقة على الحائط بين الشبّاكين. كان فيها وحشية ما مثل كثير من رسوم سارجنت، و قد رُسِم الوجه بشكل مبالَغ فيه فظهر كأنه وجه فرس. كانت رسمة لسيدة إنكليزية تقليدية من الريف لا من طبقة النبلاء، أنيقة لكنك لا تلمح فيها معنى الحياة، سيدة لم تكن تبتسم، بل كانت مستبدة قوية!

انفتح البا و دخل الرقيب لامب قائلاً:

- لقد عملت اللازم يا سيدي، استجوبت الخدم جميعاً و لكني لم أحصل على أي شيء.

تنهد تافيرنر في حين أخرج الرقبيب لامب دفتره من جيبه و رجع بعيداً ثم جلس. و انفتح الباب مرة أخرى و دخلت زوجة أريستايد ليونايدز الثانية.

كانت تلبس ثوبا أسوداً فاخراً ستر بدنها كله. كان وجهها معتدل الجمال، و شعرها بنياً جميلاً مصففاً بإتقان، و على صدرها عقد لآلئ كبيرة، و كان في إحدى يديها خاتم من الزمرد و في الأخرى خاتم كبير من الياقوت.

نظرت إلى وجهها المزيّن فعرفتُ أنها كانت تبكي، و لاحظت أنها خائفة. و خاطبها تافثيرنر بلطف:

- صباح الخير يا سيدة ليونايدز، إنني آسف لإزعاجك مرة أخرى.

قالت بصوت فاتر:

- يبدو أنك مضطر لذلك.

- إن كنت ترغبين في دعوة محاميك يا سيدتي فهذا يوافق النظام تماماً، أليس كذلك؟

تسائلت إن كانت قد فهمتْ مدلول هذه الكلمات؟ من الواضح إنها لم تفهم. عبست و قالت:

- لا أحب السيد جيتْسْكيل و لا أريده.

- يمكنك أن تحضري محامياً خاصاً لك يا سيدة ليونايدز.

- هل يجب علي ذلك؟ أنا لا أحب المحامين، إنهم مزعجون.

تبسم تافيرنر و قال:

- الأمر إليكِ، إذن فهل نواصل؟

أمسك الرقيب لامب بقلمه و جلست بريندا ليونايدز على الأريكة في مواجهة تافيرنر و سألته:

- هل وجدتم شيئاً.

لاحظت أن أصابعها كانت تعبث بعقدة في فستانها باضطراب.

- نقول جازمين بأن زوجك قد تسمم بالإيسيرين و مات.

- تقصد أن قطرة العين تلك قد قتلته؟

- من المؤكد أن السيد ليونايدز حين حُقن بتلك الإبرة الأخيرة تسمم؛ لأن ما فيها كان إيسيريناً لا أنسوليناً.

- لم أكن أعلم ذلك. لا علاقة لي بهذا يا حضرة المفتش! حقيقة لم تكن لي أي علاقة!

- إذن فلا بد من أن أحداً غيّر الأنسولين عمداً و عبأ الزجاجة بالقطرة.

- يا له من عمل شرير! هل تظن أن أحداً قد فعلها عمداً أم أنه قد أخطأ؟ لا ينبغي المزاح هنا، أليس كذلك؟

- لا نظن أنها كانت مزاحاً يا سيدتي.

- لعله أحد الخدم...

لم يرد تافيرنر عليها.

- لا بد... لا أرى شخصاً آخر يمكن أن يفعل ذلك.

- هل أنت متأكدة؟ فكري يا سيدة ليونايدز، أليس عندك فكرة تفسر ما حدث؟ ألم يكن في البيت مشاعر غير ودّية؟ مشاجرات؟ أحقاد؟

حدقت إليه بعينين واسعتين جريئين، ثم قالت:

- ليس عندي أية فكرة.

- هل قلت إنك كنت في السينما ذلك المساء؟

- نعم، عدت في الساعة السادسة و النصف، وقت إبرة الأنسولين. حقنته الإبرة بهدوء ثم أصابته حالة غريبة. ارتعبت. اسرعت إلى روجر...

و علا صوتها و جعلت تتكلم كأن الهستيريا أصابتها: لقد قلت لك كل هذا آنفاً، هل عليّ أن أعبد كل هذا مرة تلو الأخرى؟

- أسف يا سيدتي! و الآن هل أستطيع أن أكلم السيد براون؟

- لورانس؟ لماذا؟ إنه لا يعرف شيئاً في هذا الشأن.

- لكني أريد أن أكلمه.

حدقت فيه بارتياب:

- إنه يدرّس يوستيس اللغة اللاتينية في غرفة الدرس، أتريده أن يأتي هنا؟

- لا، سوف نذهب إليه.

خرج تافيرنر من الغرفة سريعاً و تبعته أنا و الرقيب. قال الرقيب لامب:

- لقد أرعبتها يا سيدي!

و صعدنا بضع درجات ثم سرنا في ممر و دخلنا غرفة كبيرة تُشرف على الحديقة و فيها طاولة. جلس وراء الطاولة شاب أشقر الشعر وسيم في الثلاثين من عمره، و فتى أسمر في السادسة عشرة.

دخلنا عليهما فرفعا بصرهما إلينا. يوستيس، أخو صوفيا، نظر إلي، و نظر لورانس براون إلى رئيس المفتشين نظرة خوف. لم أرَ في حياتي رجلاً مشلولاً من الخوف مثله! وقف ثم جلس مرة أخرى. قال بصوت كأنه صرير:

- أوه! صباح الخير يا حضرة المفتش.

كان تافيرنر فظاً:

- صباح الخير. هل أستطيع التحدث إليك؟

- نعم، بالطبع، يسرني ذلك.

نهض يوستيس و قال بمرح:

- هل أمضي أنا يا حضرة المفتش؟

قال المعلم:

- سوف... سوف نواصل دروسنا فيما بعد.

خرج يوستيس مختالاً و عندما وصل البا وقعت عينيه عليّ فتبسم ثم أغلق البا وراءه. قال تافيرنر:

- حسنا يا سيد براون. إن بيان المختبر جازم تماماً: الإيسيرين هو ما قتل السيد ليونايدز.

- إنني... هل تقصد... أن السيد ليونايدز قد تسمم؟ كنت آمل...

قال المفتش بغلظة:

- لقد سُمِّم. شخص ما استبدل بالأنسولين قطرة الإيسيرين اللعين.

- لا أصدق. لا أصدق!

- من الذي أقدم على فعل ذلك؟

صرخ الشاب:

- لا أحد. لا أحد بتاتاً.

- هل تريد حضور محاميك؟

- ليس لي محامٍ... لا أريد محامياً. لا شيء عندي أخفيه... لا شيء!

- ألا تعلم أن أقوالك تُدوّن؟

- أنا بريء، أقسم إنني لبرئ!

- لم أقل بأنك مجرم.

سكت تافيرنر قليلاً ثم أضاف قائلاً:

- كانت السيدة ليونايدز أصغر من زوجها بستة عقود، أليس كذلك؟

- أظن ذلك... أقصد: نعم، هذا صحيح.

- لا بد أنها كانت تضجر من الوحدة أحياناً؟

ظل لورانس صامتاً و لم يُجبه، فقط مرّر لسانه على شفتيها الجافتين.

- إن وجود رفيق لها أصغر منها أو أكبر قليلاً يعيش هنا كان أمراً مناسباً، أليس كذلك؟

- إنني... لا، إطلاقاً... أقصد: لا أدري!

- يبدو لي أنه من الطبيعي أن تنشأ بينكما علاقة.

احتج الشاب بعنف:

- كلا، لم يكن، لا شيء من ذلك. أعرف ما تفكر به، و لكنك واهم. كانت السيدة بريندا كريمة جداً معي و كنت أكنُّ احتراماً عظيماً لها، لا شيء أكثر من هذا. أؤكد لك ذلك، إنه أمر بشع أن تقول هذا! بشع! لم أقتل احداً، و لم أعبث بالزجاجات! إن مجرد فكرة القتل عندي كابوس رهيب. لو دخلتُ المحكمة فسوف يتفهّمون أن لدي دوافع دينية تمنعني أن أقترف القتل!
لقد كنت أشتغل في المستشفيات و كنت قبلها أذكي النار في مراجل القطارات و هو عمل شاق لم أتحملْه، لكن الجيش أذن لي بالتعليم. لقد بذلت ما بوسعي من أجل يوستيس و جوزفين الطفلة الذكية و الصعبة، و كان كل واحد لطيفاً معي إلى أبعد حد: السيد ليونايدز و زوجته و الآنسة دي هافيلاند! و الآن يقع هذا الأمر الرهيب و أنت تشك فيّ، فيّ أنا... أنني قتلته؟

حملق المفتش تافيرنر إليه باهتمام و قال:

- أنا لم أقل هذا.

- لكنك تفكر فيه. أعلم أنك تفكر فيه، و هم جميعاً يفكرون فيه. إنهم ينظرون إلي... إنني لا أستطيع مواصلة حديثي معك! إنني متعب و متوتر الأعصاب!

و ناطلق خارجاً من الغرفة. التفت تافيرنر إليّ:

- حسنا؟ ماذا ترى فيه؟

- لقد خاف كثيراً!

- نعم أعرف، لكن هل هو القاتل؟

قال الرقيب لامب:

- أتدري يا سيدي؟ إنني أراه جباناً لا يجرؤ على ذلك أبداً.

وافقة رئيس المفتشين:

- إنه لن يضرب أحد على رأسه و لن يطلق رصاصة من مسدس. لكن ما عساه أن يفعل في هذه الجريمة السهلة؟ يعبث بزجاجتين فحسب، يُعِين رجلاً عجوزاً على الخلاص من هذه الدنيا بطريقة غير مؤلمة نسبياً.

- القتل الرحيم يا سيدي!

- ثم بعد ذلك، ربما بعد زمنٍ، يكون الزواج من امرأة ترث مئة ألف جنيه معفاة من الضريبة و لديها مئة ألف أخرى و كومة كبيرة من الياقوت و الزمرد – و تنهد تافيرنر – لكن هذا كله ظنون و تخمين. لقد نجحتُ في ارهابه، و لكن هذا لا يثبت أي شيء؛ لأنه كان سيخاف حتى لو كان بريئاً. و على أية حال فأنا لا أجزم أنه فعل ذلك، أرى أن امرأة هي التي فعلتها، و لن لماذا لم تَرْمِ قنينة الأنسولين بعيداً أو تغسلْها؟

و التفت إلى الرقيب يخاطبه: ألا يوجد دليل من الخدم؟

- الخادمة زعمت أنهما كانا يحبان بعضهما.

- و ماذا جعلها تزعم هذا؟

- نظراته إليها و هي تصب القهوة له.

- هذا أمر لا تستند إليه محكمة، ألا توجد أحداث واقعية؟

- لم يلحظ أحد شيئاً من ذلك.

- لو كان بينهما شيء لرآه الخدم. أتدري؟ لقد بدأت أعتقد أنْ لا شيئ بينهما!

و نظر تافيرنر إليّ ثم قال: ارجِعْ إليها و تحدثْ معها، أريد أن أعرف انطباعك عنها.

ذهبت و أنا شبه كاره رغم أنني كنت متشوقاً لذلك.

*****

MA7MOUD
10-23-2010, 01:08 AM
<!--[if gte mso 9]><xml> <w:WordDocument> <w:View>Normal</w:View> <w:Zoom>0</w:Zoom> <w:PunctuationKerning/> <w:ValidateAgainstSchemas/> <w:SaveIfXMLInvalid>false</w:SaveIfXMLInvalid> <w:IgnoreMixedContent>false</w:IgnoreMixedContent> <w:AlwaysShowPlaceholderText>false</w:AlwaysShowPlaceholderText> <w:Compatibility> <w:BreakWrappedTables/> <w:SnapToGridInCell/> <w:WrapTextWithPunct/> <w:UseAsianBreakRules/> <w:DontGrowAutofit/> </w:Compatibility> <w:BrowserLevel>MicrosoftInternetExplorer4</w:BrowserLevel> </w:WordDocument> </xml><![endif]--><!--[if gte mso 9]><xml> <w:LatentStyles DefLockedState="false" LatentStyleCount="156"> </w:LatentStyles> </xml><![endif]--><!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"جدول عادي"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]-->
- 9 -
وجدت بريندا ليونايدز تجلس حيث تركناها، و لدى دخولي رفعت بصرها بحدة و سألتْ:

- أين المفتش تافيرنر؟ هل سيعود؟

- ليس بعد.

- من أنت؟

أخيراً سمعت السؤال الذي كنت أتوقعه طوال الصباح، و أجبتها بصراحة:

- أنا مرتبط بالشرطة، لكنني صديق للعائلة أيضاً.

- العائلة؟ إني أكرههم جمبعاً.

نظرت إليّ و فمها يتحرك و بدت عابسةً خائفةً و غاضبةً.

- كانوا دائماً يعاملونني بحقارة، منذ البداية. قالوا: لماذا أتزوج أباهم العزيز؟ و ماذا يهمهم من ذلك؟ لقد أعطاهم المال، لم تكن لديهم عقول لكي يجمعوا المال بأيديهم – و نظرت إليّ بجرأة - : لماذا لا يتزوج الرجل ثانية حتى لو كان كبيراً؟ إنه لم يكن طاعناً في السن، و قد أحببته كثيراً!

- فهمت. فهمت.

- لعلك لا تصدقني، لكنها الحقيقة. لقد سئمت الرجال. كنت أرجو بيتاً و عائلة و رجلاً يحنو علي و يقول قولاً جميلاً. أريستايد كان يؤنسني، و كان مرحاً، و ذكياً و كان يبتدع كل أسلوب حتى يجتنب كل هذه القوانين السخيفة! لقد فجعتُ بموته.

أسندت ظهرها إلى الأريكة و ابتسمت بسمة غريبة تدل على البلادة:

- كنت هنا سعيدة و آمنة، كنت أذهب إلى الخياطين المهرة الذين كنت أقرأ عنهم، و اريستايد قد أعطاني أشياء جميلة – و مدت يدها و هي تنظر إلى ياقوتة فيها – و كنت طيبة معه في المقابل.

رأيت يدها الممدودة كأنا مخلب القط، و سمعت صوتها الهادر، قالت و ما زالت تبتسم:

- ما العيب في ذلك؟ لقد كنت لطيفة معه و جعلته سعيداً!

و مالت إلى الأمام: هل تعلم كيف التقينا؟

و لم تنتظر جوابي:

- كان لقاؤنا في معطم شامروك. طلب بيضاً مقلياً على خبز توست، و عندما أحضرتُه له كنت أبكي. قال لي:((اجلسي، و أخبريني مالي يحزنك)) فقلت له:(( لا أستطيع محادثتك لأنهم سيفصلونني من العمل إن فعلت)) فقال:((لا، لن يفصلك أحد فأنا صاحب هذا المكان))! نظرت إليه. فكرت... إن الذي أمامي هو عجوز ضئيل الحجم غريب، لكن له شخصية جذابة!
و قصصت عليه الأمر كله! و أظنك ستسمع التفاصيل منهم ليقولوا لك بأنني سيئة، لكني لم أكن كذلك... لقد تربيت تربية حسنة، و كان لنا دكان رائع فيه أشغال و مطرزات. لم أكن يوماً من الفتيات اللاتي يتخذن أصحاباً من الشبان، أو يبيعن أنفسهن، لكن تيري كان مختلفاً... إيرلندي يسافر إلى ما وراء البحار، و لم يكن يكاتبني أبداً. كم كنت حمقاء!
و هكذا كان، وقعت في مشكلة تماماً مثل ما يصيب خادمة بائسة!... إريستايد كان رائعاً، وعدني أن أكون آمنة، قال إنه وحيد و أننا نستطيع أن نتزوج فوراً. و كان ذلك عندي كالحلم!
ثم عرفت أنه السيد ليونايدز العظيم الذي يمتلك أعداداً ضخمة من المحلات و المطعام و الأندية الليلية. كان ذلك مثل القصة الخيالية، أليس كذلك؟

قلت بتحفظ: نوع من القصص الخيالية.

- تزوجنا في كنيسة صغيرة في المدينة، ثم سافرنا للخارج. عاهدت نفسي أن أكون زوجة صالحة. كنت أطلب له كل أصناف تاطعام التي يشتهيها، و ألبس له الملابس التي يحبها، و أسعى دوماً إلى رضاه! و كان هو سعيداً. لكننا لم ننْجُ من عائلته، كانوا يأتون إليه فيعطيهم. العجوز دي هافيلاند كان يجب أن ترحل عندما تزوج، و أنا قلت هذا لكن أريستايد قال:((إنها تعيش هنا منذ زمن طويل، البيت الآن بيتها)). كان زوجي يحب أن يكونوا حوله جميعاً و رغم أنهم كانوا يسيئون إليّ فلم يكن يلحظ ذلك أو يهتم به. إن روجر يكرهني! هل رأيت روجر؟ كان دائما يكرهني. إنه غيور. و فيليب كان متعجرفاً جداً و لم يكلمني ألبتة. و الآن يزعمون أنني قتلته و أنا لم أفعل، لم أفعل! أرجوك صدقني! أنا لم أقتله!

أثارت شفقتي. كان ازدراؤهم لها و تمنيهم أن تلتصق بها الجريمة يبدو في هذه اللحظة سلوكاً غير إنساني حتماً. كانت وحدها دون مدافع و لا حول لها و لا قوة. قالت:

- و إن لم يكن القاتل أنا، فهم يطنون أنه لورانس.

- و ماذا عن لورانس؟

- أنا آسفة كثيراً لأجله!... رجل لطيف لا يستطيع أن يقاتل، ليس جباناً لكنه رقيق المشاعر! و قد اجتهدت أن أساعده و أجعله يشعر بالسعادة. عليه أن يعلّم الأطفال الفظيعين. يوستس يهزأ به كثيراً، و جوزفين. هل رأيت جوزفين؟ لو رأيتها فستعرف حقيقتها.

- لم أر جوزفين بعد.

- أحيانا يكون عقلها غير طفولي. إن لها طرقاً حقيرة جداً، و هي تبدو غريبة الأطوار، إنها ترعبني أحياناً!

لم اكن أريد الحديث عن جوزفين فرجعتُ إلى موضوع لورانس براون و سألتها:

- من هو و من أين جاء؟

قالت بخجل:

- إنه ليس شخصا محدداً. إنه مثلي تماماً. أي حظٍ هذا الذي يجعلهم يعدوننا؟

- ألا ترين أنك أصبحت في حالة هستيرية بعض الشيء؟

- لا، لا أعتقد. هم يريدون أن يُعلنوا أن الفاعل هو أنا أو لورانس، و قد كسبوا ذاك الشرطي إلى صفّهم فأية فرصة لي إذن؟

- إهدئي... إنك تثيرين نفسك كثيراً.

- لم لا يكون الفاعل واحداً منهم؟ أو يكون القاتل شخصاً من الخارج أو خادماً من الخدم؟

- و لكن أين الدافع؟

- أوه! دافع؟ أيدافع لديّ أو لدى لورانس؟

شعرت بعدم الارتياح و أنا أقول:

- أظنهمو يعتقدون أنك أنت... و... لورانس... تحبان بعضكما، و أنكما تريدان الزواج.

نشزتْ كالسهم:

- هذا قول فظيع! ليس صحيحاً! إننا لم نقل كلمة من ذلك لبعضنا. كنت فقط أشعر بالأسف لأجله و حاولت أن أساعده فحسب، هذا كل ما في الأمر. انت تصدقني... أليس كذلك؟

أكدت لها بأنني أصدقها حقاُ، و أظن أنها و لورانس ليسا إلا صديقين، لكني كنت أشك أنها كانت تحبه فعلاً.

نزلت إلى الطابق السفلي لأرى صوفيا و في رأسي تلك الفكرة. و بينما أنا على وشك دخول غرفة الاستقبال أطلت صوفيا برأسها من أحد الأبواب في الممر و قالت:

- مرحباً! أنا أساعد ناني في إعداد الغداء.

كنت سأنضم إليها لكنها خرجت إلى الممر و أغلقت الباب وراءها و قادتني إلى غرفة الاستقبال و هي تمسك بذراعي، و كانت الغرفو خالية، فقالت:

- هل رأيت بريندا؟ ما قولك فيها؟

- بصراحة؟ إني مشفق عليها!

ضحكت صوفيا و قالت:

- فهمت. لقد كسبتك في صفها!

أحسست بالانفعال قليلاً و قلت: أرى الأمر من جانبها و من الواضح أنك لا تستطيعين رؤية ذلك.

- ماذا من جانبها؟

- قولي بأمانة يا صوفيا: هل كان أحد من العائلة لطيفاً معها أو يعاملها بعدل منذ جاءت إلى هنا؟

- كلا، لم نكن لطفاء معها، و لماذا نكون كذلك؟

- إن لم يكن من أجل شيء فمن أجل الوازع الأخلاقي.

- أنت تتحدث عن الأخلاق يا تشارلز؟ لابد أن بريندا قد أحسنتْ دورها جيداً!

- ماذا أصابك يا صوفيا؟

- هذا هو الصحيح. لقد سمعتَ بريندا، و الآن فلتسمعني: أنا أبغض المرأة الشابة التي تخترع قصة حظها العاثر و تتزوج عجوزاً ثرياً اعتماداً على هذه القصة. لا أحب هذا الصنف من النساء و لا أتظاهر بأنني أحبها بتاتاً. و لو قرأت أنت الحقائق مجردة في ورقة مكتوبة لما أحببت هذا الصنف أيضاً.

- و هل كانت قصة مخترعة؟

- ربما، هذا ما أعتقده أنا على الأقل.

- و هل ساءكِ أن جدك قد انخدع بهذه القصة؟

ضحكتْ صوفيا و قالت:

- جدي لم يكن مخدوعاً، لا أحد يستطيع خداع جدي العجوز! كان يريد بريندا. أراد أن يظهر في دور المنقذ لهذه الخادمة المتوسلة و هو يعلم تماماً ما يفعله، و قد تحقق ذلك على نحو جميل وفق خطة ما. إن الزواج – عند جدي – قد نجح نجاحاً كاملاً مثل سائر أعماله الأخرى.

سألتها ساخراً:

- و هل كان توظيف لورانس براون معلماً هو نجاحاً آخر من نجاحات جدك؟

قطبتْ صوفيا جبينها:

- لست متأكدة... لعله كذلك. أراد جدي أن يُسعد بريندا و يسليها. ربما كان يظن أن الجواهر و الثياب لم تكن تكفِ، و لعله قدّر أن شاباً مثل ليورانس براون – و هو رجل مروَّض في الحقيقة – سيقوم بعمل هذه الحيلة: الصداقة الجميلة المفعمة بالعاطفة المشوبة بالاكتبئاب ستمنع بريندا من عشق رجل غريب، أظن أن جدي قد حقق شيئاً بهذا الفتى، لقد كان عجوزاً شيطاناً! و لم يستطع التنبؤ أن ذلك سيقتله! – و صار صوتها عنيفاً – و أنا في الحقيقة أستبعد أنها فعلت ذلك، فلو كانت خططت لقتله أو اتفقت مع لورانس لعرف جدي ذلك و كشفه. أنت أيضاً تستبعده ، أليس كذلك؟

- نعم، أعترف بذلك.

- أنت لا تعرف جدي حقاً. لم يكن ليتغاضى عن مسألة قتله.

- بريندا خائفة يا صوفيا، خائفة جداً!

- أمِنْ رئيس المفتشين تافيرنر و رجاله العفاريت؟ نعم، هم مرعبون! ألا ترى لورانس في حالٍ هستيرية؟

- أمر طبيعي. لقد تصرّف أمامنا بشكل سخيف. أتساءل ما الذي يعجب هذه المرأة فيه؟

- ألا تفهم يا تشارلز؟ إن لورانس – في الحقيقة – جذاب!

قلت غير مصدق:

- رجل ضعيف كهذا!

- عجباً للرجال! لماذا تظنون أن رجل الكهف وحدَه هو الذي يجذب النساء ليس غير؟ - و نظرت صوفيا إليّ – إني أرى بريندا قد اصطادتك لا شك.

- لا تكوني شخيفة. إنها ليست حسناء. و هي حتماً ليست...

- ليست مغرية؟ بريندا ليست حسناء و لا هي ذات ذكاء حقيقة، لكنها تتمتع بصفة واحدة هي: القدرة على توليد المشكلات! و ها هي قد ولّدت مشكلة بيني و بينك!

- صوفيا!

انصرفت صوفيا إلى الباب:

- انسَ الأمر يا تشارلز. لابد أن أُتمّ إعداد الغداء.

- سأقوم معك لأساعدك.

- لا، ابقَ هنا. إن وجود رجل في المطبخ سوف يزعج ناني.

و خرجت فناديت:

- صوفيا!

- ماذا؟

- أسألك عن الخدم: لماذا ينقصُ الطابق الأرضي هنا خادمة، و الطابق العلوي فيه خادمة تلبس المريلة و تفتح لنا الباب؟

- كان عند جدي طاهية و مدبرة منزل و خادمة استقبال و خادم. كان يحب الخدم و يُعطي كثيراً لكي يجلبهم. أما كليمنسي و روجر فعندهما خادمة في النهار فقط لأعمال التنظيف فهما لا يحبان الخدم، أو أن كليمنسي لا تحبهم، و لو لم يكن روجر يأكل وجبة مشبعة في المدينة كل يوم لمات من الجوع؛ لآن كليمنسي لا تعرف من الطعام إلا الخسّ و الطماطم و الجزر. أما نحن فأحياناً يكون عندنا خدم ثم تصيب أمي إحدى نوباتها العصبية فيتركون المنزل! و عندنا خدم يعملون في النهار فترات قصيرة ثم يذهبون. ناني هي الدائمة عندنا و هي تنسجم مع حالات الطوارئ. و الآن قد عرفت كل شيء.

خرجت صوفيا. و جلستُ على مقعد مظرز أفكر.. في الطابق العلوي رأيت جانب بريندا من المسألة، و هنا – في الطابق الأرضي – رأيت جانب صوفيا منها فأدركت عدالة قول صوفيا – و هو ما اسميه نظرة أسرة ليونايدز – بأنهم يكرهون الغريبة التي دخلت البيت بوسيلة خسيسة. كانوا على حق تماماً كما قالت صوفيا:((على الورق لا تبدو وجهة نظر حسنة))...

لكن فيها الجانب الإنساني، الجانب الذي رأيته أنا و لم يروه، فقد كانوا أغنياء يعيشون في برجٍ عاجي لو يذوقوا غصة المعاناة. بريندا ليونايدز كانت تريد الثروة و الأمان، و زعمت أنها – بالمقابل – جعلتْ زوجها العجوز سعيداً. لقد تعاطفت معها و أنا استمع إليها فهل أتعاطف معها الآن كذلك؟

للقضية جوانب و أبعاد مختلفة فأيها هو الصحيح؟

كنت قد نمتُ قليلاً جداً في ليلة الأمس، و قد استيقظت مبكراً لأرافق تافيرنر. و الآن، في هذا الجو الدافيء الذي تعبق فيه رائحة الزهور في غرفة استقبال ماجدا ليونايدز، استرخى جسدي فوق المقعد الكبير و سقطت جفوني. تبددت أفكاري و أنا أفكر في بريندا و صوفيا و صورة الرجل العجوز، ثم نمت.

*****




- 10 -
أفقْتُ تدريجياً فلم أكن أدرك في البداية أنني كنت نائماً.

كان شذى الأزهار في أنفي. رأيت نقظة كبيرة بيضاء تطير في الفضاء، ثم بعد بضع ثوان أدركت أنني كنت أنظر إلى وجه بشر، وجه معلّق في الهواء على بعد قدم أو قدمين مني. و بعد أن استعدت إدراكي أصبحتْ رؤيتي أكثر دقة، و ما زال الوجه يوحي أنه وجه عفريت: وجه مدوّر فيه حاجبان منتفخان و شعر إلى الوراء و عينان سوداوان صغيرتان كأنهما خرزتان، لكنه كان حتما وجه إنسان صغير نحيل. كانت تنظر إلى نظرات حادة. قالت:

- مرحباً.

أجبتها و عيناي تطرفان:

- مرحباً!

- أنا جوزفين.

كنت قد استنتجت ذلك من قبل. كنت أعلم أن جوزفين أخت صوفيا في الحادية عشرة أو الثانية عشرة من عمرها. كانت طفلة قبيحة مع شبة واضح بجدها، و لعل فيها عقلاً مثل عقله أيضاً. قالت جوزفين:

- أأنت رجل صوفيا؟

أقررتُ، فقالت:

- لكنك جئت هنا مع رئيس المفتشين تافيرنر، لماذا جئت معه؟

- إنه صديقي.

- حقاً؟ أنا لا أحبه، و لن أقول له شيئاً.

- و ما الأشياء التي لن تقوليها له!

- الأشياء التي أعرفها... أعرف أشياء كثيرة، فأنا أحب كثرة السؤال.

جلست على ذراعي الكرسي و أمعنت النظر في وجهي فتضايقت منها، قالت:

- جدي قد قُتل، هل عرفت؟

- أجل، عرفت.

- لقد تسمم بالإي... سير... ين – نطقتْ هذه الكلمة بحذر شديد – ألا يثير ذلك الاهتمام؟

- بلى.

- أنا و يوستيس مهتمان كثيراً. إننا نحب القصص البوليسية، و قد تمنيت دائماً أن أكون فتاة تَحرٍّ، و الآن أنا أتحرى و أجمع الأدلة.

أحسست أنها كالغول، و عادت إلى الموضوع:

- و هل صاحِبُ رئيس المفتشين الذي جاء معه محقق أيضاً؟ تدل الروايات أنك تقدر على كشف المحققين الذين يلبسون ثيابهم المدنية من أحذيتهم، لكن هذا المحقق يلبس حذاء سويدياً من القماش!

- لقد تغير الأمر القديم.

- أجل. فقد جدّت أشياء كثيرة الآن. سنذهب و نعيش في بيت في لندن عند الجسر. أمي تريد ذلك منذ زمن. ستكون فرِحة جداً، و أبي لن يمانع أن نحمل كتبه أيضاً، لم يكن يطيق ذلك من قبل، و كم خسِر من المال من أجل ((جيزبيل))!

- جيزبيل؟

- نعم، ألم ترها؟

- ها! هل كانت مسرحية؟ لا، لم أرها، كنت مسافراً.

- إنها لم تُعرض طويلاً، و الحقيقة أنها عمل فاشل، لا أرى أن أمي من الصنف الذي يناسب دور جيزبيل، أليس كذلك؟

فكرت في ماجدا، لا تناسبها شخصية جيزبيل، لا في الثوب القرنفلي و لا في بدلتها، لكنّ لماجدا صوراً أخرى لم أرها بعد. و قلت بحذر:

- ربما لا.

- جدي كان يقول دائماً أنها ستفشل في جيزبيل. قال إنه لن يدفع جُنيهاً من أجل تمويل هذه المسرحيات التاريخية القديمة. تشاءم بها جميعاً لكن أمي كانت متحمسة للمسرحية. أما أنا فلم أحب المسرحية كثيراً، لم تكن مثل القصة التاريخية الأصلية؛ فجيزبيل لم تكن شريرة بل امرأة وطنية و لطيفة جداً، و هذا ما يجعلها تبعث على السأم. لا بأس في نهايتها، فقد ألقوها من الشباك و لكن الكلاب لم تنهشها، أظن أن ذلك مؤسف، أليس كذلك؟ كنت أحب أن أرى الكلاب و هي تأكلها!
أمي قالت بأن سوْق الكلاب إلى المسرح شيء مساحيل، و لكني لا أفهم لماذا، فأنت تستطيع أن تجعل الكلب يؤدي دوراً ما.

ثم قالت جوزفين كلمة مقتبسة:

- ((و قد أكلتْها كلها سوى راحتيْها))! لمَ لم تأكل الكلام راحتيها؟

- لا أدري.

لعلّ الكلاب كانت مروّضة؟ إن كلابنا ليست كذلك... تأكل كل شيء!

فكرتْ جوزفين في هذا اللغز التاريخي بضع لحظات، و قلت لها:

- إنني آسف لأن المسرحية فشلت!

- نعم. كانت أمي كئيبة، فالتعليقات كانت مخيفة، و عندما قرأتها انفجرت بالبكاء و كانت تبكي طوال اليوم، و ألقت بطبق الإفطار على غليدز فنطقت غليدز بكلمة غريبة.

- أرى أنك تحبين الدراما يا جوزفين!

- لقد شرّح الأطباء جثة جدي ليعلموا سبب موته.

- أأنت آسفة على موته؟

- ربما، و لكني لم أكن أحبه كثيراً؛ لأنه منعني من تعلّم رقص الباليه.

- هل كنت تريدين تعلم رقص الباليه؟

- أجل، و كانت أمي ترغب أن أتعلمه و والدي لم يكن يمانع، لكن جدي زعم أن هذا لن ينفعني!

ثم سألتني بطريقة عارضة:

- هل تحب هذا البيت؟

- ربما، لست متأكداً تماماً.

- أظنه سوف يًباع إلا إذا قررت بريندا أن تمكث فيه، و أظن أن العم روجر و كليمنسي لن يرحلا الآن.

سألتها باهتمام كبير:

- أوكانا سيرحلان؟

- نعم، كانا سيرحلان يوم الثلاثاء بالطائرة إلى مكان ما، و قد اشترت كليمنسي حقيبة خفيفة جديدة.

- لم أسمع أنهما كانا سيرحلان.

- أجل، فلا أحد يعرف و هما لم يخبرا أحداً بذلك، و كانا ينويان أن يتركا رسالة لجدي من ورائهما, لم يكن سفرهما أكيداً... كان ذلك بالأسلوب الذي كانت الزوجات يفعلنه حين يتركن أزواجهن في الروايات القديمة، لكنه الآن فعل سخيف!

- بالطبع. جوزفين، هل تعلمين لماذا كان عمك سيرحل؟

نظرت إلي نظرة ماكرة من طرف عينيها:

- أظنني أعلم... ربما من أجل شيء ذي علاقة بمكتب العم روجر في لندن، لعله اختلس شيئاً.

- لماذا تظنين ذلك؟

اقتربت جوزفين مني أكثر و همست في أذني:

- يوم تسمم جدي كان عمي روجر مع جدي في غرفته و أغلق الباب بعد فترة طويلة. كانا يتحدثان و يتحدثان، و قال عمي روجر بأنه لم يعُد يصلح للعمل و أنه سيتخلى عن جدي... ليس بسبب المال، لكن بسب إحساسه أنه غير جدير بالثقة. لقد كان في حال سيئة.

- جوزفين، ألم يقل لك أحد أبداً أنه ليس جميلاً أن تتنصتي وراء الأبواب؟

هزت جوفين رأسها بقوة:

- لقد قالوا لي طبعاً، لكنك إذا أردت أن تكتشف شيئاً فعليك أن تتنصّت وراء الباب. أنا واثقة أن رئيس المفتشين تافيرنر يفعل مثلي، أليس كذلك؟

فكرتُ في هذه الكلمة و أردفت جوزفين:

- و على أية حال فإن كان تافيرنر لا يفعل ذلك فإن الرجل الآخر يفعله، ذلك الرجل الذي يلبس الحذاء السويدي، كما أنهم يفتشون أدراج الناس و يقرؤون رسائلهم جميعاً و يفضحون أسرارهم كلها... إنهم أغبياء لا يعرفون كيف يفتشون!

كانت جوزفين تتكلم بتفاخر قليل، و كم كنت أحمق لأنني لم أفهم رأيها هذا، و جعلت الطفلة البغيضة تتكلم من جديد:

- إني و يوستيس نعرف كثيراً من الأمور، و أنا أعرف أكثر منه و لكني لن أخبره به. إنه يزعم أن النساء لا يستطعن أن يتفوقْنَ في أعمال التحري لكني أقول بأنهن يستطعن. سوف أدون كل شيء في دفتري، ثم، عندما تتحير الشرطة تماماً أتقدم أنا إليهم و أقول لهم:((أنا أعلم من فعل ذلك)).

- هل تقرئين قصصاً بوليسية مثيرة يا جوزفين؟

- كثيراً جداً.

- و أنت تعتقدين أنك تعرفين قاتل جدك؟

- نعم، لكن عليّ أن أكشف بعض الأدلة الأخرى – و سكتتْ قليلاً –.. هل يظن رئيس المفتشين تافيرنر أن بريندا هي التي ارتكبت الجريمة أ، أنها هي و لورانس معاً لأنهما يحبان بعضهما؟

- يجب ألا تقولي أشياء كهذه يا جوزفين!

- لم لا؟ إنهما يحبان بعضهما.

- إنك لا تعلمين، فلا تحكمي عليها.

- لم لا؟ هما يكاتبان بعضهما برسائل الحب.

- جوزفين، كيف عرفت ذلك؟

- لآنني قرأتها... رسائل عاطفية. لورانس رجل عاطفي، و كان خائفاً من القتال في الحرب. لقد ذهب إلى السراديب ليختبيء، و كان يعمل في إيقاد النار في السفن. حين كانت القنابل تسقط هنا كان وجهه يشحُب فأضحك منه كثيراً عندئذٍ، أنا و يوستيس!

لم أعرف ماذا أقول بعدها، و في تلك اللحظة توقفت سيارة في الساحة، فانطلقت جوزفين سريعاً إلى النافذة و ألزقت أنفها الأفطس بزجاج النافذة. سألتُها:

- من هذا؟

- إنه السيد جيتسكيل، محامي جدي. أظن أنه جاء ليناقش الوصية.

و أسرعتْ إلى خارج الغرفة و هي هائجة لكي تكمل أعمال التحري التي تنجزها. و جاءت ماجدا ليونايدز إلى الغرفة، و لشدة دهشتي اقتربتْ مني و أمسكت بيدي. ثم قالت:

- يا عزيزي، أشكر الله أنك ما تزال هنا، إني محتاجة إلى رجل.

و أفلتتْ يدي و ذهبتْ إلى كرسي له ظهر عالٍ و زحزحتْه قليلا عن مكانه و نظرت إلى نفسها في الرمآة، ثم رفعت علبة مزخرفة على طاولة و وقفت حزينةً تفتحها و تغلقها.

أدخلت صوفيا رأسها من الباب و قالت همساً تذكرّ ماجدا:

- جيتسكيل!

- أعرف.

دخلت صوفيا الغرفة بعد بضع لحظات يلحقها رجل عجوز ضئيل الحجم، و وضعت ماجدا علبتها المزخرفة و جاءت لمقابلته.

- صباح الخير يا سيدة فيليب. إنني ذاهب إلى الأعلى، فالظاهر أن هناك سوء فهم بخصوص الوصية. لقد كتب زوجك إليّ موحياً أن الوصية عندي، في حين كنت قد فهمت من السيد ليونايدز نفسه أن الوصية كانت في حوزته، لا أظنكم تعلمون شيئاً عنها، أليس كذلك؟

فتحت ماجدا عينيها بذهول:

- في شأن وصية الرجل المسكين؟ لا، قطعاً لا. لا تقل لي أن تلك الرمأة الشريرة في الطابق العلويّ قد أتلفتها.

هزّ المحامي أصبعه موبّخاً:

- و الآن يا سيدة فيليب. لا حاجة للظن الشيء، بل هو سؤال عن مكان الوصية!

- لكنه أرسلها إليك. أجل، أرسلها إليك حتماً بعد أن وقّعها، هو أخبرنا بذلك!

- أعتقد أن الشرطة قد قلّبوا أوراق أريستايد الخاصة. سوف أتناقش مع رئيس المفتشين تافيرنر في هذا.

و غادر الغرفة، فصرختْ ماجدا تخاطب صوفيا:

- لقد مزّقتْها يا حبيبتي. أنا على حق.

- هذا هراء يا أمي، إنها لم تكن لتفعل شيئاً غبياً كهذا.

- إنه ليس غبيّاً على الإطلاق: إذا لم تكن ثمة وصية فسوف ترث كل شيء!

- صه... ها هو جيتسيكل عاد مرة أخرى.

دخل المحامي الغرفة ثانية، و جاء معه رئيس المفتشين يتبعه فيليب. و قال جيتسكيل:

- لقد فهمت من السيدة ليونايدز أنه وضع الوصية في المصرف لتكون في مأمنٍ هناك.

هز تافيرنر رأسه نافياً:

- لقد اتصلت بالمصرف، ليس عندهم أية ورقة تخص السيد ليونايدز ما عدا سندات مالية معينة.

قال فيليب: إنني أتساءل إن كان روجر... او خالتي إيديث... و ربما صوفيا. هل تستطيع دعوتهم ليأتوا إلى هنا.

لم يكن روجر ذا فائدة حين دعي إلى الاجتماع. قال:

- هذا هراء، هراء بلا شك. والدي قد وقع الوصية و أعلن أنه سوف يرسلها بالبريد إلى السيد جيتسكيل في اليوم التالي!

قال السيد جيتسكيل و هو يستند إلى الكرسي مغمضاً عينيه نصف إغماض:

- إن لم تخني ذاكرتي فقد أرسلت له مسودّة وصية في الرابع و العشرين من تشرين الثاني من العام الماضي صغتها حسب إرشاد السيد ليونايدز نفسه، و قد وافق على المسوّدة و أعادها إلي، ثم أرسلت إليه بعد ذلك الوصية ليوقعها، و بعد أسبوع ذكرّته بأنني لم أستلم منه الوصية بعد توقيعها و تصديقها، و سألته إن كان يرغب في تعديلها، فردّ قائلاً بأنه راضٍ تماماً و سوف يرسل الوصية بعد توقيعها إلى المصرف الذي يتعامل معه.

قال روجر متلهفاً:

- هذا صحيح تماماً. كان ذلك في نهاية شهر تشرين الثاني من العام الماضي. أتذكر يا فيليب حين جمعنا والدي ذات مساء جميعاً و قرأ الوصية علينا؟

التفت تافيرنر إلى فيليب ليونايدز:

- أتذكره يا سيد فيليب؟

- نعم.

- آنسة صوفيا؟

- نعم، أتذكر ذلك تماماً.

سأل تافيرنر:

- و ما هي بنود تلك الوصية؟

أوشك جيستيكل أن يُجيب المفتش بطريقته الدقيقة لكن روجر سبقه قائلاً:

- كانت وصية بسيطة تماماً، فقد ماتت إلكْترا و جويس فعادت حصتهما من التسوية لوالدي. و قتل ويليام ابن جويس في معركة في بورما فذهب المال الذي تركه لأبيه. و قد بقي فيليب و أنا و الأطفال الأقرباء وحدنا عنده ليس سوانا. و قد فصّل والدي وصيته: خمسون ألف جنيه بلا ضرائب إلى الخالة إيديث، و مائة ألف بلا ضريبة إلى بريندا، و هذا البيت لبريندا أو نشتري لها بيتاً مناسباً في لندن حسب رغبتها هي.
و أما البقية فتُقسم ثلاث حصص: واحدة لي، و واحدة لفيليب، و الثالثة تقسم بين صوفيا و يوستيس و جوزفين، و حصة الاثنين الأخيرين تبقى تحت الوصاية حتى يبلغا السن القانونية. أظن هذا صحيحاً، أليس كذلك يا سيد جيستيكل؟

- بلى، إنها بنود الوصية التي صغتها بالضبط.

- لقد قرأها الوالد علينا و سألنا إن كان لنا أية ملاحظة على هذه الوصية، فلم تكن لنا من ملاحظة.

قالت الآنسة دي هافيلاند:

- بريندا قدمت ملاحظة.

قالت ماجدا بتلذذ: نعم، قالت بأنها لا تطيق احتمال حبيبها العجوز أريستايد و هو يذكر الموت؛ لأن هذا يوقع في نفسها الشعور بالذعر، و هي لا تريد شيئاً من ماله إن هو مات!

و علرقت إيديث دي هافيلاند فوراً:

- كان ذلك اعتراضاً تقليدياً يتناسب مع طبقتها الاجتماعية.

كانت هذه كلمة قاسية و عنيفة من دي هافيلاند، و أدركت فجأة كم تكره إيديث دي هافيلاند بريندا!

قال المحامي جيستيكل:

- إنه توزيع عادل و معقول جدا لأملاكه.

- و ماذا حدث بعد قرباءة الوصية؟

روجر: بعد أن قرأها وقعها.

مال تافيرنر إلى الأمام سائلاً:

- كيف وقعها و متى؟

نظر روجر إلى زوجته كأنما يستنجدها، فتكلمت كليمنسي و قد بدا بقية العائلة راضين:

- تريد أن تعرف ما الذي حدث تماماً؟

- أرجوك يا سيدة روجر!

وضع حماي الوصية على درْج مكتبه و دعا أحدنا – أظنه روجر – ليقرع الجرس ففعل. حين جاء جونسن ليجيب الجرس طلب حميّ منه أن يذهب و يدعو خادمة الاستقبال جانيت وُلْمر، و عندما جاء الاثنان وقع الوصية و أمرهما أن يشهدا و يوقعا باسميهما الحقيقين.

قال السيد جيستيكل:

- ذاك هو الصواب، يجب أن يوقع الموصي الوصية في حضور شاهدين يوقعان في الزمان و المكان نفسه.

- و بعد ذلك؟

- شكرهما حماي و خرجا، و أخذ الوصية و وضعها في مغلف طويل و أعلن أنه سوف يرسلها إلى السيد جيستيكل في اليوم التالي.

نظر رئيس المفتشين تافيرنر حوله و قال:

- هل توافقون جميعاً على أن هذا سرد دقيق لما حدث؟

و سمعنا همسات موافقة. ثم سأل تافيرنر كليمنسي:

- كانت الوصية على المكتب كما قلتِ. كم كانت المسافة بين أيٍّ منكم و ذلك المكتب؟

- لم تكن المسافة قصيرة جداً. ربما كان يبعد عنه أقربنا أربعة أمتار أو خمسة.

- أكان السيد ليونايدز يجلس خلف المكتب و هو يقرأ الوصية عليكم؟

- نعم.

- و هل نهض من مكانه أو ترك الكتب بعد قراءة الوصية و قبل توقيعها؟

- لا.

- هل كان بإمكان الخادمين قراءة الوصية حين وقّعها كلاهما؟

- لا، فقد وضع حماي ورقة بيضاء على الجزء العلوي من الوثيقة.

فيليب: أجل، فما كُتب في الوصية لم يكن يهم الخدم.

و بحركة سريعة أخرج تافيرنر ظرفاً طويلاً و انحنى ليسلّمه للمحامي قائلاً:

- انظر إلى هذا و أخبرني ما هو؟

أخرج السيد جيستيكل وثيقة مطوية من الظرف. نظر فيها مذهولاً و قلبها بين يديه مرة تلو الأخرى:

- إنها مفاجأة لا أفهمها بتاتاً!... هل لي أن أسألك أين كانت هذه؟

- في الخزانة الحديدية بين أوراق السيد ليونايدز الأخرى.

سأل روجر: و لكن ما هذه؟ لـمَ كل هذه الضجة من أجلها؟

- هذه هي الوصية التي أعددتُها لوالدك ليوقعها يا روجر، و لكنها ليست موقعة!

- ماذا؟ أظنها مسوّدة.

- لا. لقد أعاد السيد ليونايدز المسوّدة لي، ثم صغت الوصية: هذه الوصية – و نقرها بأصبعه – و أرسلتها له كي يوقعها. و وفق شهادتكم فقد وقع الوصية أمامكم أجمعين و شهدها شاهدان، لكن هذه الوصية لم توقع!

صاح فيليب ليونايدز بقوة و جعل فمُه يهدُر:

- هذا مستحيل!

سأله تافيرنر:

- كيف كان بصر أبيك؟

- كان مصابا بالغلوكوما، و كان يضع نظارة سميكة عند القراءة.

- هل كان يضع هذه النظارة في ذلك المساء؟

- نعم، طبعاً، إنه لم ينزع نظارته إلا بعد أن وقع الوصية، أليس كذلك يا كليمنسي؟

- هذا صحيح تماماً.

- هل أنتم متأكدون أن أحداً لم يقترب من مكتبه قبل توقيع الوصية؟

قالت ماجدا و هي تغمض عينيها قليلاً:

- ترى لو أن أحداً يستطيع تصور ذلك مرة أخرى!

قالت صوفيا: لم يقترب احد من المكتب، و جدي جلس وراءه طوال الوقت.

- هل كان المكتب في نفس الموضع الذي هو فيه الآن؟ ألم يكن قريباً من الباب أو الشباك أو أية ستارة؟

- بل حيث هو الآن.

- إنني أجتهد أن أرى كيف تتغير أمكنة الأشياء، فلابد أن شيئاً قد تغير مكانه. لقد كان السيد ليونايدز عازماً أن يوقع الوثيقة التي قرأها لتوه عليكم.

روجر: ألا يمكن أن تكون التواقيع قد محيت؟

- لا يا سيد روجر. لابد أن تترك أثراً على ذلك. لعل هذه ليست الوثيقة التي أرسلها السيد جيتسيكل إلى السيد ليونايدز و التي وقعها في حضوركم.

قال السيد جيتسيكل: كلا، بل إن هذه هي الوثيقة الأصلية. في الورقة شق صغير في أعلاها إلى اليسار على شكل طائرة، لقد لاحظته آنذاك.

نظر الحاضرون إلى بعضهمُ البعض بذهول و أكمل جيتسيكل:

- إنها ظروف غريبة جداً لم يسبق لها مثيل خلال عملي من قبل!

قال روجر: إن الأمر كله غريب! كنا جميعاً هناك فكيف يحدث ذلك؟

سعلت الآنسة دي هافيلاند سعلة جافة و قالت:

- هذا كلام لا يجدي قطّ، كيف تقول في شيء قد حدث إنه لم يحدث... و ما هو الموقف الآن؟ هذا ما أودّ معرفته.

أصبح جيتسيكل في الحال محامياً حذراً. قال:

- تجب دراسة الموقف بحرص. إن هذه الوثيقة تبطل قطعاً كل الوصايا التي قبلها، و ثمة عدد كبير من الشهود الذي رأوا السيد ليونايدز يوقع بحسن نية ما كان يظنه يقيناً أنه هذه الوصية. هذا عجيب! إنها مشكلة قانونية صغيرة. لا بأس.

نظر تافيرنر إلى ساعته:

- أخشى أنني أؤخركم عن غدائكم!

سأله فيليب:

- ألا تبقى و تأكل الغداء معنا يا حضرة المفتش؟

- شكراً لك يا سيد ليونايدز، و لكني سأقابل الدكتور غراي في سوينلي دين.

التفت فيليب إلى المحامي:

- هل تتغدى معنا يا جيتسيكل؟

- شكراً لك يا فيليب.

نهضنا جميعاً. تقدمتُ إلى صوفيا و همستُ:

- هل أمكث أم أغادر؟

- أرى أنه من الأفضل أن تغادر.

و انسللْتُ بهدوء خارج الغرفة على أثر تافيرنر. كانت جوزفين تمشي جيئة و ذهاباً قرب باب أخضر يؤدي إلى الساحة الخلفية، و كانت تبدو مسرورة جداً من شيء ما. قالت:

- الشرطة أغبياء!

خرجت صوفيا من غرفة الاستقبال:

- ماذا كنت تفعلين يا جوزفين؟

- كنت أساعد ناني.

- بل كنت وراء الباب تتنصّتين.

نظرت جوزفين إليها باشمئزاز ثم انسحبت. و قالت صوفيا:
- هذه الطفلة جزء من المشكلة!

*****
يتبع

MA7MOUD
10-24-2010, 01:13 AM
<!--[if gte mso 9]><xml> <w:WordDocument> <w:View>Normal</w:View> <w:Zoom>0</w:Zoom> <w:PunctuationKerning/> <w:ValidateAgainstSchemas/> <w:SaveIfXMLInvalid>false</w:SaveIfXMLInvalid> <w:IgnoreMixedContent>false</w:IgnoreMixedContent> <w:AlwaysShowPlaceholderText>false</w:AlwaysShowPlaceholderText> <w:Compatibility> <w:BreakWrappedTables/> <w:SnapToGridInCell/> <w:WrapTextWithPunct/> <w:UseAsianBreakRules/> <w:DontGrowAutofit/> </w:Compatibility> <w:BrowserLevel>MicrosoftInternetExplorer4</w:BrowserLevel> </w:WordDocument> </xml><![endif]--><!--[if gte mso 9]><xml> <w:LatentStyles DefLockedState="false" LatentStyleCount="156"> </w:LatentStyles> </xml><![endif]--><!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"جدول عادي"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]-->
- 11 -

وصلت إلى غرفة مساعد المفوض في سكوتلانديارد لأجد تافيرنر يُنهي سرده لتفصيلات التحقبيق قائلاً:



- و النتيجة أنني غادرتُهم و لم أحصل منهم على أي شيء! لا دوافع، لا أحد مهم كان معسراً، كل ما علمناه ضد بريندا و صديقها الشاب هو أنه كان يرمقها بنظراته عندما كانت تسكب له القهوة.



قلتُ: لا عليكم يا تافيرنر، يمكنني أن أضيف شيئاً أفضل من ذلك.



- حقاً؟ حسناً يا تشارلز، ماذا عندك؟



جلست أتحدث و قد أسندت ظهري إلى المقعد:



- كان روجر و زوجته يخططان للرحيل يوم الثلاثاء القادم، و قد التقى روجر مع والده لقاءً عاصفاً في اليوم الذي توفي فيه العجوز. اكتشف العجوز ليونايدز شيئاً غير طبيعي، و كان روجر يعترف أنه يستحق اللوم.



احمرّ وجه تافيرنر:



- من أين حصلت على هذه المعلومات؟ إن كنت حصلت عليها من الخدم...



- ماذا تقصد بقولك؟



- و إني أعترف – وفق القواعد المقررة في القصص البوليسية – بأنه – أو بالأصحّ بأنها – قد تفوقت على الشرطة. ثم إن التحري الخاص بي لديه أشياء خاصة ما يزال يحتفظ بها لنفسه.



فتح تافيرنر فمه ثم سكت مرة أخرى. أراد أن يسأل أسئلة كثيراً لكنه أدرك أن من الصعب أن يبدأ. ثم قال:



- روجر! أهو روجر ذلك الرجل؟



كرهت أن أفضي بهذا السر، فقد كنت أحب روجر ليونايدز. كرهت – و أنا أتذكر غرفته المريحة الجميلة و سحر الرجل الودود – أن ينطلق رجال العدالة علىأثره فيعتقلوه. ربما تكون أخبار جوزفين كلها غير موثوقة، لكنني – في الحقيقة – لم أكن أظن ذلك. قال تافيرنر:



- إذن الطفلة أخبرتك ذلك؟ إنها تبدو طفلة واعية لما يدور في ذلك البيت!



قال والدي معلّقاً:



- الأطفال هكذا في العادة.

لو كان هذا الخبر يقيناً فسوف يتغير الموقف كله. لو كان روجر كما زعمت جوزفين:((يختلس)) أموال شركة الغذاء، لو كان الرجل العجوز قد كشف أمره فيلزم روجر و زوجته اسكات العجوز ليونايدز و مغادرة إنكلترا قبل اكتشاف الحقيقة... ربما يكون روجر قد ارتكب هذه الجريمة!



تم الاتفاق على إجراء التحقيق في شؤون شركة التجهيز الغذائي فوراً دون تأخير. قال والدي:



- لو أن ذلك الرجل غادر لكانت كارثة شاملة. إنها مسألة تهم أناساً كثيراً، فهي تتعلق بملايين الناس.



- لو كانت الشركة في أزمة مالية أو ورطة فسوف تتضح الفرضية: الأب يستدعي روجر، ينهار روجر و يعترف. بريندا ليونايدز كانت خارجاً في السينما، فما كان على روجر إلا أن يغادر غرفة أبيه إلى الحمام و يفرغ زجاجة الأنسولين و يضع فيها محلولاً خالصاً من الإيسيرين ثم يكون ما كان.



أو أن زوجته فعلتْها: صعدت إلى الجناح الأخر بعد أن عادت إلى البيت ذلك اليوم مدعيةً أنها ذاهبة لتحضر غليون روجر الذي تركه هناك. كان بإمكانها أن تصعد هناك لتغير المحلول قبل أن تعود بريندا إلى البيت لتعطيه الحقنة. إنها رابطة الجأش و تقدر على فعل ذلك!



أومأت برأسي و قلت:



- نعم. كأني أراها هي من فعل الجريمة، فإن لديها قدرة عجيبة على ضبط نفسها و لجم انفعالاتها، و لا أظن أن روجر يخطر بباله السم وسيلة؛ لأن حيلة الأنسولين فيها رائحة أنثوية!



قال والدي بغلظة:



- كثير من الرجال يستعملون السم في القتل.



تافيرنر: أعرف يا سيدي، أتراني جاهلاص؟ لكني لا أظن روجر من هذا الصنف.



- و هل تذكر بريتشارد يا تافيرنر؟ لقد كان بريتشارد مازجاً ماهراً للسم!



- إذن لنفترض أنهما كانا مشتركين فيها معاً.



قالها تافيرنر و انصرف، و قال والدي:



- أيخطر ببالك يا تشارلز أنها تشبه الليدي ماكبث في رواية شكسبير؟



تخيلت المشهد: المرأة الجميلة تقف قرب النافذة في غرفة متقشفة، و قلت:



- ليس تماماً، فقد كانت الليدي ماكبيث امرأة جشعة كثيراً، و كليمنسي ليونايدز غير جشعة. أظن أنها لا تهتم بالمال و لا تحرص أن تحوزه و تملكه.



- لكن ألا يهمها نجاة زوجها و سلامته؟



- بلى، و ربما تكون طبعاً قاسية القلب.

... هذا ما قالته صوفيا:(( قسوة القلب))!



رفعت بصري لأرى الرجل العجوز يراقبني:



- فيم تفكر يا تشارلز؟



و لكني لم أخبره حينئذٍ.

***

دُعيت اليوم التالي فوجدت والدي و تافيرنر معاً. كان تافيرنر مسروراً قليلاً، و قال والدي:



- إن شركة التجهيز الغذائي على شفير الهاوية.



قال تافيرنر:



- أجل... إنها عرضة للانهيار في أية لحظة.



قلت: علمت أن الأسهم نزلت في الليلة الماضية نزولاً حاداً، لكنها عادت و ارتفعت هذا الصباح.



قال تافيرنر: يجب أن نتحقق بحذر شديد. لا نريد تحقيقات مباشرة تسبب الذعر أو تروع صاحبنا الذي يريد الفرار، فلدينا مصادر خاصة و الأخبار أكيدة تماماً. شركة التجهيز الغذائي على شفير الهاوية و قد تعجز أن تفي بالتزاماتها. هي تعاني من فساد الإدارة منذ عدة سنين.



- إدارة روجر ليونايدز؟



- نعم، إن سلطته قوية كما تعلم.



- و قد اختلس مالاً...؟



- لا، لا نظن أنه فعلها. قد يكون روجر قاتلاً و لكننا لا نعتقد أنه محتال، و بصراحة لقد كان أبله لا يملك أدنى حد من الحكمة، كان ينطلق حين يلزمه أن يتوقف، و يتردد و يتراجع حيث يجدر به الانطلاق و التقدم، و كان يعتمد على رجال و يوكل إليهم أعمالاً هم آخر من توكل إليهم مثلها. إنه رجل يثق بالناس الذي لا يستحقون الثقة، و في كل مرة و كل مناسبة يعمل العمل الخطأ!



قال والدي: رأيت رجالاً من صنفه، لكنهم ليسوا أغبياء في الحقيقة. إنهم يخطئون في الحكم على الرجال فحسب، و يتحمسون في وقتٍ لا ينبغي فيه الحماس.



قال تافيرنر:



- إن رجلاً مثل روجر لا يجب أن يسند إليه عمل من الأعمال بتاتاً.



- لعله لم يكن ليصبح ذلك لولا أنه ابن أريستايد ليونايدز.



- كانت الشركة حين عهد العجوز إليه بها شركة ناجحة، و كان ينبغي أن تصبح ((منجم ذهب)). لكنني أراه جلس مستريحاً و ترك الشركة تدير نفسها!



هز أبي رأسه و قال:



- لا. لا شركة تدير نفسها بنفسها، في كل شركة قرارات يجب اتخاذها: فصل هذا و توظيف ذاك، و أسئلة حول سياسة الشركة، أما روجر فيبدو أن أجوبته كانت دائماً خطأ!



قال تافيرنر:



- هذا صحيح. إنه رجل مخلص: أبقى على الموظفين الفاشلين لأنه يميل إليهم أو لأنهم كانوا يعملون في الشركة منذ دهر بعيد! ثم كانت له أحياناً أفكار طائشة غير عملية و كان يصرّ على تجربتها رغم نفقاتها الباهظة.



ألحّ والدي قائلاً:



- و لكن ألا توجد مخالفة جنائية؟



- لا مخالفة جنائية.



سألتُه: إذن فلمَ يقترف جريمة القتل؟



- ربما كان أحمق لا محتالاً، لكن النتيجة واحدة. كان الشيء الذي ينقذ هذه الشركة من الإفلاس مبلغاً ضخماً يتم تدبيره قبل – فتح دفتره و قرأ – ... قبل الأربعاء القادم على أبعد تقدير.



- مبلغ كالذي يرثه حسب وصية والده، أليس كذلك؟



- بالضبط.



- لكنه لم يكن ليستطيع الحصول على ذلك المبلغ نقداً.



- لكنه سيسهّل له الحصول على اعتماد أو قرض مصرفي.



أومأ الرجل العجوز برأسه موافقاً، قال:



- ألم يكن أسهل عليه أن يذهب للعجوز ليونايدز فيطلبَ منه مالاً؟



- لقد فعل لاذلك، هذا ما سمعتْه الطفلة، فلعل العجوز رفض صراحة أن يدفع خشية من الخسارة ثانية. لقد ذهب روجر إليه.



أظن أن تافيرنر كان على حق، فقد رفض أريستايد لونايدز دعم مسرحية ماجدا و قال بأنها لن تجني أرباحاً في شباك التذاكر. ثم تبيّن أنه على حق. كان ليونايدز رجلاً كريماً مع عائلته لكنه لا يضيّع المال في مشروعات غير رابحة، كما أن الشركة يساهم فيها الآلاف و ربما مئات الآلاف. لقد رفض صراحة، و ليس أمام روجر لكي يتجنب الإفلاس إلا وفاة والده. نعم، لابد من دافعٍ بالتأكيد.



نظر والدي في ساعته و قال:



- طلبت منه أن يحضر، سيكون هنا الآن في أية لحظة.



- روجر؟



- نعم.



همستُ:



- قالت العنكبوت للذبابة:((هلاّ أتيتِ إلى بيتي؟)).



نظر تافيرنر إلي مندهشاً! قال بقسوة:



- سنأخذ منه حذرنا و نحترس.



بدأ العمل، و حضر الكاتب. و في الحال قرع جرس المكتب ثم، بعد بضع دقائق، دخل روجر ليونايدز الغرفة متلهفاً مرتبكاً، و تعثرت قدمه بأحد الكراسي فتذكرت كلباً ضخماً ودوداً و في الوقت نفسه قررت جازماً أنه ليس هو الذي نفذ العمل و بدل زجاجة الإيسيرين بلأنسولين، إذن لكان يسكرها أو يسكبها أو ترجف يده و يفشل في الحيلة بطريقة أو أخرى. لا... لا شك أن كليمنسي هي الفاعل و إن كان روجر متهماً بعلمه هذا العمل.



تدفقت الكلمات من فمه:



- هل أردت رؤيتي؟ هل وجدت شيئاً؟ مرحبا يا شارلز. لم أرك. جميل منك أن تأتي هنا. و لكني أرجوك أن تخبرني يا سير آرثر...



إنه رجل لطيف، و لكن كثيراً من القتله كانوا رجالاً لِطافاً، و ذلك ما كان يؤكده أصدقاؤهم المذهولون بعد جرائمهم. و ابتسمت محيّياً.



كان أبي رجلاً حازماً هادئاً يحترس في حديثه، فجرت كلماته عفوية: الشهادة.. سوف تدون... لا إكراه... محامٍ...



أزاح روجر ليونادز كل هذه الأشياء جانباً غير صابر، و رأيت ابتسامة المفتش تافيرنر الساخرة على وجهه فعرفت ما يخطر باله، كان يقول في نفسه:((إنهم واثقون من أنفسهم. هؤلاء الأشخاص لا يخطئون. إنهم أذكياء!)).



و جلست في زاوية من الزوايا و أضغيت. قال والدي:



لقد دعوتْك هنا يا سيد روجر لا من أجل أن أعطيك معلومات جديدة و لكن لأطلب منك بعض المعلومات التي كتمتها من قبل.



بدا روجر ليونايدز متحيراً:



- كتمتها؟ لكني أخبرتك بكل شيء، كل شيء دون كتمان!



- لا، لقد جرى بينك و بين الفقيد حديث في مساء يوم مقتله، أليس كذلك؟



- بلى بلى، شربت معه الشاي. لقد أخبرتكم بذلك.



- أجل، أخبرتنا بذلك، لكنك لم تخبرنا ماذا دار بينكما.



- لقد... كان... حديثاً ليس غير.



- فيم تحدثتما؟



- في الأمور اليومية: البيت، صوفيا...



- فماذا عن شركة التجهيز الغذائي؟ هل ذكرتماها؟



تمنيت ساعتئذٍ أن تكون جوزفين قد اخترعت القصة كلها، لكن هذا الأمل سرعان ما تلاشى، فقد تغير وجه روجر، تغير في لحظة واحدة إلى شيء قريب من اليأس، و قال:



- يا إلهي!



و جلس على كرسي و غطى وجهه بيديه. ابتسم تافيرنر كالقطة المطمئنة:



- أتعترف يا سيد روجر أنك لم تكن صريحاً معنا؟



- كيف عرفتم بذلك؟ كنت أظن أنْ لا أحد كان يعلمه. لا أفهم كيف علمه غيري؟



- لدينا وسائلنا الخاصة في معرفة هذه الأمور يا سيد ليونايدز.



و سكت سكتة مهيبة ثم قال:



- أظن أنك تفهم الآن. من الأفضل لك أن تخبرنا بالحقيقة.



- نعم، نعم. بالطبع سأخبركم. ماذا تريدون أن تعرفوا؟



- هل صحيح أن شركة التجهيز الغذائي توشك أن تنهار؟



- نعم. لقد فات الآوان فلا أستطيع إنقاذها الآن! إن الانهيار آتٍ لا محالة! ليت أبي مات دون أن يعرف ذلك! إنني أشعر بالعار و الخزي الشديد...



- و هل هناك احتمال لحدوث مقاضاة جنائية؟



انتصب روجر في مكانه متحداً:



- لا. سيكون إفلاس لكنه إفلاس شريف: سندفع للمساهمين عشرين شلنا لكل جنيه ناهيك عن موجوداتي الشخصية. إن الخزي الذي أصابني سببه أنني خذلت والدي! لقد كات يثق بي و عهد بهذا العمل إليّ و هو أكبر اهتماماته. كان العمل المفضل لديه. إنه لم يتدخّل يوماً و لا سألني عما كنت أفعله. كان يثق بي لكنني خذلته!



قال أبي بجفاف:



- هل قلت:((لا توجد مقاضاة جنائية))؟ إذن فلم خططت أنت و زوجتك للسفر دون إعلان أو خبر؟



- و تعرف هذا أيضا؟



- أجل يا سيد ليونايدز.



انحنى روجر إلى الأمام:



- لم أكن أستطيع مواجهته بالحقيقة، خشيت أن يفهم أني أطلب منه مالاً كأني أستنجد به ليوقفني على قدميّ مرة أخرى. لقد.. لقد كان يحبني كثيراً، و كان سيساعدني، لكني لم أستطع... لم أستطع المواصلة. كانت المواصلة تعني ورطة مرة أخرى. إني لا أصلح لهذا العمل، فليست عندي القدرة عليه. أنا لست مثل أبي. كنت أعلم بنفسي منه، لقد حاولت فلم أنفع. كنت تعيساً جداً! يا إلهي! إنك لا تعرف تعاستي التي ذقتها و أنا أحاول الخروج من المشكلة و أرجو رضاه و آمل ألاّ أضطر للبوح بالأمر للرجل العجوز! و لكن لم يَبْقَ أي أمل في تجنب الكارثة.

زوجتي كلمينسي، تفهّمت الأمر و وافقتني الرأي، و فكرنا في هذه الخطة معاً. لم نقل لأحد شيئا: نهرب و ندع العاصفة تثور.

كنت ساترك لأبي رسالة أفصّل الأمر له فيها و كيف أنني كنت أشعر بالخزي، و أتوسل إليه أن يسامحني! كان طيباً معي دائماً!

لكنّ الوقت كان متأخراً إن هو أراد أن يفعل شيئاً. ما كنت أريد منه المساعدة، كنت أريد أن أبدأ من جديد في مكان آخر. أحيا حياة بسيطة متواضعة: أزرع البُنّ و الفواكه لتكون عندي ضروريات الحياة فقط. و كان ذلك صعباً على زوجتي، لكنها أقسمت ألا تمانع. إنها رائعة. رائعة دون ريب!



قال أبي بجفاء:



- و ما الذي جعلك تغير رأيك؟



- أغيّر رأيي؟





- نعم، لماذا عزمت أن تذهب إلى أبيك و تطلب منه المساعدة المالية بعد كل هذا؟



حَدَقَ روجر إلى أبي و قال مندهشاً:



- لكني لم أفعل ذلك.



- هيّا يا سيد ليونايدز.



- لقد أخطأ من أبلغكم ذلك. أنا لم أذهب إليه، بل هو أرسل في طلبي. كأنه سمع – بطريقة ما – من أهل المدينة. لعلها كانت إشاعة، لكنه كان يعلم ما يجري حوله دائماً. صارحني أبي، ثم، أخبرته بكل شيء و قلت له بأن رحيلي ليس بسب المال و إنما إحساسي أني خذلته بعد أن وثق بي!



ثم تغير صوت روجر و جعل يتكلم بانفعال:



- لا يمكنك أن تتخيل كم كان الرجل العجوز طيباً معي. لم يوبخني، بل كان لطيفاً. أخبرته أنني لا أريد المساعدة و أفضّل ألا يساعدني و أنه من الخير أن أرحل كما كنت أخطط، لكنه ما كان ليضغي إليّ. لقد أصر على إنقاذي و على دعم شركة التجهيزات الغذائية لتستأنف عملها من جديد.



قال تافيرنر بحدة:



- أتريدنا أن نصدق أن والدك كان ينوي مساعدتك مادياً؟



- كان ينوي ذلك يقيناً، و قد أوصى سماسرته هنا و هناك من أجل مساعدتي.



قرأ روجر الشك في عيون الرجلين، فاحمرّ وجهه و قال:



- ما زلت أحتفظ بالرسالة. كنت سأرسلها بالبريد، لكني نسيتها من... من الصدمة و الفوضى! ربما أحضرتها و لعلها في جيبي الآن.



أخرج محفظته و بدأ يبحث فيها، و أخيراً وجد ما كان يريده. أخرج ظرفاًمجعداً عليه طابع، و كان عنوانه:((شركة غريتو ريكس و هانبري)). قال:



- فلتقرأْها بنفسك إن كنت لا تصدقني.



فتح والدي الرسالة، و ذهب تافيرنر وراءه. لم أر الرسالة وقتئذٍ لكني رأيتها من بعد: كانت تطلب من ((شركة غريتو و هانبري)) أن تسيّل استثمارات معينة و ترسل في اليوم التالي أحد أعضاء الشركة من أجل شروط معينة تتعلق بشؤون شركة التجهيز الغذائي. كان السيد أريستايد ليونايدز يتخذ الإجراءات اللازمة إيقاف الشركة على قدميها مرة أخرى.



احتفظ تافيرنر بالرسالة قائلاً:



- سنعطيك وصلاً بهذه الرسالة يا سيد ليونايدز.



أخذ روجر الصكّ و نهض قائلاً:



- هل من شيء آخر؟ هل فهمتم الآن الأمر كيف كان؟



قال تافيرنر:



- هل أعطاك السيد ليونايدز هذه الرسالة ثم غادرته، ماذا فعلت بعد ذلك؟



- رجعت سريعاً إلى جناحي الخاص في المنزل. كانت زوجتي قد دخلت لتوها فأخبرتها بنية والدي و كيف كان رائعاً. إنني – في الحقيقة – لم أعلم ماذا كنت أفعل!



- ثم مرض والدك، بعد كم من الوقت حدث ذلك؟



- دعني أتذكر... ربما نصف ساعة، أو ساعة. جاءت بريندا مسرعة خائفة، قالت بأنه يبدو غريباً. و قد... و قد انطلقت معها، لكني أخبرتكم بكل ذلك من قبل.



- خلال زيارتك الأولى لجناح والدك. هل ذهبت إلى الحمام المجاور لغرفته؟



- لا أظن. لا... لا... إني لم أفعل ذلك قطعاً. لماذا؟ لا. لا يمكن أن تظنوا أنني..



هدأ والدي مشاعر السخط المفاجئة. نهض و صافحه قائلاً:



- شكراً لك يا سيد ليونايدز! لقد ساعدتنا كثيراً، لكنْ كان يجب أن تخبرنا بهذا من قبل.



أغلق الباب وراء روجر. و نهضتُ لأنظر إلى الرسالة فوق طاولة والدي فيما رددّ تافيرنر متمنياً:



- يمكن أن تكون مزورة.



قال والدي: ربما. لكني لا أظن ذلك، علينا أن نقبل بها تماماً كما هي.

كان العجوز ليونايدز مستعداً ليخرج ابنه من هذه الورطة بطريقة فعّالة و هو ما يزال حياً بأفضل مما يستطيع روجر عمله بعد موته، لا سيّما بعد أن أصبح معروفاً الآن أن أحداً لم يجد الوصية فغدا نصيب روجر مشكوكاً فيه، و هذا يعني التأخير و العقبات، و حسب ما هي الحال عليه الآن فإن الكارثة قادمة! لا يا تافيرنر، ليس لدى روجر ليونايدز أو زوجته دافع لقتل العجوز. بل على العكس من ذلك...



سكت أبي و كرر كلمته الأخيرة متأملاً كأن فكرة خطرت له فجأة. سأله تافيرنر:



- ما الذي يدور في ذهنك يا سيدي؟



- لو أن أريستايد ليونايدز عاش 24 ساعة أخرى لكان روجر بخير! لكنه لم يعش 24 ساعة، مات فجأة بصورة مثيرة خلال ساعة أو أكثر قليلاً!



- هل تظن أن أحداً في البيت كان يسعى لإفلاس روجر؟ شخص له مصلحة مضادة، ألا ترى هذا؟



سأل والدي:



- ما هي حقيقة الوصية؟ من الذي يرث أموال ليونايدز في الواقع؟



تنهد تافيرنر عميقاً و قال:

- أنت تعلم مهنة المحاماة: المحامون لا تسمع منهم جواباً صريحا. هناك وصية سابقة كتبها حين تزوج بريندا. ثم هذه الوصية تقسم لبريندا النصيب نفسه، و أقل منه للآنسة دي هافيلاند و الباقي بين فيليب و روجر. لو لم تكن هذه الوزصية موقعة فإن الوصية القديمة ستكون معتمدة لكن الأمر يبدو صعباً. أولاً: إن كتابة الوصية الجديدة قد أبطلت السابقة، و عندنا شهود على إمضائها، و هناك ((نية الموصي)). لو تبين أنه مات و لم يوص إذن تفوز الأرملة بحصة مدى الحياة على أية حال!



- إذن فلو اختفت الوصية فإن بريندا ليونايدز هي أكثر الأشخاص انتفاعاً، أليس كذلك؟



- بلى. لو كان هناك خداع فلعلها تكون متورظة فيه. و من الواضح أن في الأمر خدعة، لكني لا أعلم كيف هي؟



لم اكن أعرف أنا الآخر. أظن أننا كنا حمقى؛ لأننا كنا ننظر للأمر من الزاوية الخطأ.



*****









- 12 -

خرج تافيرنر و مازلنا صامتْين. ثم قلت بعد برهة:



- كيف يكون شكل القتلة يا أبي؟



نظر الرجل العجوز متأملاً. كنا نفهم بعضنا جيداً ففهم ما كنت أفكر فيه حين سألته. و أجابني بجدية تامة:



- أجل. هذا مهم جدا بالنسبة لك، فقد أصبح القتل فريباً منك، فما عاد ممكنا أن نتظر إليه بعين المراقب البعيد.



كنت أهتم بعض القضابا المثيرة في المباحث الجنائية، لكني كنت – كما قال أبي – أطلّ عليها من بعيد. أما الآن فقد صار الأمر قريباً مني للغاية. و لا بد أن صوفيا قد أردكت ذلك بسرعة أكثر مما فعلت.



قال الرجل العجوز:



- لا أدري إن كنت أنا الذي ينبغي أن تسأله، أستطيع أن أوصلك باثنين من أطباء النفس الذين يؤدون أعمالاً لنا و تافيرنر يمكن أن يقدم لك بعض المعلومات الداخلية، و لعلك تريد أن تسمع رأيي أنا بسب خبرتي في المجرمين، أليس كذلك؟



قلت بامتنان:



- نعم، هذا ما أريده.



رسم والدي بأصبعه دائرة صغيرة على الطاولة:



- ما هو شكل القتلة؟



و ابتسم بسمة باهتة كئيبة و هو يضيف:



- بعضهم كان لطيفاً جداً.



لعلّي جفلتُ قليلاً. و استمر والدي قائلاً:



- نعم. كانوا لِطافاً مثلك و مثلي و مثل الرجل الذي خرج الآن روجر ليونايدز. القتل جريمة غير محترفَة. إنني أتحدث عن نوع الجرائم التي تفكر فيها و ليس جرائم العصابات. أشعر أحيانا كثيرة أن هؤلاء المجرمين اللطاف فوجئوا بجريمة القتل فاضطروا أن يرتكبوها بطريقة عارضة تقريباً، كأن يُحصَروا – مثلاً – في زاوية ضيقة أو أنهم يريدون شيئاً بإلحاح شديد كالمال أو المرأة، فيقتلون من أجلهما. إن الضمبير ساعتئذٍ يتعطل لديهم. الطفل يترجم رغبته في العمل دون وخز الضمير، و الطفل الذي يغضب على قطته يقول:((سوف أقتلك))، و يضرب رأسها بمطرقة، ثم يحزن لأن القطة قد ماتت. كم من رضيع يحاولون أخذ رضيع من عربته ليغرقوه لأنه يلفت الإنتباه أو يعكّر ملذاتهم. إن الأطفال يعرفون في مرحلة مبكرة جداً أن هذا ((خطأ)) فإن فعلوه عوقبوا، لكن كثيراً من الناس لا ينضجون إنفعالباً بالقدر الكافي: يدركون أن القتل عمل خاطئ لكنهم لا يحسون به. لا أعتقد – حسب تجرِبتي – أنني رأيت قاتلاً أصابه الندم حقاً، بل هو يبحث عن تعلليل لما ارتكبه متجاوزاً نفسه: ((كان ذلك هو الطريق الوحيد))، أو ((هو – الضحية – الذي سعى إلى حتفه))... إلخ



- لو كان أحد يكره العجوز منذ زمن بعيد، فهل يكون الكره سباً لقتله؟



- كراهية فحسب؟ هذا بعيد جداً حسب ظني...



و نظر إليَّ بفضول قائلاً:



حين تقول:((كراهية)) فإنني أظنه أنك تقصد أن الحب قد انقضى. كراهية الغيرة أمر مختلف؛ لأنه هذه تنشأ من التعلق و الإحباط. الناس يقولون بأن كونستانس كِنْت كانت تحب أخاها الرضيع الذي قتلته حباً كبيراً، لكننا نظن أنها كانت تريد نزع انتباه و محبة الآخرين له. الناس في الغالب يقتلون من يحبون أكثر من قتلهم من يكرهون؛ لأن الذين تحبهم هم وحدهم الذين يستطيعون أن يجعلوا حياتك لا تطاق!

لكن هذا لا يساعدك كثيراً، أليس كذلك؟ كأن الذي تريده يا تشارلز هو علامة ما أو إشارة تساعدك في كشف القاتل من بين أهل البيت الذي يبدون أناساً عاديين يبعثون على السرور، أليس كذلك؟



- نعم، هذا هو ما أريده.



- و هل ترى بينهم صفة مشتركة؟



و سكت قليلاً و هو يفكر ثم قال:



- لو كان كذلك فإنني أميل إلى القول بأنها الغرور.



- الغرور؟



- أجل، لم أَرَ قاتلاً غير مغرور. إن الغرور هو الذي يؤدي إلى كشفهم غالباً، ربما يخافون القبض عليهم، لكنهم لا يستطيعون كفّ نفوسهم عن التباهي و الاختيال، و هم عادة يكونون متأكدين أنهم أذكياء لا يمكن أن يمسك بهم أحد، و هنا شيء آخر: إن القاتل يريد أن يتحدث.



- يتحدث؟



- أجل، إن القاتل حين يقتل يصير في عزلة شديدة، فهو يحب أن يصارح أحداً بكل شيء، لكنه لا يستطيع. و هذا يجعله يريد أن يخبر بالمزيد، و هكذا: إن كان لا يستطيع أن يقول كيف فعل هذا فإنه يستطيع أن يتحدث عن القتل نفسه و يناقشه و يطرح نظريات لتدرسها.

لو كنت مكانك يا تشارلز لنتبهت لهذا الأمر. اذهب هناك مرةً أخرى و اقعدْ بينهم و اختلطْ بهم جميعاً و اجعلْهم يتحدثون. لن يكون عملاً سهلاً، و سواء كانوا مرجمين أو أبرياء فسيكونون سعداء بفرصة التحدث مع رجل غريب؛ لأنهم سيقولون لك أشياء لا يقولونها لبعضهم، و لعلك تستطيع أن تتبين الاختلاف، فالذي يريد أن يكتم شيئا في نفسه لا يطيق بالطبع الحديث معك، و كان رجال الاستخبارات يدركون ذلك بالطبع أيام الحرب. لو أنك أُسِرْتَ ستفشي اسمك و رتبتك و رقمك العسكري و لا شيء غيرها. أما الذي يحاولون إعطاء معلومات مزيفة فإن ألسنتهم تزل دائماً. فلتجعل أهل البيت يتحدثون يا تشارلز و راقب فيهم زلة اللسان أو لمحات الكشف عن الذات.



أخبرتُه عندها أن صوفيا تحدثت عن القسوة في العائلة، و ذكرتْ أنواعاً مختلفة منها، فاهتم بذلك اهتماماً كبيراً و قال:



- أجل، إن لدى فتاتك شيئاً في هذا الأمر، إن الصفات الوراثية شيء يثير الاهتمام. خذ على سبيل المثال قسوة دي هافيلاند، و ما يمكن أن نسميه عديمية الضمير عند ليونايدز. إن عائلة هافيلاند طبيعيين لأنهم ليسوا عديمي الضمير أما عائلة ليونايدز فهم رغم تجردهم من الضمير إلا أنهم عطوفون، و لكن أحدهم ورث هاتين الصفتين مجتمعتين. هل تفهم ما أعنيه؟



لم أفكر بهذه الطريقة تماماً، و قال والدي:



- لن أرهقك بالصفات الموروثة، فهذا أمر دقيق و معقّد جداً. اذهب يا ولدي و دعهم يحدثونك. إن فتاتك محقة تماماً في شيء واحد: لن ينفعك و ينفعها سوى الحقيقة.



ثم أضاف فيما كنت أغادر الغرفة: و احذْر الطفلة!



- جوزفين؟ تعني الاّ أبوح لها بما أنوي أن أفعله؟



- كلا، لم أقصد ذلك، بل أقصد أن تعتني بها، فلا نريد أن يصيبها شيء.



حَدَقْتُ إليه، فقال:



- هيا يا تشارلز، إن بين أهل البيت قاتلاً يقتل بدم بارد، و يظهر أن الطفلة جوزفين تعرف معظم ما يجري.



- إنها تعرف كل شيء عن روجر، و ربما أخطأت بالقفز إلى إستنتاجٍ بأنه محتال و لكن معلوماتها تبدو صحيحة!



- نعم، نعم. إن شهادة الطفل هي أفضل الشهادة و أنا أصدقها كل مرة، لكنها لا تفيد في المحكمة قطعاً؛ لأن الأطفال لا يطيقون توجيه الأسئلة المباشرة، بل تراهم يهمهمون و يبدون بلهاء و يقولون بأنهم لا يعرفون لكنهم يكونون في أفضل أحوالهم عندما يتباهون. سوف تسمع منها مزيداً بالطريقة نفسها: لا تسألها أسئلة، اجعلها تشعر أنك لا تعلم شيئاً لتثيرها، و لكنّ عليك أن تهتم بأمرها، فلعلها تعرف كثيراً من أجل سلامة إنسان!



*****


يتبع

MA7MOUD
10-24-2010, 11:32 PM
<!--[if gte mso 9]><xml> <w:WordDocument> <w:View>Normal</w:View> <w:Zoom>0</w:Zoom> <w:PunctuationKerning/> <w:ValidateAgainstSchemas/> <w:SaveIfXMLInvalid>false</w:SaveIfXMLInvalid> <w:IgnoreMixedContent>false</w:IgnoreMixedContent> <w:AlwaysShowPlaceholderText>false</w:AlwaysShowPlaceholderText> <w:Compatibility> <w:BreakWrappedTables/> <w:SnapToGridInCell/> <w:WrapTextWithPunct/> <w:UseAsianBreakRules/> <w:DontGrowAutofit/> </w:Compatibility> <w:BrowserLevel>MicrosoftInternetExplorer4</w:BrowserLevel> </w:WordDocument> </xml><![endif]--><!--[if gte mso 9]><xml> <w:LatentStyles DefLockedState="false" LatentStyleCount="156"> </w:LatentStyles> </xml><![endif]--><!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"جدول عادي"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]--> - 13 -
تركت أبي و دهبت إلى ((البيت المائل)) و شعور قليل بالذنب يلازمني، لقد كررت على مسمع تافيرنر أسرار جوزفين التي تتصل بروجر، لكنني لم أقل شيئاً حول مسألة بريندا و لورانس براون و رسائل الحب.

إني معذور، فقد حسبت ما بيتهم رومانسية مجردة و لم أعلم سباً يثبت صحة ذلك، لكني كرهت أن أجمع أدلة أخرى على بريندا ليونايدز، كنت أشفق عليها من عائلة تكنّ لها العداء و هي متجمعة عليها قبوة. لو كان مثل هذه الرسائل بينهما فلا شك أن تافيرنر و أعوانه سيجدونها، كنت أكره أن أكون سبا في طرح نهمة جديدة على امرأة تعيش وضعاً صعباً! ثم إنها أكدت لي بهدوء أنه لم يكن بينها و بين لورانس أية علاقة، و شعرت أني أميل إلى أن أصدقها أكثر من تلك ((القزم الحقود)) جوزفين! ألم تقل بريندا بلسانها بأن جوزفين لم تكن هناك؟

كتمت قناعتي بأن جوزفين كانت هناك، و تذكرت الذكاء في عينيها السوداوين الصغيرتين.

و كلّمت صوفيا بالهاتف و سألتها إن كانت تأذن لي بالقدوم ثانية؟

- أرجوك أن تأتي يا تشارلز.

- كيف تسير الأمور؟

- لا بأس، ما زالوا يفتشون البيت، عمّ يبحثون؟

- لا أدري.

- إننا جميعاً غاضبون جداً، تعال في أسرع وقت، سوف أحن إذا لم أتكلم مع شخص ما.

قلت لها بأني سآتي إليها فوراً.

لم أرً أحداً و أنا قادم في السيارة إلى الباب الأمامي. أعطيت السائق أجره و نزلت. ترددت: هل أقرع الجرس أم أدخل، فقد كان الباب مفتوحاً.

و بينما أنا كذلك سمعت صوتاً خفيفاً من خلفي. أدرت رأسي بحدة... كانو جوزفين عند فتحتة سياجٍ من الشجر تنظر إليَّ و قد حجبتْ وجهها تفاحةٌ كبيرة، ذهبت تجاهها.

- مرجبا جوزفين.

لم تجبني، لكنها اختفت خلف السياج، و عبرتُ الطريق و تبعتها. كانت تجلس على مقعد خشبي صدئ غير مريح عند بركة السمك و تحرك ساقيها و هي تقضم التفاحة.

كانت تنظر إليَّ باكتئاب و شيءٍ لا أحسبه إلا العداء. قلت:

- ها قد جئت ثانية يا جوزفين.

كانت بداية ضعيفة، لكن كان صمت جوزفين و عيناها الجاحظتان يثيران الأعصاب.

و مازالت صامتة تفكر تفكيراً عميقاً. سألتُها:

- هل هذه تفاحة جيدة؟

هذه المرة تعطّفت جوزفين و أجابت بكلمة واحدة:

- غامضة!

- أمر مؤسف! لا أحب التفاح الغامض.

ردّت جوزفين بازدراء:

- لا أحد يحب ذلك.

- لم لم تكلميني حين قلت :((مرحبا))؟

- لم أكن أريد ذلك.

- لماذا؟

أبعدت جوزفين التفاحة عن وجهها لتساعد في توضيح شجبها و قالت:

- لأنك ذهبت و أبلغت الشرطة.

تفاجأْت:

- ها! تقصدين... بخصوص...

- بخصوص العم روجر.

- لكن لا بأس يا جوزفين لا بأس. إنهم يعرفون أنه لم يقترف ذنباً، لم يختلس مالاً أو شيئاً كهذا.

نظرتْ جوزفين إليَّ نظرة ساخطة:

- كم أنت غبي!

- إني آسف!

- لست قلقة على العم روجر؛ لكن هذا ليس أسلوب العمل البوليسي. ألا تعرف أنه ينبغي أن لا تخبر الشرطة حتى النهاية؟

- ها! فهمت. إني ىسف يا جوزفين. إني آسف حقاً!

- يجب ان تشعر بالأسف، لقد كنت أثق بك!

قلت لها مرة ثالثة بأنني آسف. بدت جوزفين هادئة، قضمت التفاحة مرتين و قلت لها:

- لكن الشرطة سيكتشفون كل شيء. إنك... إنني... نحن لا نستطيع أن نكتم الأمر طويلاً.

- تقصد لأنه كاد يفلس؟

كانت جوزفين – كعادتها – عالمة بالأمر. و قلت:

- ربما. أظن أن الأمر سيصل إلى ذلك الحد.

- سيتحدثون هذه الليلة: والدي و والدتي و العم روجر و الخالة إيديث. سوف تعطيه الخالة إيديث مالها لكنها لم تأخذه بعد، أما والدي فلا أظنه يعطيه، إنه يقول :((إن كانت روجر قد وقع في مأزق فعليه أن يلوم نفسه، و ما فائدة تبذير المال في مشروع خاسر؟))، كما أن أمي لن ترضى أن تعطيه جنيهاً واحداً لأنها تريد من والدي أن يعطي المال إلى إيديث تومبسون. هل تعرف إيديث تومبسون؟ كانت متزوجة من رجل لم تحبه، و كانت تحب شاباً يدعى بيواترز، و قد نزل من السفينة و سار في شارع مهجور بعد المسرح فطُعِنَ في ظهره.

تعبت مرة أخرى من نضج معلومات جوزفين و الفهم الدرامي الذي قدم جميع الحقائق البارزة بإيجاز. قالت جوزفين:

- إن الأمر يبدو طبيعياً، لكني لا أظن أن المسرحية ستكون كهذه على الإطلاق، سوف تكون مثل جيزبيل مرة أخرى... – و تنهدت – كنت أتمنى أن أعرف لمَ لم تأكل الكلاب راحتيها؟

- جوزفين، هل قلت بأنك متأكدة من هوية القاتل؟

- حسناً؟

- من هو؟

نظرت إلي نظرة ازدراء، فقلت:

- فهمت. لن تخبريني إلا عند الفصل الأخير؟ فإذا وعدتك ألا أخبر المفتش تافيرنر؟

- بل أريد بعض الأدلة الأخرى.

و جعلت تلقي لبّ التفاحة في حوض أسماك الزينة، ثم أضافت قائلة:

- على أية حال ما كنت سأخبرك بذلك لأنك تشبه واطسون في قصص شيرلوك هولمز.

تحملتُ هذه الإهانة و قلت:

- حسناً. أنا واطسون، لكن واطسون عرف أسراراً!

- ماذا عرف؟

- الحقائق، ثم بعد ذلك اجتهد فأخطأ، ألَنْ يكون أمراً مسلياً لك أن أسمع منك ثم ترينني أقوم باستنتاجات خاطئة؟

أُغريتْ جوزفين لحظة، لكنها بعد ذلك هزت رأسها و قالت:

- لا، و على كل حال فأنا لا أحب قصص شيرلوك هولمز... إن أسلوبها قديم و يركب أبطالها عربات تجرها الكلاب!

- و ماذا عن تلك الرسائل؟

- أية رسائل؟

- رسائل لورانس براون و بريندا.

- لقد اخترعتها.

- لا أصدقك.

- نعم، إنها كذبت اخترعتها! إنني أخترع كثيراً أشياء من هذا النوع، فهذا يسليني.

حدقتُ فيها و حدقتْ إليّ:

- اسمعي يا جوزفين: أعرف رجلاً في المتحف البرطاني مطّلعاً على القصص التاريخية. لو سألته: لم لَمْ تأكل الكلاب راحتي جيزبيل فهل تخبرينني عن هذه الرسائل؟

هذه المرة ترددت جوزفين حقاً. ثم في مكان ليس بعيداً انكسر غصن شجرة و أحدث صوتاً حاداً. قالت جوزفين ببرود:

- لا، لن أخبرك.

رضيتُ بالهزيمة. و في وقت لاحق من ذلك اليوم تذكرتُ نصيحة والدي. أما في تلك اللحظة كررت المحاولة:

- حسناً... إنما هي لعبة. أنت لا تعلمين شيئاً.

قدحت عين جوزفين لكنها قاومت الإغراء، نهضتُ و قلت:

- هيا، يجب أن أدخل الآن لأبحث عن صوفيا.

- سأقف هنا.

- لا. لن تفعلي. سوف تدخلين معي.

شددتُها بغلظة حتى تقف على قدميها فتفاجأتْ، احتجّتْ لكنها استسلمت عن طيب خاطر منها، ربما لأنها كانت ترغب ملاحظة ردود فعل أهل البيت عند حضوري.

لم أدرك في تلك اللحظة سرَّ حرصي على اصطحابها معي إلى البيت، و لكن السبب ما لبث أن خطر بالي و نحن ندخل من الباب الأمامي:

كان السبب هو انكسار الغصن المفاجئ!

*****




- 14 -
كانت همسات تُسمع من قاعة الجلوس الكبيرة. ترددت و لكني لم أدخل، تمشيت في الممر و بدافع الغريزة دفعت باباً أخضر. كان الممر من خلفي مظلماً لكن باباً انفتح فجأة مظهراً لي مطبخاً كبيراً مضيئاً.

كان عند الباب امرأة كبيرة في السن، عجوز ضخمة تضع مريلة بيضاء نظيفة حول خصرها السمين، و حين رأيتها عرفت أن كل شيء كان على ما يرام. إنه الشعور الذي يسكن في قلبك من مدبرة المنزل ناني الطيبة. إنني في الخامسة و الثلاثين لكنني أحسست أنني ولد صغير مطمئن في الرابعة من عمره!

و لقد عرفت أن مدبرة المنزل ناني لم نكن قد رأنني من قبل لكنها قال في الحال:

- أنت السيد تشارلز، أليس كذلك؟ ادخل إلى المطبخ و دعني أقدم لك كوباً من الشاي.

كان مطبخاً كبيراً و جميلاً. و جلست إلى الطاولة الوسطى، و أحضرت ناني لي فنجاناً من القهوة و قطعتين من البسكويت على طبق، و أحسسن أنني في الحضانة مرة أخرى: كل شيء كما يرام و لم تعد المخاوف من الطلمة و المجهول تنتابني! قالت ناني:

- ستكون الآنسة صوفيا مسرورة جداً لمجيئك فهي متضايقة.

و أضافت و قد تغير لون وجهها: عجباً! إنهم جميعاً في ضيق.

نظرت ورائي و قلت:

- أين جوزفين؟ لقد دخلت معي!

طقطقت ناني بلسانها استهجاناً:

- إنها تتنصت وراء الأبواب و تدون ما تسمع في ذلك الدفتر الصغير السخيف الذي تحمله حيثما ذهبت. كان يجب أن تذهب إلى المدرسة و تلعب مع أترابها من الأطفال. لقد قلت ذلك للآنسة إيديث و وافقتني، لكن السيد رأى أن تبقى هنا في البيت.

- أظن أنه كان يحبها كثيراً.

- نعم كان كذلك يا سيدي، كان يحبهم جميعاً!

بدا الذهول على وجهي قليلاً و أنا أتعجب لماذا كان حب فيليب لذريته يعبر عنه بصيغة الماضي، و لاحظت تاتي ملامح الدهشة فاحمر وجهها قليلاً:

- عندما قلت :((السيد)) فإنما كنت أعني السيد ليونايدز العجوز.

و أردت أن أجيبها لكن الباب انفتح بقوة و دخلت صوفيا مندفعة. قالت:

- تشارلز..!

ثم أضافت بسرعة تخاطب ناني:

- أنا سعيدة لأنه جاء يا ناني.

- أعلم أنك سعيدة يا حبيبتي.

جمعتْ نانيب الأوعية و حملتها إلى حجرة الغسيل و أغلقت الباب وراءها. نهضتُ و جئت إلى صوفيا فأمسكت ببيدها.

- عزيزتي، إنك ترتجفين! ما الأمر؟

- أنا خائفة يا تشارلز. خائفة!

- يا ليتني أستطيع أن آخذك بعيداً...

ابتعدت عني قليلاً و هزت رأسها:

- لا. هذا مستحيل. يجب علينا أن نواصل حتى النهاية، لكنك تعرف يا تشارلز أنني لا أحب الإحساس بأن أحداً في هذا البيت أراه و أكلّمه كل يوم هو قاتل عديم الإحساس!

لم أعرف كيف أجيبها. إن المرء لا يستطيع أن يقدم تطمينات لا معنى لها لفتاة مثل صوفيا. قالت:

- فقط لو نعرف من هو القاتل...

- هذا أسوأ ما في الأمر.

همست: أتدري ما الذي يخيفني؟ أننا قد لا نعرف أبداً...

كان يمكنني أن أتخيل هذا الكابوس، ربما يظل قاتل العوجز ليونايدز مجهولاً، لكنني تذكرت سؤالاً تعمدت أن أسأله صوفيا، قلت لها:

- أخبريني صوفيا، كم واحداً في البيت كان يعلم أمر قطرة الإيسيرين الخاصة بالعين؟ أقصد أن يعرف أنها عند جدك و أنها كانت قطرة سامة أو قاتلة؟

- فهمت مرادك يا تشارلز، لكن هذا لن يفيد، فكلنا كنا نعرف. كنا نجلس جميعاً ذات يوم مع جدي محتسي القهوة في الدور العلوي بعد تناول الغداء. كان جدي يحب أن نجتمع حوله. و كانت عيناه تؤلمانه كثيراً فأحضرت بريندا الإيسيرين لتنقُط في كل عين قطرة، و قالت جوزفين التي تحب كثرة الأسئلة :((لماذا كتب عليها ((قطرة عين)) و ليس جرعة للشرب؟)) فابتسم جدي و قال:((لو أن بريندا أخطأت و حقنتني إبرة من قطرة العين في يومٍ ما بدلاً من إنسولين فسينقطع نفَسي و يزرّق وجهي ثم أموت؛ لأن قلبي ليس قوياً!))، و قالت جوزفين:((ها!)).
ثم أكمل جدي حديثه فقال:((فعلينا أن نكون على حذر لكيلا تعطيني بريندا حقنة إيسيرين بدلاً من أنسولين، أليس كذلك؟))

و سكتت صوفيا قليلاً، ثم أضافت:

- كنا جميعاً نصغي، هل عرفت؟ سمعنا ذلك جميعاً!

لقد فهمت ذلك حقاً، لكني تذكرت الآن أن العجوز ليونايدز قد زودّهم – صراحة – بمسوّدة خطة لقتله، لم يكن على القاتل أن يرسم خطة أو أن يخترع شيئاً، فقد قد الضحية نفسه أسلوباً سهلاً و بسيطاً يتسبب في موته.

تنهدتُ عميقاً و أدركت صوفيا ما أفكر فيه و قالت:

- نعم. إنه أمر مرعب، أليس كذلك؟

قلت بطء:

- أتعرفين يا صوفيا؟ إني أفكر في شيء واحد لا غير.

- و ما هو؟

- لقد كنتِ على صواب؛ لأن بريندا يستحيل ان تفعلها، لم تكن تستطيع فعل ذلك بتلك الطريقة تماماً، حيث كنتم جميعاً تستمعون و كلكم يتذكر ذلك الموقف.

- لا أدري، أحياناً تكون صامتة!

- كيف تكون صامتة إزاء ذلك كله؟ لا. لا يمكن أن يكون الفاعل بريندا.

ابتعدت صوفيا، سألتني:

- ألا تريد أن تكون بريندا هي القاتلة؟

و ماذا يمكنني أن أقول؟ لم أستطع... لا، لم أستطع أن أقول صراحة: نعم، أرجو أن يكون القاتل بريندا! و لـمَ لم أستطع؟ أشفقت على بريندا، كانت وحدها في جانب و عداء عائلة ليونايدز القوبية كان ضدها صفاً في الجانب الآخر. أهي شهامة؟ نُصرة الضعيف الذي لا يقوى على الدفاع عن نفسه؟

و تذكرتها و هي تجلس على الأريكة في ثوب الحداد الغالي و اليأسُ تسمعه في صوتها و الخوف تراه في عينيها!

رجعتْناني في الوقت المناسب من حجرة الغسيل، و لعلّها أحسّت توتراً بيني و بين صوفيا، قالت باستنكار:

- تتحدثان عن القتل؟ أنصحكما أن تكُفّا عن ذلك و تتركاه للشرطة، إنه عمل بغيض من شأنهم هم و ليس من شأنكما.

- ناني، ألا تدركين أن أحداً من أهل البيت هو القاتل؟

- هذا هراء يا آنسة صوفيا، لم أعد أطيق سماع ذلك. أليس الباب الأمامي مفتوحاً طوال الوقت، كل الأبواب مفتوحة، كأنها تقول للّصوص :((ادخلوا))؟

- لكن الفاعل يستحيل أن يكون لصاً، فلم يُسرق من البيت شيء، ثم لماذا يدخل لص إلى البيت و يسمم إنساناً؟

- لم أقل بأنه لص يا آنسة صوفيا، إنما قلت الأبواب كلها كانت مفتوحة لذلك فأي واحد كان يمكن أن يدخل، لو سألتني عن القتال لقلت بأنهم الشيوعيون.

أومأت ناني برأسها علامة الارتياح، سألها صوفيا:

- و لماذا يريد الشيوعيون قتل جدي المسكين؟

- الناس يقولون بأنهم وراء كل مصيبة، لو لم يكن الشيوعيون فإنهم الكاثوليك، إنهم جميعاً في الخبث سواء.

ذهبت ناني مرة أخرى إلى حجرة الغسيل. ضحكت أنا و صوفيا، و قلت لها:

- إنها عجوز بروتستانتية متعصبة!

- أجل، إنها كذلك. هيا يا تشارلز، تعال إلى غرفة الاستقبال، هناك اجتماع عائلي منعقد. كان موعده هذا المساء لكنه بدأ مبكراً.

- إذن فالأفضل ألا أتدخل يا صوفيا.

- إن كنت ستتزوج فتاة من العائلة فالأحسن أن ترى ما يكون عليه الأمر حين يُنزع القفاز من اليد.

- ما هو موضوع الاجتماع؟

- شؤون روجر، لعلك تعرفها؟ لكن من الخبل أن تظن روجر قد قتل جدي، فقد كان روجر يحبه حباً شديداً!

- في الواقع لم أظنّ أن روجر هو الذي فعلها، كنت أرجّح أنها كليمنسي.

- ذلك فقط لأنني اقنعتك بهذه الفكرة، لكنك مخطئ أيضاً، لا أظن أن كليمنسي لا تهتم و لو قليلاً لو أن روجر خسر كل أمواله. أظنها ستكون سعيدة بذلك، إن لديها رغبةً عجيبة ألا تملك شيئاً! هيا، أدخل.

دخلت مع صوفيا إلى غرفة الاستقبال و سكتت الأصوات التي كانت تتحدث فجأة، و نظر الجميع إلينا.

كانوا جميعاً هناك: فيليب على كرسي كبقير قرمزي بين النافذتين، و وجهه الجميل متجهم حزينٌ كأنه قاضٍ يوشك أن يقطع حكماً، و روجر على مقعد قرب الموقد يجلس منفرج الساقين و ينفش شعره بأصابعه، و ساق بنطاله اليسرى مثنية و ربطة عنقة مائلة، و وجهه محمّر ثائر.

جلست كليمنسي خلفه، و قد بدت نحيلة على كرسي كبير. كانت تنظر بعيداً عن الآخرين كأنما تتفحص صور الحائط بنظرات هادئة. و جلست إيديث على كرسي الجد أريستايد منتصبة و هي تغزل الصوف بحركة سريعة و شفتاها مزمومتان.

و كان أجمل الحاضرين في الغرفة ماجدا و يوستيس. كأنا كأنهما لوحة رسمها فنّان. جلسا معاً على الأريكة: الولد الأنيق أسود الشعر متجهّماً و إلى جانبه ماجدا و ذراعها ممدودة خلف ظهره. دوقة بيت ((ثري غابلز)) في ثوب جميل و إحدى قدميها الصغيرتين ممتدة و هي تلبس الخفّ!

قطب فيليب جبينه:

- إني آسف يا صوفيا، نحن نناقش شؤوناً عائلية ذات خصوصية!

قرقعت صنارتا الآنسة دي هافيلاند و هممتُ أن أعتذر و أخرج لكن صوفيا سبقتني و قالت بوضوح و تصميم:

- أنا و تشارلز سنتزوج، و أريده أن يكون هنا.

قفز روجر من مقعده فجأة و صاح:

- و لم لا؟ كنت أقول لك يا فيليب إنه لا يوجد شيء خاص في هذا الأمر، لسوف يعلمه الناس جميعاً غداً أو بعد غد!

و جاء و وضع يده على كتفي بتودد:

- يا ولدي العزيز، أنت تعلم كل شيء عنه، كنت هناك هذا الصباح.

صاحت ماجدا و هي تنحني:

- أخبرني، كيف هي سكوتلاند يارد؟ إن المرء يتساءل عن ذلك كثيراً... طاولة؟ مكتب؟ كراسي؟ كيف ستائرها؟ أظن أنه لا يوجد زهور فيها أو مسجّل؟

قالت صوفيا: ضعي له مشهداً كوميدياً، و على كل حال فقد أمرتِ فافاسور جونز أن يحذف مشهد سكوتلانديارد ذاك؛ لأنه يهبط بالمسرحية – حسب قولك – هبوطاً مفاجئاً.

ماجدا: إنه يجعلها تشبه المسرحية البوليسية كثيراً!

سألني فيليب محتداً:

- هل كنت هناك هذا الصباح؟ لماذا؟ أوه! والدك...

قطب جبينه. فهمت أكثر من ذي قبل أن حضوري لم يكن مرغوباً فيه لكن يد صوفيا كانت تقبض على ذراعي.

حركت كليمنسي كرسياً إلى الأمام و قالت:

- اجلسْ من فضلك!


نظرت إليها نظرة امتنان و وافقت على دعوتها.

و قالت الآنسة دي هافيلاند قولاً عرفت منه أنها كانت تواصل الحديث الذي كانوا فيه:

- قل ما تشاء، لكنّ علينا أن نحترم رغبة أريستايد. حين يتمّ تسوية أمر الوصية هذه فنصيبي كله تحت تصرفك يا روجر.

شد روجر شعره بقوة و صاح:

- لا يا خالتي إيديث. لا!

فيليب: يا ليتني أستطيع أن أقول نفس الشيء، لكنّ على المرء أن يحسب لكل شيء حسابه...

- ألا تفهم يا عزيزي فيل؟ لن آخذ بنساً واحداً من أحد منكم.

صاحت كليمنسي فجأة:

- إنه لا يستطيع بالطبع.

ماجدا: على أية حال يا إيديث، إذا تم تقسيم الوصية فسوف يأخذ نصيبه.

يوستيس: و لكن ربما لا يتم تقسيمها غلآن، أليس كذلك؟

فيليب: أنت لا تعلم شيئاً عنها يا يوستيس.

صاح روجر:

- الولد على صواب. لقد وضع أصبعه على الجرح! لا شيء سوف ينقذني من الكارثة، لا شيء!

كليمنسي: لا أرى شيئاً يستحق النقاش في الحقيقة.

روجر: على أية حال فلا شيء يهمني!

ضم فيليب شفتيه ثم قال:

- كنت أظن أنه يهمك كثيراً يا روجر.

- لا لا، و ماذا يهمني بعد أن مات أبي؟ و ها نحن نجلس هنا نناقش فقط شؤون المال!

احمرت جنتا فيليب الشاحبات قليلاً و قال بثبات:

- إننا نحاول المساعدة فقط.

- أعرف يا فيل، أعرف، و لكننا لا نستطيع أن نفعل شيئاً. دعنا نَقُلْ بأنه لم يبق سوى يوم واحد.

- أظن أنني أستطيع جمع مقدار من المال، لقد تدهورت السندات المالية كثيراً، و بعضٌ من رأس المال مشتغل في استثمارات معينة فلا أستطيع أخذها، فهي سداد لديون ماجدا و لكن...

أدركته ماجدا بسرعة:

- إنك لن تستطيع جمع المال يا عزيزي. سيكون سخيفاً أن تحاول، كما أنه ظلم للأطفال.

فصاح روجر:

- لقد أخبرتكم أنني لا أطب شيئاً من أحد منكم/ لقد بحّ صوتي و أنا أقول لكم ذلك. إنني راضٍ تماماً أن تأخذ الأمور مجراها.

- إنها مسألة سمعة اجتماعية، سمعة والدي و سمعتنا.

- لم يكن هذا من شأن العائلة، بل كان شأني أنا وحدي.

قال فيليب و هو ينظر إليه:

- أجل، كان شأنك وحدك.

نهضت الآنسة دي هافيلاند و قالت و في صوتها نبرة هيمنة تؤثر في الحاضرين:

- اظن أننا ناقشنا هذا بما فيه الكفاية.

و نهض فيليب و ماجدا، و خرج يوستيس من الغرفة في كسل، و لاحظت الغرور في مشيته العرجاء: لم يكن أعرج لكن مشيته عرجاء.

تأبّط روجر ذراع فيليب و قال:

- إنك حلو المعشر يا فيل و إن يكن تفكيرك هكذا!

خرج الأخوان معاً و همست ماجدا و هي تتبعتهما:

- يالها من جلبة!

أما صوفيا فانصرفت قائلة إنها ستتدبر أمر غرفتي.

وقفت إيديث دي هافيلاند تجمع صوفها. نظرتْ إليّ فظننت أنها تريد محادثتي، كانت نظراتها توحي أنها تستغيث لكنها غيرت رأيها و تنهدت و خرجت في عقب الذي قبلها.

وقفت كليمنسي عند النافذة تطلّ على الحديقة، جئتُ إليها فاتلتت و قالت:

- الحمد لله. اللقاء انتهى!

و أضافت بنفور: إنها غرفة عجيبة!

- ألا تحبينها؟

لا أستطيع أن اتنفس و أنا فيها، فرائحة الزهور المقيتة و الغبار دائماً فيها!

لا أظن أنها كانت عادلة في وصف الغرفة، لكني فهمت ماذا قصدت، كانت تقصد حتماً ما بداخل الغرفة. كانت غرفة غريبة، مريحة للنظر، مغلقة، لا بييعتريها تقلّب الجو السيء في الخارج. و لم تكن غرفة يكون الرجل فيها سعيداً لو مكث فترة طويلة، فأنت لا تستطيع أن تستريح فيها و تقرأ صحيفة و تدخن بالغليون و تمدّ قدميك. ومع ذلك كنت أفضلها على غرفة كليمنسي البسيطة المجردة من الأثاث في الطابق العلوي، و بالجملة فأنا أفضل حجرة الجلوس على قاعة العمليات التدريبية في مستشفى.

نظرت كليمنسي حولها و قالت:

- إنها خشبة مسرح، لوحة خلفية من أجل ماجدا لتمثل عليها المشاهد، شارلز، هل عرفت ما كنا نؤديه قبل قليل؟ المشهد الثاني. الاجتماع السري العائلي، لقد رتبته ماجدا، لم يكن يعني شيئاً إذ لم يكن ثمّة شيء نتحدث فيه أو نناقشه، كل شيء تمت تسويته... انتهى.

لم يظهر الحزن في صوتها، بل الرضى، و رأتْني و أنا أنظر إليها، فسألتني بعجلة:

- ألا تفهم؟ أخيراً أصبحنا أحراراً! ألا تفهم أن روجر كان بائساً... بائساً تماماً... منذ سنوات عدة؟ لم يكن يرغب في العمل. إنه يحب أشياء مثل الخيول و الأبقار، و يحب التسكع في الأرياف. لكنه كان يعشق والده، و كلهم كانوا مثله، و لم يكن العجوز طاغية و لم يؤذِهم أبداً، و هم بقوا مخلصين له. هذا هو الأمر غير الطبيعي في هذا البيت... عائلة كبيرة جداً..

- أهذا شيء غير طبيعي؟

- اعتقد ذلك. أعتقد أنه عندما يكبر أطفالك، فيجب أن تبتعد عنهم و تطلق سراحهم و تجبرهم على نسيانك.

- أجبرهم؟ هذه قسوة، أليس كذلك؟ أليس الإكراه عملاً سيئاً؟

- لو لم يصنع من نفسه تلك الشخصية...

- لا أحد يملك أن يصنع من نفسه شخصية. لقد كان قوي الشخصية بطبيعته.

- كانت شخصيته مؤثرة في روجر حتى العبادة! كان روجر يفعل كل ما يأمره أبوه، و كان يسعى أن يكون الولد الذي يريده والده، و لم يستطع! نقل إليه مليكية شركة التجهيز الغذائي التي كانت سبب متعة العجوز و فخره، و اجتهد روجر أن يتبع خطى أبيه لكنه لم يفلح! لم يكن يمتلك تلك القدرة فهو غبيفي الإدارة. أجل، أقولها صراحة و قد أوشكت أن أجرحه... إنه بائس! مكث سنينُ يكافح و يرى المصلحة كلها تنهار، و تخطر باله أفكار ((رائعة)) فجأة و خطط كانت دائماً تضلّله الطريق و تزيد أمره سوءاً في كل يوم! كم هو مفزع أن تشعر أنك لا تجني غير الفشل سنة بعد أخرى! أنت لا تعلم كيف كان روجر بائساً، إنما أنا أعرف!

و التفتت مرة أخرى و واجهتني:

- خمنت أنك اقترحت على الشرطة أن روجر ربما قتل والده من أجل المال. كم يبدو هذا سخيفاً!

قلت بتواضع:

- لقد أدركت الآن أنه سخيف.

- حين علم روجر أنه لا يستطيع أن يدرأ عن نفسه الكارثة و أنها متحققة الوقوع أحس بالارتياح. نعم أحس بذلك. كان منزعجاً لأن والده عرف الأمر و ليس لأي سببٍ آخر، و كان يتطلع إلى الحياة الجديدة التي كنا سنعيشها.

ارتعش وجهها و سكن صوتها!

- أين كنتما سترحلان؟

- إلى جزر البارْبادوس. مات ابن عم لي بعيد قبل زمن قصير و ترك عقاراً صغيراً هناك، ليس بالشيء الكثير لكنه مكان كنا نذهب إليه. كنا سنصبح فقراء بائسين لكننا نكدّ في طلب العيش، و تكلفة العيش هناك زهيدة جداً. كنا سنعيش معاً دون قلق بعيداً عنهم جميعاً!

تنهدْت.

- إن روجر رجل عجيب. كان سيقلق عليّ من الفقر، ففي ذهنه موقف عائلة ليونايدز نفسها من المال. عندما كان زوجي الأول حياً كنا فقيرَيْن جداً، و رأى روجر أن زواجه مني هو جرأة رائعة، لكنه لم يدرك أنني كنت سعيدة و لقد فقدتُ السعادة منذ ذلك الوقت!.. لم أحب ريتشارد أبداً كما أحب روجر!

و أغمضت جفنيها قليلاً ثم نظرْ إلي، و أدركت حدّة شعورها حين أضافت قائلة:

- و لذلك فأنت ترى، ما كنت لأقتل أحداً من أجل المال. لا يغريني المال!

كنت متأكداً أنها تعني ما تقول. كانت كليمنسي ليونايدز من القلّة الذين لا يهمهم المال. إنها تكره الرفاهية و تحب الزهد و التقشف و تنظر إلى الأملاك نظرة ارتياب. و مع ذلك فهناك الكثير من الناس الذين لا يجذبهم المال و لكن القوة التي يمنحها المال لهم تغريهم!

قلت لها:

- لعلك لم تكوني تطلبين المال لنفسك، لكنّ المال إن صُرف بحكمة فعل الأعاجيب. ماذا لو وُضع للأبحاث مثلاً؟

كنت أشك أن كليمنسي كانت ذات طريقة غريبة في التفكير بالنسبة لعملها لكنها قالت:

- أشك أن وقف الأموال على الأبحاث ينفع كثيراً. إن الأموال تُصرف في الطريق الخطأ. الأشياء الهامة ينجزها عادةً أناس متحمسون ذوو رؤية واقعية. إن المعدات الغالية و التدريب و التجارب ليست أساساً في الإنجاز كم تظن؛ لأن الأيدي التي تستعملها غالباً غير أمينة!

- و هل تتركين عملك إذا سافرتِ إلى الباربادوس؟ أظنك مازلتِ ترغبين في الرحيل.

- أوه، نعم. ساعة يأذن لنا الشرطة بذلك... لا، لن أهتم أن أدع عملي بتاتاً، و لمَ أهتم؟ لم أكن أحب أن أكون عاطلة عن العمل، لكني لن أكون عاطلة عنه و أنا في الباربادوس. يا ليت هذا الأمر يتمّ كله بسرعة فنرحل!

- كليمنسي، أليست لديك فكرة عمن يمكن أن يكون قد ارتكب الجريمة؟ إذا كنت أنت و روج غير متورطَيْن – و أنا أرى في الحقيقة سبباً يدعوني لأظن ذلك – فإنك بذكائك بالتأكيد قد علمت شيئاً عمن فعلها، أليس كذلك؟

نظرتْ إلي نظرة غريبة حادة من طرف عينيها و حين نطقت كان صوتها فقد عفويته، و لعلّها كانت مرتبكة بعض الشيء.

قالت: المرء لا يستطيع أن يخمّن... هذا غير علمي. فقط أقول بأن بريندا و لورانس هما المشبوهان كما يبدو، و لا أزيد.

- إذن فأنت تشكّين فيهما.

هزّت كتفيها استهجاناً، و وقفت لحظة كأنها تستمع، ثم خرجت من الغرفة مارةً بلإيديث دي هافيلاند عند الباب، و جاءت إليّ إيديث و قالت:

- أريد التحدث إليك.

وَثَبَتْ كلمات والدي إلى ذهني. هل كان هذا... لكن إيديث دي هافيلاند كانت مستمرة في حديثها.

قالت: أرجو ألا تكون أخذت الانطباع الخاطئ. أقصد عن فيليب، فهو رجلٌ يصعب فهمه. قد يبدو لك متحفظاً و فاتراً لكن الأمر ليس كذلك على الاطلاق، إنها فقط عادة لا يمكنه التخلي عنها.

قلت:

- إنني في الحقيقة لم أفكر...

لكنها اندفعت تقاطعني قائلة:

- الآن فقط... بشأن روجر. إنه لم يضنّ على أخيه بالمال، لم يكن أبداً بخيلاً بالمال، و هو – في الحقيقة – رجل محبوب. كان دائماً رجلاً محبوباً لكنه لا يجد من يفهمه!

نظرت إليها نظرت من يرغب أن يفهم، و أكملتْ:

- لعلّ سبب ذلك أن فيليب هو الولد الثاني في العائلة، هناك في الغالب شيء يتعلق بالطفل الثاني. لقد أعطاهما أبوهما فرصة متساوية، و كان روجر يحب والده كثيراً، و كل أفراد العائلة كانوا يحبون أريستايد و هو أحبهم كذلك، أما روجر فكان مصدر فخره و فرحه الخاصين؛ لأنه الأكبر و الأول، و أعتقد أن فيليب أحسّ بذلك فعكف على نفسه و جعل يبحث في الكتب و الماضي و أشياء لا تتصل بالحياة اليومية. أظن أنه عانى، و كم يعاني الأطفال!

سكتت قليلاً، ثم أضافت:

- الذي أعنيه في الحقيقة أنه كان يغار دائماً من روجر، و ربما لم يكن يدرك ذلك في نفسه، لكني أظن أن موقفه بخصوص فشل روجر في عمله... أنا متأكدة أنه لم يكن يدرك ذلك، لكن الذي أريد قوله أنّ فيليب ربما لم يكن يأسف على أخيه كما كان يجب.

- أي أنه كان مسروراً لأن روجر قد أخفق في عمله؟

- أجل، أعني هذا تماما... – و عبستْ قليلاً – ... لقد آلمني أنه لم يعرض على أخيه المساعدة فوراً!

- و لماذا يفعل؟ إن روجر أفسد الأمور. إنه رجل ناضج و ليس له أطفال كي يفكر في مستقبلهم، لو كان مريضاً أو كان في عوزٍ حقيقي لكانت عائلته ستساعده بالطبع، لكني أجزم أن روجر يفضل أن يبدأ حياة جديدة تماماً على عاتقه هو.

- أوه! كاد يفعل ذلك. لا يهمه إلا كليمنسي، و كليمنسي مخلوق غير طبيعي: تحب كثرة التنقل و أن يكون لها كوب شاي واحد تشرب به. لعلها امرأة عصرية لا تفهم الماضي و لا الجمال!

أحسست بأن عينيها الداهمتين تمعنان النظر فيّ. قالت:

- هذه محنة قاسية لصوفيا. إنني آسفة جداً لأن شبابها سيذبل بسبب هذا الأمر. إنني أحبهم جميعاً: روجر و فيليب، و الآن صوفيا و يوستيس و جوزفين. أحب الأطفال كلهم. أجل، أحبهم كثيراً!

و سكتت قليلاً ثم أضافت بحدة:

- لكني أذكرك بأن الحب أعمى.

و استدارت فجأة و ذهبت. لا بد أنها عَنَتْ بكلمتها الأخيرة شيئاً محدداً، لكني لم أفهمه تماماً!

*****


يتبع

MA7MOUD
10-25-2010, 11:43 PM
<!--[if gte mso 9]><xml> <w:WordDocument> <w:View>Normal</w:View> <w:Zoom>0</w:Zoom> <w:PunctuationKerning/> <w:ValidateAgainstSchemas/> <w:SaveIfXMLInvalid>false</w:SaveIfXMLInvalid> <w:IgnoreMixedContent>false</w:IgnoreMixedContent> <w:AlwaysShowPlaceholderText>false</w:AlwaysShowPlaceholderText> <w:Compatibility> <w:BreakWrappedTables/> <w:SnapToGridInCell/> <w:WrapTextWithPunct/> <w:UseAsianBreakRules/> <w:DontGrowAutofit/> </w:Compatibility> <w:BrowserLevel>MicrosoftInternetExplorer4</w:BrowserLevel> </w:WordDocument> </xml><![endif]--><!--[if gte mso 9]><xml> <w:LatentStyles DefLockedState="false" LatentStyleCount="156"> </w:LatentStyles> </xml><![endif]--><!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"جدول عادي"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]-->
- 15 -
قالت صوفيا:

- غرفتكَ جاهزة!

وقفت جنبي تنظر من النافذة إلى الحديقة التي ظهرت كئيبة و جرداء في هذا الوقت، بالأشجار نصف العارية التي كانت تتمايل مع الريح. قالت صوفيا:

- تبدو مُقفرة!

و بينما كنا ننظر هناك إذ خرج من خلال سياج الحديقة شخصٌ يتبعه آخر. كان الاثنان يبدوان سبحين في الضوء الخافت. و كانت بريندا ليونايدز هي الشخص الأول.

كانت بريندا تتلفع بمعطف رمادي صوفيّ، و كانت تتحرك خلسة كالقطة، فقط انسلت تحت ستر الشفق برشاقة غريبة. و رأيت وجهها عندما مرت أمام النافذة، كانت شبه مبتسمة تلك الابتسامة الخادعة التي لاحظتها في الطابق العلوي. قم، بعد ذلك بضع دقائق، أطل لورانس براون نحيفاً مذعوراً يتسلل خلال الشفق أيضاً.

لم يكونا مثل اثنين يتمشيان أو شخصين خرجا للتنزه معاً، كان هناك شيء مريب و غامض في حركتهما. هل كان الغصن المقصوف قد انقصف تحت قدم بريندا أو لورانس؟ و بربط منطقي للأفكار قلت:

- أين جوزفين؟


- ربما في قاعة الدرس مع يوستيس...

و قطبت جبينها و قالت:

- إني قلقة على يوستيس يا تشارلز!

- لماذا؟

- إنه غريب الأطوار متقلب المزاج، و قد تغيرت حاله منذ ذلك الشلل الفاجع، لا أستطيع أن أعرف تماماً ماذا يدور في ذهنه؟ يبدو أحياناً أنه يكرهنا جميعاً.

- سيكبر و تتغير حاله... إنها مجرد مرحلة عابرة.

- أظن ذلك لكنني قلقة جداً يا تشارلز.

- لماذا يا حبيبتي؟

- لأن أمي و أبي لا يقلقان أبداً، إنهما ليسا كأس أم و أب آخرين.

- ربما كان هذا أفضل؛ لأن أكثر الأطفال يعانون من تدخّل الوالدين.

- أجل، أنا لم أفكر في هذا حتى رجعتُ من الخارج، لكنهما في الحقيقة زوجان غريبان: والدي يعيش في عالم تاريخي غامض مجهول، و والدتي تعيش وقتاً ممتعاً في خلق المشاهد، و ما تلك السخافة التي شاهدتَها هذا المساء من غير حاجة و لا ضرورة إلا من اختلاق والدتي. إنما أرادت أن تمثل مشهداً لاحتماعٍ عائلي سري؛ إنها تشعر بالملل هنا فتحاول أن تصنع تمثيلية!

في تلك اللحظة تخيلت ماجدا و هي تسمم حماها العجوز دون اهتمام لكي تشاهد تمثيلية في جريمة قتل تقوم هي بلعب الدور الرئيسي فيها: كانت فكرة مسلية! صرفتُ التفكير عنها لكنها لبثت تخيفني بعض الشيء.

و قالت صوفيا:

- كان ينبغي أن تلقى أمي العناية طوال الوقت، فلا أحد أبداً يعرف ماذا تنوي أن تفعل؟

قلت لها بقوة:

- انسي أمر عائلتك يا صوفيا.

- سأكون مسرورة لو فعلتُ ذلك، لكن هذا صعب نوعاً ما في الوقت الحالي. لقد كنت سعيدة في القاهرة عندما نسيتهم جميعاً.

تذكرت كيف أن صوفيا لم تذكر أبداً شيئاً عن بيتها و أهلها و هي هناك و سألتها:

- هل كان هذا هو السبب الذي جعلك لا تتحدثين عنهم؟ ألأنك كنت تريدين نسيانهم؟

- نعم. كنا نعيش جميعاً متعاونين، نحب بعضنا كثيراً. لم نكن كبعض العائلات التي يكره أفرادها بعضهم بعضاً كراهيتهم للسم. لا بد أن ذلك سيء جداً لكن الأسوأ أن تعيش في ظل مشاعر متضاربة و متشابكة.

ثم أضافت بعد سكوت قصير:

- أعتقد أن هذا ما عنيته عندما قلت أننا كنا جميعاً نعيش مع بعضنا في بيت صغير مائل. لم أكن أقصد بذلم أنه كان مائلاً بالمعنى الخادع للكلمة. أعتقد أن ما كنت أعنيه هو أننا لم نكن قادرين على أن نكبر مستقلين و نعتمد على أنفسنا بطريقة مستقلة كأننا كنا نعاني من التواء أو انحراف.

و رأيت إيديث دي هافيلاند تطحن بكعب حذائها بعض اللأعشاب الممتدة على الممر بينما كانت صوفيا تضيف قائلة:

- مثل اللبلاب!

و فجأة فتحت ماجدا الباب بعنف و دخلت و هي تصيح:

- حبيبيّ، ألا تنيران الأضواء؟ إن المكان مظلم.

ثم ضغطت الأزرار فأنارت مصابيح الحيطان و الطاولات، و أسدلنا نحن الثلاثة الستائر الوردية الثقيلة فأصبحنا في جو يوحي بالأزهار. صاحت ماجدا و هي تلقي بنفسها فوق الأريكة:

- يا له من مشهد! كم كان يوستيس غاضباً! لقد ساءه المشهد كثيراً. كم هم غرباء هؤلاء الأولاد! – تنهدتْ – إن روجر رجل محبوب. أنا أحبه عندما ينكش شعره و يبدأ بإلقاء أشيائه على الأرض! ألم يكن لطفاً من إيديث أنْ عرضتْ عليه نصيبها من التركة و قد كانت صادقة حقاً فلم يكن عرضها حركة ما؟ لكنه عرض أحمق، فلعلها قد جعلت فيليب يظن أن عليه أن يفعل مثلها هو الآخر. إن إيديث تفعل أي شيء من أجل العائلة. إن في حب العانس لأولد أختها شيئا محزنا. يوماً من الأيام سأمثل دور واحدة من الخلات العوانس المخلصات... إنهن فضوليات عنيدات و مخلصات.

قلتُ محاولاً أن أغير حديث ماجدا عن أدوارها:

- لابد أن وفاة أختها كانت قاسية عليها، أقصد إن كانت تكره العجوز ليونايدز كثيراً جداً...

قاطعتني ماجدا:

- تكرهه؟ من أحبرك بهذا؟... هراء. بل كانت تعشقه.

قالت صوفيا:

- أمي!

- لا تحاولي أن تعارضيني يا صوفيا. من الطبيعي أنك في مثل سنك تعتقيدن أن الحب يقع فقط بين شابين جميلين.

- لقد أخبَرتْني يا سيدتي أنها كانت تكرهه.

- ربما كانت تكرهه عندما جاءت هنا أول مرة؛ لقد كانت غاضبة من أختها أنها تزوجتْه فصار بينهما تنافر، لكنها كانت تعشقه بلا ريب. إنني – يا عزيزتي – أعلم ما أقول. أريستايدو لم يستطع بالطبع الزواج منها لأنها أخت زوجته الميتة، و أعتقد أنه لم يفكر بهذا الأمر أبداً، و لا هي فكّرت فيه حسب ظني. لقد كانت سعيدة برعاية الأطفال و الشجار معهم لكنها لم تكن سعيدة عندما تزوج بريندا، لم تحب ذلك أبداً.

قالت صوفا:

- و لا أنت أحبت ذلك و لا أبي.

- كرهنا ذلك جميعاً، و هذا أمر طبيعي، لكن إيديث كرهت زواجه أكثر منا كلنا، يا ليتك رأيتِها و هي تنظر إلى بريندا!

- أمي!

نظرت ماجدا إلى ابنتها نظرة تودد فيها شعور بالإثم، ثم أكملت حديثها دون ترابط:

- لقد قررتُ أن أرسل جوزفين إلى المدرسة.

- جوزفين؟ إلى المدرسة؟

- نعم، إلى سويسرا. سأبحث الأمر غداً. كنت أحسب أنمنا نستطيع أن نبعثها فوراً، فمن السيء أن تعيش في جو فظيع كهذا. لقد أصبحت كئيبة جداً بسببه. إنها بحاجة لمصاحبة الأطفال في مثل سنها... حياة مدرسية. كنت أفكر فيها كثيراً!

قالت صوفيا ببطء:

- لم يُرِدْ جدي لها أن تدخل في المدرسة، كان ضد هذه الفكرة!

- كان عزيزنا العجوز الجميل يحب أن نكون جميعاً حوله، و هذه أنانية الشيوخ غالباً، فالطفلة تحبّ أن تكون بين أطفال، كما أن في سويسرا رياضات الشتاء، و هي مكان صحي تماماً، و فيها هواء عليل و الطعام هناك أفضل بكثير من الطعام الذي عندنا!

- أليس سفرها إلى سويسرا صعباً مع القيود المفروضة على تحويل العملة هذا الأيام؟

- هذا هراء يا تشارلز. للنفاقات التعليمية استثناء خاص، أو يمكن تبادل نفقتها بنفقة طفلة سويسرية هنا، و لذلك طرق كثيرة. إن رودُلف أليستير في لوزان، و سوف أَبرق له غداً ليُهيّء كل شيء و نبعثها في نهاية هذا الأسبوع.

ضربت ماجدا وسادة وابتسمت لنا و قامت نحو الباب. وقفت لحظة و هي تنظر إلينا بطريقة ساحرة و قالت:

- الصغار أولاً. و فكرا يا حبيبيّ في الأزهار و في النرجس.

علّقت صوفيا باستنكار:

- و لكننا في تشرين الأول؟!

لكن ماجدا كانت قد ذهبت.

تنهدت صوفيا:

- أمي تُغيظ النفس بهذه الأفكار المفاجئة، و تبعث آلاف البرقيات، و تريد أن يتم كل شيء في لحظات! لـمَ هذه العجلة في إرسال جوزفين إلى سويسرا؟

- ربما يكون في فكرة المدرسة صلاحٌ لجوزفين و هي بين أترابها من الأطفال!

- جدي لم يكن يعتقد ذاك.

شعرتُ بعض الغيظ:

- عزيزتي صوفيا، هل تصدقين حقاً أن رجلاً عجوزاً أربى على الثمانين هو أفضل من يحكم بمصلحة طفل؟

- كان أفضل حكم تقريباً لأي شخص في هذا البيت؟

- أكان خيراً من خالتك إيديث؟

- ربما لا. كانت خالتي تفضل المدرسة لجوزفين. جوزفين ذات خصالٍ صعبة أحياناً، لقد اكتسبت صفة التطفّل القبيحة، لكني أظن هذا بسبب قيامها بتمثيل أدوار رجال التحري!

تساءلن: تُرى، لماذا رأتْ ماجدا فجأة إرسال جوزفين؟ أهو اهتمام بصالح جوزفين؟ جوزفين كانت على علك تاكّ بكل ما جرى قبل الجريمة و لم يكن ذلك من شأنها حتماً، و ربما تفيدها الحياة الصحية في المدرسة مع وجود الكثير من الألعاب فائدة كبيرة. لكنني تعجبت فعلاً من المفاجأة و الإصرار في قرار ماجدا، فقد كانت سويسرا بلداً بعيداً!

*****




- 16 -
كان أبي العجوز قد أوصاني فقال:((دعهم يتحدثون إليك)).

و بينما كنت أحلق لحيتي في صباح اليوم التالي جعلتُ أفكر فيما وصلت إليه من هذا الأمر:

((تحدثت إيديث دي هافيلاند معي، و قد بحثت عني في الخارج عمداً لهذا الغرض. و تحدثت كيمنسي. و تحدثت معي ماجدا – بشكل أو بآخر – لأنني كنت واحداً من مَشَاهِدِ مسرحياتها. و من الطبيعي أن صوفيا قد تحدثت معي، و حتى ناني فعلت ذلك. فهل كنت مدركاً ما عملته منهم جميعاً؟ هل كانت كلمة أو جملة ذات دلالة ما؟ و هل رأيت دليلاً على ذلك الغرور الشاذ الذي ألحّ عليه والدي؟ كلا، لم أر مثل ذلك الدليل.

كان الرجل الوحيد الذي لم يرغب – دون شك – في الحديث معي بأية طريقة و في أي شأن هو فيليب، أفلمْ يكن شذوذاً؟ لا بد أنه عرف أنني أريد الزواج من ابنته و مع ذلك مضى في تصرفه كأنني لم أكن موجوداً على الإطلاق. أظنه كان مستاءاً من حضوري هناك، و اعتذرتْ لي إيديث عنه و قالت بأن هذه هي ((عادته))، أرادت أن تظهر أنها معنية بفيليب، لماذا؟

فكرا في والد صوفيا... رجل مكبوت حقاً، و كان في طفولته بائساً غيوراً، فلما صار رجلاً انطوى و اعتزل و غاب في عالم الكتب، في التاريخ الماضي. الفتور و التحفظ ربما يخفيان عنده إحساساً كبيراً بالسخط.

إن دافع كسب المال من موت والده لم يقنعني، لا أظن – لحظة واحدة – أن فيليب ليونايدز يقتل أباه لأجل المال، و لكن: هل كان يوجد دافع نفسي خفي؟ عاد فيليب ليعيش في بيت والده، ثم إثر الغارة الجوية جاء روجر فنشأ في نفس فيليب الحسد لأخيه أن يكون هو المحبوب عند والده. هل خطر في دهنه المعذّب أن الراحة و الخلاص هما في موت العجوز و أن هذا الموت سوف يُجرِم أخاه الأكبر؛ لأن روجر كان يعوزه المال؟ هل يكون فيليب قد اعتقد – و هل لا يعلم شيئاً عن آخر لقاء بين روجر و أبيه و عرض الأخير المساعدة على روجر – أن الدافع يبدو قوياً جداً يجعل روجر مشبوهاً من الفور؟ هل كان اضطراب فيليب النفسي يدفعه للجريمة؟

جرحت الشفرة ذقني!

ما الذي كنت أحاول عمله؟ أأكون أردت أن أوقع والد صوفيا في جريمة القتل؟ هل كان هذا شيئاً حسنا لأفعله؟ كلا، لم تردْ صوفيا أن آتي لأجل هذا... أم أن ذلك هو ما ارادته؟ لقد كان في مناشدة صوفيا كي أجيء شيء ما. لو بقي في رأسها بقية اشتباه في والدها أنه هو القاتل إذن فلن ترضى بالزواج مني أبداً، و لأنها صوفيا الجريئة الحصيفة فقد أرادت كشف الحقيقة لكيْلا يكون الغموض سوراً منيعاً بيننا.

ألم تكن صوفيا تقول لي :((أثبت أن هذا الشيء المفزع الذي أتخيله ليس صحيحاً، و إن كان صحيحاً فاكشف لي حقيقته حتى أعلم الأسوأ و أواجهه))؟

هل تعرف إيديث دي هافيلاند أن فيليب مذنب أم تشك فيه؟ ما الذي تعنيه ((بالحب الأعمى))؟

وَ... كليمنسي: ماذا كانت تعني بنظراتها الغريبة إليّ حين سألتها فيمن تشتبه فقالت :((أقول بأن لوراني و بريندا هنا المشبوهان و لا أزيد))؟

كانت العائلة كلها تشتاق أن يكون القاتل لورانس و بريندا، لكنهم – في الحقيقة – يكادون يعلمون يقيناً أن هذا غير صحيح.

و قد تكون العائلة كلها مخطئة، ربما يكون الفاعل هو بريندا و لورانس، أو ربما يكون لورانس من دون بريندا، و هذا حلّ أفضل كثيراً.

ضمّدت جرح ذقني و نزلت إلى الإفطار و أنا عازم أن أقابل لورانس براون في أسرع وقت.

لقد تبيّن لي و أنا أشرب فناجان القهوة الثاني أن البيت المائل قد أثّر فيّ أنا الآخر، فأنا أيضاً كنت أسعى وراء الحلّ ((المناسب)) أكثر من الحل ((الحقيقي)).

ذهبت بعد الإفطار عبر القاعة و صعدت الدرج حيث يعلّم لورانس يوستيس و جوزفين في قاعة الدرس.

ترددت و أنا عند مصطبة الدرج عند باب جناح بريندا... هل أقرع الجرس و أطرق الباب أم أدخل مباشرة؟ قررت أنا أتعامل مع البيت كبيت ليونايدز المتكامل و ليس كمسكن بريندا الخاص.

و فتحت البا و دخلت.

كان كل شيء هادئاً و لا أحد هناك. عن يساري كان باب قاعة الاستقبال الكبيرة مغلقاً، و عن يميني رأيتُ بابيْن مفتوحين يؤديان إلى غرفة نوم و حمام. عرفت أن هذا الحمام هو حمام غرفة أريستايد ليونايدز حيث يحفظ الإيسيرين و الأنسولين.

الشرطة كانوا قد أنجزوا عملهم هناك. فتحتُ الباب و دخلت فأدركت كم هو سهل أن يصعد أي أحدٍ في البيت أو من خارجه إلى هنا و يدخل الحمام و لا يراه أحد!

وقفت في الحمام أنظر حولي. كان مجهزاً تجهيزاً مترفاً برقائق الفلّين البراق و حوض عميق و أجهزة كهربائية مختلفة و طبق حارّ من تحته سخّان، و غلاّية و طنجرة كهرباية صغيرة، و محمصة كهربائية، و كلّ شيء قد يحتاج إليه عجوز!

و كان على الحائط خزانة بيضاء مزخرفة. فتحتها فرأيت فيها أجهزة طبية و كأسين للأدوية و غاسل عين و قطرة عين و قوارير مكتوباً عليها إرشادات. و رأيت أسبريناً و مسحوق البوريك و يوداً و ضمادات لاصقة و غيرها.

و على رفّ آخر كان مخزون الأنسولين المكدّس، و إبرتان للحقن و زجاجة مطهّر. و على رف ثالث زجاجة مكتوب عليها: ((أقراص.. حبة أو حبتان في الليل عند اللزوم)).

لا شك أن قطرة العين كانت على هذا الرف الثالث. كان كل شيء واضحاً منظماً يسهل على أيب واحد الوصول إليه إذا أراد الإعداد لجريمة قتل!

كنت أستطيع أن أفعل ما أشاء في الزجاجات ثم أخرج بهدوء و أنزل إلى الطابق السفلي مرة أخرى من غير أن يشعر بي أحد!

ما أصعب مهمة الشرطة!

لا أحد يستطيع أن يجد ما يبحث عنه إلا المجرم نفسه!

تافيرنر كان قد قال لي: ((ضايقْهم. اجعلهم في نشاط دائم. أوْحِ إليهم أننا على وشك كشف الحقيقة. أعلنْ ما نفعله بينهم فإن فعلنَا ذلك فإن مجرمنا سوف يملّ انزواءه و يحاول أن يكون أشد ذكاء، عندئذٍ نمسك به)).

و لكن المجرم لم يستجب حتى الآن بشيء لهذا العلاج.

خرجت من الحمام و ما زال المكان خالياً، و مشيت عبر الممر، و مررت بغرفة الطعام عن يساري و منام بريندا و حمامها عن يميني. كانت إحدى الخادمات تتحرّك في هذا الحمام، و كان باب غرفة الطعام مغلقاً. ثم من غرفة وراءها سمعتُ صوت إيديث تتصل مع بائع السمك بالهاتف.

كان هناك سلّم لولبي يؤدي إلى الطابق الأعلى، صعدته و أنا أعلم أن غرفة نوم إيديث و مجلسها و حمامين آخرين و غرفة نوم لورانس براون كلها هنا. ثم رأيت درجاً قصيراً ينزل إلى غرفة كبيرة مبنّية فوق جناح الخدم في آخر البيت، و كانت الغرفة هي قاعة التدريس.

وقفت بالباب. كنت أسمع صوت لورانس براون يعلو قليلاً من داخل القاعة. لقد وجدت عادة جوزفين – التطفل – مغرية، فاسندت دون خجل على حافة الباب و جعلتُ أتنصّت.

كان لورانسُ يلقي درساً في التاريخ في فترة حكومة المديرين الفرنسية (1795 – 1799). دهشت كثيراً و أنا أصغي. فقد اكتشفت أن لورانس براون مدرّس رائع!

و لماذا أدهشني ذلك كثيراً؟ لقد كان أريستايد ليونايدز دائماً يختار الرجال جيداً و لعل قدرة لورانس على إثارة حماس تلامذته و خيالهم جاءت بسبب مظهره الخارجي الذي يُشبه الفأر.

إن دراما ثيرميدور مرسوم الحرمان ضد الربِسْبيرِسْت و روعة بارّاس و براعة فوشي الملازم الشاب في مدفعية نابليون الذي عانى الحرمان. كل هذه كانت حقيقيّة و حيّة.

سكت لورانس فجأة و سأل يوستيس و جوزفين سؤالاً جعلهما يضعان نفسيهما في مكان شخصيته في الدراما فلم يحصل على إجابة جيدة من جوزفين التي كان صوتها كمن أصابه نزلة برد. أما يوستيس فظهر مختلفاً تماماً عن مزاجه النفسي المعتاد فقد أجاب بذكاء و عقل و فهم بارع للتاريخ الذي ورثه – بلا ريب – عن والده!

ثم سمعت صرير كراسيّ تدفع للوراء فرجعت و صعدت الدرج حتى كأني قد نزلت لتوي عندما انفتح الباب.

خرج يوستيس و جوزفين من قاعة الدرس. قلت:

- مرحباً.

اندهش يوستيس و سأل بأدب.

- هل تريد شيئاً؟

انسلت جوزفين من ورائي من غير اكتراث. و قلت برود:

- كنت أريد أن أرى قاعة الدرس.

- ألم ترها أمس؟ إنها مكان للأطفال فقط، و قد كانت حضانة و ما زال فيها كثير من لُعَب الأطفال.

فتح لي الباب فدخلت.

كان لورانس براون يقف عند الطاولة فلما رفع بصره احمر وجهه و همس شيئاً رداً على تحيتي و خرج مسرعاً. قال يوستيس:

- لقد أخفتَه. إنه يخاف بسرعة!

- هل تحبه يا يوستيس؟

ها... لا بأس به، إنه رجل ممتلئ رهبة!

- لكنه ليس مدرساً سيئاً.

- لا. إنه ذو أسلوب مشوق و هو واسع المعرفة. يجعلك ترى الأشياء من زاوية مختلفة!
لم أعرف قطُّ أن هنري الثامن كان يكتب الشعر إلى آن بولين، و كان شعراً جيداً.

تحدثنا قليلاً في أمور شتى مثل قصيدة ((البحّار القديم)). و الأهداف السياسية للحروب الصليبية، و حياة القرون الوسطى، و الحقيقة التي أدهشت يوستيس عن أوليفر كرومْويل الذي منع حفلات عيد الميلاد، فأدركت أن هناك عقلاً قادراً و باحثاً في أسلوب يوستيس رغم غروره و التواء نفسيته.

و في الحال بدأتُ أدرك سبب سخريته، فلم يكن مرضه محنة مخيفة فقط، بل جعلته فتىً محبطاً و سبّب له الانتكاس و هو في مطلع حياته. قال يخاطبني:

- كان يجب أن أدخل الصف الحادي عشر في الفصل القادم. لا أطيق أن أقعد في البيت و أدرس مع طفلة فاسدة مثل جوزفين. إنها في الثانية عشرة من عمرها!

- أجل، لكنك لا تأخذ نفس الدروس، أليس كذلك؟

- كلا بالطبع. إنها لا تدرس الرياضيات المعاصرة و لا اللغة اللاتينية، لكنك لا تحب أن تتقاسم معلّماً مع فتاة.

حاولت أن أهدّئ غروره الرجولّي المجروح، قلت له إن جوزفين – و إن كانت في الثانية عشرة – فتاة ذكية جداً!

- هل تظن ذلك؟ أنا أراها فتاة حمقاء جداً لكنها بارعة حاذقة في أعمال التحري: تدور و تدس أنفها في كل مكان، و تكتب أشياء في دفتر أسودَ صغير و تتظاهر بانها تكتشف الكثير.. طفلة سخيفة ليس غير.. و على كل حال فالفتيات يعجزن عن أعمال التحري. لقد أخبرتُها هذا أظن أن أمي كانت على صواب تماماً، فأفضل شيء أن ترحل إلى سويسرا بسرعة.

- ألن تفتقدها؟

ردّ يوستيس بغطرسة:

- أفتقد طفلة في هذا العمر؟ لا طبعا... يا إلهي! في هذا البيت تكمن النهاية الأبدية: أمي تسافر إلى لندن و تُجبر كتّاب الروايات أن يكتبوا لها مسرحيات. و أبي يُوصد باب المكتب على نفسه و يقبع مع كتبه و أحياناً لا يسمعك إذا حدّثته. لا أدري كيف أحتمل الإرهاق مع والدين غريبين مثلهما؟ و العم روجر... عنيف يجعلك ترتعد، و زوجته كليمنسي لا بأس بها، لا تزعجني لكني أظنها معتوهة قليلاً. و الخالة إيديث ليست سيئة كثيراً لكنها طاعنة في السن تغضب كثيراً.لكن الأمور تحسنت قليلاً منذ عودة صوفيا. ألا ترى أن أهل البيت غريبوا الأطوار؟ فلدينا زوجة جدٍ شابة لتكون عمتنا أو أختنا الكبيرة... أعني أن هذا يجعلك تشعر بالكراهية!

كنت أدرك بعضاً من أحساسيه هذه. كأني تذكرت حالي و أنا في مثل عمره و كيف كنت أخشى أي شيء قد يعرّضني للسخرية أو للشفقة! قلت له:

- و ماذا عن جدك؟ أكنت تحبه كثيراً؟

ظهرت على وجه يوستيس تعبيرات غريبة و هو يقول:

- كان جدي ضد الاشتراكية.

- كيف؟

- لم يكن يفكر إلا في الأرباح. لورانس يقول بأن هذا خطأ كبير. و كان جدي مستبداً لا يحب إلا أن يأمر فيُطاع، ألا تظن ذلك؟

قلت بقسوة:

- على كل حال فقد مات.

- لا أريد أن اكون غليظ القلب، لكنك لا تستمتع بالحياة عند الشيخوخة!

- ألم يستمتع بالحياة؟

- لم يكن يستطيع ذلك. على كل حال فقد مضى وقت على رحيله. إنه...

سكت يوستيس و قد عاد لورانس براون إلى القاعة. و بدأ لورانس يثير جلَبة و هو يتفصح كتبه، لكني أحسست أنه كان يراقبني بطرف عينه. نظر إلى ساعته و قال:

- أرجو أن تحضر في الساعة الحادية عشرة تماماً يا يوستيس. لقد ضيّعنا وقتاً كثيراً في الأيام الأخيرة الماضية!

- حسناً يا أستاذي.

مشى يوستيس نحو الباب متكاسلاً و هو يصقر في حين رمقني لورانس براون بنظرة أخرى حادة و بلل ريقة مرة أو مرتين. كنت مقتنعاً أنه ما رجع إلى قاعة الدرس إلاّ ليتحدث معي.

جمع الكتب ثم بعثرها دون غرض ليتظاهر أنه كان يبحث عن كتاب مفقود، و قال:

- كيف يسير عملهم؟

- عملهم؟

- الشرطة.

ارتعش أنفه، و قلت في نفسي: وقع الفأر في المصيدة. قلت:

- إنهم لا يطلعونني على أسرارهم.

- ها! كنت أظن أن والدك هو مساعد المفوض، أليس كذلك؟

- بلى، لكنه لا يفشي الأسرار الرسيمة.

تعمدت أن أجعل نبرة الغرور في صوتي. قال:

- إذن فأنت لا تعلم كيف... ماذا... إذا..

ثقل لسانه و هو يقول:

- إنهم لن يقوموا باعتقال أحد، أليس كذلك؟

- ربما.

لقد أوصاني المفتش تافيرنر أن أجعلهم في نشاط مستمر. أجعلهم يثرثرون. حسناً، إني جعلت لورانس براون يثرثر.

بدأ يتكلم بسرعة و بعصبية:

- إنت لا تعرف الحال... الانفعال... لا تعرف ماذا هناك... يأتون و يرحون و يسألون الأسئلة. أسئلة سمجة لا علاقة لها بالقضية!

سكت. انتظرته همّ أن يتكلم. حسناً، فلآدعه يتحدث.

- أكنتَ حاضراً حين تحدث رئيس المفتشين ذلك الكلام الفظيع في ذلك اليوم بشأن السيدة ليونايدز و شأني؟ إنها فكرة رهيبة تجعل المرء يشعر بالعجز. كيف تمنع الناس من التفكير في أشياء سخيفة و كاذبة؟ فقط لأنها تصغر زوجها بسنين؟ إن الناس لهم عقول فظيعة! إني اشعر... اكاد لا أملك نفسي... أشعر أن كل هذا مؤامرة!

- مؤامرة؟ هذا مثير!

كان كلامه مثيراً و إن لم يكن على النحو الذي فهمه تماماً.

- إن العائلة، عائلة ليونايدز، لم تكن تعطف عليّ يوماً. كانوا قُساة عليّ دوماً، و قد أحسست أنهم يحتقرونني.

بدأت يداه ترتجفان، و أردف قائلاً:

- لأنهم الأغنياء و الأقوياء كانوا يزدرونني! ماذا كنت بالنسبة لهم؟ مجرد معلم معارضِ حيّ الضمير، و قد كانت معارضتي صحيحة و نابعة من فكر سليم!

لم أقل شيئاً. انفجر قائلاً:

- لا بأس. ماذا لو كنت خائفاً؟ أخاف من فشلي في تبرئة نفسي. أخاف ألا أستطيع أن أسحب الزناد عندما يتوجب عليّ ذلك. كيف تتبين أن الذي تقتله نازي؟ فربما يكون ولداً مهذباً أو ولداً قروياً ليس له ميول سياسية و إنما تمت دعوته للخدمة في جيش بلاده. أظن أن الحرب عمل خاطئ، هل تفهم ما أعنيه؟ أعتقد أنها خطأ.

ما زلت صامتاً. أظن أن صمتي كان يحقق أكثر مما تفعله المنازعات و المجادلات. كان لورانس براون يجادل نفسه، و كان في جداله يكشف كثيراً مما في نفسه. ثم قال بصوت مرتجف:

- كان الجميع يضحكون مني دائماً، يبدو أنني أملك موهبة في جعل نفسي أبدو سخيفاً. ليس الأمر أنني أحتاج إلى شجاعة لكنني أعمل الشيء بطريقة خاطئة دائماً. ذهبت مرة إلى بيت تشتعل فيه النيران كي أنقذ امرأة تحاصرها النار، لكني ضللت الطريق و خنقني الدخان ففقدت وعيي فأبلبى رجال الإطفاء بلاءاً كبيراً حتى أخرجوني، سمعتهم يقولون: ((لِمَ لَمْ يترك هذا الأحمق الأمر لنا؟)) إن محاولتي لم تكن نافعة و كلهم وقفوا ضدي. و أياً كان هذا الذي قتل السيد ليونايدز فلقد أحكمها حتى ألبسنيها. قتله أحدهم كي يحطمني!

- و ماذا عن السيدة بريندا؟

احمر وجهه. لم يعد فأراً بل أصبح رجلاً، و قال:

- السيدة بريندا امرأة عظيمة. رقة قلبها و لطفها مع زوجها الكهل كانا رائعين! إن التفكير بأنها سممت زوجها أمر مثير للضحك. و ذلك المفتش الغبي لا يفهمها!

- ربما كان متحيزاً بسب عد القضايا التي في ملفاته و التي تسمم فيه أزواج كبار بالسن بفعل زوجاتهم الشابات رقيقات القلوب!

قال لورانس غاضباً:

- الغبي الذي لا يطاق!

ذهب ناحية المكتبة عند الزاوية و بدأ ينقب بين الكتب، و أدركت أنني لن أسمع المزيد منه فخرجت من الغرفة ببطء.

و بينما كنت أسير في الممر إذ انفتح باب عن يساري و باغتتْني جوزفين كأنها جنيّ خرج من جوف الأرض!

كان وجهها قذراً و كذلك يداها، و على أذنها خيط عنكبوت.

- أين كنت يا جوزفين؟

نظرتُ من خلال الباب شبه المفتوح. رأيت درجتين تؤديان إلى غرفة مستطيلة مطلمة تشبه العُليّة، و رأيت خزانات كبيرة فيها.

قالت:

- إنها غرفة الصهاريج.

- و لمَ كنت في غرفة الصهاريج؟

قالت جوزفين بنبرة حازمة رسمية:

- أقوم بالتحري.

- و ماذا عساك أن تجدي في غرفة الصهاريج؟

لم تجبْ عن هذا السؤال، و قالت فقط:

- عليّ أن أغتسل.

- أعتقد أن هذا ضروري.

و ذهبتْ إلى أقرب حمام. ثم التفتت و قالت:

- لقد آن الأوان لتظهر الجريمة التالية، أليس كذلك؟

- الجريمة التالية؟

- في الروايات تظهر في مثل هذا الوقت دائماً جريمة ثانية: شخص ما يعرف شيئاً يتم التخلص منه قبل أن يتكمن من كشف ما يعرفه.

- الحياة الواقعية يا جوزفين ليست كالقصص البوليسية، و لو أن أحداً في هذا البيت عرف شيئاً فلن يحبَّ البوح به لأيٍّ كان.

ردت عليّ جوزفين بجواب غامض و ما زال الماء ينصبّ من الصُّنبور:

- أحياناً يعرفون أشياء و هم لا يشعرون.

طرفت عيناي و أنا أجتهد في فهم كلمتها، ثم تركتها و نزلت إلى الطابق الأسفل.

و بينما كنت خارجاً من الباب إلى الدرج إذْ أقبلتْ عليّ بريندا من باب غرفة الاستقبال، و اقتربت مني و وضعت يدها على ذراعي و حدقت إلي و قالت:

- هل من جديد؟

كانت طريقتها مثل طريقة لورانس في التماس الأخبار لكن صياغتها مختلفة، فكانت كلمتها الوحيدة هذه أكثر تأثيراً. هززت رأسي و قلت:

- لا شيء.

تنهدت و قالت:

- أنا خائفة كثيراً يا تشارلز، إني خائفة!

كان خوفها حقيقياً، ظهر لي مرتبطاً مع ذلك المكان الضيق فأردت أن أطنئنها لأساعدها، و أصابني مرة أخرى ذلك الإحسلس الشديد بأنها وحيدة في محيط عدائيّ!

ربما كانت تريد أن تصرخ و تقول : ((من يقف إلى جانبي؟))، و ماذا عسى أن تكون الإجابة؟... لورانس براون؟ و من يكون لورانس براون؟ ما هو إلا أحد الضعفاء!

تذكرتهما و هما يجريان و يدخلان البيت من الحديقة ليلة أمس.

أردت مساعدتها لكني لم أستطع أن أفعل أو أقول لها شيئاً، فكنت – في قرارة نفسي – ينتابني شعور بالذنب غير خالص رغم أن عيني صوفيا كانت تراقبانني باستهزاء. تذكرت صوفيا تقول: ((إذن فقد أوقعت بك)).

و لم تكن صوفيا تفهم أو تريد ان تفهم حال بريندا في هذه المسألة: وحيدة، مشبوهة بالجريمة، و لا أحد ينصرها. قالت بريندا:

- التحقيق سيجري غداً. ترى... ماذا سيحدث؟

هنا كنت أستطيع أن أطمئنها:

- لا شيء، لا تقلقي. سيتم تأجيله حتى يقوم الشرطة بمزيد من التحري، و لعلهم يطلقون للصحافة حريتها؛ لأن الصحف لم تذكر حتى الآن أنها وفاة غير طبيعية. إن لعائلة ليونايدز نفوذاً كبيراً. و لكن مع تأجيل التحقيق سوف يبدأ المزاح..

( ما أعجب أقوال المرء أحياناً! المزاح؟ لماذا قلتُ هذه الكلمة دون غيرها؟)

- هل... هل سيكونون مفزعين كثيراً؟

- لو كنت مكانك لما قبلت بأية مقابلة صحفية. بريندا لـمَ لا تعيّنين لك محامياً؟

تراجعتْ للوراء فَزِعةً و قد شهِقت شهيقاً قوياً. قلت لها:

- لا، لا. ليس كما تفهمين، لا أقصد... لكنْ محاميلً يعتني بمصالحك و ينصحك و يعلّمك ما تقولين و ما تفعلين مما لا تقولين و لا تفعلين... إنك وحيدة!

شدّت ذراعي و قالت: نعم، انت على صواب. لقد ساعدتني يا تشارلز. لقد ساعدتني...

نزلتُ الدرج و أنا اشعر بالحماس و الرضى. و رأيت صوفيا جانب الباب الأمامي، فقالت بصوت فاتر و جاف:

- أطلت البقاء... لقد سالوا عنك بالهاتف؛ والدك يريدك.

- من سكوتلانديارد؟

- أجل.

- ماذا يريدون مني؟ ألم يقولوا شيئاً؟

هزت صوفيا رأسها نافية. و رأيت في عينيها القلق فقلت لها:

- لا تقلقي يا حبيبتي، سأعود في الحال.
*****





<!--[if gte mso 9]><xml> <w:WordDocument> <w:View>Normal</w:View> <w:Zoom>0</w:Zoom> <w:PunctuationKerning/> <w:ValidateAgainstSchemas/> <w:SaveIfXMLInvalid>false</w:SaveIfXMLInvalid> <w:IgnoreMixedContent>false</w:IgnoreMixedContent> <w:AlwaysShowPlaceholderText>false</w:AlwaysShowPlaceholderText> <w:Compatibility> <w:BreakWrappedTables/> <w:SnapToGridInCell/> <w:WrapTextWithPunct/> <w:UseAsianBreakRules/> <w:DontGrowAutofit/> </w:Compatibility> <w:BrowserLevel>MicrosoftInternetExplorer4</w:BrowserLevel> </w:WordDocument> </xml><![endif]--><!--[if gte mso 9]><xml> <w:LatentStyles DefLockedState="false" LatentStyleCount="156"> </w:LatentStyles> </xml><![endif]--><!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"جدول عادي"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]--> - 17 -
ساد في غرف والدي شيء من التوتر. جلس الرجل العجوز وراء كاولته، و استند رئيس المفتشين بظهره إلى الشباك، و جلس السيد جيستكيل على كرسيّ الزوار و أنشأ يقول محتدّاً:

- ... ثقة بالغة لا لزوم لها!

تكلم والدي بهدوء:

- أجل أجل.. ها، مرحبا يا تشارلز، لقد قضيت وقتاً طويلاً و ظهر تغيّر مفاجيء.

قال السيد جيتسكيل: تغير لم يُسبق بمثيل!

كطان واضحاً أن شيئاً ما أزعج المحامي الصغير فابتسم رئيس المفتشين تافيرنر لي ورائه، و قال أبي:

- هل لي أن أختصر؟ جاءت السيد جيتسكيل رسالة مذهلة صَباح اليوم يا تشارلز، و هي من السيد أجرو دو بلاوس صاحب مطعم ديفلوس. إنه رجل طاعن في السن، ولد في اليونان، و لما أصبح شاباً أعانه ليونايدز و صار صاحِبَه. كان كثير الشكر لصديقه الذي أحسن إليه، و يبدو أن أريستايد كان يعتمد عليه اعتماداً عظيماً و يثق به كثيراً.

قال السيد جيستكيل: لم أصدق أبداً أن ليونايدز بمثل هذا الارتياب و يخفي أسراراً، لقد كان بالطبع شيخاً كبيراً و ربما كان خرفاً.

قال أبي بلطف:

- عندما تصبح شيخاً يا جيستكيل فإن عقلك يسهب كثيراً في ذكريات الشباب.

- لكن شؤون ليونايدز كانت كلها بين يدي لأكثر من أربعين سنة، و أجل الدقة ثلاثة و أربعين عاماً و نصف!

ابتسم تافيرنر ثانية، و سالتُ جيستكيل:

- ما الذي حدث؟

همّ السيد جيستكيل بالكلام لكنّ أبي سبقه:

- لقد أوضح السيد أجرو دو بو لاوس في رسالته أنه كان ينفذّ تعليمات محدّدة لصديقه أريستايد ليونايدز. و باختصار فقد وضع السيد ليونايدز في عهدته ظرفاً مختوماً قبل حوالي سنة، و كان مطلوباً من السيد أجرو دوبو لاوس أن يعطيه إلى السيد جيتسيكيل حال موت السيد ليونايدز. و قد اعتذر السيد أجرو دوبو لاوس إذ تأخر لكنه بيّن أنه كان مريضاً بذات الرئة و أن نبأ موت صديقه القديم لم يبلغه إلاّ ظهر البارحة.

قال جيتسيكيل: العمل هذا كله ينافي أخلاق المهنة.

و أكمل أبي قائلاً:

- و لما فتح السيد جيتسكيل الظرف المختوم و اطلع على مافيه رأى أن من واجبه...

و هنا قاطعه جيتسكيل مضيفاً:

- بناءً على الظروف...

أن يطلعنا على ما فيه، فوجدنا وضية موقّعة حسب الأصول و مصدّقة، و وجدنا رسالة تشرح وثيقة مرفقة.

قلت: إذن فقد ظهرت الوصية أخيراً.

تورد وجه السيد جيتسكيل قليلاً و قال:

- إنها ليست الوصية نفسها. هذه ليست هي الوثيقة التي أعددتها حسب طلب السيد ليونايدز. هذه الوصية مكتوبة بخط يده و هو أخطر ما يفعله الموصي. يبدو أن السيد ليونايدز كان ينوي أن يجعلني أبدو رجلاً أحمق!

حاول رئيس المفتشين تافيرنر أن ينعش هذا الجو الحزين، فقال:

- لقد كان رجلاً كهلاً يا سيد جيتسكيل، و الناس إذا شاخوا صاروا طائشين بعض الشيء. لا أقصد أنهم يصبحون مجانين لكنهم غريبو اطوار قليلاً.

عطس السيد جيتسكيل و قال أبي:

- اتصل بنا السيد جيتسكيل و أخبرنا بنود الوصية الأساسية فطلبت منه أن يأتي إلينا فوراً و يحضر الوثيقتين معه. ثم اتصلت بك يا تشارلز.

لم أفهم تماماً لـمَ اتصل والدي بي، و بدا لي هذا تصرفاً غير قويم من والدي و تافيرنر. كنت سأعرف بخبر الوصية في الوقت المناسب، و لم يكن من شاني قطّ أن أعلم كيف قسم العجوز ليونايدز أمواله. سألت جيتسكيل:

- هل هي وصية مختلفة؟ أعني: هل وزع فيها الأموال بشكل مختلف؟

- نعم.

كان ابي ينظر إلي، و لكن حرص رئيس المفتشين تافيرنر ألا ينظر إليّ. أصابني الخوف. كأن شيئاً يدور في ذهنهما، شيئاً أجهله. و نظرت إلى جيتسكيل متسائلاً:

- إنه ليس من شأني، و لكن...

- إن قسمة السيد ليونايدز ثروتَه حسب الوصية ليست بالطبع سراً يُخفى، كنت أدرك أن من واجبي أن أبيّنها للشرطة أولاً حتى يرشدوني إلى الخطوة التالية، و أنا أعرف ... – سكت برهة – ... أن بينك و بين الآنسة صوفيا شيئاً.

- آمل أن أتزوج بيها لكنها لم تقبل خطبتي في الوقت الحاضر.

- أجل، هذا صحيح تماماً.

خالفتُه و لم يكن هذا وقت الجدال. قال:

- حسب هذه الوصية المؤرخة في التاسع و العشرين من تشرين الثاني في العام الماضي فقد ترك السيد ليونايدز – بعد أن جعل لزوجته مئة ألف جنيه – أملاكه كلها و أمواله جميعاً لحفيدته صوفيا كاثرين ليونايدز.

فغرت فمي. قلت و لم أتوقع هذا:

- ترك أمواله كلها لصوفيا!.. ياله من عمل غريب. هل هناك من سبب؟

قال والدي:

- لقد أوضح أسبابه في الرسالة المرفقة – و أخرج ورقة من الدرج أمامه – هل تمانع أن يقرأها تشارلز يا سيد جيتسكيل؟

قال جيتسكيل بفتور:

- إني بين يديك. الرسالة توضحها، و ربما يكون هذا سباً لعمل السيد ليونايدز الغريب!

سلمني الرجل العجوز الرسالة. كانت مكتوبة بخط يدٍ دقيق بالحبر الأسود، و كان خط الرسالة يُظهر شخصية الفقيد و تميّزه. لم تكن مثل سائر الرسائل الأخرى المكتوبة بعناية، و فيها ملامح من الماضي حين تعلّم القراءة و الكتابة صعباً و ذا قيمة عالية. و هذا نص الرسالة:

((عزيزي السيد جيتسكيل،
ربما يصيبك الذهول إذا قرأت هذه الرسالة و ربما تغضب، لكنّ لدي أسباباً خاصة جعلتني أتصرف بطريقة قد تبدو لك سرية من غير لزوم.
إنني مؤمن بالفردية منذ وقت طويل.
قد لاحظت في صباي – و لم أنس ذلك أبداً – أن العائلة تركن إلى شخص واحد قوي يتحمل عبء العناية بالعائلة و رعاية سائر أفرادها.
و لقد كنت أنا في عائلتي هذا الشخص. جئت إلى لندن و أعددت نفسي و أعلت والدتي و أجدادي في سميرنا، و خلصت أحد إخوتي من قبضة القانون و ضمنت حرية أختي من زواج غير سعيد. و هكذا...
لقد رضي الله عني إذ منحني حياة طويلة أستطعت فيها رعاية أطفالي و العناية بهم و أطفالهم، و قد أخذ الله بعضهم مني بالموت لكني سعيد بأن البقية يعيشون تحت سقف بيتي.
و عندما أموت لابد أن ينتقل العبء الذي كنت أقوم به إلى شخص آخر.
و قد فكرت: هل أقسم ثروتي بين أبنائي الأعزاء بالتساوي قدر استطاعتي؟
فإن فعلت فأخشى ألا يكون في قسمتي مساواة حقاً.
إن الناس لا يتساوون، و لابد من خلفٍ لي يحمل ثقل شؤون بقية أفراد العائلة.
نظرتُ بتمعن فلم أجد احداً من ولدّي صالحاً كي يتولى هذه المهمة. فابني العزيز روجر لا يدرك قيمة العمل، و هو رجل ذو سمْتٍ محبوب لكنه متهور جداً و لا يستطيع أن يحكم على الأمور حكماً صحيحاً.
و أما فيليب فهو غير واثق من نفسه ليفعل شيئاً سوى الفرار من الحياة. و حفيدي يوستيس صغير جداً و أخشى أنه غير مدرك و لا حصيف كما يلزم، و هو كسول و يتأثر بأفكار أي امرئ يلقاه.

وحدها حفيدتي صوفيا التي يجتمع فيها كل الصفات المطلوبة... فتاة ذكية حكيمة جريئة و عادلة، و عقلها سديد و نفسها سمْحة، فإليها أعهد بالمحافظة على سعادة العائلة و سعادة إيديث دي هافيلاند أخت زوجتي اللطيفة و التي أنا ممتن لها على تكريسها حياتها الطويلة للعائلة.
من أجل هذا كتبت الوثيقة المرفقة. أما الذي سيكون صعباً شرحه لك يا صديقي القديم، فهو الخداع الذي مارسته عليك.
لقد ظننت أن من غير الحكمة إثارة قلاقل في شأن قسمة ثروتي، و ليس لدي نية أن أجعل عائلتي تعرف أن صوفيا ستكون هي وريثتي.
و حيث أن روجر و فيليب قد أخذا ثروة كبيرة من قبل قسمتها لهما فإنني لا أشعر أن قسمة ثروتي حسب الوصية سوف يضعهم في موقف مذل.
و لكيْلا تنشأ ظنون طلبت منك أن تصوغ لي وصية قرأتُها لأفراد العائلة مجتمعين، ثم وضعتها على مكتبي و وضعت عليها قطعة ورقٍ نشّاف، و دعوْتُ خادمين، فلما حضرا زلقت النشافة إلى أعلى قلئلاً و كشقت أسفل الوثيقة و وقّعت أنا و أمرتهما أن يوقّعاها.
إن الذي وقّعته أنا و الخادمان هو الوصية التي أرفقتها الآن و ليست التي كتبت مسوّدتها و قرأتها على الجميع بصوت مرتفع. لا يمكنني أن أكون واثقاً أنك ستفهم ما الذي دفعني لتنفيذ هذه الحيلة؟ أرجوك أن تغفر لي أنني أخفيت الأمر عنك، فالشيخ الكبير يحب الاحتفاظ بأسراره الصغيرة!
شكراً لك أيها الصديق القديم على اهتمامك الدائم بشؤوني الخاصة! بلّغ صوفيا حبي الغالي لها و أوْصِها أن ترعى العائلة جيداً و أن تجنبهم الأذى.
المخلص
أريستايد ليونايدز))

قرأت هذه الوصية الخطيرة باهتمام شديد، و قلت:

- أمر غريب!

قال جيتسكيل و هو ينهض من مقعده:

- غريب جداً! كنت أظن أن صديقي القديم – كما قلت آنفاً – كان يثق بي.

قال والدي: لا يا جيتسكيل، لقد كان رجلاً غير أمين، و كان يحب فعل الشيء بأسلوب ملتوٍ إن صحَّ التعبير.

قال رئيس المفتشين تافيرنر بانفعال:

- هذا صحيح يا سيدي. كان مخادعاً أكثر من غيره.

خرج جيتسكيل من الغرفة غاضباً، فقد جُرحت كبرياؤه المهنية جرحا بالغاً. و قال تافيرنر معّلقاً:

- لقد آذته هذه الوثيقة أذى قاسياً، فشركة جيتسكيل ((كالوم و جيتسكيل)) ذات صيت حسن، و عندما كان العجوز ليونايدز ينجز صفقة تثير الشك لم يكن بعلم بها جيتسكيل، فقد كان العجوز يعامل ست شركات محاماة تعمل نيابة عنه... لقد كان مخادعاً!

قال والدي: و كان أشد خداعه حين كتب وصيته.

- لقد كنا حمقى! لا أحد يستطيع لعب الحيلة في تلك الوصية غير العجوز نفسه. إنم نسينا أنه ربما كان يريد ذلك.

تذكرت ابتسامة جوزفين عندما قالت متافاخرة: ((أليس الشرطة أغبياء؟)).

لكن جوزفين لم تحضر اجتماع الوصية. لو أنها كانت في ذلك اليوم تتنصت بالباب – و لا ريب في هذا – فما كان يسعها أن تخمن ماذا يفعل جدها. إذن فعلام كان تفاخُرها؟ ما الذي تعرفه لتزعم أن الشرطة حمقى أم أن هذا أيضاً كان تباهياً؟

رفعت بصري بحدة و أنا مذهول من سكون الغرفة و سكوتها. كان والدي و تافيرنر يراقبانني. لم أدرِ ماذا لمحت في جهيهما فقلت بجرأة:

- صوفيا لم يتكن تعلم شيئاً عن هذه الوصية. لا شيء على الإطلاق.

والدي: لا تعلم؟

لم اتبيّن كلمته أكانت سؤالاً أم موافقة؟ قلت:

- كانت ستصع دون شك!

- حقاً؟

- نعم، ستصعق!

حلّ الصمت قليلاً. رن الهاتف فوق مكتب أبي رنة شديدة فجأة، فرفع أبي السماعة:

- آلو... – أنصت قليلاً – ... صلني بها – و التفت إليّ – ... إنها فتاتك تريد محادثتنا في أمر عاجل.

أخذت السماعة منه:

- صوفيا؟

- تشارلز. أهذا أنت؟ إنها... جوزفين! انقطع صوتها قليلاً.

- ماذا أصاب جوزفين؟

- لقد ضُربت على رأسها. ارتجاج في الدماغ. إنها... إنها في حالة سيئة جداً. يقولون أنها قد لا تتعافى!

التفتُّ إلى الرجلين الآخرين و قلت:

- لقد ضُربت جوزفين.

أخذ أبي السماعة مني و هو يخاطبني بحدّة:

- ألم أوصِك أن تراقب تلك الطفلة؟

*****


يتبع

MA7MOUD
10-26-2010, 10:39 PM
<!--[if gte mso 9]><xml> <w:WordDocument> <w:View>Normal</w:View> <w:Zoom>0</w:Zoom> <w:PunctuationKerning/> <w:ValidateAgainstSchemas/> <w:SaveIfXMLInvalid>false</w:SaveIfXMLInvalid> <w:IgnoreMixedContent>false</w:IgnoreMixedContent> <w:AlwaysShowPlaceholderText>false</w:AlwaysShowPlaceholderText> <w:Compatibility> <w:BreakWrappedTables/> <w:SnapToGridInCell/> <w:WrapTextWithPunct/> <w:UseAsianBreakRules/> <w:DontGrowAutofit/> </w:Compatibility> <w:BrowserLevel>MicrosoftInternetExplorer4</w:BrowserLevel> </w:WordDocument> </xml><![endif]--><!--[if gte mso 9]><xml> <w:LatentStyles DefLockedState="false" LatentStyleCount="156"> </w:LatentStyles> </xml><![endif]--><!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"جدول عادي"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]-->


- 18 -

لم يمض وقت طويل حتى كنت و تافيرنر نسرع في سيارة الشرطة تجاه سوينلي دين.



و خطر ببالي خروج جوزفين من بين الصهاريج و ملاحظتها المغرور حين أنذرت باقتراب الوقت لظهور جريمة قتل ثانية. لم تكن الطفلة المسكينة تعلم أنه هي نفسها ستكون الضحية في الجريمة التالية. لقد أصاب والدي حين لامني لوماً ضمنياً. كان يجب علي مراقبة جوزفين، فلا أنا و تافيرنر استطاع أن يأتي بدليل على من سمم العجوز ليونايدز، فلعل هذا الدليل كان لدى جوزفين، فالذي كنت أرى أنه هراء أطفال و ((تباهٍ)) كان شيئاً مختلفاً تماماً، فربما حصلتْ على خيط من المعلومات لم تعلم هي نفسها قدرها و خطرها.



وخطر بالي الغصن الذي نقصف في الحديقة.



حينئذ أصابني إحساس بأن الخطر كان وشيكاً، و كنت أظن أني قد بالغت في الشك. كان ينبغي أن أدرك أن هذه جريمة قتل، و أياً كان الذي ارتكب الجريمة فقد عرض نفسه للخطر و لن يتردد في تكرار جريمته إن تأكد أنها ضمان لسلامته.



ربما عرفت ماجدا ماجدا بغريزة الأمومة الخفية أن جوزفين في خطر، و لعل هذا ما جعلها متحمسة فجأة و متعجلة في سفر الطفلة إلى سويسرا.



و خرجت صوفيا لنا حين وصلنا و قالت بأن جوزفين حُملتْ في سيارة الإسعاف إلى مستشفى ماركت باسنغ العام و غن طبيبها، غري، سوف يبلغهم ساعة ظهور نتيجة الأشعة. سألها تافيرنر:



- كيف وقع الحادث؟



تقدمتنا صوفيا في الطريق خلف البيت، و دخلنا من باب في ساحة صغيرة مهجورة، و في إحدى الزوايا رأينا باباً مفتوحاً جزئياً، و أوضحت صوفيا:



- إنه بيت للغسيل، في أسفل الباب فتحة أحدثهتها قطة، و قد اعتادت جوزفين أن تقف عليها و تتأرجح.



تذكرت التأرجح على الأبواب و نحن صغار!



كانت غرفة الغسيل صغيرة مظلمة، و رأيت فيها صناديق خشبية و خراطيم عتيقة و بعض أدوات الحديقة المهملة و أثاثاً مكسوراً، و كان خلف الباب مِصدّ رخامي على هيئة تمثال أسد.



أوضحت صوفيا:



- إنه مصدّ الباب. لابد أنه كان موضوعاً فوق أعلى الباب.



رفع تافيرنر يده إلى قمة الباب. كان باباً منخفضاً و قمته تعلو رأسه قدماً واحداً.



- إنه شرَك.



هز الباب يميناً و يساراً يجرّبه و انحني إلى التمثال الرخامي من غير أن يلمسه.



- هل لمسه أحد؟



صوفيا: لا. لم أسمح أن يلمسه أحد.



- عمل صحيح. مَنْ وجدها؟



- أنا. لم تأتِ لتأكل غداءها في الساعة الواحدة. كانت ناني تنادسها و كانت قد عبرت المطبخ و خرجت منه إلى ساحة الإسطبل قبل ربع ساعة. ناني قالت إنها كانت تلعب بكرتها أو تتأرجح في الباب ثانية، و قلت إنني سأذهب لأحضرها!



سكتت صوفيا.



- هل قلت بأنها تعودت أن تلعب هكذا؟ من كان يعلم ذلك؟



هزت صوفيا كتفيها استهجاناً:



- أظن أن جميع أهل البيت يعلمونه جيداً.



- و من يدخل غرفة الغسيل غيرها؟ عمال الحديقة؟



- كلا، لا يذهب إليها أحد.



- أليست هذه الساحة الصغيرة مكشوفة من البيت؟ ألا يستطيع امرؤ أن يتسلل خرج البيت أو يدور من أمام البيت و يزرع ذلك الكمين؟ - و سكت و هو ينظر إلى الباب و حرّكه يمنة و يسرة – ... لا شيء في شأنه مؤكد. إما أن تقع عليها الضربة أو تفلت منها، و الغالب أن تفلت منها لكنها لم تكن محظوظة فضُربت!



ارتجفت صوفيا.



نظر إلى البلاط و كان عليه آثار ضربات متعددة. قال:



- كأن أحداً قام بتجربته أولاً لكي يرى كيف تقع على الأرض و يتأكد من أن الصوت لن يسمعه أهل البيت.



- لم نسمع شيئاً و لا عرفْنا شيئاً حتى خرجت و وجدتها ملقاة على وجهها، و جسمها متمدد في الخارج.



و انقطع صوت صوفيا قليلاً ثم أضافت:



- والدم على شعرها!



أشار تافيرنر إلى وشاح صوفي على الأرض:



- هل هذا وشاحها؟



- نعم.



التقط قطعة الرخام بحذر باستخدام الوشاح و قال غير آمل:



- ربما يكون عليها بصمات، لكني أظن أن الذي فعلها كان حذراً – و التفت إلي – إلامَ تنظر يا تشارلز؟



كنت أنظر إلى كرسي مطبخ خشبي ظهره مكسور كان ملقى بين الأشياء المهملة و عليه آثار تراب. قال تافيرنر:



- عجباً! رجل وقف على ذلك الكرسي و قدماه موحلتان. لماذا؟ – هز رأسه – متى وجدتِها يا آنسة ليونايدز؟



- في الساعة الواحدة و خمس دقائق.



- وشاهدتْها خادمتكم ناني تخرج قبلها بعشرين دقيقة، من كان آخر شخص دخل بيت الغسيل قبلها؟



- لا اعرف، ربما جوزفين نفسها. جوزفين كانت تتأرجح على الباب هذا الصباح بعد الفطور، هذا ما أعرفه.



أومأ تافيرنر برأسه:



- إذن بين ذلك الوقت و الواحدة إلا ربعاً وضع شخص الشرك. قلتِ بأن هذه كانت سنادة الباب الأمامي فهل تعرفين متى فُقدتْ؟



هزت صوفيا رأسها:



- لم ينفتح الباب طوال اليوم فقد كان الجو بارداً.



- هل تعرفين أين كان كلّ واحد طيلة الصباح؟



- أنا خرجت أسير. يوستيس و جوزفين كانا في الدرس حتى الثانية عشرة و النصف ما عدا فترة راحة في العاشرة و النصف، و اظن أن أبي مكث في المكتبة طوال الصباح.



- و أمك؟



- كانت خارجة لتوها من غرفة نومها حين دخلتُ البيت في الثانية عشرة و الربع تقريباً، فهي لا تصحو مبكراً.



دخلنا البيت مرة ثانية و تبعت صوفيا إلى المكتبة. كان فيليب يجلس على كرسيه شاحباً منهكاً، و كانت ماجدا جاثية على ركبتيه تبكي، و سالتهما صوفيا:



- ألم يأتِ من المستشفى خبرٌ بعدُ؟



هز فيليب رأسه نافياً، و قالت ماجدا و هي تنشج:



- لماذا منعوني أن أخرج معهم؟... طفلتي! طفلتي العجيبة القبيحة. كم مرة قلت لها: ((لست ابنتي)) و كانت تغضب كثيراً! كم كنت قاسية عليها! و الآن، سوف تموت! أخشى أن تموت!



فيليب: اهدئي!



شعرت أنْ لا مكان لي في هذا المشهد الأبوي القلق الحزين فانسللت بهدوء و جعلتُ أبحث عن ناني. كانت في المطبخ تبكي هي الأخرى، و قالت:



- إنما هي عقوبة إلهية، عقوبة إلهية بسبب الأشياء القاسية التي كنت أفكر فيها يا سيد تشارلز، هذا هو الأمر!



لم أحاول أن أفهم قصدها.



- ثمّة شرٌّ في هذا البيت. لم أكن أريد أن أفهم ذلك و لا أصدقه: شخص ما قتل سيد البيت و حاول أن يقتل جوزفين!



- لماذا؟



مسحت ناني عينيها بمنديلها و نظرت إلي نظرة لاذعة:



- أنت تعرف جيداً كيف كانت يا سيد تشارلز. كانت تحب كشف ألشياء حتى الحقيرة جداً. تعودت أن تختبئ تحت طاولة العشاء و تتنصت إلى حديث الخادمات ثم تقلبها عليهن كي تحسّ أنها مهمة. لقد أهملتها أمها. لم تكن طفلة أنيقة حلوة مثل أخويها. و اعتادت أمها أن تقول بأنها ليست ابنتها. إنني أعتب على السيدة بسب ذلك إذ كان هذا يثير حفيظتها، لكنها كانت ترجع إلى عادتها في تتبع الناس ثم تخبرهم أنها كانت تعلم أشياء عنهم، و هذا أمر خطير عندما يكون في المكان مجرم طليق!



لم يكن هذا البيت آمناً. كلاّ و تذكرت شيئاً فسألت ناني:



- هل تعرفين أن مخبأ دفترها الأسود الصغير الذي تدوّن فيه ملاحظاتها؟



- أعرف ما تعنيه يا سيد تشارلز. كانت جوزفين كتومة. لقد رأيتها تلحس قلمها الرصاص و تكتب في الدفتر ثم تلحس القلم مرة أخرى، و قد نهيتُها أن تفعل ذلك و إلا يُصبْها الرصاص فقالت بأنها لن تتسمم؛ لأن قلم الرصاص ليس فيه رصاص حقاً بل كربون. و لم أفهم؛ لأنك حين تسمي شيئاً ((قلم رصاص)) قلابد أن يكون فيه رصاص!



- أجل، لكن جوزفين كانت على حق. و ماذا عن دفتر الملاحظات هذا؟ أتعرفين أين كانت تحفظه؟



- لم أكن أعلم يا سيدي. كان شيئاً من الأشياء التي تكتمها.



- ألم يكن معها عندما عُثر عليها؟



- لا. لم يكن معها دفتر ملاحظات.



تساءلت: هل خطف أحدٌ دفتر الملاحظات أم أنها أخفته في غرفتها؟



و خطر ببالي تفتيش غرفتها. لم أكن متأكداً من مكان غرفتها و لكني بينما كنت أقف متردداً في الممر إذ ناداني صوت تافيرنر:



- تعال هنا، في غرفة الطفلة، أرأيت مشهداً كهذا في حياتك؟



خطوت فوق عتبة الباب و وقفت جامداً!



كانت الغرفة الصغيرة تبدو و كأن إعصاراً دهمها: أدراج الخزانة مفتوحة مبعثر ما فيها على الأرض، الفرشة و الملاءة قد سُحبا عن السرير الصغير، و الأغطية مكومة و الكراسيّ مقلوبة و الرسوم أنزلت عن الحائط و الصور انحلعت من أطُرها!



يا إلهي! لـمَ هذا؟



- ما رأيك؟



- شخص ما كان يبحث عن شيء.



- تماماً.



نظرت من حولي و صفَرتُ:



- فمن يكون هذا؟ لا أحد يستطيع أن يدخل هنا و يفعل كل هذا و لا يسمعه أحد أو يراه؟



- لـمَ لا؟ السيدة بريندا تقضي الصباح في غرفة نومها تقلّم أظافرها و تكلّم أصدقاءها بالهاتف و تعبث بثيابها، و فيليب يجلس في المكتبة منكبّاً على كتبه، و ناني في المطبخ تقشّر البطاطا و تقمع اللوبيا، إذن فالأمر سهل جداً لعائلة يعرف بعضها عادات بعض. و أريد أن تعلم شيئاً: يستطيع أي أحد من البيت أن يفعل عملنا الصغير.. يستطيع أن يضع الشرك و يخرب غرفتها، لكنه كان شخصاً مستعجلاً يغتنم الوقت فلا يبحث بهدوء.

لقد نظرت في الأمر يا تشارلز. لا يستطيع أن يعيّن أحد في البيت ساعة وجوده. فيليب و ماجدا و ناني و فتاتك في طابق واحد، و بريندا تقضي معظم صباحها وحدها، و لورانس و يوستيس في استراحة من العاشرة و النصف إلى الحادية عشرة، و قد كنت أنت معهما في بعض الوقت لا كله. كانت الآنسة دي هافيلاند في الحديقة وحدها، و كان روجر في مكتبه.



- كليمنسي هي وحدها التي كانت في وظيفتها في لندن.



- كلا، بل كانت خارج وظيفتها. بقيت في البيت اليوم، و كانت في غرفتها وحدها تعاني صداعاً في الرأس. أيُّهم؟ لا أدري! يا ليتني أعرف عمّ يبحثون هنا... – و درات عيناه في الغرفة الفوضى – هل تراهم وجدوه؟..



خطر ببالي شيء... فكرة حسمها تافيرنر بسؤاله:



- ماذا كانت الطفلة تفعل حين رأيتها آخر مرة؟



قلت: انتظرْ.



و انطلقت من الغرفة مرتقياً الدرج، و دخلت من الباب الأيسر و صعدت إلى الطابق العلوي. فتحت باب غرفة الصهاريج و صعدت الدرجتين و حنيت رأسي لأن السقف واطئ و مائل. نظرت حولي.



لقد قالت جوزفين حين سألتها عما كانت تفعله هناك إنها كانت تتحرى.



لم أدرِ ماذا عسى أن يكون في حجرة مليئة بيوت العناكي و خزانات الماء كي تتحراه جوزفين؟ لكن مثل هذه العلية ربما تكون مخبأً أميناً للأشياء، و ربما كانت جوزفين تخبئ هناك شيئاً، شيئاً تعلم جيداً أنه ليس من شانها الحتفاظ به. إن كان الأمر كذلك فلن يطول بحثي عنه.



لم ألبثْ إلا ثلاث دقائق حتى وجدت حزمة رسائل ملفوفةً بقطعة ورق بني ممزق و مدسوسة خلف أكبر خزان. و قرأت الرسالة الأولى:



((أوه يا لورانس... حبيبي! حبيبي العزيز، ما أروعك حين اقتبست بيت الشعر ذاك في الليلة الماضية! كنت فيه تقصدني أنا و إن لم تنظر إلي. أريستايد قال إنك تقرأ الشعر جيداً. هو لم يستطع أن يدرك ما كنا نشعر به كلانا.

أشعر يا حبيبي أن كل شيء سيكون على ما يُرامُ حقاً و سوف نكطون سعيدَيْن جداً بأنه ما كان يعلم أبداً و هو سيموت سعيداً. كم كان طيباً معي! لا أريد أن يعاني، فالعيش بعد الثمانين ليس فيه من متعة. لا أريد ذلك.

قريباً سنكون معاً إلى الأبد.

كم يكون رائعاً أن أقول لك: ((يا زوجي العزيز!)).

لقد خُلقنا يا عزيزي لبعضنا. أحبك. أحبك. أحبك حباً لا نهاية له! إنني...))



و كان في الرسالة مزيد لكنّ نفسي عافت قراءته.



نزلت إلى الطابق السفلي متجهّماً و وضعت الحزمة بين يدي تافيرنر و قلت:



- ربما يكون هذا ما كان يبحث عنه صديقنا المجهول.



قرأ تافيرنر بعض الفقرات ثم صفر و أدخل الرسائل ببعض و نظر إليّ نظرة قطة طعمت أزكى قشدة، و قال بهدوء:



- حسناً، هذا يفضح سرّ بريندا ليونايدز و السيد لورانس براون. إذن فقد كانا هما من البداية...



*****









- 19-

كان يبدو غريباً لي – و أنا أرجع إلى الوراء – كيف تلاشت شفقتي على بريندا و زال عطفي عليها فجأة بسب رسائلها؛ الرسائل التي كتبتها إلى لورانس براون.



هل جعلني غروري عاجزاً عن احتمال مفاجأة أن بريندا كانت متيمة به و مفتونة، و أنها تعمدت الكذب علي، و أنني قد خُدعت بسهولة؟



لا أدري... فأنا لست طبيباً نفسانياً!



غير أنني أفضّل أن أفكر أن الضربة التي أصابت جوزفين على رأسها بطريقة لا ترحم هي ما جفّف ينابيع عطفي على بريندا. قال تافيرنر:



- بروان هو الذي وضع الشرَك، و هذا يوضح ما كان يحيرني.



- ما الذي حيرك؟



- كان ذلك عملاً أحمق! لو أن الطفلة أمسكت بهذه الرسائل – رسائل لعينة بلا سك! – فأول شيء يجب عمله هو محاولة استعادتها، و كيف تستطيع استعادتها و أنت لا تعلم مكانها؟ لو كانت الطفلة تتحدث في شأن هذه الرسائل حديثاً من غير أن تظهر شيئاً لكان حديثها مثيراً أيضاً. إذن فليس أمامك إلا قتل الطفلة. قد اقترفت الجريمة الأولى فلا عليك إنْ أنت ارتكبت جريمة أخرى. أنت تعلم أنها كانت تهوى التأرجح على الباب في الساحة المهجورة. إن أحسن شيء تفعله هو أن تنتظر وراء الباب، فإذا دخلت صرعتها بقضيب معدني أو قطعة جميلة من أنبوب، فكلها هناك في متناول اليد، لماذا تضيع الوقت و تضع قطعة من الرخام فوق الباب و ربما لا تصيبها و لو أصابتها فربما لا تنجز الغرض المطلوب كما تريد تماماً (وهو ما حدث فعلاً بعد ذلك)؟ إني أسألك: لماذا؟



- حسناً، ماهي الإجابة؟



- الفكرة التي وصلت إليها أن أحدهم أراد أن يحصل على دليلٍ يثبت أنه لم يكن في مكان الجريمة لحظة وقوعها. لكننا لا نخدع بهذا. أولاً: لا أحد لديه هذا الدليل، ثانياً: هناك شخص عقد العزم أن يبحث عن الطفلة في ساعة الغداء ثم يذهب و يجد الكمين و قطعة الرخام حيث تكون طريقة العمل واضحة المشاهد تماماً. و لو أن القاتل أبعد قطعة الرخام قبل أن نجد الطفلة لكنا قد تحيرنا، و لكن لا معنى لذلك.



و رفع يديه في الهواء بيأس، فسألته:



- فما هو تفسيرك إذن؟



- العنصر الشخصي. الخاصية الشخصية. خاصية لورانس براون، إنه لا يحب العنف و لا يستطيع إكراه نفسه أن تفعل العنف الجسدي. إنه لا يستطيع أن يقف وراء الباب و يشجّ رأس طفلة، إذن يجهز الكمين و يذهب و لا يرى شيئاً!



قلت: فهمت. إنه الإيسيرين في زجاجة الأنسولين مرة أخرى.



- تماماً.



- أتظن أنه يفعلها دون علم بريندا؟



- ذلك يبين لـمَ لـمْ ترمِ بريندا زجاجة الأنسولين بعيداً. أجل، لقد أعدّا هذا العمل معاً، و ربما فكرتْ هي في حيلة السم وحدها... موت سهل جميل لزوجها العجوز المتعب و هو خير عمل تفعله! لكني متأكد أنها لم تضع الشرك فوق الباب، فالنساء لا يؤمنّ أبداً أن الأشياء الميكانيكية تنجح. أعتقد أن الإيسيرين كان فكرتها لكنها جعلت عشيقها المتيم بها يقوم بالعمل، إنها من الصنف الذي يتجنب أن يفعل شيئاً يثير الشبهة، ثم يظهر أن الضمير حي!



سكت تافيرنر قليلاً:



- لعل النائب العام، مع هذه الرسائل، يقنع أن لدينا قضية. سوف يشطّون قليلاً في تفسيراتهم، ثم أذا تحسنت حال الطفلة فسيبدو كل شيء جميلاً! – نظر إلي بطرف عينه و أضاف – ... ما هو شعور المرء عندما يحصل على مليون جنيه إسترليني؟



جفلتُ. نسيت الأحداث المتعلقة بالوصية بسبب أحداث الساعات القليلة الماضية و قلت:



- إن صوفيا لا تعلم حتى الآن. هل أُخبرها؟



- لقد فهمت أن جستيكيل سيعلن الخبر الحزين (أو السعيد) بعد التحقيق!



سكت تافيرنر قليلاً و نظر إلي متأملاً:



- ترى ما هي ردود أفعال العائلة وقتئذٍ؟



*****









- 20 -

انتهى التحقيق كما كنت قد تنبأت له، فقد طلبت الشرطة تأجيله.



و قد أسعدنا الخبر الذي وصلنا ليلة أمس من المستشفى أنّ إصابة جوزفين كانت أقل خطراً مما نظن و نخشى و أنها سوف تتعافى. و قال الدكتور غري إنه لن يسمح لأحد أن يزورها الآن حتى أمِّها.



همست صوفيا:



- لا سيما أمها، لقد أوضحت ذلك للطبيب. على أية حال فهو يعرف والدتي.



لا بد أنني كنت مرتاباً لأن صوفيا قالت بحدة:



- لـمَ نظرة الاستنكار هذه؟



- حسناً.. إن أمك بالتأكيد..



- يسرني أن لديك بعض الأفكار الجميلة يا تشارلز، لكنك لا تعرف تماماً ماذا عسى أمي أن تفعل. إنها لا تستطيع أن تمنع تفسها من أي عمل و لكن في مشهد درامي كبير. و المشاهد الدرامية ليست أشياء طيبة لمن يتعافى من إصابات في رأسه.



- أنت تفكرين في كل شيء يا حبيبتي!



- حسناً، لابد من شخص يفكر الآن بعد أن مات جدي!



نظرت إليها متأملاً. عرفت فطنة العجوز ليونايدز لم تفارقه، فهاهو عبء همومه قد ألقي على كاهل صوفيا.



صحبنا جيتسكيل بعد التحقيق و نحن في طريقنا إلى البيت ((ثري غابلز)). و هناك تنحنح و قال بأبهة:



- عندي إعلان من واجبي أن أبلغكم به جميعاً!



ومن أجل هذا الغرض اجتمعت العائلة في غرفة استقبال ماجدا، و كان ينتابني إحساس ممتع لرجل وراء الكواليس، فقد كنت أعلم سابقاً ماذا يريد جيستكيل أن يقول، و قد تهيأتُ لملاحظة ردّ فعل كل واحد منهم.



كان خطاب جيتسكيل مختصراً و صريحاً. إن أية علامة على المشاعر الشخصية و القلق كانت تظهر على الخدود جيداً. قرأ أولاً رسالة أريستايد ليونايدز ثم قرأ الوصية نفسها.



كان ذلك مشهداً مثيراً للاهتمام، و كنت أتمنى أن تستطيع عيني أن تراهم جميعاً في آنٍ واحد!



لم ألتفت كثيراً إلى بريندا و لورانس، فالفقرة المتعلقة بريندا في هذه الوصية لم تتغير. لقد راقبت روجر و فيليب و ماجدا و كليمنسي.



كان انطباعي الأول عنهم أنهم تصرفوا جميعاً تصرفاً مناسباً.



فيليب كانت شفتاه مزمومتين فيما ألقى رأسها على ظهر الكرسي الطويل الذي كان يجلس عليه، و لم يتكلم.



أما ماجدا فعلى العكس من ذلك، حيث انفجرت تتكلم لحظة أنهى جيتسكيل كلامه، فكان صوتها القوي يطغى على نبراته الرفيعة كالمد يُغرق الجدول!



- حبيبتي صوفيا... ما أغرب هذا!... أمر مثير! لقد كان العجوز الجميل ماكراً جداً و مخادعاً. ألم يكن يثق بنا؟ أكان يخشى أن نغضب؟ لم يكن يبدو محباً لصوفيا أبداً أكثر منا. الحق أنه أمر مثير جداً!



و فجأة قفزت ماجدا بخفة و جعلتْ تلاطف صوفيا و تنحني لها احتراماً و تبجيلاً:



- مدام صوفيا، إن أمك العجوز المفلسة المعتلة تتوسل إليك أن تتصدقي عليها! ((أطعنا الفتات يا عزيزتي!)) إن أمك تريد أن تذهب إلى السينما!



ارتجفت بيدها التي كانت معقوفة كأنها مخلب في وجه صوفا.



قال فيليب من غير أن يتحرك بفمٍ منقبض:



- أرجوك يا ماجدا، كفاكِ تهريجاً.



صاحت ماجدا فجأة و هي تلتفت إلى روجر:



- أوه! لكن روجر. مسكين روجر! كان الفقيد على وشك أن ينقذه، ثم، قبل أن يتهيأ له ذلك مات! و الآن، روجر لن يأخذ شيئاً! – و التفتت التفاتة متغطرسة ناحية صوفيا – ... صوفيا، يجب أن تفعلي شيئاً من أجل روجر.



و لكن كليمنسي قالت و هي تخطو إلى الأمام و على وجهها ملامح التحدي:



- لا، لا شيء، لا شيء على الإطلاق.



جاء روجر ناحية صوفيا متثاقلاً مثل دبّ كبير أنيس، و أمسك يديها بحنان:



- لا أريد بنساً واحداً يا عزيزتي، حالما ينتهي هذا الأمر فسوف أرحل أنا و كليمنسي إلى جزر الهند الغربية و نحيا حياة بسيطة، لو أصبحت مفلساً فسوف أطلب المساعدة من رئيس العائلة – و ابتسم لها ابتسامة جذابة – و حتى ذلك الحين فلا أريد بنساً واحداً. إنني في الحقيقة رجل بسيط يا عزيزتي، سلي كليمنسي إن كنت غير ذلك!



انطلق صوت غير متوقع. كان ذاك صوت إيديث دي هافيلاند. قالت:



- هذا جيد. و لكن يجب أن تلتفت قليلاً غلى هذا الأمر: لو أصبحت مفلساً يا روجر ثم وقعت و لم تددْ صوفيا لك يد المساعدة فسينتشر كلام كثير لن يسر صوفيا.



سألتها كليمنسي بازدراء:



- و ماذا يهمنا من أحاديث الناس؟



تجهمت إيديث:



- نحن نعلم أنه لا يهمك يا كليمنسي، لكن صوفيا تعيش في هذا العالم، إنها فتاة ذكية و ذات قلب طيب، و لا شك أن أريستايد كان مصيباً تماماً عندما اختار صوفيا لتمسك ثروات العائلة، و إن يكن تجوُزُ ولدين مازال حيّين ليس من أعرافنا الإنكليزية، لكني أكره أن يشيع في الناس أنها طمعت في المال و تركت روجر و لم تُنجدْه.



ذهب روجر صوب خالته، أحاطها بذراعيه و عانقها قائلاً:



- كم أحبك يا خالتي إيديث!...مقاتلة صامدة. لكنك لم تفهمني: إني و زوجتي نعلم ما نريد مما لا نريد.



وقفت كليمنسي تتحداهم و على خديها الرقيقين حمرة مفاجئة:



- لا أحد منكم يفهم روجر. لم تفهموه و لا أراكم سوف تفهمونه أبداً. هيا يا روجر.



غادرا الغرفة بينما بدأ جيتسكيل يجلو حنجرته و يرتب أوراقه و ملمحه يدل على الاستياء، فهو يكره مثل هذه المشاهد كثيراً.



طرفت عيناي أخيراً إلى صوفيا نفسها. كانت تقف منتصبة أنيقة جانب الموقد ذقنها مرفوع إلى أعلى و عيناها شاخصتان.



لقد ورثت الآن ثروة ضخمة، لكنني كنت أخشى عليها من الوحدة التي غدتْ تعيشها فجأة. لقد نشأ حلجز بينها و بين عائلتها، و من الآن فصاعداً لقد انفصلت عنهم.



حسِبتُ أنها أدركت هذه الحقيقة من قبل و قد واجهتها. ما أثقل العبء الذي تحمله على كتفها بعد العجوز ليونايدز! هو كان يدركه و هي كانت تدركه. لقد كان مؤمناً بقوة كتفيها على حمل هذا العبء، لكنني – في هذه اللحظة – شعرت بالأسف عليها!



و ما زالت صوفيا صامتة لا تتكلم، الحق أنه لم تسها فرصة للحديث، لكن الكلام سيندفع الآن منها كالسيل. كنت أشعر أن في صدرها عداء مستتراً للعائلة رغم حبها الظاهر لهم، و هناك مشاعر خفية أكثر ظلمة لم تظهر على السطح بعد.



جلا جيتسكيل حنجرته من أجل خطبة رقيقة بليغة:



- هنيئاً لك يا صوفيا، فأنت الآن امرأة ثرية، و لكني لا أنصحك باتخاذ أي إجراء مستعجل! يمكنني أن أقدم لك الآن ما تحتاجينه من النفقة، و إذا رغبت في مناقشة الترتيبات المستقبلية فأنا يسعدني أن أنصح لك خير نصح، حددي لي موعداً في فندق لينكولن متى شئت.



بدأت إيديث تتكلم:



- روجر..



أدركها جيتسكيل:



- روجر يجب أن يعتمد على نفسه. إنه رجل كبير، في الرابعة و الخمسين، و قد أصاب أريستايد ليونايدز؛ لأن روجر ليس رجل أعمال و لن يكون أبداً كذلك! – و نظر إلى صوفيا – إذا دعمتِ شركة التجهيز الغذائي و وقفتْ على قدميها ثانية فلا تحسبي أن روجر يقدر أن يديرها بنجاح.



- لا أجسب أنني سأجعل الشركة تقف على قدميها ثانية.



كانت تلك كلمتها الأولى. كان صوتها حازماً جاداً و هي تقول:



- من الحماقة أن أفعل.



رمقها جيتسكيل بنظرةٍ و ابتسم ثم ودّع الجميع و خرج.



حل الصمت قليلاً كأن كل افراد العائلة في تفكير بالغ، ثم نهض فيليب ضجراً:



- سأعود إلى المكتبة، أضعتُ وقتاً كثيراً.



توسلت إليه صوفيا:



- أبي!



التفت إليها فيليب بعينين باردتين فيهما عداوة فأحسست أنها ترتجف و تتراجع إلى الوراء. قال فيليب:



- سامحيني لأنني لم أهنئك. كان هذا صدمة لي، فما كنت أصدق أن أبي يُذلني هكذا و لا يقدّر إخلاصي له طوال حياتي! اجل. إخلاصي!



هذه أول مره يخرج فيها فيليب من تخفظه. صاح:



- يا إلهي! كيف يفعل ذلك بي؟ كان دائماً غير عادلٍ معي... دائماً!



صاحت إيديث دي هافيلاند:



- لا يا فيليب، لا، لا تفكر هذا التفكير، لا تظنّه ازدراء، فالناس إذا تقدموا في العمر يميلون عفوياً إلى الجيل الأصغر. تأكد أن الأمر ليس إلا هذا، و لا تنسَ أن أريستايد ذو إدراك ذكي في الأعمال. لقد سمعته كثيراً يقول بأن حصتين من ضريبة الإرث...



قال فيليب بصوت أجش خافت:



- إنه لم يكن يهتم بي يوماً! كان يحب روجر... روجر. حسناً، لماذا؟ - و ظهرت على وجهه الجميل ملامح حقد غريبة – ... لقد أدرك أبي أن روجر أحمق و فاشل فحرمه من الإرث.



قال يوستيس: و ماذا عني؟



لم أكن لاحظت يوستيس حتى هذه اللحظة، أدركت أنه كان كان يرتجف و ينفعل انفعالاً عنيفاً. كان وجهه حانقاً و امتلأت عيناه بالدموع. كان صوته يتردد و هو يعلو بجنون. قال يوستيس:



- إنه عملٌ مُخزٍ. عمل مخز لعين! كيف يجرؤ جدي أن يفعل ذلك بي؟ كيف؟ كنت حفيده الوحيد فكيف يتجاوزني إلى صوفيا؟ ليس هذا عدلاً. إني أكرهه. أكرهه و لن أغفر له أبداً طوال حياتي... عجوز مستبد قذر. كنت أريده أن يموت... كنت أريد الخروج من هذا البيت. كنت أريد أن أكون سيد نفسي. و الآن أراني تحت إمرة صوفيا و رحمتها. أتمنى لو أنني مت...



انقطع صوته و انطلق خارج الغرفة.



طقطقت إيديث دي هافيلاند بلسانها طقطقة حادة. همستْ:



- لم لا يوجد ضبط للنفس؟



قالت ماجدا: إني أعرف كيف يشعر تماماً.



قالت إيديث بفظاظة:



- أنا واثقة أنك تعرفين.



- حبيبي المسكين! يجب أن أذهب إليه.



أسرعت إيديث وراءها:



- ماجدا..



اختقى صوتهما. بقيت صوفيا تنظر إلى فيليب كأنها تتوسل إليه و لكنها لم تلق استجابة. نظر إليها ببرود و قد ربط جأشه مرة أخرى و قال:



- لقد لعبت أوراقك بمهارة يا صوفيا!



ثم خرج. و قلت:



- هذا كلام قاسٍ. صوفيا...



مدتْ يديها إلي فأمسكتها بذراعي و قلت:



- هذا كثير عليك يا حبيبتي!



- أعرف تماماً بم يشعرون.



- ما كان ينبغي لذلك العجوز – جدك – أن يقحمك في هذا الحرج.



اعتدلت في وقفتها و قالت:



- هو ظن أنني أهل للأمر، و أنا أهله حقاً. أتمنى... أتمنى لو أن يوستيس لم يتأثَر إلى هذا الحد.



- سيتغلب على ذلك.



- حقاً؟ إنني أتساءل، فهو يكتئب و يفكّر كثيراً. و أبي تأثَّرَ تأثّراً بالغاً أيضاً.



- استجابة أمك مقبولة إلى حدٍّ ما؟



- إنها منزعجة بعض الشيء... من غير الطبيعي أن تأتي إلى ابنتها و تسألها مالاً لتنفقه على المسرحيات. سوف تأتيني قبل أن تذهب أنت و تطلب مني تمويل ((إيديث ثومبسون))!



- و ماذا ستقولين لها؟ إن كان هذا يجعلها سعيدة...



رفعت صوفيا رأسها إلى الوراء و قالت.



- أقول: لا. إنها مسرحية فاسدة و أمي لا تستطيع أداء الدور، هذا هدر للمال.



ضحكتُ ضحكة خفيفة لم أملك نفسي منها، فسألتني صوفيا:



- ما الأمر؟



- قد بدأت أدرك لماذا ترك جدك ماله لك أنت... إنك سرّ جدك يا صوفيا!



*****


يتبع

MA7MOUD
10-29-2010, 03:02 AM
<!--[if gte mso 9]><xml> <w:WordDocument> <w:View>Normal</w:View> <w:Zoom>0</w:Zoom> <w:PunctuationKerning/> <w:ValidateAgainstSchemas/> <w:SaveIfXMLInvalid>false</w:SaveIfXMLInvalid> <w:IgnoreMixedContent>false</w:IgnoreMixedContent> <w:AlwaysShowPlaceholderText>false</w:AlwaysShowPlaceholderText> <w:Compatibility> <w:BreakWrappedTables/> <w:SnapToGridInCell/> <w:WrapTextWithPunct/> <w:UseAsianBreakRules/> <w:DontGrowAutofit/> </w:Compatibility> <w:BrowserLevel>MicrosoftInternetExplorer4</w:BrowserLevel> </w:WordDocument> </xml><![endif]--><!--[if gte mso 9]><xml> <w:LatentStyles DefLockedState="false" LatentStyleCount="156"> </w:LatentStyles> </xml><![endif]--><!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"جدول عادي"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]-->
- 21 -
لم يصبني شعور بالأسف مثلما أصابني اليوم؛ لأن جوزفين لم تشهد شيئاً من هذا المشهد كله، يا ليتها كانت! إذن لاستمتعت به كثيراً.

تعافت جوزفين بسرعة، و كان متوقعاً أن تعود في أي يوم، لكن حادثاً آخر هاماً فاتها.

كنت في حديقة الصخور مع صوفيا و بريندا ذات صباح عندما اقتربت من الباب سيارة، خرج منها تافيرنر و الرقيب لامب. صعدا الدرج و دخلا المنزل.

وقفت بريندا جامدة تحدق إلى السيارة، و قالت:

- هذان الرجلان! لقد عادا، كنت أظن أن كل شيء قد انتهى.

رأيتها و هي ترتجف.

كانت بريندا قد انضمت إلينا قبل عشر دقائق، و كانت تلتف بمعطف من الفرو الثمين. قالت:

- إذا لم أتنفس الهواء و ألعب التمارين الرياضية فسأصبح مجنونة، و إذا ذهبت خارج البوابة فهناك صحفي يتربص بي لينقضّ علي. إنني كالمحاصرة، إلى متى؟

قالت صوفيا بأن الصحفيين سيملّون الانتظار عما قريب، و أضافت:

- بوسك أن تخرجي بالسيارة.

- أقول لك بأنني أريد أن أقوم بالتمارين الرياضية.

سكتت. ثم قالت فجأة:

- لماذا أنهيت خدمات لورانس يا صوفيا؟

أجابتها صوفيا بهدوء:

- إننا نُعدّ ترتيبات أخرى من أجل يوستيس. و سوف تسافر جوزفين إلى سويسرا.

- لقد أزجعت لورانس كثيراً. إنه يشعر أنك لا تثقين به.

لم ترد صوفيا عليها و في هذه اللحظة وصلت سيارة تافيرنر. قالت بريندا متذمرة و هي تقف هنا ترتجف في هواء الخريف الرطب:

- ماذا يريدان؟ لماذا جاءا؟

كنت أعرف سب مجيئهما. و لم أخبر صوفيا شيئا عن الرسائل التي وجدتها قرب الصهاريج، لكنني أعلم أنهم حملوا هذه الرسائل إلى النائب العام.

خرج تافيرنر من البيت مرة ثانية. و مشى فوق الممر و المرجة الخضراء و جاء إلينا فارتجفت بريندا أكثر. قالت بعصبية:

- ماذا يريد؟ ماذا يريد؟

ثم وصل تافيرنر إلينا. تكلم بغلظة و نبرة رسمية و كان كلامه رسمياً:

- هذا تبليغ باعتقالك. أنت متهمة بحقن أريستايد ليونايدز حقنة الإيسيرين في التاسع عشر من أيلول الماضي. لابد أن أنبهك أن أي شيء تنطقين به قد ينقلب دليلاً عند محاكمتك.

انهارت بريندا. صرختْ:

- لا. لا. لا. هذا كذب! تشارلز – و تعلّقتْ بي – أخبرهم أن هذا ليس صحيحاً. لم أفعل ذلك! لم أكن أعلم أي شيء من ذلك!... مؤامرة. لا تدعهم يأخذونني! هذا كذب... افهمني! هذا ليس صحيحاً. لم أفعل شيئاً!

كان مشهداً فظيعاً، فظيعاً حتى لم أصدقه!

حاولت تهدئتها، و أرخيت أصابعها القابضة على ذراعي، و وعدتها أن أعيّن لها محامياً يتولى كل شيء، و عليها أن تهدئ من روعها.

كلّمها تافيرنر بلطف. قال لها:

- هيا يا سيدة ليونايدز. هل تريدين قبعة؟ لا؟ إذن نذهب في الحال!

تراجعت و عي تنظر إليه بعيني قطةٍ جاحظتين و قالت:

- لورانس... ماذا فعلتم بلورانس؟

قال تافيرنر:

- إن السيد لورانس براون هو الآخر رهن الاعتقال.

سكن جسدها المرتجف و سالت الدموع على خديها و تبعت تافيرنر عبر المرجة إلى السيارة. رأيت لورانس براون و الرقيب لامب يخرجان من البيت، و ركبوا جميعاً في السيارة و انطلقت بهم.

نظرتُ إلى صوفيا. كانت شاحبة و تلمح في وجهها الألم. قالت:

- إنه أمر مخيف يا تشارلز!... مخيف!

- أعرف.

- لابد أن تحضر لها محامياً قديراً. أحسن محامٍ. يجب... يجب أن تأتي بكل مساعدة ممكنة!

- لا أفهم هذه الأمور. لم أر أحداً يُعتقل أمامي من قبل.

- أعلم. فالمرء لا يكون عنده فكرة عن هذه الأشياء.

صمتنا و ما زلت أفكر في الرعب اليائس على وجه بريندا. ثم، فجأو أدركت السبب.

كانت هذه هي ماللامح التي رأيته على وجه ماجدا في أول يوم دخلت فيه البيت المائل ساعة كانت تتحدث عن مسرحية إيديث تومبسون. كانت قالت: ((و بعدها، الرعب التام، ألا تظن ذلك؟)).

الرعب التام. هذا ما كان على وجه بريندا. إنها لم تكن من الصنف المقاتل، وتساءلت إن كانت أعصابُهاتهيئها لارتكاب جريمة قتل، و لعلها لم ترتكبها. ربما فعلها لورانس براون بسب هوسه الشديد و شخصية المتقلبة. وضع محتوى زجاجة صغيرة في زجاجة أخرى صغيرة... عمل سهل بسيط من أجل امرأة أحبها!

- إذن فقد انتهى الأمر – و تنهدت بعمق – ... لكن، لماذا يحبسونهما و لم يظهر بعدُ دليل كافٍ؟

- بل ظهرت بعض الأدلة. رسائل.

- تعني رسائل حب؟

- نعم.

- و هما يحفظان مثل هذه الأشياء؟ يا للحماقة!

نعم. كانا أحمقين حقاً. إنها الحماقة التي تجعلهما لا يستفيدان من خبرة الناس! لا يمكنك أن تفتح صحيفة يومية فلا تقرأ مثالاً لهذه الحماقة: الرغبة في الاحتفاظ بالكلمة المكتوبة، الحب الأكيد المكتوب.

قلت:

- غنه عمل وحشي يا صوفيا، لكنْ لا تغضبي من أجله، فهذا ما كنا جميعاً نأمله من البداية، أليس كذلك؟ هذا قولكِ انت في فندق الماريوت في أول ليلة التقينا. قلت بأنك تتمنين أن يكون الشخص الذي تفكرين فيه هو من قتل جدك. بريندا هي التي خطرت بالك، أليس كذلك؟ بريندا أم لورانس؟

- توقف يا تشارلز. إنك تبعث في قلبي الرعب!

- الآن نستطيع أن نتزوج يا صوفيا؟ لا تصدّيني أكثر؛ فعائلة ليونايدز بريئة من القضية.

حدقت إلي. لم أدرك من قبل لمعة عينيها الزرقاوين. قالت:

- نعم. أعتقد أننا أبرياء الآن منها. إننا أبرياء منها. هل أنت متأكد؟

- يا عزيزتي، ليس لأجدٍ منكم درّة من دافعٍ لقتله.

شحب وجهها فجأة:

- إلاّ أنا يا تشارلز... لقد كان عندي دافع.

قلت ذاهلاً:

- أجل، بالطبع، لكنه لم يكن يدفعك في الحقيقة، فأنت لم تكوني تعلمين بأمر الوصية.

همستْ:

- بل كنت أعلم يا تشارلز.

- ماذا؟

- قد كنت أعلم أن جدي أوصى بماله لي.

- كيف؟

- لقد أخبرني جدي ذلك قبل أسبوعين من مقتله. قال لي فجأة: ((لقد تركت ثروتي كلها لك يا صوفيا. يجب أن تعتني بالعائلة من بعدي)).

حدقت من الدهشة.

- إنك لم تخبريني يوماً بذلك!

- كلا. اسمع: عندما أوضح الجميع أمر الوصية و أنه وقعها فقد ظننتُه ارتكب خطأ بحديثه معي و أنه يحسب أنه ترك لي وحدي. أو أنه – إذا كتب وصية يترك فيها ثروته لي – فإنها إذن قد ضاعت و لن تظهر أبداً. لم أكن أريد أن تظهر الوصية. كنت خائفة.

- خائفة؟ لماذا؟

- أظن... لعله بسبب القتل.

تذكرت نظرة الرعب على وجه بريندا و الهلع غير المبرّر، و ذكرت الرعب الذي خطر ببال ماجدا، الرعب التام، حين فكرتْ أن تمثّل دور القاتلة.

لم يكن الذعر ليدخل في قلب صوفيا، لكنها كانت واقعية و كانت تستطيع أن ترى تماماً أن وصية ليونايدز ستجعلها في موقع الشبهة.

قد عرفت الآن أكثر لماذا رفضت زواجنا و إلحاحها عليّ لأكشف الحقيقة. لا شيء سوى الحقيقة ينفعها. لقد قالت ذلك برغبة عارمة و لهفة أذكرها جيداً.

عدنا نسير نحو البيت. و فجأة، في مكان ما، تذكرت شيئاً آخر كانت قد قالته. لقد قالت صوفيا إنها تقدر أن تقتل شخصاً ما و لكن ذلك سيكون من أجل شيء يستحق القتل.

*****




- 22 -
جاء روجر و كليمنسي يمشيان نحونا عند منعطف في حديقة الصخور. كانت ثياب روجر الواسعة تناسبه أفضل من الثياب الرسمية. كان يبدو متلهفاً ثائراً و زوجته عابسة، و قال:

- مرحباً بكما. أخيراً! ظننت أنهم لن يعتقلوا تلك المرأة القذرة، لا أدري ماذا كانوا ينتظرون؟ حسنا. قد سجنوها مع صديقها البائس و أرجو أن يشنقوهما معاً.

ازدادت كليمنسي عبوساً و قالت:

- لا تكن متوحشاً يا روجر!

- متوحشاً؟... هراء! عندما يُقتل عجوز مسكين بالسُّم عمداً و بدم بارد هو لا حول له و لا قوة ثم ابتهج لأنهم أمسكوا المجرم لينال عقابه تزعمين بأنني متوحش؟ يا ليتني أشنق تلك المرأة بيديّ! وثق العجوز بها فخانته!... حين جاء الشرطة ليقبضوا عليها كانت معكما، أليس كذلك؟ كيف كان حالها؟

قالت صوفيا بصوت اخفت:

- كان موقفاً رهيباً. كانت مذعورة حتى فقدت صوابها!

- إنها تستحق ذلك.

قالت كليمنسي: لا تكن حقوداً!

- إنك يا عزيزتي لن تستوعبي الموقف فهو لم يكن والدك. كنت أحب والدي، ألا تفهمين؟ كنت أحبه.

- لقد فهمت الآن.

قال روجر كلاماً يشبه المزاح:

- ليس لك خيال يا كليمنسي. ماذا لو كان الذي تسمم أنا..؟

رأيت كيف انخفض جفناها و كيف صفقت كفّيها و قالت تزجره:

- لا تقل أشياء كهذه و إن كنت مازحاً!

- لا عليكِ يا عزيزتي. سنرحل من هنا عما قريب.

سألتُها: أأنت مهتمة بالرحيل كثيراً؟

- إن البقاء في هذا البيت يرهقني.

نظرت إليها مندهشاً فابتسمت ابتسامة باهتة و أومأت برأسها:

- ألم تر يا تشارلز أنني كنت أقاتل طوال الوقت؟ أقاتل من أجل سعادتي، من أجل سعادة روجر. كنت أخشى كثيراً أن تقنعه العائلة بالبقاء في إنكلترا، فهذا يعني أن نستمر في العيش معهم و نظل في قبيود الروابط العائلية. كنت أخشى أن تعطيه صوفيا مالاً فيبقى في إنكلترا ظانّاً أن في ذلك راحة و متعة لي! إن مشكلة روجر أنه لا يصغي. لديه أفكار و لكنها خاطئة. إنه لا يعرف شيئاً، و هو مثل أبيه ليونايدز: يظن أن سعادة المرء في راحتها و المال. لكني ساقاتل من أجل سعادتي، سأقاتل. سآخذ روجر بعيداً و أمنحه الحياة التي تناسبه حيث لن يشعر بالفشل. أريده لنفسي بعيداً عنهم جميعاً... بعيداً تماماً!

كان كلامها سريعاً بصوت خافت و يأس جفلت منه، فلم أكن أدرك أنها كانت على حافة الانهيار، و أنا لم أدرك أيضاً كيف أن شعورها نحو روجر كان شعور يأس و تملّك. عندها تذكرت تلك الكلمة الغريبة من فم إيديث دي هافيلاند... ((هذا الحب الأعمى)))، لقد اقتبستْها بنبرة غريبة. تُرى أكانت تفكر في كليمنسي؟

أظن أن روجر كان يحب والده أكثر من أي شخص آخر حتى زوجتِه التي كان مخلصاً لها. لقد أدركت لأول مرة كيف كانت رغبة كيمنسي أن تستحوذ على زوجها رغبة ملحة، و رأيت أن حبها روجر هو محور وجودها، كان هو طفلها، و زوجها، و حبيبها!

جاءت سيارة نحو الباب الأمامي و رأينا فيها جوزفين...

خرجت جوزفين و ماجدا من السيارة. كان رأس جوزفين ملفوفاً بضمادة، لكنها – رغم ذلك – كانت تبدو معافاة! قالت جوزفين من فورها:

- أريد أن ارى سمكتي الذهبية.

و كانت تنظر إلينا و إلى بركة الماء. قالت ماجدا:

- من الأفضل لك يا حبيبتي أن تستريحي أولاً بعض الوقت،و تتناولي بعض الشُّربَة المغذية.

- لا عليك يا أمي. إنني بخير، ثم إنني أكره الشُّربَة المغذية.

ترددت ماجدا. كنت أعلم أن جوزفين كانت تستطيع – في الحقيقة – مغادرة المستشفى منذ بضعة أيام، و أن إشارة من تافيرنر هي التي ابقتها هناك أياماً أْخَر، فلم يكن يريد أن يجازف بسلامة جوزفين حتى يُعتقل المشبوهون. قلت لماجدا:

- أعتقد أن الهواء النفي ينفعها، سأهذب لمراقبتها.

أمسكتُ بجوزفين قبل أن تصل إلى بركة الماء و قلت:

- لقد حدثت جميع الأشياء بينما كنت بعيدة عن البيت.

لم تجبني جوزفين. نظرت بعينيها الضعيفتين إلى البركة و قالت:

- أين فيرْديناند؟

- أيّها هو فيرديناند؟

- ذلك الذي له أربعة ذيول.

- ذلك النوع مسلٍّ، فأنا أحب السمك الذهبي اللامع.

- إنه مشهور!

- و لا أهتم كثيراً بتلك السمكة البيضاء كأنها قميص عفن!

نظرت جوزفين إليّ نظرة إزدراء و قالت:

- هذه سمكة الشيبارنكين. إنها غالية الثمن، أغلى بكثير من السمك الذهبي.

- ألا تودين معرفة ما حدث يا جوزفين؟

- أعتقد أنني أعرف ذلك.

- هل عرفت بالوصية الأخرى و أن جدك ترك ثروته لصوفيا؟

أومأت جوفزين بأسلوب يدل على ضجرها.

- لقد أخبرتني أمي، و على كل حال كنت أعرف ذلك من قبل.

- هل تقصدين أنك سمعت ذلك و أنت في المستشفى؟

- لا. كنت أعلم أن جدي قد أوصى بماله لصوفيا. سمعته يقول لها ذلك.

- أكنت تتنصّتين؟

- أجل، إني أحب التنصّت.

- إنه عمل مخزٍ، و تذكري أن الذين يتنصّتون لا يسمعون خيراً لأنفسهم!

نظرتْ إلي نظرة غريبة:

- بل سمعت ما قاله لها بشأني إن كان هذا ما تعنيه. ناني تغضب و تهيج إن هي أمسكت بي و أنا أتنصّت على الأبواب. إنها تقول بأنه عمل غير طبيعي من ((ليدي)) صغيرة!

- إنها على حق تماماً.

- أوه! لا توجد ((ليدي)) هذه الأيام. كانوا يقولون ذلك في هيئة الخبراء. زعموا أنه لقب قديم.

غيّرتُ مجرى الحديث قائلاً:

- لقد تأخرت في العودة إلى البيت و فاتك الحدث الكبير. لقد قبض رئيس المفتشين على بريندا و لورانس.

كنت أتوقع من جوزفين، فتاة التحري الصغيرة، أن تهتز من هذا الخبر، لكنها رجعت تقول بأسلوبها الممل المثير للجنون:

- أعرف.

- كيف و قد حدث ذلك لتوه؟

- مرت السيارة من جانبنا في الطريق. كان رئيس المفتشين تافيرنر و رجل التحري الذي لبس الحذاء السويدي في السيارة و خلفهما بريندا و لورانس فعرفت أنهما لا شك قد اعتُقلا. أرجو أن يكون قد حذّرهما! بيجب عليه ذلك.

أكدت لها أن تافيرنر قد اتبع الأصول بحزم. قلت معتذراً:

- نسيت أن أخبره بأمر الرسائل. لقد وجدتها وراء الصهاريج. كنت سأدعك تخبرينه و لكنك تعجلت في الذي فعلتِه.

تحسست جوزفين راسها بيدها الحيوية، و قالت بزهو:

- كدتُ أكون مقتولة. لقد قلت لك بأن الوقت حان لتظهر جريمة قتل ثانية. كانت غرفة الصهاريج مخبأ فاسداً لهذه الرسائل. عرفت ذلك منذ رأيت لورانس يخرج منها ذات يوم. لم يكن رجلاً نافعاً يُحسن إصلاح الصنابير أو الأنابيب أو الكهرباء، فعرفت أنه كان – لا شك – يخفي شيئاً هناك.

و نقطع صوتي عندما سمعت صوت إيديث دي هافيلاند ينادي آمراً:

- جوزفين، جوزفين، تعالي هنا في الحال.

تنهدتْ جوفزين و قالت:

- مزيداً من الجلبة، لكن من الأفضل ان أذهب. يجب عليك أن تطيع إن كان الآمر هو الخالة إيديث.

ركضت عبر المرجة، و تبتُها ببطء.

بعد كلمات قليلة دخلت جوزفين إلى البيت و جئتُ إلى إيديث عند المصطبة حيث أرعبني القلق و المعاناة في وجهها، فقد بدت منهكة و مهزومة. و لمحتْ في وجهي اهتماماً و حاولتْ أن تبتسم. قالت:

- يبدو أن تلك الطفلة قد جلبت لنفسها السوء من مغامرتها، سوف نعتني بها أحسن، لكنّ هذا غير ضروري الآن – تنهدتْ – ... ما أسعدني لأن الأمر قد انتهى! يا له من عرض! إذا تم سجنك بتهمة قتلٍ فلا أقل من بعض الكرامة. إنني لا أصبر على أناس مثل بريندا التي انهارت و كانت تصرخ... هؤلاء الناس لا يملكون الجرأة. كان لورانس براون كأرنبٍ حُشر في زاوية!

قلت لها مشفقاً:

- شريران مسكينان!

- نعم، شريران مسكينان. أظن أنها تدرك كيف تحفظ نفسها، أليس كذلك؟أقصد البحث عن محامين أكْفاء و نحو ذلك!

ما أغرب هذا الأمر: كلهم يكرهون بريندا لكنهم يهتمون أن تحصل على فرصة للدفاع عن نفسها!

و ما زالت إيديث تتكلم:

- كم يطول الأمر؟ كم يستغرق الأمر كله؟

قلت بأنني لا أعرف تماماً، فربما يجري التحقيق في مركز الشرطة ثم يُنقلان إلى المحكمة. و قدرت أن يتم ذلك في غضون ثلاثة أشهر أو أربعة، و إذا تمت إدانتهما فسيكون استئناف.

- و هل تظن أن تتم إدانتهما؟

- لا أدري. لا أدري ما هي أدلة الشرطة تماماً. هناك رسائل.

- رسائل حب؟ إذن فقد كانا عشيقين.

- أجل.

عبستْ:

- لست سعيدة لسماع ذلك يا تشارلز. أنا لا أحب بريندا. كنت من قبلُ أكرهها كثيراً و قلت أشياء قاسية بحقها، لكني أشعر الآن برغبة في أن تحصل على فرصة، كل فرصة ممكنة! كان أريستايد سيتمنى ذلك. أتمنى أن تلقى بريندا العدل و الإنصاف!

- و لورانس؟

هزت كتفيها و قالت:

- لورانس! على الرجال أن يعتنوا بأنفسهم. ما كان أريستايد يغفر لنا لو أننا...

لكنها قطعت كلامها فجأة:

- لابد أن وقت الغداء قد حان. من الأفضل أن ندخل.

شرحت لها بأنني مسافر إلى لندن.

- في سيارتك؟

- نعم.

- فهل تستطيع أن تأخذني معك؟ أعتقد أنه سُمح لنا أن نخرج؟

- أجل، لكني أظن أن ماجدا و صوفيا ستذهبان إلى لندن بعد الغداء و سوف تشعرين براحة أكبر معهما؛ لأن سيارتي بمقعدين فحسب.

- لا أريد مرافقتهما. خذني معك و لا تتكلم كثيراً.

تفاجأت، لكني أطعتُها. لم نتكلم كثيراً في طريقنا إلى المدينة. سألتها:

- أين تريدين؟

- شارع هارلي.
أصابني بعض الخوف لكني لم أحب أن أنطق بكلمة. قالت:

- كلا، إن الوقت مبكر جداً. أنزلني في ديبنًهامز لآكل الغداء هناك ثم أذهب إلى شارع هارلي.

قلت: أرجو.. ثم سكتّ.

- من أجل هذا لم أكن أريد مرافقة ماجدا.. تثير النقاش و تخلق ضجة كبيرة!

- إني آسف جداً!

- لا حاجة بك للأسف. لقد عشتُ حياة طيبة. حياة طيبة جداً.

ثم ابتسمت ابتسامة مفاجئة و قالت:

- و هي لم تنتهِ بعدُ!

*****




- 23 -
لم أكن قد رأيت والدي منذ بضعة أيام. وجدته مشغولاً بأمور أخرى غير قضيتنا فذهبت أبحث عن تافيرنر.

كان تافيرنر يستيمتع بفترة راحة قصيرة، و لم يكن عنده ما يشغله و كان يرغب في الخروج و تناول العصير معي.

هنأته على كشف القضية فتقبّل تهنئتي بفتور و قال:

- لقد انتهى ذلك و لدينا قضية. لا أحد ينكر أننا الآن في قضية.

- أتظن أنك تنح في إدانتهما؟

- تستحيل الإجابة على ذلك، فالدليل الذي بحوزتنا غير مباشر، و هو ما يكون غالباً في قضايا القتل. إن شيئاً كثيراً يعتمد على أقوالهما في هيئة المحلفين و نظرة المحلفين فيهما.

- و ما هو أثر الرسائل؟

- تبدو رسائل خطيرة لمن ينظر فيها أول مرة يا تشارلز. إن فيها إشارات إلى حياتهما معاً بعد أن يموت زوجها و كلمات مثل: ((لن يطول الأمر))، لكن محامي الدفاع يجتهد أن يلويها إلى جهة أخرى مدعياً أن الزوج كان كبيراً جداً، إذن فقد كانا بالطبع يتوقعان موته، و هو أمر معقول. ليس فيها ذكر صريح للسم، لكنّ فيها بعض فقرات ربما تعني ذلك، و هذا يرجع إلى القاضي الذي يتولى القضية، فإن كان هو العجوز كاربِرّي فلن يرحمهما... رجل مستقيم يغضب للخيانة الزوجية! أظن أن إيغلز أو هامفري كير سيحضر ليدافع عنهما. هامفري رائع في هذه القضايا لكنه يجب أن يكون للمتهم سجل حربي جريء أو شيء كهذا ليساعده في العمل... إن المسألة ستكون: ((هل تميل هيئة المحلفين إليهما؟)) أنت لا تعرف أمر هؤلاء المحلفين لكن هذين الاثنين يا تشارلز لا يستحقان عطف الناس عليهما في الحقيقة... امرأة حسناء تزوجت كهلاً كبيراً من أجل ماله. أما براون فهو فتىً هادئ غير عنيف أو عصبي المزاج.
الجريمة مألوفة – يا تشارلز – كثيراً. منسجمة تماماً مع نموذج يجعلك تصدق أنهما لم يقترفاها يقيناً. ربما يقررون أنه فعلها و أنها لم تكن تعلم عن الأمر شيئاً أو أنها هي ارتكبتها بينما لم يكن يعلم هو شيئاً عنها. و لعلهم يقررون أنهما كلاهما مشترك فيها.

- و ما قولك أنت؟

رمقني بنظرو جامدة خالية من التعبير:

- أنا لا أقول شيئاً. لقد عرضت الحقائق و رُفعت إلى المدعي العام، و تقرر أن هناك قضية. هذا كل ما في الأمر. لقد قمت بواجبي و انتهى الآن دوري، فهل عرفت الأمر يا تشارلز؟

لم أكن أعرف. رأيت تافيرنر لم يكن سعيداً لسبب ما.

لم أفْضِ بما في نفسي لوالدي إلا بعد ثلاثة أيام، و هو لم يذكر لي القضية أبداً، و كان بيننا شيء من التحفظ، أعتقد أنني كنت أعرف سبه و كان عليّ أن أكسر هذا الحاجز بيننا، فقلت:

- علينا أن ننتهي من هذا الأمر. إن تافيرنر ليس مقتنعاً أنهما فعلاها، كما أنك أنت لست مقتنعاً أيضاً.

هز والدي رأسه و قال قولة تافيرنر:

- ليس لنا الآن من الأمر شيء. هناك قضية ينبغي حلها، لا شك في ذلك.

- لكنك لا تظن أنت و لا تافيرنر أنهما مذنبان.

- هذا الأمر يقرره المحلفون.

- أبي، لا تتهرب متي بهذه المصطلحات. ما هو رأيك، رأيكما كلاكما؟

- إن رأيي الشخصي ليس أفضل من رأيك يا تشارلز.

- بل هو كذلك، فإن خبرتك أفضل من خبرتي.

- إذن أصدقك... إنني لا أعرف.

- هل يمكن أن يكونا مذنبين؟

- أوه! نعم.

- لكنك ترتاب في ذلك.

- و كيف للمرء أن يتأكد؟

- لا تتهرب مني يا أبي. لقد كنت متأكداً من ذلك في أوقات أخرى، أليس كذلك؟ كنت متأكداً تماماً من غير أدنى شك.

- بلى، أحياناً و ليس دائماً.

- أرجو من الله أن تكون في هذه المرة متأكداً!

- و أنا أيضاً أرجو ذلك!

- صمتنا كلانا. كنت أفكر في أمر هذين الاثنين اللذين تسللا من الحديقة وقت الغسق وحيدين خائفين. كانا خائفين. ألم يكن الخوف يدل على الشعور بالذنب؟ لكني أجبت نفسي: ليس ذلك بالضرورة؛ فقد كان لورانس و بريندا خائفين من الحياة. لم يكن عندهما ثقة بالنفس و لا قدرة على اجتناب الخطر و الهزيمة، و كانا يعرفان أن الحب غير الشرعي الذي يؤدي إلى ارتكاب جريمة ربما يورطهما في أية لحظة.

تكلم والدي بهدوء و لطف:

- هيا يا تشارلز، دعنا نواجه الحقيقة، إنك ما زلت ترى في نفسك أن أحد أفراد عائلة ليونايدز هو القاتل، أليس كذلك؟

- ليس في الحقيقة، إني أتسائل فقط.

- بل تعتقد ذلك. ربما تكون مخطئاً لكنك تعتقده.

- أجل.

- لماذا؟

- لأن.. لأن.. نعم، هذا هو... لأنهم يعتقدونه أنفسهم.

- هم يعتقدون ذلك؟ هذا مثير للاهتمام! أتقصد أنهم يشتبهون بعضهم أو أنهم يعرفون القاتل؟

- لا أدري، الأمر كله غامض جداً. على كل حال فهم يحاولون أن يحجبوا عن أنفسهم المعرفة.

أومأ والدي برأسه. قلت:

- ليس روجر. روجر يعتقد من كل قبله أن الفاعل بريندا و يتمنى و يدعو أن تعلّق على المشنقة. مشكلة روجر سهلة؛ لأنه بسيط و واثق من نفسه و ليس في صدره شيء. لكن الآخرين يميلون للاعتذار، مرتبكون، يصرّون عليّ بأن أتأكد أن بريندا قد حصلت على أفضل محامٍ و أُعطيت كل فرصة ممكنة. لماذا؟

- لأنهم لا يعتقدون في قلوبهم أنها مذنبة. أجل، هذا صحيح. تشارلز، من يكون قد فعلها يا ترى؟ هل تحدثت إليهم جميعاً؟ من هو أفضل رهان؟

- لا أعرف، و هذا يدفعني للجنون، لا أحد منهم تنطبق عليه صورة القاتل! لكني أشعر شعوراً صادقاً أن القاتل هو أحدهم.

- صوفيا؟

- لا، يا إلهي! لا.

- إن الاحتمال موجود في ذهنك يا تشارلز، نعم، إنه كذلك. لا تحاول إنكاره، ألم يخطر في ذهنك يا تشارلز؟ بلى، و هو وجه قوي لن تعترف به. ماذا عن الآخرين؟... فيليب؟

- من أجل دافع غريب جداً فقط.

- قد يكون الدافع غريباً أو لعله سخيف قليلاً. ما هو دافعه؟

- إنه شديد الغيرة من روجر. كان غيوراً طوال حياته. إن تفضيل روجر عليه قد دفعه إلى الوحدة و الخلوة بنفسه، و كان روجر يوشك على الانهيار مادياً ثم سمع العجوز فوعده بالمساعدة، فماذا لو علم فيليب ذلك؟ لو مات العجوز تلك الليلة فلن ينال روجر المساعدة فيسقط و يخرج من العمل. أعرف أن هذا سخيف!

- كلا، بل هو أمر شاذ ربما يحدث، فهو سلوك بشري متوقع. و ماذا عن ماجدا؟

- الحق أنها طفولية. إن تصرفاتها لا تناسب مكانتها، لكني ما كنت لأفكر يوماً أنها قد تكون متورطة لولا عزمها المفاجئ على إرسال جوزفين إلى سويسرا. لعلها قد خافت من شيء تعرفه جوزفين.

- ثم ضُربت جوزفين على رأسها؟

- لا يفعل ذلك والدتها.

- و لم لا؟

- لكن يا أبي، إن الأم لا يمكن...

- تشارلز، تشارلز، ألا تقرأ بيانات الشرطة؟ كم جريمةً سببُها كراهية أم لأحد أطفالها!... لكن، لعلها تحب أطفالها الآخرين. لا شك في بعض الصلة أو سبب ما يصعب – في الغالب – معرفته.

اعترفت لأبي:

- إنها تمازح جوزفين و تقول بأنها ليست ابنتها.

- أوكانت الطفلة تهتم؟

- ربما.

- مَن غيرهم يا تشارلز؟

- روجر لم يقتل والده. أقسم على ذلك.

- استثنِ روجر إذن. زوجته ما اسمها... كليمنسي؟

- أجل. لو كانت هي التي قتلت العجوز ليونايدز فإن هذا لسبب غريب جداً.

و سردت عليه حديثي مع كليمنسي، و قلت:

- لعلها – رغبة منها في إخراج روجر من إنكلترا – قتلت أباه العجوز. لقد اقنعت روجر أن يهذب و لا يخبر والده ثم عرف العجوز الأمر و كان يريد دعم شركة التجهيز الغذائي، فأُحبطت آمال كليمنسي و خطتها جميعاً. كما أنها تهتم بأمر روجر و هي يائسة... كانت تحبه حباً أعمى.

- أنك تقول ما قالته إيديث دي هافيلاند.

- نعم، و إن إيديث واحدة أخرى. أظنها قد تفعلها لكني أجهل السب، ربما رغبةً في السيطرة على أهل البيت. إنها تحب الهيمنة.

- و هي مهتمة أيضاً أن تلقى بريندا محامي دفاع قديراً، أليس كذلك؟

- بلى، و ربما يدل هذا على ضميرها الحي، فلو أنها ارتكبت الجريمة لأرادت أن تلصق التهمة ببريندا.

- ربما، و لكن، هل كانت ستصرع جوزفين؟

- لا. و هذا يذكرني بأن جوزفين قالت لي شيئاً ما زال يدق في رأسي و لا أستطيع أن أتذكر ما هو؟ لقد نسيته، لكنه شيء يخالف هيئته. ليتني أستطيع أن أذكره!

- لا عليك، سوف تذكره. أفي ذهنك شيء أو اسم آخر؟

- نعم، كثيراُ جداُ. ماذا تعرف عن شلل الأطفال؟ أقصد: ما أثره في الشخصية؟

- يوستيس؟

- أجل. كلما فكرت في هذا الأمر أكثر بدا لي أن يوستيس يفعلها: كرهيته و استياؤه من جده و كآبته و غرابة أطواره. إنه الوحيد في العائلة الذي يمكن أن يقتل جوزفين بطريقة لا ترحم إذا كانت تعرف عنه شيئاً. و لعلها تعرف؛ لأن جوزفين تعرف كثيراً و تدونه في دفتر صغير...

و سكتُّ فجأة ثم صحت: يا إلهي! يالحماقتي!

- ماذا أصابك؟

- الآن عرفت ما الخطأ؟ لقد افترضنا أنا و تافيرنر أن تخريب غرفة جوزفين و البحث المحموم فيها كان من أجل تلك الرسائل، كنت أظن أنها تخفيها في غرفة الصهاريج، لكنها – حين لكمتني البارحة – قالت إن لورانس هو الذي كان يخبئها فيها؛ لأنها شاهدته يخرج من غرفة الصهاريج فذهبت تتلصص فوجدت الرسائل. ثم، بالطبع، قرأتْها، لكنها تركتها مكانها.

- حسناً؟

- ألا تفهم؟ كيف يبحث ذلك الشخص عن الرسائل في غرفة جوزفين؟ لا جرم أنه كان يريد شيئاً آخر.

- و ما ذلك الشيء..

- الدفتر الأسود الصغير الذي كانت تدون فيه نتائج أعمال التحري الذي تقوم به. إنه الشيء الذي كان يبحث ذلك الشخص عنه. و أظن أن ذلك الشخص لم يجده، بل أعتقد أن جوزفين ما زالت تحفظه، فإن كان كذلك...

و هممت بالنهوض. قال أبي:

- إن كان كذلك فإنها ما تزال في خطر، أليس هذا ما كنت تقصده؟

- بلى، لن تنجو من الخطر حتى ترحل إلى سويسرا... إنهم يخططون لإرسالها.

- هل تريد هي ان تذهب؟

- فكرت ثم قلت:

- لا اظن.

قال أبي بحدة:

- إذن فربما لا تذهب. لكنك مصيب في شأن الخطر. خيرٌ لك أن تذهب هناك.

صرخت: يوستيس؟ كليمنسي؟

قال والدي:

- الحقائق في ذهني يا بنيّ تشير إلى وجه واحد بوضوح. إني أعجب، كيف لا تراها هكذا؟ إنني..

فتح جلوفر الباب:

- عذراً يا سيد تشارلز. مكالمة لك: الآنسة ليونايدز تتحدث من سوينلي دين. الأمر عاجل.

ظننت أن الأمر تكرار مرعب: هل سقطت جوزفين ضحية مرة أخرى و هل أصاب القاتل هذه المرة هدفه؟

أسرعت إلى الهاتف:

- صوفيا؟ أنا تشارلز.

جاء صوت صوفيا و فيه نبرة من اليأس:

- تشارلز. الأمر لم ينته بعدُ! إن القاتل لا زال هنا!

- ماذا تقصديم؟ ماذا جرى؟ هل هي... جوزفين؟

- ليست جوزفين بل ناني!

- ناني؟

- أجل. كان على الطاولة بعض الكاكاو. كاكاو لجوزفين. لم تشربه. تركته على الطاولة. ناني حسبت أن من المؤسف سكبه فشربتْه!

- المسكينة ناني! و كيف حالها؟

انقطع صوت صوفيا:

- أه! تشارلز، لقد ماتت!




<!--[if gte mso 9]><xml> <w:WordDocument> <w:View>Normal</w:View> <w:Zoom>0</w:Zoom> <w:PunctuationKerning/> <w:ValidateAgainstSchemas/> <w:SaveIfXMLInvalid>false</w:SaveIfXMLInvalid> <w:IgnoreMixedContent>false</w:IgnoreMixedContent> <w:AlwaysShowPlaceholderText>false</w:AlwaysShowPlaceholderText> <w:Compatibility> <w:BreakWrappedTables/> <w:SnapToGridInCell/> <w:WrapTextWithPunct/> <w:UseAsianBreakRules/> <w:DontGrowAutofit/> </w:Compatibility> <w:BrowserLevel>MicrosoftInternetExplorer4</w:BrowserLevel> </w:WordDocument> </xml><![endif]--><!--[if gte mso 9]><xml> <w:LatentStyles DefLockedState="false" LatentStyleCount="156"> </w:LatentStyles> </xml><![endif]--><!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"جدول عادي"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]--> - 24 -
عدنا إلى الكابوس ثانية. هذا ما خطر بالي بينما كنت و تافيرنر في السيارة خارجيْن من لندن كما فعلنا في رحلتنا الأولى.

كان تافيرنر بين فترة و أخرى يخفف من توتره بالشتائم في حين كنت أكرر أنا من وقت لآخر بغباء و دون فائدة: إذن فلم يكن بريندا و لورانس! لم يكن بريندا و لورانس!

هل كنت حقاً أعتقد أنهما هما الفاعل؟ كنت سعيداً بهذا الاعتقاد لأنه يدفع عن الآخرين الاختمالات الأكثر شراً!

كانا يحبان بعضهما و كتبا رسائل عاطفية سخيفة، و أخذتهما الآمال بموت العجوز قريباً بسلام و سعادة. لكن، هل كانا يرغبان موته حقاً؟ كنت أشعر أن الشوق و القنوط في الحب غير السعيد أنسب لهما من الزواج. كنت أظن أن بريندا تتوق فقط إلى حياة رومانسية، و لورانس أظنه يستمتع بالإحباط و أحلام المستقبل الغامض و يفرح للسعادة الروحية أكثر من إشباع الغريزة الجسدية.

لقد أوقعهما الخوف في فخ فلم يكونا ذكيين في الخروج من هذا المأزق. إن لورانس كان غبياً إذ لم يتلف رسائل بريندا، و أظن أن بريندا قد أتلفت رسائله لأن أحداً لم يجدها. و لم يكن لورانس هو من وضع ساندة الباب الرخامية فوق باب غرفة الغسيل، بل شخص آخر مازال يستر وجهه بقناع.

توقفت السيارة عند الباب. خرج تافيرنر و تبعته، و رأينا رجلاً قدّرت أنه من الشرطة السرية في الصالة. حيا تافيرنر و جذبه تافيرنر إليه.

لفت انتباهي كومة من الأمتعة في الصالة عليها رقاع و قد رُزمتْ لتُحمل، و عندما نظرت إليها نزلت كليمنسي عن الدرج و دخلت من الباب المفتوح أسفله. كانت تلبس فستانها الأحمر و عليها معطف و قبة حمراء. قالت:

- لقد جئت في الوقت المناسب لتودعنا يا تشارلز.

- و هل انتما مسافران؟

- سنذهب إلى لندن الليلة. سوف تطير طائرتنا في وقت مبكر من صباح الغد.

كانت هادئة تبتسم و قد بدا الترقب في عينيها.

- لكنكما لا تستطيعان الذهاب الآن بالتأكيد؟

- و لم لا؟

كان صوتها قاسياً. قلت:

- من أجل هذه الوفاة...

- ليس لنا أية علاقة بوفاة ناني.

- ربما، لكن...

- لماذا تقول: ((ربما))؟ لا شأن لنا بالأمر. كنت أنا و روجر في الطابق الأعلى نحزم أمتعتنا. لم ننزل لحظةً قطُّ ساعة تُرك الكاكاو على طاولة الصالة.

- هل يمكنك أن تثبتي ذلك؟

- أستطيع إثباته عن روجر، و روجر يستطيع إثباته عني.

- ألا شيء غير هذا؟ أنتما زوجان، تذكرا ذلك.

اشتعل غضبها.

- مستحيل يا تشارلز! إنني و روجر راحلان لكي نحيا حياتنا الخاصة. لماذا نسمّ عجوز حمقاء لم تؤذِنا أبداً؟

- لعلكما لم تكونا تقصدان تسميمها هي.

- و نحن لا نسمم طفلة أيضاً.

- هذا يعتمد على الطفلة في الواقع، أليس كذلك؟

- ماذا تقصد؟

- جوزفين ليست طفلة عادية. إنها تعرف عن الناس كثيراً. إنها...

سكتّ. و ظهرت جوزفين من الباب تسير نحو غرفة الاستقبال تقضِم تفاحة و عيناها تلمعان و خداها متوردان و هي فرحة فرحاً شديداً. قالت:

- لقد سُمّمتْ ناني مثل جدي... أمر مثير، أليس كذلك؟

سألتها بقوة:

- ألا يزعجك ذلك؟ ألم تكوني تحبينها؟

- قليلاً. كانت تزجرني دائماً و تثير الضجة.

سألتها كليمنسي:

- هل تحبين أحداً يا جوزفين؟

أدارت جوزفين عينيها الغوليتين نحو كليمنسي:

- أحب خالتي إيديث كثيراُ، و أحب يوستيس لكنه نذْل، لم يشاركني في اكتشاف الفاعل.

قلت: من الأفضل لك يا جوزفين أن تكفّي عن تحرياتك، فهذا عمل غير آمن!

- لا حاجة أن أتحرّى شيئاً منذ الآن. إني أعرف.

صمتنا لحظة. كانت عينا جوزفين ساكنتين لا تطرفان و مازالتا تنظران إلى كليمنسي.

و سمعت صوتاً كالشهيق فاستدرت إلى الخلف. كانت إيديث دي هافيلاند تقف في وسط الدرج لكنها لم تكن صاحبة الشهيق، فقد جاء الصوت من وراء الباب الذي جاءت منه جوزفين لتوها.

خطوت نحوه بخفة و فتحته بقوة فلم أر أحداً.

أصابني قلق شديد. كان بالباب شخص و سمع كلمات جوزفين هذه. عدت و أمسكت جوزفين من ذراعها و هي تأكل تفاحتها و تحدق في كليمنسي بثبات. ظننت أن وراء هدوئها رضىً خبيثاً. قلت:

- هيا يا جوزفين. سنذهب لنتحدث قليلاً.

أظن أن جوزفين تمنعت لكني لم اكنت أحتمل أي كلام تافه. أسرعت بها رغماً عنها إلى الجناح الذي تسكن فيه، و أخذتها بقوة إلى غرفة صغيرة لا تستعمل حيث لن يسمعنا أحد. أغلقت الباب بقوةو أجلستها على كرسي و أخذت كرسياً آخر و سحبته للأمام حتى قابلتها، و قلت:

- و الآن يا جوزفين. ستصارحينني. ماذا تعرفين؟

- كثيراً جداً من الأمور.

- لا شك في هذا، فرأسك مليء بالأخبار المتصل منها بالقضية و غير المتصل، لكنك تعلمين تماماً ما أقصده، أليس كذلك؟

- بلى، إني أعرف. لست غبية.

لم أدرِ إن كان هذا ذماً لي أم للشرطة لكني لم أكترث له. و قلت:

- هل تعرفين من وضع لك شيئاً في الكاكاو؟

أومأت جوزفين برأسها أنْ ((نعم)).

- و تعرفين من دسّ السم لجدك؟

أومأت أنْ ((نعم)) أيضاً.

- و تعرفين من ضربك في رأسك؟

أومأت أنْ ((نعم)) مرة ثالثة.

- إذن فستخبرينني بما تعرفينه، ستخبرينني بكل شيء... الآن.

- لن أفعل.

- يجب أن تفعلي. إن عليك أن تخبري الشرطة بكل معلومة لديك.

- لن أخبر الشرطة بشيء؛ لأنهم أغبياء يظنون أن بريندا هي القاتل أو لورانس، و أنا لست غبية مثلهم. كنت أعلم تماماً أنهما لم يفعلاها. كانت لدي فكرة عن الفاعل من البداية، ثم أجريت نوعاً من اختبار، و الآن أعرف أنني كنت على حق.

أنهت كلامها و فرحة الانتصار على وجهها.

دعوت الله أن يلهمني الصبر، و حدقت إليها ثانية:

- اسمعيني يا جوزفين: أظن أنك ذكية جدا... – بدت جوزفين مسرورة – ... لكنّ ذكاءك لن ينفعك كثيراً إذا لم تستمتعي بالحقيقة. ألا ترين – أيتها الحمقاء – أن كتمانك أسرارك بهذه الطريقة السخيفة يجعلك في خطر كبير؟

- بل أفهم ذلك بالطبع.

- لقد نجوتِ من الموت مرتين بأعجوبة. في المرة الأولى أوشكت أن تموتي، و في المرة الثانية ضحى شخص آخر بحياته. ألن تفهمي أن التجول في البيت و الجهر بأعلى صوتك أنك تعرفين مَن القاتل يهيء لمحاولة ثالثة فتموتي أو تموت نفس أخرى؟

قالت جوزفين بمتعة:

- في بعض القصص يُقتل الشخص تلو الآخر و تنتهي بالقبض على القاتل، لأنه، أو لأنها الشخص الوحيد الذي بقي.

- هذه ليست قصةً بوليسية. هذا بيت ((ثري غابلز)) في سوينلي دين، و أنت فتاة صغيرة حمقاء قرأتْ أكثر مما يفيد مصلحتها! سأجعلك تخبرينني بما تعرفينه لو تطلّب الأمر استعمال القوة.

- أستطيع دائماً أن أخبرك بشيء غير صحيح.

- لكنك لن تفعلي. على أية حال فماذا تنتظرين؟

- إنك لا تفهم. لعلي لا أخبرك أبداً، فربما كنت أحب هذا الشخص.

و سكتت كأنها تريد أن أفهم مغزاها ثم قالت:

- لو أخبرتك فسأفعل هذا برطيقة صحيحة: أجمع الجميع فيجلسون حولي ثم أفصّل الأمر كله مع الأدلة، ثم أقول على بغتة: ((و الفاعل هو أنت..)).

و أشارت بسبابتها بطريقة مثيرة إلى إيديث دي هافيلاند التي دخلت الغرفة و قالت:

- ضعي لب التفاحة في تلك السلة يا جوزفين، هل معك منديل؟ أرى أصابعك دبقة، سآخذك في السيارة.

و قابلت عيناي عينيها بإشارة ذات دلالة. قالت:

- ستكونين آمنة و أنت خارج البيت في الساعة القامة أو قريباً من ذلك.

أبدت جوزفين تمردها فقالت خالتها:

- سنذهب إلى لونغ بريدج و نشتري البوظة.

لمعت عينا جوزفين و قالت تخاطب خالتها:

- اثنتان؟

- ربما. اذهبي الآن و البسي قبعتك و معطفك و وشاحك الكحلي، فالطقس اليوم بارد. الأفضل أن ترافقها يا تشارلز حتى تلبس ملابسها. لا تتركها، فلدي رسالتان أريد كتابتهما.

جلست إيديث على الطاولة و رافقتُ جوزفين خارج الغربة. كنت آخشى خطراً وشيكاً على الطفلة و قريباً منها!

و بعد أن تزينت جوزفين دخلت صوفيا فأذهلها حضوري:

- هل تحولت يا تشارلز إلى مربية أطفال؟ لم أعلم أنك هنا!

تباهت جوزفين و قالت:

- إني ذاهبة إلى لونغ بريدج مع خالتي إيديث. سنأكل البوظة.

- في يوم كهذا؟

- الوبظة دائماً لذيذة، و حين تأكلينها تشرعين بالدفء.

عبست صوفيا و أزعجني لونها الشاحب و الخطوط السوداء تحت عينيها بسب الارهاق.

و رجعنا ثانية حيث إيديث. كانت تكتب على ظرفين، و نهضت بخفة و قالت:

- الآن سننطلق. أخبرت إيفانز أن يحضر سيارة ((الفورد)).

- و تركزت عيناي ثانية على الحقائب و المصقات الزرقاء عليها فأثارت في نفسي قلقاً غامضاً.

كانت سيارة الفورد أمام البيت. لبست إيديث دي هافيلاند قفازها و نظرت إلى السماء:

- إنه يوم جميل! الجو بارد لكنه ينشط البدن... يوم خريفي إنكليزي حقيقي! الأشجار تبدو جميلة بأغصانها العارية تحت السماء بينما تعلّقت بها ورقة ذهبية أو ورقتان!

صمتت قليلاً ثم التفت إلى صوفيا و قبّلتها. قالت:

- وداعاً يا عزيزتي. لا تقلقي كثيراً، يجب احتمال أمور معينة. هيا يا جوزفين.

و دخلت في السيارة تتبعها جوزفين. لّوحتا لنا بينما انطلقت السيارة. قلت:

- أعتقد أنها على حق، من الأفضل إبقاء جوزفين بعيدة فترة من الزمن، لكنّ علينا أن نجعل تلك الطفلة تخبرنا بما تعرفه يا صوفيا.

- لعلها لا تعرف شيئاً... إنها تتباهى فقط. جوزفين تحب أن تجعل نفسها مهمة.

- الأمر أخطر من هذا, هل تعلمين ما هو السم الذي كان في الكاكاو؟

- يعتقدون أنه ديجيتالين. إن خالتي إيديث تتناولة الديجيتالين لقلبها، و في غرفتها زجاجة مليئة منه و لكنها الآن فارغة.

- كان ينبغي أن تحفظ مثل هذه الأشياء بحرص أكبر.

- كانت تفعل ذلك، و لكن ليس صعباً على شخص ما أن يعلم مخبأ المفتاح.

- شخص ما؟ من هو؟

نظرت إلى كومة الأمتعة قائلاً:

- لن يذهبا، يجب ألاّ يسمح لهما بالرحيل.

تفاجأت صوفيا:

- روجر و كليمنسي؟ هل تعتقد يا تشارلز؟

- ما رأيك أنت؟

حركت صوفيا يديها حركة يأس و همست:

- لا أعرف يا تشارلز. كل ما اعرف أنني عدت إلى الكابوس ثانية!

- أعرف. في هذا كنت أفكر و أنا قادم مع تافيرنر.

- هذا كابوس حقاً. تمشي بين الناس و تنظر في وجوههم، و فجأة تتغير الوجوه فلا تعرف منها وجهاً... فقد أصبح الوجه غريباً... غريباًً وحشياً!... تشارلز، هيا نخرج، هيا نخرج كي نصبح في أمان! إني خائفة ما دمت في هذا البيت!

*****




- 25 -
مكثنا في الحديقة طويلاً و لم نذكر شيئاً عن الرعب الذي سكن في قلبنا، و بدلاً من ذلك تحدثت صوفيا بكلام عاطفي في شأن ناني و الألعاب التي كانوا يلعبونها مع ناني و هم أطفال و الحكايا التي كانت العجوز تحكيها لهم عن روجر و أبيهم و الإخوة الآخرين.

- كانوا أطفالها في الحقيقة. عادت إلينا لتساعدنا أثناء الحرب عندما كانت حوزفين طفلة رضيعة و كان يوستيس غلاماً صغيراً مسلياً.

كانت الذكرى بسلماً شافياً لصوفيا، و قد شجعتها على الحديث.

تساءلت: ماذا يفعل تافيرنر؟ لعله يستجوب أهل البيت.

ذهبتْ سيارة فيها مصور و شرطيان و وصلت سيارة إسعاف.

ارتعشت صوفيا قليلاً. و في الحال انطلقت سيارة الإسعاف فعرفنا أنهم قد حملوا جثة ناني إلى المشرحة.

و ما زلنا في الحديقة نجلس أو نمشي و نتحادث، لكن كلماتنا كانت قانعاً لأفكارنا الحقيقية. و أخيراً قالت صوفيا و هي ترتجف:

- الوقت تأخر كثيراً، أظلمت السماء، يجب أن ندخل. الخالة إيديث و جوزفين لم تعودا بعد! كان يجب أن تعودا في هذه الساعة، أليس كذلك؟

أستيقظ في نفسي نوع غامض من القلق... ماذا حدث؟ هل كانت إيديث تتعمد إخراج الطفلة من البيت المائل؟

دخلنا البيت. سحبتْ صوفيا الستائر جميعاً و أشعلت النار و بدت غرفة الاستقبال الكبيرة متناغمة مع جو غير حقيقي من الرفاهية العتيقة، و كانت على الطاولة مزهريات كبيرة من البرونز فيها أزاهير الأقحوان.

قرعت صوفيا الجرس فجاءت خادمة عرفتُ أنها كانت تعمل في الطبق العلوي تحمل الشاي. كانت عيناها حمراوين و تعطس كثيراً، و رأيتها تنظر إلى الوراء بسرعة و خوف.

جاءت إلينا ماجدا، لكن شاي فيليب أرسل إليه في المكتبة. كان دور ماجدا دور امرأة حازنة جامدة. تكلمت قليلاً و قالت مرة واحدة كأنها مشغولة البال:

- أين إيديث و جوزفين؟ لقد تأخرتا.

كنت أشعر بالقلق يزداد في نفسي. و سألت ماجدا:

- أما زال تافيرنر في البيت؟

- ربما.

فذهبت أبحث عنه و أخبرته أني قلق على الآنسة دي هافيلاند و الطفلة.

ذهب إلى الهاتف في الحال و ألقى أوامره، و قال:

- سأخبرك عندما أتلقى خبراً عنهما.

شكرته و عدت إلى غرفة الاستقبال. كانت صوفيا هناك مع يوستيس، و كانت ماجدا قد ذهبت. قلت لصوفيا:

- سيخبرنا تافيرنر عندما يبلغه عنهما شيء.

همستْ: يا تشارلز، لابد أن شيئاً قد حدث!

- عزيزتي صوفيا، إن الوقت لم يتأخر بعد.

قالت يوستيس: ما الذي يقلقك؟ ربما ذهبتا إلى السينما.

ثم خرج من الغرفة متاكاسلاً. و قلت لصوفيا:

- ربما أخذت جوزفين إلى فندق من الفنادق أو إلى لندن، لعلها أدركت أن الطفلة في خطر، ربما أدركت ذلك أفضل.

ردت صوفيا بنظرة كئيبة لم أستطع فهمها جيداً:

- لقد قبلتني قبلة وداع!...

- لم أفهم تماماً قصدها لتلك الملاحظة التي لا تتصل بالحديث فسألتها:

- هل ماجدا قلقة؟


- أمي؟ لا. إنها على ما يرام. إنها لا تشعر بالوقت: تقرأ مسرحية جديدة افاسفور جونز اسمها ((المرأة تقتل)). إنها مسرحية مسلية عن جريمة قتل... عصفورة زرقاء... قصة مسروقة من مسرحية ((الزرنيخ و رباط الحذاء القديم))، لكن فيها دوراً جيداً لامرأة أصابها الجنون عندما أصبحت أرملة.

لم أقل شيئاً. جلسنا نتظاهر بالقراءة.

في الساعة السادسة و النصف فتح تافيرنر الباب و دخل. كان وجهه ينمّ عما يريد قوله لنا.

نهضت صوفيا. قالت:

- خيراً؟

- إني آسف! عندي أنباء سيئة لكما! أرسلت تعميماً للبحق عن السيارة، و قد أفدنا راكب دراجة بخارية بأنه شاهد سيارة ((فورد)) رقمها شيبه الرقم المطلوبة هي تنعطف عن الشارع الرئيسي فيفلا كسبيرهيث و تدخل الغابة!

- أليس هي... الطريق المؤدية إلى محجر فلاكسبير؟

- بلى يا آنسة ليونايدز. السيارة وجدناها في المحجر. كلا الراكبين كان ميتاً! سوف يسركما أن تعرفا أنهما قتلتا على الفور.

- جوزفين!

كان هذا صوت ماجدا التي وقفت عند مدخل الغرفة، و ارتفع صوتها بالعويل:

- جوزفين! طفلتي!..

قامت إليها صوفيا و أحطتها بذراعيها.

قلت: انتظروا لحظة.

تذكرت شيئاً. لقد كتبت إيديث دي هافيلاند رسالتين على الطاولة و خرجتْ إلى الصالة تحملهما بيدها، لكنهما لم تكونا بيدها عندما ركبتْ السيارة!

انطلقت إلى الصالة و ذهبتُ إلى خزانة الأدراج الطويلة، حيث وجدتهما. كانتا مخبأتين في مكان غير ظاهر وراء إبريق الشاي النحاسي.

كانت الرسالة الأولى إلى رئيس المفتشين تافيرنر.

تبعني تافيرنر، فأعطيته الرسالة. فتحها و قرأ سطورها المختصرة و أنا إلى جانبه:

((أظن أن هذه الوصية سوف تفتح بعد وفاتي, لا أرغب الخوض في أية تفاصيل، لكني أقر بكامل مسؤوليتي تجاه وفاة زوج أختي أريستايد ليونايدز و جانيت روي – ناني – إقراراً تاماً
أعلن هنا صراحة أن بريندا و لورانس براون بريئان من دم أريستايد ليونايدز. إذا سالتم الدكتور مايكل شافاسي: 783 – شارع هارلي، فسوف يؤكد لكم أنني لم أكن لأعيش سوى بضعة أشهر. فضّلت أن تنتهي حياتي هكذا لأنقذ شخصين بريئين من محنة اتهامهما بجريمةٍ لم يرتكباها.
إنني في وعيٍ و عقلٍ تامّين إذ أكتب هذا.
إيديث ألفريد دي هافيلاند)).

فرغْتُ من فراءة الرسالة و أدركت أن صوفيا قد قرأتها أيضاً، إما مع تافيرنر في هذا الوقت أو سواه، لست أدري. همست صوفيا:

تذكرت قسوة إيديث دي هافيلاند و هي تسحص بقدمها نبات البلاب و ذكرت أنني اشتبهت فيها مبكراً، لكن لماذا؟...

تحدثت صوفيا عما يدور في رأسي قبل أن أنطق به:

- و لكن لماذا جوزفين؟ لماذا أخذت جوزفين معها؟

سألتُها: لماذا فعلت ذلك كله؟ ما هو دافعها؟

قلت هذا و أنا أعرف الحقيقة. لقد فهمت كل شيء بوضوح. أدركت أنني ما زلت أمسك برسالتها الثانية بيدي. نظرت فيها فرأيت اسمي عليها.

كانت أسمك و أقسى من الرسالة الأولى. أعتقد أنني عرفت ما بداخلها قبل أن أفتحها. مزقت الظرف فسقط منه دفتر ملاحظات جوزفين الأسود. التقطته فتحته، و قرأت ما كتبتْه على الصفحة الأولى...

سمعت صوت صوفيا كأنه قادم من مكان بعيد. كان صوتها واضحاً يدل على ضبط النفس:

- أخطأنا الفهم... إيديث لم تقتل أحداً.

قلت: نعم، لم تقتل إيديث أحداً.
اقتربت صوفيا مني أكثر. همستْ:

- كانت جوزفين، أليس كذلك؟ إنها هي جوزفين.

نظرنا معاً في أول سطر من الدفتر الأسود مكتوباً بخط يد طفلة:

((اليوم قتلتُ جدي)).

*****




- 26 -
... هل كنتُ أعمىً؟ كان علي أن أتساءل بذلك، فقد كانت الحقيقة ظاهرة بوضوح شديد منذ البداية؛ لأن جوزفين وحدها تنطبق عليها كل الشروط اللازمة: زهْوُها و إصرارها على أهمية نفسها، و متعتها في الحديث، و تكرارها الحديث عن ذكائها و غباء الشرطة!

لم أفكر فيها أبداً لأنها كانت طفلة، لكن الأطفال قد ارتكبوا جرائم قتل، و جريمة القتل هذه كانت تتناسب تماماً مع قدرات طفل. فقد أوضح جدها نفسه الأسلوب بدقة فقدم لها فكرةَ قتله، فما كان عليها إلا تجنب ترك البصمات، و أدنى معرفة بالروايات البوليسية يعلّمها ذلك، و كل شيء سواه كان مزجاً لأحداث تختارها هي عشوائياً من قراءتها في القصص الغامضة: دفتر الملاحظات، التحري، شكوكها المزعومة، إصرارها ألا تقول شيئاً إلا بعد أن تتأكد..

و أخيراً، اعتدت على نفسها! كان عملاً يصعب تصديقه، فلعلها تقتل نفسها بسهولة، لكنها – كونها طفلة – لم يخطر ببالها هذا الوجه. كانت هي البطل، و البطل لا يموت!

و كان أثر التراب على المقعد القديم في غرفة الغسيل يدل على أن جوزفين وحدها التي كان عليها أن تصعد على كرسي لتضع قطعة الرخام على حافة الباب. و من الواضح أنها لم تُصَبْ بأذى في المرة الأولى (و هذا واضح من الخدوش ظاهرة على الباب)، فصعدت على الكرسي مرة ثانية و وضعت قطعة الرخام، و كانت تحملها في وشاحها حتى لا تترك بصماتها، و في تلك المرة سقطت عليها و نجت من الموت بأعجوبة.

كان عملاً مثالياً و نجح الانطباع الذي كانت تهدف لتحقيقه؛ أنها تعرف شيئاً و انها في خطر و لذلك تمك الاعتداء عليها!

عرفتُ كيف تعمدت لفت انتباهي إلى وجودها في غرفة الصهاريج و كانت قد أكملت تخريب غرفتها بصورة فنية قبل أن تخرج إلى غرفة الغسيل.

لكنها عندما عادت من المستشفى وجدت أن بريندا و لورانس قد تم اعتقالهما فلا شك أنها شعرت بالاستياء، فقد انتهت القضية، و كانت هي، جوزفين، خارج الأضواء. لذلك سرقت أقراص الديجيتالين من غرفة إيديث و وضعتها في كوب الكاكاو الذي ستشرب منه، ثم تركت الكوب على طاولة الصالة و لم تمسّه.

أكانت تعرف أن ناني ستشربه؟ ربما، و من كلامها في ذلك الصباح و انتقاد ناني لها ظهر استياؤها. هل كانت ناني تشك فيها من خبرتها الطويلة في الأطفال؟ أعتقد أن ناني كانت تعرف دائماً أن جوزفين لم تكن عادية، فقد ظهر مع نمو عقلها المبكر مفهوم أخلاقي مشوه، و ربما اجتمعت أيضاً أسباب وراثية مختلفة، و هو ما كانت تسميه صوفيا ((قسوة العائلة))، كلها التقت مع بعضها!

كان في جوزفين قسوة استبدادية ورثتها عن عائلة جدتها، و أنانية ماجدا القاسية التي لا ترى إلا وجهة نظرها هي. و ربما كانت تعاني من حساسية فيليب أنها غير جذابة...

و أخيراً كان يسري في نخاعها ذلك الأثر المنحرف للعجوز ليونايدز. كانت حفيدة ليونايدز، و كانت تشبهه في الذكاء و المكر، لكن بينما جبه كان موجهاً للعائلة و الأصدقاء، فإن حبها كان متجهاً لنفسها!

اظن أن العجوز ليونايدز كان يدرك ما لم يدركه أي واحد آخر في العائلة، فقد تكون جوزفين مصدر خطر على نفسها و على الناس، و من أجل ذلك ابقاها بعيدة عن حياة المدرسة؛ لأنه كان يخشى أن تفعل شيئاً مشيناً، فحجبها و حبسها في البيت، و قد فهمت الآن إلحاحه على صوفيا أن تعتني بجوزفين.

هل كان قرار ماجدا المفاجئ أن ترسل جوزفين إلى الخارج بسبب الخوف على الطفلة أيضاً؟ ربما لم يكن خوفاً حقيقياً بل غريزة أمومية غامضة.

و إيديث دي هافيلاند؟ هل اشتبهت أولاً ثم خافت و أخيراً عرفت؟

نظرت إلى الرسالة الموجودة بيدي:

((عزيزي تشارلز،
هذه رسالة خاصة لك و لصوفيا إذا شئت أنت. من الضروري أن يعرف أحد الحقيقة.
لقد وجدت الدفتر المرفق في مأوى الكلب المهجور مقابل الباب الخلفي. كانت تحتفظ به هناك، و هو يؤكد ما كنت أشتبه به من قبل. ربما يكون العمل الذي سأفعله صحيحاً، و قد يكون خاطأ، لا أعرف، لكن حياتي – على أية حال – أوشكت على النهاية، و لا أريد للطفلة أن تعاني إن تمت دعوتها لسرد ما أقدمت على فعله.
هناك في الغالب واحد في العائلة ((لا يكون على ما يرام)).

إن كنت مخطئة فليغفر الله لي، لكني فعلته حباً، فليباركّما الله!
إيديث دي هافيلاند)).

ترددت لحظة واحدة فقط ثم سلمت الرسالة إلى صوفيا. و فتحنا الدفتر ثانية دفتر جوزفين الأسود.

((اليوم قتلت جدي)).
قلبنا الصفحات. كانت محتوياته مذهلة و لا بد أنها ستثير اهتمام خبير نفسي. كانت صفحات تحدد بوضوح لا لبس فيه ثورة الغرور المحبَط، و قد اتضح دافع الجريمة، كان دافعاً طفولياً هزيلاً:

((لم يكن جدي يسمح لي برقص الباليه فقررت قتله، ثم السفر إلى لندلن لنعيش هنا، و لن تمانع والدتي أن أتعلم الرقص)).

أنا أقدم هنا بعض الملاحظات التي كتبتها فقط، و كلها ذات دلالة:

((لا أريد الذهاب إلى سويسرا، لن أذهب. و لو أجبرتني والدتي على السفر فسأقتلها هي الأخرى. لكني لا أستطيع جلب أي سم. ربما أقتلها باليوباري، فهو سامّ كما تقول الكتب.
لقد أغبني يوستيس كثيراً اليوم. يزعم أنني مجرد فتاة و لافائدة مني و أن أعمال التحري التي أجريها سخيفة. ما كان سيفكر أني سخفية لو عرف أني أنا التي ارتكبت جريمة القتل.
أحب تشارلز، لكنه غبي. لم أقرر بعد من الذي سأجعله متهماً بالقتل. ربما بريندا و لورانس، إن بريندا سيئة لي، تزعم أن عقلي ليس سليماً، لكني أحب لورانس، لقد أخبرني عن شارلوت كوردي التي قتلت شخصاً و هو يستحم. لم تكن ذكية في عملها هذا)).

كان آخر ما دوّنتْه كاشفاً لكل شيء:

((إنني أكره ناني... أكرهها... أكرهها... تقول بأني فتاة صغيرة. تقول بأنني أتباهى، و هي جعلت والدتي تقرر إرسالي للخارج. سوف أقتلها أيضاً. اظن أن دواء خالتي إيديث سيؤدي الغرض. لو حدثت جريمة قتل أخرى فسوف يعود الشرطة، و سيكون الموقف مثيراً ثانية.
ماتت ناني. أنا مسرورة. لم اقرر بعد أين أخبئ الزجاجة التي فيها الحبوب الصغيرة. ربما في غرفة كليمنسي زوجة عمي، أو في غرفة يوستيس. عندما أموت بعد أن أصبح عجوزاً سأترك هذا الدفتر ورائي ارئيس الشرطة، و سوف يعرفون كيف أنني كنت مجرمة عظيمة حقاً!))

أغلقت الدفتر. كانت دموع صوفيا تنهمر على خدَّيْها بغزارة.

- أوه! تشارلز!... إنه رهيب! إنها صغيرة متوحشة و مع ذلك فهي تثير الحزن و الشفقة جداً!

كنت أحس بنفس الشعور.

لقد أحبت جوزفين، و ما أزال أشعر بحبها. لابد أن تحبها كما تحب مريضاً أصابه السل أو أي مرض آخر قاتل. و كانت جوزفين تثير الشفقة. لقد ولدت و فيها علة... الطفلة المنحرفة في البيت المنحرف.

- تشارلز، لو عاشت فماذا سيحدث؟

- سترسل إلى مركز إصلاحي أو مدرسة خاصة، ثم يطلق سراحها، أو ربما يشهد عليها الناس بالجنون... لا أدري.

ارتجفت صوفيا و قالت:

- ما حدث لها أفضل، لكن خالتي إيديث... لا أحب أن أجعل اللوم عليها..

- هي اختارت هذا، و لن يتم الإعلان عن فعلها، و حين يحال لورانس و بريندا إلى المحاكمة فلن تقدم ضدهما أية تهمة، و سوف يتم إطلاق سراحهما.

قلت لها و كانت نبرتي هذه المرة مختلفة و أنا أمسك بيديها كلتيهما:

- و أنت يا صوفيا، سوف تتزوجينني؟ لقد سمعت لتوي أنهم عيّنوني في إيران، و سنذهب إلى هناك معاً و تنسين البيت المائل المنحرف الصغير، و أمك تستطيع أداء مسرحياتها و والدك يستطيع شراء المزيد من الكتب، و يوستيس يذهب عما قريب إلى إحدى المدارس، فلا تقلقي عليهم بعد الآن و فكري فيّ.

نظرت إليّ صوفيا:

- ألست خائفاً من الزواج بي يا تشارلز؟

- لماذا أخاف؟ إن كل مساوئ العائلة ظهرت في جوزفين المسكينة و كل صفات الخير و الشجاعة في عائلة ليونايدز قد أعطيت لك. كان جدك ينظر إليك نظرة سامية، و يبدو أنه كان على حق. إرفعي رأسك يا حبيبتي فالمستقبل لنا!

- سأفعل يا تشارلز. أحبك و سأتزوجك و أسعدك... – و نظرت في الدفتر – ... كم هي مسكينة جوزفين!

قلت: مسكينة جوزفين!

قال والدي: ما هي الحقيقة يا تشارلز؟

لم أكذب على العجوز أبداً. قلت:

- لم تكن إيديث دي هافيلاند يا أبي. كانت جوزفين.

أومأ أبي برأسه بلطف و قال:

- نعم، لقد اعتقدت ذلك منذ بعض الوقت. مسكينة هذه الطفلة!




النهـــــــــــــــــــــــــــــــــاية


وشكرا للمتـــــــــــــابعة

مدام رنا

MA7MOUD
03-04-2011, 08:09 PM
http://upload.rewity.com/upfiles/fWO74964.jpg (http://www.4shared.com/document/86qnj1dq/_____.html)


الحصان الأشهب (http://www.4shared.com/document/86qnj1dq/_____.html)


لكي يفهم الأحداث الغريبة التي تجري في نُزُل الحصان الأشهب، يعلم مارك إيستربروك أن عليه العودة إلى البدايات... ولكن أين تكمن تلك البدايات بالضبط؟

أفي الضربة الوحشية التي تلقاها الأب غورمان على رأسه؟ أم في زيارته -قبل ذلك بدقائق معدودة- لامرأة على فراش الموت؟ أم أنها في ذلك العنف الذي شهده مارك نفسه في وقت ما قبل ذلك؟




(http://www.4shared.com/document/86qnj1dq/_____.html)التحميل (http://www.4shared.com/document/86qnj1dq/_____.html)

MA7MOUD
04-04-2011, 12:09 AM
جريمة قتل في قرية

http://www.culture-reflection.net/forum/data:image/png;base64,iVBORw0KGgoAAAANSUhEUgAAAIwAAADQCAIAAAB a7h7lAAAgAElEQVR4nOy9d3RUSZonyr4xO7M7782ad97sH+/s9r6ZnZnumZ3ene7eLkNVAULeG5AEAgEyIEAWkAHhJCGTSi8vI YSTN0AJD0ImU5kp74W8hExmKmXTXhvxvT9uKhGmuqu6qs3u2Ti/c0/mzat7I+IX8cXn4mpHysWcE6FnQo6Gh4YEHz9+KCzsYMixIyfCI 8JCToSFhIeFHgsLO2RF6JGw0GOnwkOOBgWcPBF0PPTQ0eDQ8JD TJ8KiwkJCQ4/4RRz32Of9j5/8/E92f/7nuz/7I7tP/g+nr/7M/st/9eUnf7z7sz+y++KP7D77Fw47/+XeT//13s/+3PHLP7H7fIfd5zvsPvsXX33yx467/uKrT3d8tfPPv/j8b372sx97eTkdORIQcuxQxImQkGNHwsNCwkJCP4rvWsJCj30n fOcH/Gb1+aAtISEhYWFhoSFH06+l7jgeEtfSpNKqNbrlxaWlycXFKa1 mSb2o0S6tatUrWs2SVjOv1c5pNfNazZJWs6RTL6zplpbV0ysrC yvLqyvajcU3Os3C/Ob6uFgYdv36kfa2Cyr5+W7F+bbn0e1NcR1t52XN51RtZzvbzyp b4hSvzrQ3nVO1JLQ+P93RFqdsi1G2nlG0JclbkmTN8a3N6U8eX ff2dmxvb9Jq5/SbK7MzExr14tLivFat+Si+c1EvfhRc6z7Ed3/AdyvWB33QluXl5fn5+daWV8fDQ3ccOxKmWVIjZAYwApgASMAAG AABYAAAAGYL1q8kYWBoM0ObMaIAAyYBWPJOWVJFxWETIWTYNKP xAmG+hKk0mkgx6C+SVArLplgs5wlzMkNdAXyFoS5hJt1ivELTV xiUYiJSTJYsM5G/sVEd4P85wxgBaMAUyxAADMtQAMhaqw/xnQuyArPvwHb+ffy2y696lm5ZE3w4aEd42NGN9WWaXgcwAVhYx kKTjPVPsO0ujK2bSJrCwNA0yZ2nCQOApaY8s7oqDKEiC5Voshw HiAV8Bug4TMcBnGfYOIaOQmwMwFnCdJyhTgAbCWwCS8XT9FmKO Wuiz1qYa0ZjUVDQjwC0JGEATAHQiCW5RzM0+cOT9G3x2y4ffxb GGGO8otOGHDuy49AhX51ujmMIwwdjFgADgwHZTrAAFAIMgBAAR gAbFXfia2qDLaSAJJNJ8ixAElDRQMcAFceYIxkiGiAR6ETWfAZ wElBxgBOAiGNMcYCvEObzBHGZgQyCKgzc/58QNUOTq9zExUAjxAAghmE+3rrfqBMRQvjd8hv06w9aPk4S12q NevHokcM7Tp48plbPYGxBLEGSFsCAWGAZG0MIA4OB2U6SmUQYA LE0ptfrqq/UNxw2E3yaSjUbExdnwpHpArDnGUM0MInAxBP6CIAkQFeQMRGoi 8RqFBBJQCYBlQBwlSFTLeZso7HkUND/C/QUYAMAzSKSYQlb1S0Wy69s3v/s5VfN2hWd9nh46I7wsJClxXmOAYwAsUBRgAEQBgQsAgoBgYBCw GIMGAHF0ABAkwjAVF93pbrmwKbxCk1foUxCYk2Yz/+H5w1OjP4SMJdpQzygCwCJmIxiDfFAppAria++3jms8gLLeaDj Kcs5mk7ZWJcGH/hnxrwEsMGiDYY2AyCMWQAgCMJWXYw5cIXdhu9Wtt3wbflwev3O CrciftgWAEAILS3Oh4Yc3REWEq7TriAGEG2dLFuTBmGgMZAYSA w05njGAICANQOYym9frqw6QNJ8gkxk6OTmR75uu3Z0PI8QXvm7 J3V7KOMFoM8zRCwiTgF7FojzpuX4qf7Qquv/1N3qii1JmEqgiEtmgyQk+P9jLVpMIQASwALAcFVkWZbrSo6hbx 6Av0nBGCOEEEIsyzIM880S9XdQPj6TuOarlxY4kk5oFlfeagr4 LUMErQcgAWiaJgG2hB1igF2pvJ14r/4YQVyjmHjSlPSoYadee/n+Hccz4f9hZUb0/IGbcT0eIAah4zRxElAiZUzCpmsdTYHVpb9kLZdoSyJNnTdsZh8 58PeYWAKWAEA0SzBAc1WkaZZlMUKgUnWOjkxwspdl8djYhFKpZ BgGY0ySFq5hDIO4XwFAq9X19vZvtRPbjjTNWrsEWc9QFBMSEnb 0aEhoaPjw8ChNswsLSwqFiqIYhIC74LdMj7VGv2LAadSLYaHHd oSFnNAs6d7VFN7OIYYlGIYCDKSFAgRAE0DqKkuTHtQcowmx2Ry LmDhCf+5ywp+tzl2aHb7Q/HVo/Om/smxkAL5CUMdpFA6QpF+Jnh0Lra/89OkDxzX1BbMxGaMsk0FwIuxHlGEWECCWpFmCBcTClkoCAABPn z53d/d88bx5Y91IUQxFMQEBB0JCwry8fDhJiDG2WEgAYBiEMbAsFoul Xl4+m5sGbvJxvwIAQsBRnpCQxLK4p6fP29s3OPjosWOhMTFxjx 492dw0nD0b7+7uqdOtsizmGDKbiQ877vdBUugxjXrRdtbGEAAJ wBBmy1ubCTPArDyuTm+4EwJEHiJTSFM8wCXSGAtkmkmbGxn8/3js2dFQYcdQKTSbgCGeouNWNKfXtfHKVm+FzMtiSabpKxR9zWD MDz36T6bN14CNADQGCgPNAqIQiwFMJsvCwtKtW3cOBB4OOXa87 MadjXXj5obJy9MvL7dIJJIcOXKMz+fjLSHIMIim2ZqaOnt7x5i YuL17HRQKFcbW2UOSNMYwP78YHHw0PPxER0fXyMjrN28WXFzcQ kLC7O0dHRycKiqqfHz84uLOOjg42Sbi76p8K5KCNeo3nDmypch x6xCFMQuY04dJYIyAdPeqr9WUBQN707yexFjOAroI1MV1zZmZ4 TPTvVn+Ln/cp4jAZDpJxluIaJpO3Fw/16MMvF/9lXHzMkWmMOiKhUozGAoPBf01ZVwAFgPQDGtBQGFgWIAtpRKGh 0eDg48K+BI/34DiohtazSphYVxdPNNSMyXivPCwkxcuXHz9ehwhIEkaACiKyc 4WnD0bL5HkODo6t7XJWRYbDCa5XFFUVBIYeNDJycXZ2bW4+Hpb m3xlZU2r1R04EOTvH+jt7SsUii9evHz6dBSfL/zyy10KhYqmWU6E2oTk75uksEMazeyWacLxRFttFAyIZAHRAEbK ON54/1pV+THaIEami8AkAXUWcLx5PSnx9I/87P/C+bMdFcUerFmA6ctG/QmAy4QhWdmyv77crvmJH7BZDJOqN101GkvCjv2CNKsRRQMChmE YRGMAgqQRtmqVGGBkdMLD01coyjl0+FhBYemybsM/4JDdXuef/fxTeweXzz7/avceh9djUxiAYRDXoXy+MC7ubFZW9mef7Wxqaj5+POLLL3f5+e 339d0XGHjQzs6+srI6MjJ6j52jf0AQSSGaAaWqe2BwtK9/OJsvPhZyXJpTsHuPg0yuQni7+P8DIentTLJpDQgAKIIGBIAtQM 89epBSXR1iNOQBnQbUWUREA06kTGfN62nXEj6x/+SPK0v3Y7IYU2kA51kyhjDEbSzFd7QEqpoDSH06S6Ubjddoqux o8N+YN6e5KjH0lu2FALbWf66D3syrvX32C4TSg0FHiorLvH380 zP4V1My9u0/+LOff5qalimW5B06fEwoygkMPAgAZjPB5wvPnDknFksdHJweP3 46MzOXnp554sTJyMhoPl/48uWr1NRrp05FiiV58QkXDgYdoRnAABaCISl081Z5VPSZLJ5w1 257hbKLojHNAMP+wZAUGnZEza1J+N2xw61DDIkpdUPtlbt3D+u NYoa9RpkTACWyZAzQ5+fGo2vvunz633bUl/sZ1zMBMszG04QpApiktcXI2cGIrys+YYg4YJMshjSGuBly+O8I wzAgPWAaAGgGcZQAIMTSGFGAWYwxzaCJyWn/gANiSZ63z/7cvGJnF0+ROE8gzAkJjfjJP/y33LzinNyi4CNhgQcO//jH/9DS0saymM8XRkfHZmRkceKOohiTyTI7+2ZsbGJmZk6t1p4/n5yYeF4oyknPyN75xW6lqts2RPILSiJORvEFkj12jq1tCts0op nfs+/ureKgVqu3mUdWnjALgBnAq3WVl2sqQy1EsYVKt5BJwF5iLPHAJ BGG5DeTF0KD/qUw4x8JA58mLzNMAk1GM0Tc617/6YGjo50HVM0utCWRJK9Q5uJjQf+RNY8BGAFIFpEIsO1xDENhxH BUAQAGGBuf9PULEIlz/QMOFRbdmJ5ZOBh0NDQswsPTt7qmwcfXPyT0xK7d9h6evnvtnJ4 8fkESrFAojoyMlkpzP//8C4VCwSl7AICQVZmmKMbT0zss/KSHp29uXlFHZy/DAs0AReObt8ojTkYJRblf7bJ/1SzHYJ1Gfygz6eihoJVlHYuAZBEDQGIaA0IIAQJgNhsqk2ruHm DpfIslnaIyOjr3ba4lIjKVJVIWZmNpk3R2PEnI+0+k8RJLnsfM +c3ls5b1y6oW37an9m/GDzCWS2ZDnnGzOjjovzDEIOAVAJJmLBxDLAC7XfRvWWkMi2dmF 3z9AkTivINBR0uu31rWbbS2Ka6lZ7a0tSpUysdPnmVk8k5HRp8 8FRl4IDgvv4RmgJctio6Jy+Lx7e3t29tlNG01uRiGwSwgBg8Pv u7pHkhNy7p1u6Kqut7Ty2dxScOwmKHhZtndkxHRImH+7l1OsrZ OtFWtD4zo37UT1kpSRFj4xto6AkxjRAPLAMMgEoAEauNJg6iu/JDFIKII3vxc7MjwyRfPvaJO7lDPn2VJXuM9u7rK3SFBO+5V/xLYq4Tx3HD/PsUr77ZnXtiSxRIpgK9SBE+/XhsW8hlhGgFYBWxgaAtsmcUsAAuI3VoLbSQhDDOzb7y89/EFUv+AQ0XFZdrlNQywsra6sDTPKRpqrSbw4IGU1GtRUfHx8Vdm ZzUSSVFsXMK1dJ6zs6tMJkPIqp6xLF7VbRwIOHTowFEvz33OLp 4+vv6eXj7uHl6dXT1mCwkYCvJLtpP01nX5B0JSWEj44vwSQVmw 1UxBADSwK433eHfLgkmTZHP1kqLtaI7gF7t27hDyfjo6EHku9k 9N65c2lpMuJfxF7Z3/QRrOI+Ii0CkTQ8EjfUcbqj5jiasUcYUwZpo3rx8P/al+vQ+QBkAPQHOKAYts04hTUrZ8TtYFCs3OvvHx3i/gSwMDDl8vubW2qt+y/60XG41GP7/92XyxUFjs7Xvk0aPWlBRhbOwFqbT4l598oero5RYbhgazid39l Ut2Vm5+7i2puIQvkKakZkTHxMUnJMna5dzCc/NW+cmIaJEwd/cuB1mbit1yNeD3Wfo9kRQeenxpQQ1WZxFDUXoAfX1Nxp2yYESX ssy1zbXzB3x3tDed1bwpuJT093UVDoaVqzNj4YAzTWsXKMMlyp jEWpLlTc7jA8dUbX6kOYUkky2mVJYoDzn8t4gaxawGQA+YwCzi 5soWSVbLbHtTEWJYlp6bm/Pz2y8S5hwIDL5ecnNtVQ9b3nsAxImyqKiY5IspQmExj19iv9eH x8uPjEzIzJTu3evWJlMhDBQN/X2vj4dH8Xl5Vy5lpadJxMKilNTMuDMJpyOjZXLF2MQ4AowwFBa VnIyIEgpydu9ykLUpucXM5uf9/ZMUFnpEp11GNGAWAEwA2sryyzVVpyzmQsKSYjEnVFf8LDH6Rxt LlZva6tlxkdOeHRuaZExe0a9EA5MGTDqwqdh8aUOTqGjx6VLtA +CZifMmsyj86E+AmgVaB2AChgAWAQKSAPyOD5fBQG8PKgIghBi OJAFfEuB/qLioTLe8blXQ0bbwEoYvvrSTSEpy8m794pPdp6Pjo2LjM3iiPQ 7OMmUnQbIYID4hOSz8VFaWZO9ety+/dNhj5+Tpte90ZGxLq2xwaAQDIMAESd8trzwZESUUSHfvst9GEl e3D8vvLiRoJen48eCZ6UlO9GB26cnDjJtlhw2bRQyVadCfmRk/+uqJe4DHnx72+6t97n/xyc921Jfb0carlDEB8BVgUlhjMrlxHswp85MRrS+czaYrBkMKS ecdPvx/M5ZRoDYA08CQnEJPUwAYEAIWfUgS8x5Jvr77hAJuJt1aXzNykt BKFQssA4SFPXDwyJVUnlBS6ODsFXE6NizitCgn/yu7vTKlijOQ4xMuxJ1JSEi8eCIi6sXL1tY2pULZrVB2TUzO2nR LC0EVFBafjIgSCXO2kYT+kEgKPbixugQ0C/Tm40be9SI/zBZSZBqga5TpUuWNX/BTfjzUkfbq0VmH3TsW5y6Tm6nIdAHIC4Cvrs5HWFYS2564MvqU 9mb79dVYkkpj6NIjh/6WNI8CbAAmACPEYJuLnWWAYWHLpEcADHxAEouZmblZX7/9QlFuYODRoqJbGu0aZ3hyagWLAGHAGKqq7h8LO52Wwffdf/BY2MnI2LOZfNEeB8cXzS00BhNJVdXdi4iMyeSL9h84VF5VbyJY asuCJilEUggD0Azcul2xbU36tST97opNuwtUz48CGB/fk966cdBsyGGpdMqcyFgSMXFt7U32o+qjZ0/8yH3vjts3viDM6Yi4DMwl1nQOyAuvuwOf3ds1NRjyuj8IUckG/QWauh58+D+SpklgLdbeR8BFe7mgIsu8I+u2ZbmgLR88MIidnZv 32xcoEOT5+h4UCApev57V6QxL6pXlZb1OZ9BoNnQ6U3//xNDQtIOzD19U+OVul4jTZ06cihNKCn/52VePn71a0q5pdBuvWlXuXv5CSaFIWmTv5H27vGFlxby5SW5uk gYjqTcQupUNDJBfcP0dxeEb16TfdbGSFHlin2a++2EDv/xWKGEWE+ZLlPEqbbyMqQS9Jt515w5Jiquy6UR91S6z6RJNXQD6 IhDxQJ0D4kKf/OCzBntMXqIs5wjigtmQc+Loz8zrU9tjd7a4A6cy0AyncCMELAa GpExWuYG5RREwAI1hYuaNl2+AUFK8e6/75184u3kGuHsFunv5e3gfcPcKdPMMcHELcHTe5+C0z87eTygu+ +Qz5+MRiZHRlwSi67/81MHBaZ+H1yF3zyAHp307v3SV5t7h8Uty8u7uDzju7h7o5OTj6 urr7uHr6ubt4enX9EqWm3v9ZESsUJD3xc69HapekrAFn6wL4bZ 4KQAAF+viWmdzwnJhut8KSSeOud0pSy6/GW4xlRLmZMBJSzMRKRf+fEN7ZmYkxmvXnzh/toM2iPQbZ1kmGfBFZI4HMsmwEvGg6qcG3eVueaBxIw6hqzSZGx H2t5R+EVkQYETT5HaLndPHMACLEUkTGBDNUhgQQgxCyKqHYwAM FoJiAeYWtI4u3rkFN7MFRemZuWLpDYG4SCgpFkqKRdISofi6QF TCF5ZkC4qzeNdTUvO8fUITk7KPRyQKxWUC0Q0OfGGpUFwmEt9O u1aQX1DNyy7NybubzSvMySnl8aRicWE2XxIZdebcuYtCYf6J8N hcaelXXzrIZV2AgaawLejHUcVxwLKYCzJx4XzuGpIkKYqyXfnD k2S380dNz7IMm0VG41WAFMocY1yPet741fGgHR2vok8f+Q96jd S0kQRwHjOJlCkem5PJtYTBDj9Zkz1tuUARySybtrkpPH7sJ4bV UaARsAAIY8xyqjYGQMBiQBRDclYRBsQgGgNiEAsA1nADBsBAkC wLQGI8Pa/ef/BoRnZuSVkNX1wilJYKJMUCSbFQWiKUlgilpUJpqVB6QyS5IRSX nj1zNeRYTGLCtajIC9m8QqmkTCK+kS0olubeysm7Lcm5LRDdyM m7K8m5nS0ozskpy8kpFQrzCwrKcnKLvLz3V1c/4PNzjwafFGTn2+12e/6sFbGArRMFbcXv3wZ5AaC8vDI29owt3ridxd8OSZ//1YP6GJaRUFQCTZwFnAT4PGW4NN57ee9nO8oK9rCkgCbiMIoFNp k1JqsnTna2eD998MXU62DEXjJbLhNEQcSJvyP0rzFJAguAgKIo m0+dQSy2xqwpDIyZMHEug1t3brcrVCTBqpd0t29VrOg2MLLKOk 6RSM8WnTh1Nuli+tVU0aWU7KtpgivXsq+mZV9O411J5V9O5V9J EV5JEV65wouMPCeTdY2MTO/d63blSqZAkHf1ataVVF4GT5JwPvVySnZ6lvTSVV5quig1XZSeL r548drVq1kZmYLYuAT/gEPtiq6FhRV3N7/83LKDgaHp1wRmE20TArbMEG6uAIBarfXx8du92667u5eLCNuu/G2R5LTr3716csasTwV8gTLHAJNg3Di5uZywoS4qL/XrVoWZjecB4jETRW0mYEN6+xO/9ufeQF1E7EXD5mWzqTDk2I/1mwOYMQAGyoJsY3BbvRGXTElRBMa4ra3t1KnIk6eiQ8MiHnz9x NXNOzLqjK9fgNFEciuWiSRYBHJl95Urmb77D3l4BOwLCPb1Pej lG+DjG+Dp4+/tHejhHeDtfdDbO9DHd196enp3dzfDML29vf7+/k7Orn77/L28fb28ff0DDnj7+Hl6+fj47nPz8nb39vPw9PP28ff22e/ts/9wcMjNW+U9vYMEibJ50lMn44SCvNiYxIL86xTFGI1GLoPH1mUI AcMguUy1f9+BwIBD9xoa9XojbFuifnCetmbSp3/67EEEY76G6XMAF4A6R5nOFuf+za2iva72O+ZmYhG+TJAxy0tHe to8JnvDLMtXsTGDMV8gzSmIvR0e+neGjX4AEwCyxaMIguDMHZa lt4sLAKAo5vTpqKtXrklzCq9dE/zDP/zs4sVr2XxJbFx8xMnTGIBbqwCAZmBt1TA2PtPdNdTapuzq7O/s6uvq7Ovs6unq7Ovs6uvq7O/q7Ovu7u7r79Jq1QAMxqxOp+3p6+7s7ujp65W1y7t7ezq6OmXtc mWHqm9oUNnV2dnVp1B2KZQdXT3d3b093T19a+ubnOcwwP9QVqa YlyUKOnjE09M7OPhQXFwMQtbEP85EYxh0IPBwWmrmnt0OjV8/4TIvuKaRJPnDMvSWJG/7f9v0KJI0pGD6HGuOYc1ngEqTNfueOrFDpTxI0akEcZG0XFS0O MmfOimeOSzPhgB1EbCY0JeEHv5Hw/oAwAaAhcUUja3eBACGRWaMSACEMdAUBrwVQsXAz5bExSbxeNKz Zy/90z99kpUlEYjzgkPCM7L5E1OTnEbOMhTGGDCQBIs5dycCjDEgj DEGzotuNSixNQkZ0PYsMJblbmAznK3BX26yIsAW0sxiBgMiKBJ hYGgADAcPHPFw9/Hz279z505nZ8cHD+69fv0atjytJiPp5OiWcjU9myfycPd5/uyV2UTB70LcffmvH9aFApVNW2IBnQOcxFouUabLmL3G5Y1olqL mp063PnO5k//XQF5miSSGvGbR5x8/+l8I/WsAC0kYuNA7C0BzZibQGAgABjGszTziLFnAwNCwzy9ozx6X48e jnz9vs7d3d3L2ePy86VWbbH5xAYDh0le5PsYIOIK3wlzvHrfAU G9XkbepWBgoGkdGxak6emxUcbYwxxOLGRZbDWQA4PSF1lbZ3bs VpaWlbW0tHR3KTb2R+8ONTdOF5Ct5+cUZmfzMDL6DvUtnRy9hY WBrkm0rP5iOZyXJ4cu/fHT/NEVksmw8MOcwHYeoWEyfxVQCbT6HqOQVdcyLRqf75Z8CcQERFy zm7E3DjRMn/t5s7ATYAECII2CrF2iW4iQPN4EQY/UusLT1CopEiIWml22vmmRyWcfqiv7F8+bWNsXK6vqWkYs45ZCi KAy22WntSswphO8mxeHtsR9sNZ8RC91dA7/4+WdPn7w0Gs1cNiRgMBmpA4GHb9+qsOVHcLxycUKEwGSyGAym5 eUVgqQZDAQNo+Mze+xd0jL4WXyJUJp3MOiIQCju6e3n5qW1dlt bMxCmuA8MQ1lH27tl2+j6diQ57f73T76OIohrBBnDknGA4wHHA RsDdBwmzj1s+PnE0FGj7iqQ2bQhnrWkmYm74Sd/ajR1suw8AElaKG68bz2VRkAgTLEsbTtlNhneuhkYDBiGh8Y83H 083H2cHN3cXL3cXL0cHVzVmhUGsQhYirFsU9mBZpktLRFYjN4J 6SJ2K/343V5A3GjAYaEn3Vy9aqobLBaSoggAoEiUzROHhpzISM+en19k Wcx5bG1BQq6QJI0QkBR63iQPPBzq6hkgzivhifJE0gKhJP/LPfYvm1qXdavYSi1rHQGcB5glbLns3EO/L0l7v/jLRw9O0nQKwnHAJAF1HpvjGGMUUOewJan1uVOP4qBlIw1oEbl5 lTTmHQ/7iU6nAtABmBBLWxlCQDE0jSwAFgATwhaESdsIQogbp5hhEELA0 ODm6sXLFufll2RmCcWSfIEw51z8+WMhxymGU7+tejiLuA02iGV pm4qIMcuN0K2vtpa+4/RkaKituXfqZPSpk9Hnzydvbm5yXfbkyZPQ0FAPD4979+7NzExt DXwGgGYRwSLSbNHrDWuTU6+Liwt9fPcdOnI85ZpQLL0hkpZkCw uSkq7u23eopUU1NDixuWHe3t9c/Ne6TmJ2O+tms/nX0fErSXK2+/eN98ItlksYxQIdD0Qi0EkAKdhyfnr0aHnZTy2GdJbkEyYBqS84 c/rvjRvdgPWACQCEWWsGOctiLmGPYtYRGGy7aDDG3PYVmymOEAwP jQX4B/Gyxfv9g/b7BwUdOhYVffbS5bT9/kFd3b0ADEkZWWTdmbT158yWwWjdD0OSFpalt/vWMGa5n7ivFImyMoVxsQnp13guzh4zMzMIIZPJ4OvrK5VKHRwc Hjx4YLFwicrIQhgw0ItLc4eDD+z393Fy3uvu7nr69MnUtHSBIC +Ln8fn558/n+bjc8DBwaOo6JZK2UcStpXtnamBMWZZq+JuNHIK+m9u5FpJcr H7y6cPIkhzCqLOABmLTTFm3cn1+ZNvRo4jc6ZC5kGRKSwjMW0W xZ76qV6rBNZorRzXIdZEUUTRJi7jHoOZZowAtFXKcSMLuN1nYL aQYeEnr1xN37PHRSjMLyq6lZqaffjoicxsqaOLd0trOyc0rOs6 i6Ynp+pq6jk/+uT4VEPdPdJCIWO0mQkAACAASURBVIalSaqmqho4jy2y5iPgbQ oFYiEx4XJi/FWJuDDk2EmhQEpYmLm5eb99gVk8kbuHb3lFjcFIYACGxRiApBh 7B6csHj89I0soksSdSTh1OsbXL8DVzdvF1cvRwe1AYPDtWxVym Uql7DYbtza1sYBIFlMIaAw0xiwwW6sUt9phbJWc34sku51/9rzxFKIzEBULzFkg41ZmDne3ON3K+/Fwd/DmZjzDZBk2i2JO/1S3KAds2h5M4XSbLYlB04yZExo2rzZLMwCA0NtFBQM4u3hm8UQ 7d+5taVHNz+uePWsNCg7ni/IDg0KkOYVGoxkwYNbq0Nuzy+7YkbC5mQXAEOgfFBt9VrOkIy1U jiQ36MChlpY2k5HkNJS3ZUtruHG9MvJUvERULBTkOTq4zc0uts mUR46cEIuLebxcV1ff9XULp5WYzLSvX6BAmCMU5UZGndmzx+Xo 0Yhz5y4Wl9xsqG98/Oh5W6tS0d6paO9cW9UTZtpioggzTVoYln6brQEMsDTiYjEGPWF dor9fDuyWuPvq/3rReIqxXGEtJ4GKA0gGU/z6YgS5kQh0CotT1/W8mMj/sakbBGzBFOKSGrc6BWGgGVtUAraWTwz6DdOx4PDqyjqu07jFny BpvcHk4eknluSfS7x8/GQsQQML4OYZwBcVZgsLdu1y0mp1nDS3WMjdu+18fPzK71aPjkw 4OboF+Afxs8WdHb3ld6sD/IPCw0+0tclNJsuWZ/0tWAQ0AxiDg4NHerqQz8/18Q1ouNfY3TNw8GBYtqBIJCk9eCiisLjCYMYUC4+ftYWER2fwc uLOXfrvP//ii13OX+1x3evo5e4VaGfn6uzi6ebm5+rm7ezi6e7h6+sT4OHu6 +Pt7+Hu6+7m4+bs5ezg7urk6enm6+nm6+ri4+bmd/hwePLFFE7j5bIwvxdJrrv/zZN74YzlErCRQJ4BUzyYk4C5AnSyYTPBaOKfjvrrdV0fUJRVCN kMFy5lBUgAmqJNCDEsi7lfaQJOHo+JCI8uKS57szCPt4k7FoGT swdfIM3i55w4FXe9rMpEwP3Gl4eORAglxTFnzp+OjMYADIPOxS eeP59s7+D07GnTjbI7JyOiDgeH5EgL+vqHPdx94s6ci4g41d3T x9HPuXE549RGFUGyfIE07kyiQCgNOhScl1+o0eocXbz5okKBqE QkLflil7N62WAm4cKljNizF3PyyxLOp/IE+Vn8vMzs3PQsaWq6gCeQXssU8LLFvGwxXyDlZYtTUjOFolxe ligzS8jPlggFOfxsCT9bIuBLszLFfH5+ZqY0LU2YnJzm6xdoId hvo8X9GpLc9/zFw/pgoFMwE4NMZ4C6iE1JgC6TZDxBZJ0+9ZPNtV7ANGzt0bSZj9jK EAlAw1a6D0sDZqHi7r3Tp844OrgpFCq1VoMBsdjad2YL6ejkLp EWSPOuZwvzXNz3j47Pr21Sbp4B6VnSlGt8L799b9TzeqPB2d1N KBbtdXJsuPfgTELimbPxoSci0q5llN66fSwk7EratX37A4ZHRz AgBpGc9xYBxQL3GXEDYmR0zG+fv0gi3ufvV1hcsLA0fy2Ldy4p OYsvkeYXRcWdi4w9a6Hwyci4wKCjAQeP+B8I3h94eP+BQ/4HDwcEBQcEBQcEHfI/dCgg6H0cOBgcEBR84OB7OBIUFB4YGLJ//xGhMD/5YkpY+CkuoPy9SHL+8k9fPjpOmC/RZDSgS0BcAOaycT2RocUxUf95fUWFSANmrZYQt8bakvq3GGJgK ++Am21JiVfCw04FBR1ubW1FwNIsxakaNINYBCciolJSM9MyhNK 86wcPHxdKinVrloTzqYkX0q5linbtdbz/8JFat7bb3ilLID5xKub8xZSjoRGXU7KSL6d5eAdcTcs6FXWGJ5 B+/qXds6aWJbVWq1teWVtd0ixqltWaZfXyik6zrF3Wrb+ZV0/PzLu5e6dnZIWEhV6/UaLWLplIytndQ5STzxfnZPJF9s5u1fX3n71sFUryBeI8vig3Wy TdjiyRyAaecDskH4FAmpBwNTf3plBY6Obml52d4+W9v+lVm4Wg vhdJHnb/55P7xwjzJcScBeYKIlNMhgSWzjsV/tOVpR4AE00RWxMI0SyxlSm3LezNlS2vz9qqwdnFLSYuNiYucmC o12roYMSJO4pmzRZm9x7H/PwbfH6uWFzo4uLTPzSRxc+JOH3mckr2HgdPV88DDi77HVz2X8v Ku5ZZsHuvr6vHoROnkrOFpSLpnb2O+x2cAwTiMnHObUfn/e7u/p6e/j4+B9w9fH18A9zcfTw9/b29Az08Duzbd9Tb+5C/f4hEUuLi4lNdc29t3cACzC6o/fyDsoU50rxiTx9/eyd3RxdvB2cveyfPvY4edg6u27HH8dvA3QYHJ7+dX7rY23sKhf k8njTwQPCdu1Xv+Ue+vTW75XHY+WePG8IQncUwSUb9ecQICbPk 1In/vLE8ZDUCAGiG8/ow3EYivM1mfO/BFjP96PHTEycjIqNPH48I7enrtFhMsCXuSMrqKLMQrJ2dq0CQJ xDk+fsHF12/c+JU3NmES5LcUr74el5hdWb2dZ7gpiS3UiytzOSVpWeW8oV3cv JqMrJu8oV3RJIKgfhORtYNgfhONu+6VHJLIr7ByyoQCovF4usi 4XUBv1gsKuNnl2ZlFgsFpWJRqZ2dp0zWYzYjMwksQEf3kJ//4Sx+Xm7BzfQsqTTvhkBUIhCVCMRFfFGhQFzEQSgpFoqvCyTXBZ LSbz6+A7H0hlh6g8/PF4kKcvOKnV087j9o1OqWvxdJDp/9q5eNMSwlNhjOA4g21qXnoj9f1/YzpNHmkeOSewjS8Hb5+eCRnK6JAbKyeaejIjOyec7ubqMT41yM 3JbvgDEQFgYwvHjZ6h9wKJsv8fENKK+o3bXbQSzJF0oKRdJbqe lFOfnVPP4taW51RtbNvIIGaW6tUFwpFFfyhZV8Ybk0t1YkqZDm 1kpzq3OllWLhHX52aV5uRY70NsdNjvSuVFyeI6kQ8m9JRHcvXR T5+hzr6BixWKzmFMtCQcGd06eSMjPycnPuZPOKJeKb23CDg1h6 SyS+KxKXi0SV7x2Fwgqh6K5QWPEORHeyBcU8fqEktzQnv/T8hSv79h+QyRUGkxEA3tou35Ukt13/5um9KNKUQ5FCgz4v+tQ/Li/0AE1zIo4FIFm05UREiCW/iSTuApPFnJGVmXAhWZRb8M+//LyppZ1BLADaHmvhNMDJqTd++w5IcwrtHVzvltd4ee9Lz8jmZYt 5/EKesDiTV8AX3biWkS+U3E5Ny09NL+ALyjJ4JbzssgxeSdq1gix +SUZmceq13GxecTavmJ9dks0rzEjP5fMLhYKSjPTczIwCXlZRV mahVFLm7x9SXHy3q2uIc7VZLGA0IicnP5GoJEd6My1VIhSU8rN LtlDEzy7K5hVu4XoW70Z21o33jt+A69mCYqGkOIufE3Mm0ct7X 3NL2+jYaxa/m/H6XUmy3/knLx7G6Nclhs2ipDO7V5Z6gNnkfAQMYAqTLDAsAsBAmEmbB+Fd eqxLFEWbEbCPnzw7eDgsIzufJ7jh6nlwZnoesTRpIWiSMhhMBo OJIpHFTLe1Kvb5BZ49k3jsaPjjJy9S0zKdXTx279nr4ur+6Rc7 v9q9y97ZZa+9485ddg6Ori4e3vYOLp/s/MrRyd3Z3cvJ2X3XXnsHR1dHJzd7B5cvvtzj6ua1197Rbq/Dl1/tdvfw2mNnv8fO0dnFY/ceBwdH5+bWljZ5q25Vg4EhKJJF4O2zPzLqjEicd/x49JdfOuzd62Fn574FVw579rjssXOy2+tkt9dpr90HR3vHj8F5 j73bpzvtHV28T0bGvXjZIpMrMADFkN+LJMdd/+7r+viNjcrY6H/WvOkARGOa4FYRFhANJA0UBngbd3iPJOtXayIqBtAbLA7OPmJpW Wb2DaHolouLj90eR1cXT1cXL3sHV1c3bwdHNydHdw9339ycoqN HwrMyhR2q3stX0goLrr9qbs3Nz4s9E1NbX9Mqa1Go2hWqdmWHQ tbeJlfIuno625XydqW8Td5qO9kqazt1OupaRnpza4usve1U5Ml rGWmtspbbd++8aHrZKmtraWtuaWuikYVizZPTY42PHrp7+AiE0 mvpPC/vfUXFNxTKrjaZSibvkLd3yts72hWd26BSKOQKZdtHjirZx9CuU HYpOwfaFV3y9o6R0TEMQDE0hu83k/bs+rv6OnF4mMPKcj9gPWYsGFlN5G9xn7cPZhgupwloCsfFnU9O ThcJrwvFZXzRDSvE1wUiK0SikpycMh4v1263m4CfGxpy6kxcYk R4pESc778/6Excwv59BwwG09YLGljurRgAQNM058HkPuh0q54evjHR58JCI+ 7eqToefio66sypU5GTk9NHjhxzcHBydnI/eiQsMjI6MjI6Ojr2QODhkGMnBfxcqaQoNiZxz27HtlbFxrqRCy N9DFxhPnb8KBDG1uzaHyROayXp00//6+HDPlrtDEJmsDrtEUV8NFz/oVL3TlY0px2QBDs3uxTgH8zLzBEJrwslt/mSu3zp7WzJLYH4lsCaF3edn1104EC4SFC4zy8o7SpPIszjZQj/60/+ezZPms2TJsQnx8UmcEmKXLxnuy+ZO2M0mqura2Oiz2VlisWiv J/98yfRUWdzcwoFfIn9XueqyrrYmHMe7r5JiZcS4pMvJqckX0jN5 kl5mTm50tK0FEF0VHzp9dtymeqHzZV779Uz37NYSfrqq188fdr AsgYAAoBmGQLwN+3o/TUkMQzDuUcJC7u6YjwbdzE9XZqRXZDBK8rgFWVkF2TyCjKy8jK y8jJ4ObGxFw4eDJG1dZZevx0WelIsyg0+dOzLnbtjos9lZgiOB IcJBTmTE7PbW8rNIdhGWG9vv5Oj+6WLqeeTLn/+2a5DQUfTUjPDQiMOHz4ilyvUau2zp012exwjT8fFxsTzsyWZG aK01OyggyF+vgdfvmgdHhrXb5rhI/Hv37z8gAzB9l0Vs7OvOd+B2bS53Xv9QfnoPgIrSbYYF+eTMBmp woIyT89AOwfPPQ7eex189jr42Dt52zt5Ozh7OTh7RUWfffGydW hwjCTYsNCIXbv2XEq+rJArDwQe9vba/+J5i1ym0ulWucA2TdO2jF/uKQyXk4igs6PXxdnzSHBY08vWgweCXV08k5MvtbS0DQ+Pcm+sM hqI1JSMiBNR7m4+ri5eh4KOiUV5ba3K/r5hikRcltYP0qG/jWIl6djRoI31ZZoycYKOpRng8hE+Ur5ps4dtWbJmCtgiOnOzSw plt1zZrVB2K1U9SlWPqqNX1dGj6uhRKrpmZua4V2UwDBoYGOjt 7R0dHaMp3NnR16HqYWhbSAbDtvdB2d5gZSUMg8lIdqh6urt7KY rRaJY7O7snJ6dhK3OBo2FifOb16GR3V393V39vz6B+02wb6wRB wbti6vuU3wpJJ46HLC3OsQwBgKzJPew3aQvfNOLe6g7WNE8MLG NNvsHImlvMonexlXZIEMQ7KdRbHJuMJABs/4VTFuDtlj8AAIpiMH57mclkfTmeLea2vd84P70ty55LG/5tpGL9UGVr68uJ8IX5OQDEZUVxfiBb0vO7Zbvm/X7ZypUBhmFse/O3/WotW/rSW6llu4D7Ey6XiHsEd5XtrXc2i5hbnBB6x0beLg+39zs3BbnR w7Isd09OOLMsl7fOcjkU3zwKf2/FStKRw8HLGq3V+YM4S+ibyq8iaSsf4W3BGN7Gwj+2O25LPOLtA g3Amiy/tf+SuxW28WojxnYGY2vGD3dm+6sMOTLe2+xAkrYkGWsOBX77ot w/rPJ297lmSfvtzKvfrA2/iRH3ne/8na//rn/7+yn/m6T/mUgK1Syp3+m+H6wTAeCD2370zr/hQ799d/9m9Pz+KfxDJuk3nhnf/sr/xUn6HQiK79SJ31XcfacK/G+Svu/9/1cg6Vcbwu+9g/XbCwQEb1808+ubYdsn+x6+4Vno3ft/U/nNFv9vuPIjg3J7NX675duRxM2kD5qNEGIxet9NgIDb08NixG4z TDlwZ7iftl2PfgW4623HbVGA7eW9wMFHIwXv1mTr+I3V2B6P4F 4Vtq0VLEZbzXyvJttrC9bju9iq5zvHD1v69mgNbfxKkkJDw7Va HbZuL0KIpQFhlmVJFpkp1kAwRpI1kqyBYIwWxkQyRoI0EhaDhT BYKJOZMlsYDiSFzBStN5hMJGWm6E0TYbQwBjNtsFAGC/FNMJnfOZrMhNlCmy202UKaLSR3xmQxb8FoNhstFtN2mAkLQZEE SRMkTVIMzSCGxSSLKJolGNZCIwuNCAYTDGthWQIhCrEUpkmWoV mGZhDNIIYGhgaKxhwIhiVZRDC0iSZNpLVWNmyrLbV1fAcmM2Uy EyYzZbaQXEO4Ky0EZSKp7UeCpM0UbaYRwWCaQZwPBd41q9VqdW ho6I7QkBPvkcSyLEHSegu1YrRoN8zqDcvSunlxzbS0alhaNSyu biyubqhXNtQr+qVlg1pn1OiMGp1xXrO2uLymXdNrVjfV6/o32vXFFePSqkm9olevbHyIJd36R6Fe0atX9BqdXqPb0Og2NCvr HNS6Fc3KqmZlVbu6pltZ065u6FY2tKsby2ubug3DyqZxZdO4Zj Bvmkm9hbJhg3gHmyStpwk9TRgpwkhRJpIykYyFYCwEYyIZo4Ux Whi9hd4wETqDSbOhX1rbUHMV0G1oVta/qf4Luk0blnTr6mUrNLq3V2rX9Mvr+uV1vW7DYKuwzmBeM9EbFt ZEMhTNsiz7cZJCQsLekgSIoUmCIjeMpqW1zVnt2vjC6ujc8sis dmhaPTS1NDStHpxe6J9eGJhcHJhcGphcGpjUDE5oBieWBiYWBi bejC0s90++GZpW940v9E0t9U0tDUwufkcsDUwuDr7F/HYMTS0NTS2NTKmHpzSjU9qRae3IrHZsYXliaWVSvTqzvDG/ZlzaNC1tmjSbZg7qTQMHjd6o0Rs0eoNGv7ls0C/rjTqDSWcwr+rNq3rzmsGyvGnRrJsWVvVzy5sTSyujbzRDM4tDU wtDUwtbNXlbsYGJhYGJhf4PMPhO5Re5Cg9OLwzPLo2+0bye144 tLI8v6rgKT2nW5lcM6jXjmsFiJGgu/vLrSMIsRVF6s0WzujE+rxmcWuoYnW0fmpENTLX2TbT1TrT2Tbz qG3/VN97UM9HcPfWqy4bJtt6pl50jsoGpZ8rB5p6Jl92TL7snn3eON 3WNfVe8ePdrc9f4q+7x5q7x5q7xlu6p1u6Z1u6Ztp43st75tr6 5tsE38tE51fhC19Ri35x2dHFtQqufWN6cWtZPLeunljcml1ent VbMLK9NLusml3UzyyuzutW5lQ0b3uj0M8sbE4trw290fVNLHSN vZANTLb3jLd0T3KObu8ZfdY7Z0NTx+mUnh5Ftx9dNXWMvO19zv 77qHHvVPd7cM/Gqb1w2MCUbnlKOzCnH5lTjbzom5rumFnunlkbnlqeWVhdX9OtG giDpLTfjx0iyOY8tJLFqMMxqdIPTC8qRmaaeiScdrxsVIw/kQ1/Lhr6WDd2XDde3DdW3jTS0DNc3j2xhqP7VYE1T7722oeqXPQ2tg 7UtQ3WtozXNw3WvBmtf9X2Imqbeb0JVU29NU6/tyvpXg3WvBuubhhtejTS8en2veex+y8SDlumvW2caZdMPFOMPu 8af9U2/HJxtG1vqnFnunV/rW1gfXFwfWFgbXFgZXNANL+iGF7QcBhd0Q4srw2rdiGZlVLs6q l0dUa8NL62OLKz2zWk7J5fkw2+aeqaeqMa+lo3caxlsaB6of9X Poa6pr66pr/ZlL4etCndvO/ZWPe+tet5b/by76kV37cveuub+htbBetnAI9Xrx93jL3qnXwzMvBycbRqaax6 Zl72e7xx7MzCjnlavaTfMRoJmkDWEw6mc20nSIsTtykMWglpe1 4/Pa7om3jQPTD9Ujta1DlY1D1Q09ZU/77n7vO/W8/6bz/rKnvTdeNx781F/2cO+skc9Nx5233jYdedZ/83HXeUv+m8/7St52HnjcX/poz7uJxtKGzs5XP+645tQ3Nhx/esO25VljV1ljd03H/bcfNhzu7HvzsP+u4+GKh6/rno6Ufl8rLJpuKptqF45+qBr4vnAbOuYun1Kp5zWdcyudszqum a1XbPa7ll196y6Z07TM6fpeaPrnV/uX1wZWFodWFrtX1zpnV/peaPrmNa2j6mb+mcfKsdqW4YqXvTfftx782F3WWMXhxtfd5Y+6 Ch90HH9vopDyQNVyQPFB+goedBR8kBV2thZ9qj79tO+Oy/7y18N1shHGlTjD7qmHvbONvZNP+yfeTw492JwrnVotmt8fmx+Z XHNoLdQJIu4hec9kkK2SGJZjIwEqV7Xj8yp5SOzz7on6mRDd5s Gbr7oL33SW/Kou+RRd+HD7sLG3sIHfQX3ewsaevPru/PqO/LqOwrvd5Y0dmXdelbS2FVwr0Na155/ryenrpP7lUNuncqGnFrlN6BdWteeU9ueW6fIq2/Pq28vbFAU1qs4FNWrihs6rt/rufGg72bj0K1H/bef9lQ09VS1DdQrRx/2Tr8YmW+Z0MgmtPLJZfmUVj6llU+pFVMaxZRGOa1VTms7ZnWdc ytdb1a7F1Y6F3Qd88uKGW379PLL0YXH/bP1yrG7TQOlj3qKHnQVNXQV1ncW1qsK6pQFdcr8WkVeTXteTXt utZyDtEYurWl7D9YGNnTk3+8qauy+8XTg9suhu69GyltHq9sn6 jun7nXP1HfPNPTM3u+ffTQw+2JgRvH6zfAb3fyacd1CkW9fBri NpNDQ0OXlZc7a4EhaWtscnNU0D0w3dryuaB4qe9F//Wl/4eP+wsbe/Ie9uV/35jzoyb3Xk9PQnVPbI63tlNR0SGoVklqFsKo1KvNWdvkrYZVMX K3Mu98rrFaKq1XiaqW4WimqUtggrGzf/vU9iGvaJdXt0hqFtEaeV9OeVyvLr5MX1MoLauVFNfLi2vbr9co b9zpuPui51dh167Gy/EVHTUtvQ/vQo+6Jl0NvmsfVLRMaKybVLZPq1ilN27RWPrncPr3cPr2smNEp Z5cVb3Ttc8uymeWWSfWrCfXD/pmGjom7zcMlj7rz7nXm1HXm1HTm1nbl1HTk1CqlNQppjUJS3S6 ukosqZaJKmbhKLq6Si6rlouq2bUe5tRU1Sml9Z/6D3pLHA2XPR26/Gr3dMlYuH6/pmKntnKnpmqnpmqnrmbnfP/usf0Y+Oj84t/xm1bBmoi2M9d0i75Ok0Wi4qBfNMnozubRuHJhRNw9M31OM3m0e vvlyuPjpYOGTocLHg3mNfbkP+nLu9+Y29OXU99pIEte059QqJd WyE1eKM8qeSeuU4mqluFolqekQV6s4iKqUoiqlsFLxTRBVKUVV itzaTmG5XFIhk1TIcqpkedVtuVUtRQ2yknpZUW1zcW1zSd2r0r rmm/faHspGe2fWp1aZOQMe1ZoedQw/6xl7NTz7anSu+fVC27S2dUrTMqVtntQ0T2paprStk7q2qWXV3K p8Sts+t9I+t9IyqW6dXm6dXnkyvFirmrjbMlLypK+wsTe3viun riuvvk9Uocqv786pUvLvtIkq2sWVCnGlQlqtEpbLBXdlwnK5uF IhrpKLqhTCKpmgQs5BXK0S13ZI6jpy73VffzJ4q3m8Qj5Vo5qr 6Zip7pip7rCSVN09W9c1/bRvtm1kof/NyuyqadVMWxhMY9h6tchHSAKGxQYLtbhmGJjRNPVN18tHb78cK n06VPh4sODxYMHjofzGgdwHfXn3e3Mb+qR1PdKabmltp7SWG2t ycVVLUCw/ObdBXCUXVyslVSpJTYekSiWuVokrlaIqpbhSKaxUiCoU7x2F5e 3cZ1FFu/BOm+hua361sqBWcf1+R/mTvrIHytKGtmedU+0jSw9bBxpbe0sqH1V83fKwpXd+nTYCGAAW DUzLwHhT/2vZ67n2qcX2aU3r+MKr8cVX44tN40vN4+qWKV3b1IpsWief0so ml1Rzq8r5Ndm0rmVK92JUU985Vd46WvysN+eeMv9+l7CyPaemM 6+uV1rdJbory6lS5larcmo6RBXtHFuSKqWwXC6qaLdBWNnOiQd uREpqOqT1nUUPB243jVXJZqoUM7Udb2pUc9Wq6UrlVKVqslI1W dk5Xds59ahvpnV4vnd2mSOJ2BJ375AUFhKqVWu4t41wJC2tGvq mll70TNa1Dpc96y9+1J/X2FfwcLDo8XDBw8GihwNFX/fn3+vNre/Ore3Kre3Mre0sqOvIq5VJq5o9Q5JPpxRLKlrFVfKcKqWkSskdp dwYrFSIKtolFe2iinbuDPdZXC4XlsslFe2SinbJXbm0XJZf2Z5 X0VbxtL99ZHVg3jSqtmwi0Fqg7qn8ubK/b3yh5/Vc/ZOWac0m9y/m1JtUU+fgU2Vv++hM5/Riy/C0fHKhbWKxdXyheWKpbULdOmldpVQzy4rpJdXMsmJG1zqpfTWh fTwwX9X++k7zcNGjrqLG7qLG3ry6roK6ruKGvryajrwqVX61Mq dCLi5vk1bKJRUy2wdppVyyjSdxpUJSpeSQU9NR8KD75vORKtlM nXK+TjVXxzGkmCyXj99tHytXjFd1TNV2Tj3snW4ZetM7uzyzYl wzk8TbnEcEgDRL6rCQ7SRhYFmsN5OLK/q+8YUXXRM1zYOlj3oKGrty73Xnfd1f/Gio+NFQ6ePhkoeDRV8P5N/ryavryq1T5deq8msVBbWynMpm50PngmIy86rbRHeb86oUkor2n CqlDdJKxYfguOE+51Qo8quVhdXKohpFbnnzjQblg7bRJ4rxJ8r XHa8XXy9szGgNegaMLPS+nnv0Stk39mbNhEkAAqDn9VxLz0jfn GZixdgzp1FOLsonF2QT87KJefnEkmJKo5haVk1pOqcXO6cXO6b V7ZPqtgn1y9Glr7uny1tGiho7VkvOYwAAIABJREFUc+oVZU8G8 hs6S7/uK6rrvHGvJ7dcllvZLq1oldxtE91uyalqz6tRiu62cgxJK+XSr XFmI0lcqZDWKPIbOksfDZQ3T9Qp3tQr52oUM5Wy8Yq2sbuysTt tr2/LRu+2j1V1TNnEXd+cbnbVsGYmCYZlMfqQpHCtepkzZlkWG03kk m6zd2z+Zcd4TVNvaWNnboNSWtuRe6+78EFf4YO+4saBoq/7i+73FTT0FNZ359eq8qrledVtBdWtOeUvPI7Eex5NKKyWCW83F dd2SMtluZXtH0VOhdyG3Mr2vCpFXpWCG7O5le3FDR0ldYobDco 7jZ237rffetBa+1Q1u0IRAGsEGBnoGpq5/1T2Qtbb1jkyubimp2B0TicfmFC8nh2Y1/XNL6sm59vH5+Rjs+3jc6rJ+a6Zpe7ppe7pxc7xma6J2c7JedXE ovz10tOemerm4RtPem4+7S97MlD+fKTkXmdpg+rWg67S2vaiap n0TpPozsv8mnYOuVUywe3m3P+fsfvsaiPbFoX9/pR77tmh293tiG0wNjmYZBwwNs6YnFFWSSpJVcoJ5ZxKOSFyzhI CkcEGG2cbHHDOOXE/iHZ377vPvu8Yc2gQBh/Qo7nWXKtWzfL89XPm+D2cY3L3mLZp0tg5b+u/5Bq+6g5edwWuOYavWIeWbMOXrIHL1sBlW3DZEbrqnri5gXR5ZW Hl0e2nr5+///ThS2SdtLHv8EeH/R9I3758f/f+89rT1xeu3R2cvOobmDO2TioaQ1LPmNQ7oWycljdOKfzTCv+0 yj+j8s+oGyeV3jGlJyh3DSucA2JL98Hz+KS8SqmtX2od0PnCSm foPyNFvo7wqL0Tau+EoXlW5ZvQ+idU3jG1O6j1BDWeQXNTwNk1 3he+MnX5QXD6hq9j1NE44GoacjQO+LtHe0fnL1xfu3Dz0eLK05 mb96dv3V+4+/ji/adzK2vTN+5O3bgze2Nl4fa9i7fvX7xzd3n13tLq3YWbd6evrgY Wb7eMLlm6ppGuWU1j2Ng6o2kMm5onzc0T7cGrvu7ZoalV//Cy2hfSNI5pGseUnpDaNy5xBJXejVFhY4RwhqWOcZkzLHONa5um zR3z1r4l+8BlW/8la98S0rdo6rmADFy0Di1FkKyBy/bRK67wDf/UjZ75mxGkO8/ePH//8ePXv1wG+gvSj/ZiHz98ffL83aVbayMzN5qHLlg7pjRN4wrPuMw7rvJNRCpRuS+s 8E0pG6dVvokfSDJ7n8jcnnMWE5NVCMl9Csew0hlUOEb/JWP+bfwZSeWbkHrGtE2T+pZpU9u0pX3a1DJha58y+YO25jGTb8 jREnK3h33tE/bGgK993NU+am8NNA9O9U0tL6+9vf7sw5Unr68/f/fgw/c7rz5ee/R8+f7Da/cf3Xr0bPXp87vPnj959/bRm7erz15df/hy+vrDlsAFpG3C1j1v61iwdSwY/WGkacLROmlvHpXp/P6emfDyS33zhMIbVPpG5e5RbdOk3D2m8GzwSN0TUveExDUpdU/JPNNy75Shdc7cMW/uvmDqWjB0zBk65vSdc/rOOVPfRWRgCRlesoxcsgQu20NX3RM3m2du9V24Pba8srj66O7z 16/ef4rcc7e+/mX9+5f171/+jLT2oxPa589fn7/6eGXl8ej8zfbgJUf3rKFtSuWbUPmmVL4pmWdC7p2MFAvKxmmVb 0rlCSs9QZV7RO7oF5nbM0/WRaWdwrJNSueIxDIotY7IHKMyZ0D2Vy25M6T6K5LSE1J5wirvm NY/rvQEVN6gyj2i9YwYGkd1niGDb8TkHbE2Bx0tIcQ3aPEMWL2Dzq aAqzlobw3Z28fdPRONQzMX7r5Y+7T+fH399fr66/X159/W77/9tPryzdrrt88+fn63vv5xff3t9/UP6+sf1tffrK+vvPjaO3nV3BKytk1bWqcN3jFH+5y1aaJv7LrO 0cuT2h0toaHZewrHsMYzamiZVHhCKt+EzBVSeCYUngm5a0Lump A5w3LXhMwzqWycUTfNGlrnjG2z2tZpVdOE0h9WN0/q2mZ0HbPG7gVT30XL4KJl5JI1cNk5ds03dbttfmVwcSV89e6le 08iSJ+/fvn+/ev698/r37+sf/89k8pKSu/dXYkk1/dvXz58+vjw2aulm/eGp682j1w0tI7rW6b1LfO61gsie0jln5X5psTu8MZCzzWh8kzq GyeUjmG1a0RoaE/Nq0o6XFFQAYvNvfrGCal1ROoYkXsCSk9I7grK7SNy+4jCMap0h rTusNIZUjgCKteoxjOmdgdV3jGtb1Tv7kUaB0zePldLoDe4OBS +0hO42BO42NY77W4edjUNNXWNtvSMWb3d7pZ+T1sAaQ5aOyasn eONg7Njy3cff11f+7j+5PP682/rz76uP/zwdeXlm5UXL9fevX/25cuLb9+efv726P331Rcfr6+9GZy8amsJuNonzb5Ra+OY2ROy+ MbdbdOO5gmZsV2o9uttfQOjN/WOEZV9WOUaVfkm+JYRTfN8g3VU4Z5UuCZUzgmVc0LpnlB6w0r/pKppQt04GQmVb0LdGFY1TWhapnRtM8bOWXPvgnVg0Ta8sfvQNH W7c/7O0NLK5LXVK/efPXjx9vWHz79n0rf19W/r39c3Coey0uIfl88/ffrw7sP7e4+ezl6+2R9e9A3M6FvGZO4RiSMk907JXRO61gsy36 SyaUbmmRQiAW3jjMYTliKDGmdA6wrwNM1ZJ+pSjlRmHkdLkD6N KySzDctdwQb7gNg2oPQEdb6wxjOmdo5p3WGlfVTrHtN5xtWugM I+pHQNqz0BrXeoZWAmPH/j5t1Xdx99uP/ky+uP65/W15+/XV+++WwguLB07eH1lWezi7cHRmcvXFntHJ62tY1ZO6bc/TPtoaXB+esLK08urD6+8/zDtYevrj18dePJ65tPX9169vrOy5f33r59+PHjnRfv7776fOPh 2/7wJaO7z9s56WwNezqmhsZu231jiCtgcA4LVc0Nmla1tUesbmrt vtDRt4Q0jqtdAZljVNM8xzUPq/zzCudUBEntmlC6xyM7I4rGkMIzHgmlN6z0jqkbw+rmSW3rtLFz FulZiGwROQOXPaGrzVO3O+ZujyyuTF2/+1ek9YjQH0g/Lp9///bl65dPnz9/fvLi9aVb9/vDi57eSUt7WOEeUbrH1Y3TKs+k1DkmdY6KrIO65hmZY1TpDKqc Izp30OIfU9t6aUJz7qm6lCOlu9NOCvVtasew2hVQekIyV1DmDM hdQYUjILMNK2wjGldI6wppXUGtK6h2DKvsQwZf0D+wODS7evfp t4XltbuPP7//tr545Ym/fbSxNdTWMyFTutU6X2vHaHP78OVrD27cefr6/frSjUeerkmkdczaPuYfnO2ZuDR9/eHMzbW524+mrq1NXn0we+vh0v1nVx68uHz/8ZW1pzefvrr15O3FW49DC7fcHUFXW6h96KK7fdLsCTpbpheuvR sYX+ErmlliN1vmpQvtQlWz0dbv8ocHxleUjmGVd0zqHJW4wnLv lNwZVrgm1K5JjXtS5QkrvWMKb1DqCURK8415yzem9IcjmWTomj X3LtgGlxzDlyNI/slbHXO3A0ur/2+k4vNFG2ccvn/9/u3Lt2/fXr//tPb87ejssrc7bGkLyex9MtugzDasdo8rHAFj65TI0mvwh+X2Ib ltQO0c1DoGlUiH1t6Fh2UHTlSm55Vsjz9M4pn0rmGNO6B0jqi8 Y2rfuNodUrk2skfrCpr9Exr7kM45Ym0at/hCetdgY89ceGnNYO8WyJ1Ge3dz16TO0sFrsDbIXWKFmy+0tLSP DwwvNLeNPn3x/fmr9Xcf11++X+8KLHq6Jj1d4faRhe7w5cCFW8GLK0NzN4MXVwM XVkYXVyevPpy/+Xjh1tqF2w8v3nk0f30tMHvd3xvuCS1ZGkcatM1cmY8hcjJEbp 68SWbo5imbAZaZxDYxJW5mg4svccu1rU09F/SeUTHSJ3UGVL4piX3sd6QJpXtC6R6Xu0cl7qDEHfwhpPSGI3OS tnVa3z77ZyRXcNk7dq1p6nb7n5DWXr77H5FKi0vW7j+InMb49v Xzhw8fXr959/rDt/DC1caecXtHSOMZlNv6RMYuhX1I6wnKbX1KZ5/OM6J2Djb3X2jpn0d8wyZXj8HRgQWFOfklmfnF0Sl5hbU0o3tA7 RzUeoIqV0DlCmg8ozpvSOsKquzDKsugRN8t0XUanAFf55zVM8q SOEksPSREIKGVLrAwhTaIh1CYeohjZvAsAE3NFdnYAotIbHd7h +/d/7T28PPK6tul5Ye37n8cHLvibh/zdYfbhud7xy+PLNwZmV/tHL/WFb7eM3lzYPb22KX7Mzcezd14NLm8Ojp/s290yd0RGltYFWkaIaEVYBlpAgdT7OPImkCuHeBYmTI/mWdD0bQ0gY3Jt4rkPqWxQ+8aVtiHFO5RhWtMag8pXOEfIXeGZK 5gBOl3oTGVbzySRvr2aUPHjLF7ztJ/0TFyyRVcdoeu+sI3WmZWOhdWgpfuTt+4d/XB8/8fSF+/rH//9v3blzdv3jx/8ertp29XVh53Dk8j/kGVo0fnHFBaeiWGDpmpS2ntVFo7tfaejuHFa6sf7j9bD83eMju 7pFpnJZqWmnMi48jZuPT8zPxSnaNb6+jXeUYU9kGlY0jrCihtg zJjr9EdaupesjdNmj0hLdIn1bSxRS4KUw9AGhJLDzAMOEiPpes IDCOZhZBZCI1tZfDtMNcKsUwcgV2jazWaO1Rqn1bXpNY0Ll97N nvxfmDiWtfwQtvQXMvgbNf45daRS77+i01Dl1pGljtC1wdnboe W7o0u3OmfuNLWP+NuGe0YXnS1jUNCK5VvBXk2MseCpelhiY/e4MExTADHSuE7SFwblW+FuYhQ5rZ4RjpGLmtdAZltUOcLS2wBh WtM7hyXO8dljtHIdvAPJLl7TOEJKb1jkUzSt08bO2eRvgu2waV IDnnHr/snb7XN3e2+ePf/RtpYzP51uCt5+GDt93NNX9+9efvkybNnL989e/t1Zul2Y8+4vTXo6ZjwdExp7X0aW7fO0d05cnF8bmXpxouhsStD Y1f6g0t2bx+TrymuxCdnHE07cDI+LT9+f4HC0Kx39mntfTpHv9 4xpLMPaqz9RlfQ17kwMHpbIGsSypu5Mj8sdIAcBGAYsFR1HSCr AzUYyIRjIGi6EQ3qCTBCZloIdCMZNjMFLgbPxuAgPIGdJ7BKZB 65wtPSOnpx8f7LN+tvP6+vPP7UN365bXjBP3DB07vg7VtsHLjU MrLcNXate/xq1+hS69C8v3PK3zk1EL6pNPfADU4Cw0gTOCh8ByhwY2AznmWl NfhAoYfItQI8G4VrpbH0Cn1Te//CzPIzmalL7xlVuQIKR0DuCsqdIZlj9HekgNgVkLiDcvdoJBSek KJxXNMyFSkZbINLrsAV3/h1/8RN/+St5uk77QurPYv3Ri/fm7l5//+N9OTR443e3d++vn395t69B7dX19aevL339MOdRx9Xnn27/uDj/LXnrb1zvvbx3sDSlTtvhsevtvfNak1tKn2z2tAs07hhrqq8lpS RezIj93Rc6tHYpDyBzGG09Vrc/Y7GYbOjX6lv15q7rZ5RLdLHFLg4DV5Y6IKFLkjkogkcRKYJS9f VU7U1FG0ZUVVDNWCY1jqqEQ0hANuJhc0EGCHAJpCJQFwrk2ujM Qw8kVMgsirkDr3O3Tcw/fjl93ff1gfHL3m7J9oCS76+C+6eC57ei01Dl9oCl5uHLrQOXWg fWbT6Rx2N47DQwWzwgDwbhW8HOFaywIFnWYkcO5Fjx7OsOKYFz 7ISOBYiG4F4Jo25bSh0zdM6bmkMah2DMmu/0jmicAxH1n8yx6jUGYggiV2BPyMp/WFt67S5e97ad9E5suwZveafuNk8dbtp6nbLzEr7wmrv4uqfkd5 8/PI/IBUXP3z4MFKCf/n0+d2bt48fP128fP3S1XtX7jwbm7vZG1wMzdxevv166frz9r7Z tt4Zu3dEpW/lix0wx8jim0QSm1hmI1NFVbVg5sEzqVkFienHYhOO0Jia5o6Jz p7pielbeqSDL7ZJVY1soZ3T4KaxrbDQBYs8NL6TyLbhmRYCy4q BzTVUXQVFV0ExVFAMVVRTDR2pg60oyIqCEQxswcBmHN2Eh4xk2 AQyTXQ2AnOMPK5GIjFodK6HTz8+evGlY2jK3xv2dIV9ffOurll Pz7x/YLGxZ87XM+3pmhyZvcORepkNHkjgpPOcVJ6DzLOTuA6A6wC4Lh zbjmXZcGw7lmVBM8w4poXMs7EbbENjVwLhmyZnv97Wp7b0NRg7 dN5RuX1I5hyWOQPSP2IjpWSuoMITUvnGtc1hY/sGkjuw7B296hu/3hi+0TR5o2X6VufC3d7F1dDy/X9B+jdzUuTy+Q+kt2/fP1x7emHpev/wVHN3SGVuESpcArmzQeVR6JtEco9M08SXuNl8G8w20xgGmGPkC BG+CCGShRXV5MyDZ9KyTyWln9gVm1tUTlVo/W7f0IWl+8PBSwZLJ6/BTqJrqCwzETYCTAQUuGkiL5HjRNHNtTRjLdVcTTNXgsZy0FAOG iqoxkqaqRpCqiGkmmauhcz1kBlFN2MgE5FhJrERkGOFOGYe36B UWH3+3qcvvzx5/bV7eMrfPdo+PNvUP4P4R1oGLvp75xt75rpGL/t6JlsGF5gNLojvonLsINdO5tmJXCuBbSNw7RimFc2wYJhWLMuG YSJohpnAttFEbpNzsLP/QlPHVGv3rKt53N0SVtv6VY4BpePfI8lcQbl7VOkd0/gndC0Tpo4Za8+CrX/RNXLZE7ziC11rDN/wT1xvnrrZPrfSc3HlB9J/KsH/BenNm3cP7j+Zu3Cte3DS5u0TKlxMsY3GNxFgFZWtZwotINNEhg 00lhnmWhk8G0fkEMrcAom9Dsc6V4pPzzmdmnUygpRxoJjO0is1 vp7+me6+Wa2pjcEzk2AtEdajqRoMZCDxnLQGP8DzoiBrNc1cQ7 fUQpZqmrmKaioHDWUUfSloKKMay6jGSpqpim6uphlr6CYUbMIy EAILIbOtIAdh8wwNEnNgdOHl6++fv6/3jkw19wSaekKtfZPN/dNtg/ON3dMt/fOutvHBiWsClZcmcIBcJ5ltBzh2ItuGY1qwDATDRFCwqY5h+oG EZVkoAjdL3tQ5fKVr6BLiHDLZB6TqZoc/ZG8KSwwdSseQzDkkcw5LXcOR7Ilsdyk9IZV3TNMY1jdPGVunkK 45e99F58CSZ/iyJ3ilcey6f/xGU/h688SN9pk7kesUU9fvLt97ev/5m/9xTioqKlpbW/uB9Pr127v3Hk3PLTe2DWksLbDIQuEYyWwDkaEFIA0AaUiQEaAb KAwzjW2lc2wsoZMvcXPF1moM62QhKi37VNL+44lpBTFxh/cmHgOoCgbXwBYhHJEN4iEgB6GwzThIj6br8SwrwHWRBB4S3wfw vHieB8dyomEbGrbVQuZK0FhK1pWSdSUUfSloKKeZIk41dFMdjG CYCI5pIbItZI4FYhvkKs/kzM1P39YfP//U3T/ePTTROzLVNTTdO7LQ1j8zHL7WNnhhdG7V7B1gS10Ujo3IthFYV jzLimUgKNhURzfUwsY6hqkWNqJgBM2wYJgIjm2lCNwMaSNH6pV qW8TqJoHUI5L7bJ5A78g1pDEUQZK7RmTuEZkrKHcFlc6QyjWm9 Y5rGsO6pklDy7S5fcbaNe/o3UBqDF5tCl33j9/wj19rnrjROnWra/bm0IXb4St3Lq0+jpwW+vz1y79BOl9c+ODh/Y0zDp8/v3r5bmXl0cTMclPXqMbSBgmtOEiLg7REpoEI6wGGicxCSAyEzL RQ2BYK20Ln25hCG42jqyVwj52pTc89lZRRkJhWEJuQtyv2EIog xtKUVQRxHVmOpmpQNB2KpqsFdXiWFcO04th2PMcB8N0UkQ9saC Tx3HiWHeC68Cwrim6uBvVlJE0pWVNG0VZQ9VV0YzVkqoXMdTCC ZpgxTATHMpPYCFPgkKtb/G3jr9+tzy/eHgrOBsYW+oYmu/vDA8NzgfGr7X2z4fl7fcFlttRB4yMAE8HBVhxsxTKsaMhURzfU 0vQ1kKGOYaqGDNV0fR3dEElWIttG5tlJbAQWOrhij0TV0qBo4k u8RseAt3Na5RyUuwflrmG5J6Bwjyrco2rnmNo5pvOF9Y0TxqYJ c8uUpW3G0jln71lw9l10Dyx5R5Ybg8v+0Sv+0StNoast49c7Jq/1z90IXbq5eOfh6pOXL999/PdIRSXn/4T09eWrd7dXH41PXfa1BSV6P01gIzJNOEiPpmrQoBbk2ikcG5l tpXBsINcO8myQwE7jI3hIXoPnHDhWmp57KiW7IDmjYG9iXvS+Q +croSpAXklS1FC0lYCqHFBXkrUVJE0N1VBF0dXRTRimlcB2AFw HaSNsdIGLwncRWFYU3VgN6svJ2nKythzUVdGNNbC5DkbqYAQFm 1CwCcs0EVgIjeugMS1CmXdodDkQWpycvvLuw/rHL+tPnnwIhi5MztxcuvoUcfXROAYKR09kGrCwGQ0haAhBwQgK NtVAhlrYWM8017OQWsbGtxjYjGUgeKYFzzST2AiVbyVAOrbIBb MtDJ5NpmkJzt5VOQdV7iGFe0TuGVF6Qmp3SOsc1zrH9d4NJFPz JNI6bW2ftXbN2brnI1SuwYvuoUXP8JJ35JJ/9Err+HLf7PXRpRsXb6/9J6TC0vP3Hz/YeOzeBtKT0NRlV0ugQeuHG9wkro3AQrCwEU03UoWeSDGGZ1oIL ATgWECehcjUVQP8Sjw7Ofd0ck5Bck5BUkZBbFJebELeoYL6Ery sHDQUA5rzBFUJSVtK1hUDmvM4ZRFeUUHS1NENGNiMY5gIDCOJa aawLTSencZ1UDg2AgtBQ6Zamr4a1FaAmsiEVAsba2FjHd0Q+UM 808IQ+ulsJ0fkgjlGoRgRiQ0LCzfevv3+/u36l8/rT55+V2p8LKEZ4plQFBmRacIxEAxsiSDVQ8YNJBZSxzTXsxAUC 0GzLRslOMtKYFkxkIHCtZJZCMS1U2Ejt8HdoGgamljRuIYiSAp vIIKkc4V1rrDeGzY0jhv9YdPvTpb2aWvHjLl92tI5a++dc/YvuAYueIeXfiBFMunu01f/43BXVHJ+7dGDyN01nz5/ffHmfQTJ3zEuN7UxxB4c3YCjGwCOFcdAyDwnVeghcR1Eto3Itg EcK5VvBVj6GiK/nsJPzilIys5PzspPSD8WHZ8bm5CXnHW+CCspJuvP4JRn8aoiku 4sXhWJIqK6hKiqJGvrqHosbCQyTSSmmcIwk5hmCsu6UXqxbRjY XE8z1FB1NVRDLc24MTpRdXVUPRoy4ZkWMtvJFDXS2FYm38rlm4 Uis1yGdHYEP35Yf/VyvbklKGywgQwtlW0kwno8bCCwrDimLVLL1cLGarq+GjLUMc2R VzTbguFYsSwLjm3Fs6wEto3ItuAYJobITWGYaUwLk28Xq9oGw3 c0zhG1a0TlHlF6gmp3UOMZ07rHdO4xvSek942ZGsN/OLVMIW1T5tZJc/u0vWsu4uQdXmoOXW2fuDowf3Ps8p2llUeROenLt69/NJX4l3VS5BefPn99/vrd7dVH4enlpo6Q0tDMFrnILIQIG4lMEx4yEhlmAtMOsJ1kthM PmXF0A4VtIbG09QC/hsBIzMhLzso/mH8+Ped0Qlp+TNzh5Kzz5YDyNFpaTNadI6hOYuVnierTeOUpnO IcQVUIKMtImmpQi6br8bABYJhITDMeMuLoJjTdGNl3wDMtOAaC hkx1VGMtaPgRKKoJTTNjIBOJZQPZNohrhzgWKtMAsXUyhcfq6F lYfOBtDHCEVohjZvDtG/8F20LiOQlcJ4ZpRcFIZIarZ1jqGZZayIxiWlFsWx3TEvk5imnF MBECx4JjGHEMY6Top/MdPFmz3NijsgzqPSGNO6h0DKvdQaVzROYc1npDWldA5w4a3EG9 Z9ToGzf6w0jTJNIyZWmdtnXOOjrnXL0X/MOXmgPLraPLHZPXBhduhS6vXrr79N6Ldy/efvj05fP6+rd/vehXUlT8aO0PpBdv3t+5+3hiZgOJI3ZSWeaNtw82EBlmDB1B08 x4yEJkWAh0IwHSEWgKFElAZkgyD5/OyD2Zkpmfln0iJj53X9LRvSknz9TxTtaLzhNU5wiqMwTVGUB9E q84jpGewsnP4pVFRGUlWVsL6tB0feRDgKbrUTRDPVWPphuxsBn HQHAMBAub60FjPWisoxjqKIZ60IiimjB0BAubyUwbmWmhczacY C4ilHjUhja7Z1is9IMMPQnSgxwrhWslsSwElpXAtmFZNjTDgoK ReshcC5lr6KYauqmKaqihm2pgcxXdWEkzRKbAGtiIYSJohhHHM pO4NjLPDnLtdIGLI/Fb/ZOIL6xzBJS2QY07qPWNRk7jaF0BrXs4gqT3hIy+caRp2to6Z22 bcXTOR5B8g4v+4cXmwKXOiav9czcCizcv3nl09+mr52/ef9444/DXy+clxecfPXzw/fvX79+//kCanL3ibx9VGVs4YieNjQAME5FhxtENBNiEg61omhlLM2NpRix Vi4fUeKq0nsCpJ7IyDp3an1uQnlOQkXt6T8LB+JRjUXuPFKIER UT5abS4ACU6Vt9wrL6hACsrwMpOYmWnsfJCvLyMqKoiqetADYa qw9ENGMiApm8IRXYiCCwrnmmpp+rrqfoIVSSNsJAFx0BIDCuJg VBZVpjnYPBsDJ6FI7ALxG4m3wpxzBTYANANAMNE4djIbDuOgWA ZCJaBYGAzmmFGwaZ6yBiZ9ipBfRXVUEU1VFB05WRtBUX3JypzP dNM4NoBroPItpBYFgrXKlK3yc29BnfQ4B5R2gaV9n61a0TjDkR ede6g1hPUekb1vjFz07Slbc7SNmPvnLd3zTm65919C87+Oe/wxY7w5cH568HF64t3Ht5/+vrl2w+f/+VZ3syqAAAgAElEQVQgysYueEnRvyCt3HsSnrvS1BGKIFHYFjx kxENGLE2Ph4xY2IyFzTi6CU3V4GgaMkODB8VltdRKNJhz9Fxqd v6h4+fTsk/EJh6KTTiyfU/ugTOEM2jRiVreWaz0FFZSgJacwMhOYGSncPLTWHkhXlmEV5QD6 mqypg7UoUEtFjZi4Y0cIrCskcmPyLahaAYUzYCimjYGOjqCg60 EGAFgCwCbQaaFzrHDHDvEscBsC4NnobMROsdCY1uJkAkPGSPeP 5B+OEWQaqi6Wpqxhm6qphn/jFRJM1XBlgq6uRpCUEwrjm3FsxECywywzGQWwlf4Ee+ovWVCZx 9UWnq1jg2qiJPGHdC4gzpv6EexF6kgbJ3Ttp5pe++UZ2i+a3J5 eOHa+OL1y7cfPHz26vX7TxvNxX5/ENTa/cgJ1t8z6c/DXXjuSnPnmNrYzhV7KGwLjm7A0U1ouh4LG9GgHg3qCZABYBgAS EOky7FkQSUahDjygnOVyZl5WYdPJaTl7dqbvSf+8K64I5kF9ed QghO1nLNY8Yk64fF6YUG9+ARKcgojP42Vn8Mp/oyEohkidQqObsBDRgJsIjLMkcDSjJHA0U04ugkPmQkwQmRYANg CwBYKA6GyrDSmhcpA6CwrxLFAbBuNbSWzECLDjIfMWMiCg604p i0yeKIhE4puRNHNKLq5jmqspRnrIXM9ZK6hmypBfTlZXwkaq6i mCqqxArKV0i3lEFLNsKKYVizLjGeaiEwDAdJROEaewisztmuQb qN7yOILaewDGueIyjmscg6rXSMad1DrGdV6RjXuoMEfRtqmbJ3 Tju5pV9+0u3+qNbQYWLw9c3V1/srtGytrj5+9fvvu0587JEYO7BeV/Duk26uPxmYuN3eE1eYOnsQLcqx4yIiHzGi6HscwAUwEDWpxNA3 A1OGpUhSJR6DxQbaYJ9EdOn4+LjV3T2JWYvrR3fuyEtOPxSTmp R+pKKiAT1Qzz6AF+ZWs02jxyXpRQb34BEp6Ei07h1OcJ6gqSJp qUF9H1aPpxn9B+uGEh/4SESEiw0KEkAgShYFQIDMIm2lMC51jo7GtJAZCgE14pgUHW9EQ goasGNiGopvraYZa0FBD0ddQ9JEypIZqqKOb6v7IJH1kk7ecYi yjWf5AYiEYpgnD0GFgNYVjpHCMVLaRzjVzxE6VsdvkGNY7RjT2 AZVjQO0c1DhHtK5AJDTOEaN/3No26eye9vbP+ofmWoILQwu3Fleerr38dO/Ri7XHL16+evf+/ceNTPo97q89KCop/v+Kiwofrv2+mP3y7fnrd7dWHo5OLflaRhWGVq7YA3KsBNiEh4w RJJBrJ8JGAk2Fp0pxFCGBxidBAoDOJVE56Vl5cam50fEZielH4 1IOJ6Qf251w6Lc9OXuzzmccr8srBg8WkosIsojTKZTkNFp6Fis/T1CVA+oqiq6Goq0DdViaHk/XEyADATIQYSPAMAGwOfJ2/0tE8ADYQoYsZMhChs0UBgIyLZGgsqwkhpUAI1jIgqEjKLqlDkR qQFMNaKqi6CpJ+gpAV0nSV5EN1RRjJKqopgqKoYykKyXryij6M oq+lKwrBg0lVGM5zVRFN9bCehRDj2aoMbASDUrpAjNX4mIIrHS OhSlwCWTNUk2H0tyjsfXqnQMG57DeMaR3DJncAcQXsDWPuTrCv p7J5oGZ9sBcb/jizLX7D15+fv95/dXrDy9evnv39tPHj5+//OlZUF//A9LNO2uhiUVn44BU7WeLXBS2hUA34iEjhqrDQXo8XQ8wDACkwl BEANTAFCjxIOPkuVI0Acw+WJCelZ+YfiQmPidh/9HdcQei9h2ISTm+K+l4VEL+9sTjv+3LP1wEHqtin0GJz6CkZzC yQqyiCK8oI6rKAXUloKomKVGgGgNqsFQtjqaLaBEhEwCbf4x7f w4CbNoQgixkaMOGwkCIkIlANxNgBENH6iiGWtBUT0NqqUgV2Vh FNpST9RWAroykqyTpKyiGaoqxEjRGsqecrP8XpMi+VDlFXUVRV VMV9ZASy1ARmMrE7DOF1XQKUw/zbDDPQefY6Wwnp8Gn1LfrrZ2Io9/s6DdYe4y2Xptn2NM85m4K+drHm7on2vqnukZmhiYuLt16+OLj+ ss3nx8/efn0yau3bz5++vTl27c/hP6EdL7o4YO1H0g/SnCXf1Cq8cF8C8hBSEwzDtLjID0eNuDpeirbSOfoIJ4KDTBOFJ adOFtUUY3C4MGs3OMHDp/OPHgqOeNYXOrRuNSj0YmHo/bm7ko8uivx6O7kgp3Jp7NO4s7WCs7WCwvRkrNoSRFWVkZUVZA0 FSRVBVFZSZTXk5RYshIPqglUDYGqI1B1BMgAMEwUtoXMQkhMcy S3iNBGPpHoCImOkCELBbaCDBsFtgLwxhhYgZUBbCeKairDKysB TR0NqSTpy8mGIoKmFNCVkvQlRG05xVhNM5eSdZU0UwlJWwxo/oAha8/jpVUU1Xk0r56urqFIKwFhNcAXaj2nK4Co+EN7009iqAo8XYunG UgMKxY0UVlWLt/icg943YMOZ5/d0edyD3Z1z7S0ha323qbWkN3V4/b19QzNTMxdu7byZGHp5q2Vhzdurl5Zvnnv7sO3b99HkL5++w9I X7+8fvNh5d6TydkrXv+QQutn8q0Q10plmUlMI5mFUNhmkGmCeK aKevhkUe3Z0loMkUJncngiST2GuD8rLyOnID3nZErmieTMEyk5 pxIyjidknIhLK9gdf3hH3OEtsUfS8mpPVjDP1PCLMZIirKQEKy 8jKsoJG1FJlNeT5FiykkDVEGlaIk1PpOlJkDGyUIsIEWEjgW6M JDeBbowgRZwiQYQQAt2MpRlBrrOGrKkmqTGwpYaiLyeo6mhIJW gsAXQlgK6UrCsiaIqI6jKKvoKqLyIqS0jqSlAfsSnESUpJyiqK qoogqgUElTgOmtrAllllpkYyR/lTVNKe5Lyfo9LyCwk4mgZH1aPJOiLDhiGpRQ223q7J7rbxrvbx qfCNifHr/b3zLkd/o3cYsXR6vANOd/edu6/vP3q39uT9lRtrcxeuLSxcm59fvnXz7vNnrz99+vJvhrvIpYo/Ib1bvf94am65pT2oNbXyGuwMnoXONlGYepBpAlkGOtdM4xjwoO hEYVUNGi9WKil0iM3h1aLwGdlH07OOpWWfSs4oSM48lZBxfG9q 3v7csylZpxPSTyRlnt2Xeir/HFCCEpRgGsrx0lK8pBwvLyNIy3CSUqy4DCepJsowJAWeoiBSNQ BNC9C0AF1HgvRk2ECC9CRoY67C0/U4mg5H0+GoeoBmJlJNAM0M0MxEyESgG/E0A46qx0NGEstSSZTXU7UomqGeZijDy6soumKC+jxBdZ6gKiGp yyj6IqKyECsrARQVoKYEUJTgJSV4STlJVkGWlwHSUhy/Bs+B+Wp2g54h0LBEOpXJt31P+s64nN+i0n7ZkbY35WQdXlJDkG EoWgC2EChaK9KJGPx6hVOjcCjENoe1u797zmnvc9h6bZYum72n vWO8rXN89f7b4eCF5vbh9u7R/uGpUHjh6tWVJ49fbLRW/tfC4a+3Y75+827l3qPpueXO7pDZ2t4gcbAFFphjpDJ1dJaextJ TYB2DbyyrIZ8qqiLTGSQqSIchCGbW1ONyDhZkHTidefBcSsapx P0nYpKO7Io/kJJ5IiEtPzGtIP1AYdL+M+fKaZVYUQVOXE2UVRCkVXhZOV5Sih WXYERlOHENIMVS5D+QSHQd6XckgK4D6LofPFiqNhIEqp4AGgmg kUg14WmGH0gE2FRPVqPpegykrwIU9VRtJVFeCaiqacYqurGIKD +HFRcT5SWAopQgrQKVRRhhGaGhnCguIworiKJaUELk6NgyK0+s B0A2CPFRRNjiaDl8vPjX7QmbdyVv250eHX/o5y2ph4/XE+lqGhshUHUcgX2wb9br7NRIbVqlU6/yGrRNje7h9tZJi6W3uTns8wfNli6DpbO9Z1ogsTUoHUpDo7Opf 2Bk5vLV1SdPX75//3H990a/f5TgvyN9//79+6cvn1+9fnv33sPpuUud3aMWW5tU5uQLLWyukckzcvlmFt/EbbCTYWV5LSX/dAnM5RJBAKRRROKGqmrUwSOnDhw6l3O4JC3rbErW6diUo3tT89 JzTiemHE1IzktKP7En/sj5cmodoaGWKK0DZDWAtJYoryZKKvGScqywiiCuJ0vxFAWRogR AFYmqBmhqEl1DomvIkJZI0xJpWgJVQ6BqsFT176HFgzo8qMOCO hxVj6cZ8LSNPEOBagLDiIP09RQFhqatJsrqKao6UH2yml1MlJY AsiJsQzG+4TxWeK6eU4TlVgLCOoqojiLCQVKIr6fzNAAsJdD4A MiurMGSQKZIqissqtuyI37L9sTt0WnbolKjYrI3bUnavjsLQxS CsIrFR3z+4P17bzvaRsQCg0SEqBUejarRZutvbAortW0MDiJRt XAbnByxk8LUk1h6HF0Bi8wae0d7/8TFyytrj1+8e/dhfX39R/OatQf3iovP/wUpkkn37j+am7vc2T1qsbVIZXa+wMzhGtg8A49vYvMMHKGVJ7E VVxIrarE6kxmEqWJpA4PFrKisO3Tk7IHcwqyDRcn7T6Vkn92Xd iw5+2Rmzqnk1LzklPyk1PzdMQcqamEiVUGgqbBkJYqsQJEV9SR 5HSCrBcT1ZCmWIgdAFQCqiBQlkaIkgEoiVQXQ1ABN/UMID6r/hKTGgzocRYuhaDEUbYQqkmd1ZCWBoa8BpGiqCk1VlaK5ZI75bC 0rNqcot5BwDs0txYtK8PwiNKsYw64kcFCgiC7UscR6KluKJbHL 64CSanw9gYYFaFSIzeFL0ThKTGz63/6xfc++7H9uivl1S8Lu6Mxt21O2bks+drxSb2hqbQtNz95YvLhq QVoaREaF3CEUWWUKn97YxRN76GyE0+AlMRAy20rhWlE0bQVBSm AbiTyj2NTq6w5PLdxYvf/09ZvIA7g3nsb3R5eutbVHG03Rv319++7D2sOnFy5c7ekJOuxtS oWzQWTm8/Rcnl7AN3C4Bo7QCjLVJVVAaRVKrlbJFGJRA4/H45WV1xw8fCYr+0zGgfNJ6adTc87tTc1Pzj6ZnHY0IelQckp+Y srRqF1Z1SgWma4iUhUATY2nKvFUJYGmItBUOFCGA2UEmoJEVZN BFYGswJPkeJKcQFZEqCKBB9U4iioSGFCFAVURJDRZgyZr0BQ1B tSgKWo0RY2mKCP5iqOrsDQljq6oBcQpB0v35hSmHK04WkoqwXI qAF4dRUhiq5gSA0OkZQrVOAq7uh5AYckYPJlIprN5DRyhhCuSC sWqPftSfvktZsu2fT9titm2I2nvvty9sTk7tift2J6UkX4UMTX 2dI12d4/qjV6FysHm6WiwEuboIY4RZBhpPDuJgVA4NlDgrqPqywmKYpy0i qIpAWR4LiIytbk7x8PzN+7cf/Lm7fs/7YL/gbSRSevr69++fXv/8cPjR88vLV3r7RlxO1s1KrtMjEhEJlmDWSExS8RmqdzN4hvLq0 j1GKJMIZUrGrgcBpvNLS6uzT10JiP7dPah4vTss1mHS+LSClJy zmTmnErPOL4/42RS6vHtURm1GB6NqaNAahDWkOkqMl1FhtRkSA1AKiJdCdCUZJ omgoQDZDhAhiMr8RQVAVRHIsKDJSuxFDkalKMpSjyoxVG0aIoa RVahyAoURVZPltaRGlAUST1ZjIfkdQQ+Q2CSahtzjpbHJOZFp+ ZHp+YfPF2LAkUgT0tiy0hMCcAQkZkiiC8FmXwakytokAvEMjZf JJTIJXKNRK7JOXjst60xv27e89Om3dt2JG3ZlhAdk7Vlc0J83I FNP8fE7E7NyjgGkrkCvobD15NhBcTV0zgGHKjAU5UEyICj6Ugs C45uqAM1pThZOUFRgpedQ4nKyIoIkqdrfPLCjbsPn797/3F9/dv3b5/Wv/85k4oKHz3caEr47evn9+/fP3385OrytcBwqLWx3WH2GJVWg8JiVTvMCqtZ61Kr3EIxUlZFQ OGIYjFHpeBKhTwek190Hp17tCQ169j+3IL0zIKk/ceTs87Ep59IzzkdG5eblH4iKePUbzsyqtFcOktPoshpNDWdqqC BcgooI4MygKYEIBUAaQCqAiDL/hAia3AkNRpQYkgqDEmBJSsjQhiyBEuRYilyPKhGA8o6QFZPlta QBHUUIYomrCaxCAwxgSkCOXKBHBFILblHS6JjD+yJP7w3MS8m4 fD2mIzyepDGUdQRIYgvp3IaBAotT6YmszgwXwSyuLwGmUSpZQv EiM2LwYBRUXE//7xz6/a4nzbt/umXPduiUrdFpUftzNi8JXHzlsRfN8Vv25JSXQWCdDmRrqwjSwk MLRrS1JCVaKoGA2oobAvINBGomnqCtBojKkMJS9HCcry0mqQgc gxig9/bHpxcuHb3QSST1v98O2Zkg/Xcw7W7698/r69/+frl07u3r589eXrz+o3p8anOlg6/zec0OCxKC6JAzFITorSZDN4Gibm4HIsDKEolTy5myPgcLoN/9hw6N69s/6ETGQePZ+WeyMw5lZR1KiHjRHJGQXzSkd17cxP3n/xlx/4KFJsAylkcE0RTQqACAhV0ihykykm0jXGPTFcBVAWBIsOT5FiS Aguo0IASDSixZDWWrMaQFBiyDEOWYcgSHCjBgTI0SRr5wGKokn oKvxIP11GYIF9CYgk4Mk09AHPF2qxDp3fsSo2LP7QtKjVmb86u mMz4pCNp2SdQBAbMk7PFKq5UxWqQs8RSjlTOkcrJDDaNwwcgJh agEUiMY8cKd+9O/u23mE2/xvzjp52/bU3cFpW6dUda1O7M37Ym/+Pnvdu2p//9H7EJifkoPL+eIisniitJ8mqKspqiqiGr6ikqEtNIhg0EUIkFx PV4YS1OXI0X15IUaKqKJjQrkBZ/9+j0xRv31p6+efv+93aj39bXv/3ex6Gk6MGDe5GnAXz78vX923evXrx8cO/+8sXLYyOhqZGJudDM1NBEqCc43Do00DY41DfhcLSWVuIJJJpSK eAyiRIui8vgnTxVm5NXmnXkzP7cgpzcU1m5J+NSjyZnHU/LzE9MPhibmBubdHjzrowIEpogAkEllaKIBIkiJ4ByPFWJp8oBu pxEk5NociJVgacosCQFGpCjiDIUUYYG5GhAjiHLsCQZjizFU2R 4iowMqdGAsJ7Ax1AEBEhE5UpZEhVbqoQFkpJaDJ0jzs0/tzM2fWdsxq6YzK070mLjDsXE526OStm6K6XgbI1YbYUFCrZYBb JFRIhN54hIEAdFpJIgDhag4Uj0yhp8evqhuLjM7dvj/vnzrv/1v7f8sjl+87ak6NgDv21N3rEr49ctSb9tTf7vf8T8vCkur6Cmm iCqJstKcA3lRGkNqK4CFGiqhsI2kyA9karCkaVYkgQNyFFkBYa mxTH1UINFZW1r6gn9J6TS0uIHD+5Fnqjx/eu3j+8/fHj3/uXzF3eu374wPT8/NjvaG2h1NHe42yYHxm9dvDU9Nt/S1FtShiWQIJmMD9EwUiGXzxWdOlubfaQk5+j59JyC7KyCjP35s Yk5B48VksmMAwfyd+5OTkjL27o7vbCSTKTJqEwdGVSQQQWZLCe RZHiyFEuSYClyLEVKoEoBqhSgywG6nEhV4MhyFCCpw0vqCdKIE 4Ysw5IkWJIETWxAEQV4UFyPZ1OZMo5Iy+ArGpRGuQ4BWVwmTyR VGXIOH98dt3/b7uSoPfv/8UvcjuisTVuSovcd/Om3hJ2xWcmZJyrRNDKjgSvVoUiMGjxYT6BVoYlFlehzZTWHjp7 JzMk/fbosKipu166kzVv3btuR8PMv0Tt2pcbG5cbGHfp1S9LuPTlbtq f+9Evcz7/G//Tzvp17DpyvgeppinKiuBQvriQpyokyNF1H5pgBuo5IVeEpMixF jiEpUGQFlq7DswyRTGrsCk5duL56//HrN+/+LVLpgwcPfjyd6OPHjx/ff3r14vXVpWvToenJ4fBI52Cnu7XF1thu83d72/va+zxO//nCOgqFrVRIeGxQJRXxuYKzRXXZR0qyjxRl5pzK2l+Qnno4dX9u eXUdjysCiGBOztG4pKxftu2rxbFIDEUkCQBQBdI0ZJqGRFUTqS o8VY6nyok0GYEqIVAleFCCA2VYihQFNNQRGlCABAVI0EQJBhDj SBIsIMIQhWgil8qU0RgNHIFKKNGKJGqZUqdQann8BjKFfrzgzI FDx6P3pkbtSdsclbR15/5NW5J27jmwfXfmll37t+xKi0s9mpiRX1oLnKtAHz1TdvRMWU7e mazDJw7mnT2Yd/pYQcnR44VHjpzetStuV0zSb1tid8ek/bp1769b4rZFJW/dlbYjJmNndNbWHWm/bkn6+df4v/9jz0+/JWbklZfhBZUkaRmhoYwgKcWL66kaHKTFUtVYihxDlqFJUhRRVk +SY2haPMtAFZjk5mZfZ2By4dr/iFRSUvID6evXr+/fv3/7+t2jtcfLC8vB/mB3Y0ebq7nT3drhamlBvB2upvBQoLutq6IMx2RKlAqZRMRWiAU cFvdkYc3+Q+czcs9mZZ/JTDuWmXI4/+gJCoXEguhsGCovr0zLOJCy/9CB/ML8s7WnS4h1hAYsSUakqkh0DUBT4ykKDFmCAoRkWAnQZQSqFA9 KsBQphixBk8RokrgWL6jFC+oJfAxJSAQlZEhKgWUgJAJAtliml qv0CqVWo9FJJDK5VObzeM1GhAFzMrMORu1O2LUnbdPWuJ17s/el5Kdmnt68I23r7oyftybs2JMZn56XdqBgW0zK3tQDGYdPZhw8 kX3k9OH8wvSs/IOHz+QcLEhJyd69O35ndOKvW6K370rctjNx956MPfuyt0fv37Y 7fVdMdkJy/i+bE//336N/+TXh75v2bYvJzi/CVwINFYCkjCApJ0qrSYpqkqIGkNYC4jpCQy0griFIagBpPVWDY +rpIiQyJ01duL5ROPzfSEUlxQ8erkU6BHz58u39+4+vXrxevXN 3bmImNBQc6ezva+7s8bW12bxD/s7VxSsry5cngqHqSgKXLZeKJUqZSCLi8ni8/NNl+w+dS88+m5V9Jjv12KGM/PLiEhYMMqgkPguCIdqJUyfTMg7sS8nOPHw2JfvsvtRTKVklufn 1JwvJpdXMOpyIAMopDFUdgY8miSLLJjRJXE8U1RMFKEBYh+eii HwCKAIZUiZXweIpYLYUYgo4ggaJTCqVSnVadZPX0+xzG9SKBh5 bKZWoZaqY6H3R0QnbdyX+uj0hOj53a0zmb1Fpm7Ylbo/J2Lwz9b82xcSmHoramx61Nz0mKSt+/6GkjENxSVlpGYcTU3Kyso4eOXI6L+9UUlLm3vj9cYmZO3Yn/bIldtfezJ2xGdFxBzZHpeyMzUrNOvnb1sR/bordvC3pv3+K/duv8YkHCgvrWRVEcTlRWkVWlBOl5XhJBU5UgRNV4YU1xIYagqS aKKkD1ViGji4yKS3NTT2hmcWbf8xJv1d3G0jni4sePFyLdIb6+ vX7x4+fX714ffvmnaW5i6ODgR5/e4+/fai5o9Xq6nY23rmwtHJ5KdjbV3S2hs2UikUNRp1SLhHIZLKjp0 qzjxRlHCjMPXj+YEbBiYMncfU1XCZZwKTAZAwLBhGzPu/osayD+ak5x1NyzsRlnI7bXxi3vygu9ey+lDMJaadSss7szz1/ppRcVsdGARIsRV5PFFVhuJVoVhWWhQdFZEgE8+T8BrVQquYKJH SIBZAoYmkDYjF0dba47GYuA1SIOGaNjEsHxRyWz+FKS8mIiUnc vitxc1TSll1pf98cv2lb4tbo1F37cjZtj//H1r2/7kr4NSp+a0zSnuTs6MT9KfsP7U3IyDpwLOvA0czMvLy8U8eOnY 2OToiOTck7di4p7dCWHXGxiTl7Eg5E7cmMjjuwdVfarr3Z0bHZ Ubv3//c/dv9t057/2hQbFX+ooBQoxnBL8aJKkrwYKyrBNZRgBeVYYSVeWE1sqCZKKg FJNUVZT1dThAa52f+junv77sO/QSouLfmRSV+/fv/w4dPL569u37wzG56eHA33Nbd3+ZoXAqHBptaFkdHrs7MzgeEuf 1PR2RomLLZZrLeuX3Y7EIlEcuDo6czDZ/cfOHP4UGFuen71+SoWSILJKB5MhEhoHovCoJMhiFZw+lxqdl7a gZPJWWfiM8/Fpp7Zm3Y2LvVsTPzR2KSjexLzouMLouNP7kk8mXW4+kwpWFhBr aiHAbqEypQwBXK+WM4VioUNIgwOzRewW9savT6HXC4Q8uhqOd9 hUnU3ufg0QC/hOw06RK1JiU/evWvvjp2JO2Mz/uun6H9siftp674dsWnb96THJGb/bXP0LzvjtsYk/RK1b/PuhPj9ubHx+3fuSYiNS806cCQr68iB3LzDR0/sjN63Mzp+X0JGUtqhnTEpielH9iXn7ozNiInP2Zt0OGpP5pbty TF7c37ZHP+3TXv+1z93/7Qt6UwVtYokLiM0FGJ4ZYD0XD3vXD2nCM0rxfHLCcIyvKiM0FB JktfRVCS+Tm72RwqHuw+evHv/8d9n0v21BxsNUb6vf/r05fXLN6t37l65eDk0NNLX3B7q678+P399dubZzZurS4uBrg63 1VpSWKeUmybCY7euL9kQvVarzT9dknHoTGbOqfS0vGO5p4BaPE zGyYWwnA/haotpxHoAWwvRyRQKJTo2IfPgqaSsU3EZp6OTTu5OPBGdcGznv sOxCXl7EvP2JZ+OSz0fm3TmcAEmNac452j5iUJMeS2JQOXCHAH M5qg0SqvN1Nrik0p5YiFDxId0GmEDn6YQMZhktBAGYGIdn07gU AExh5UQGx+9e9/mrXt3xqb/10/RUfuyN23ft21P8s59+7fGJP19S/Q/t+3ZnZDx8/bY33bt+23XvqjYxD3xqXv2JWXmHM45cCQr+9D+rIP7ElL/uWlbeuahI8fOHTh8Oi7lYFr28d5fYXsAACAASURBVKg9+7fuSt kRk7F7X07U7v27YjJ//nXfr1sSNm1N+PvmfYXV1BIspwjLPV3HOo8VFmIEhSjueTSvGMM txvGKMPwiDL+UKKmmyAGeVmr0ef8Pd+8d3tZ15A1n480+2Te7y RcnsSVL7CB67713EB0Ewd57AwvYSbF3SiwiqV4tubfYsS1LVJd t2XGPZKuxk+qFBAv6ff+4JETL1tpOvPtmv3nmuQ8IXpwyvzNz5 syZe+5bJz/87NLkzC1Qk7yrr6975FBCAAAArxcANWl8dOKbL/929vjJ8ydOjl+8MPXNxRvXLs1Nj37x/umjb7x2cPfetOS8vt5tVy5fHL3y5cF92wcGBqLjMyJMiSZLmlZ tqbJWb+sZaKquaGuqaK4taakrbakrLS/JKc7PbGttzC+wCqVamTZOpk3hyBPYsnimMJohMHGEkUyBiUg3U DkxZFZUQvomniRWE5kZn1qSnFVcWFLT2Nqxe++e7p72gf6e/XsGh/rb+jc3dbZW7xjq2ty5qa3B1lxT1NdWu6WlurIwo7m6bLC3WyGR CgVSIoVLYkg2hpEILBmJLUHg6Rgqj8ZXYGl8CIZK5ojxDD6ZI+ YrdAK5RmWwsAUSGpsvkMjlEVqeUCaSqhBoEo0pkEdEKjXR0giL NMJCpEuxZCGWLCQxZES6lMyUIzFsBJqFIQlC4PTEzKqUwsaUkr b4wpbYwrak0u7kko7kko6U4o7kovYka1uCtTWltDurYktZy7bN O1587o2RDz79Zmr2NgiSz+N91LvzgwTOSfMP7FMTk19++tn5M2 cufPLx/ZmpG9cuPZgZuz95+aMTR4688dq+nXtzskqGt+2+ePHTTz4+sXv HQGtzi8YQq9LHGyITjAZLWV5pva1yU3lpZ2ttd0ttd0ttQ5W1o cpaY8u1WXP27tmVkZknVUbKtYlCZaJQncyVxnIlFo4wksHVc0S xdF4smqROyKhV6tNiU4oLSutLKxoKiyvjE5JSUpKqq2w9nU0DW 1qbaoo7Giu2tNd1tFR1NJV3tVQ2VRf0tleX56c2Vxe3N1TuHOr ncbhMBpfGFJGYYgxFSOEo6TwFFEOB4Wl8hY7IEqMpXDxDSGKL6 AK5JioBRWSKlDpZhIEjlHIFUpFMKVNqmRxhOBxH54i0xrjI6BR NZCKayMVRRGSmHEcRoYl8HEXEFRsodFk4nIYhCSBohjnRmlbUm GbrSCxqiyloTSjujC9uSyxa4biC5tj8pgRre1ppV3HD1s6hw4d fP/bBp99Mztz6fu8O1CT/O1t9Hq/b6bp35+7c3Ts3pydmR6/M3Zq+NfHNgxvXpi9//sHxd86fObNrx960tLwtvVuffXbH9uH2rVs6tnR1m6NTVIY4ucq QlpaxqayyODunqa66qb66p725uba8xpZfmpvSVmerLSs4sHtHe 2sHT6iSqKL58liFPkOsTJKqE8XKGIEsiiWIYggsVLYhLbcuNas 6JqkgMbUgJjE9ITEtPT0zKzM9My2xtsza1Vi9uaWuzpZXVZJdm p/a2VwRZ1bWVeRUlWbU2nKaa0v+/OqhY0fekktlaAwBg6cFhmIINAkCx6HzFAg8k0AXUthSAkMMunZ YGl+sNiuNMVAMhSmQ8aQRKqOZK5IJpEqxXEVjcaEonEpnVqjNC p1FqDDSeQocTcgQROCpYiSei6eKJaporkAHQzIwBA6WLJRqkxJ ya1JK2hKsrdH5LZaClujC5pjC5rii1gRra1xBc0xeY2xhW3JJR 2FdX/vWZw+9dvT9T76emL45N78AeB8D0spWoMfrdXtcDufdO7emx8du zk7cnh6dvz01f3PcOTf9YPbyzNWvTh8/sXVge1Zu8fbde4a3dfZ0VvZ2NBTk5EZako1RKfpIS0lJSXdTc3 NN1abKSotJn5eZVlFSWGPLL85OqrJmdNaX7xrcUpibQ6WxWTwV ha0RqRJ40mixKl6qiJGp4+XaZIEylikwKnRJBkuGWGmOjE6JTU hPSc6IjrKkJSVGGbQl2ZmxuojyvKy6kvzS3LT6ysJEiyZSK4qP UtWUZVUUZxTlp7S31Dx3eL/BYODxxQKxKhxBpjKlf9qA4En0IXAiU6AKQ1CobDmazCOxpHS+y hCTzhRFMAUqpkCBpXAijNEsvpQnlqu0Br5YRqKzaWy+2hQXYYw VKU0kppjMljEEEViyENQklkBLZcghMCoETkbiuViaVKhNisqqs uTXWwpaovKbI3PrzXkN0QVNMYXNMXmN0bkNMQWtScXtRfUDHYO HDr12FNSkufmF74s4pKfevDELvtXI43I7lpYX5u3XZ6evfH3x+ vTYwt3rzvkbS/emlu5N3J78auryF3/77KsdOw5kF5Ru27VzaLitb3P1tr6O+KhoiUSrj0zIzM0rLimw5 eeWF+YnxsYo5NKUhHibNc+andxSW1xdlF5lzehqrDbrNWgUHot nQ9FsKkeLpcgIdCWRIqWylRyJgSHScqVGplAtiTBzxBGRMUnm6 IQIlc5sikyMjk6ymNNiohNNhgxLVE1BfnN1qa0gTS1l56ZHpyY a4ywRmalR6alRhXmp/X3dGk0ElcbAERlhMCKNJQsIxonlpnUb4VyhZmMonsnXwDAsLFW kMiZFmJKhWAaFI8fS+AS6UBJh4kk1oBOhUOuyC4q5IpnekqTQW XRRyWgSh8AQ0/kqDEmAJQuReC54DQolBIZiw2CkEDg9BM3VJBaZsmsicxtN+U3G 7HpTTkNUXkNUXoM5t96cWx+d35JU3F7csLW1/8C+F98++/EFv+PwHU1KTb5xfQZ8Kb3X7XEuOxbm7bMzU+NXL02NXp67Ne2Y u+m233DNz9ya+urSlx99feFyX9/25PSswR1bh4bbNtUWtDdt0msNKlWUShNVWV3R0lLbUFVaXWJVK 5TxsQklRcXN9bUFmYnVRZntNQW1RamVhekWnRqPI+OJXBAkBF4 Iw3AgUAoSzUAROOEYOoEpgqAoaBKHROOrNJESqSo+PlGlUOqUy gixMCshPjnKHKlQpFrMVcWFyXFmg0aSn51Ubsu2FqQ0NdiSksw 5OSlberuiYy1coQhLoKLxDCJVsD4AweQq1wcghFLDhkAMhaXAU 6UEmswcn88Vm4gMBU9iJDFkXLEOQ+IJFUaxXM8RiAUSeX6xTaT ScCUqhc5iScxGkzgIPJPGlRMoAgJFgMQycUQBmsgPhRLDYMRQK AGCZvxuA0odV2jOqtOn1xqy6o3ZDaas+sjshsjsBlNWvSmrPja/JbmovaSmp7lz2659L5089/H49HX7wpIPePh+3tVTutKSblyf8gEuAPB6vW6nc3nBPjczPXl9 avzm9IT99g33/F2P/Y5r7ob99vj1yatv/eW99KzCvILcru7murriqqri/r4hrSFWLDVkZBdUVpRUlGbXlufmZ6WIBOLCgpKamrr8vKys5Oj a0vT6kpTumrz2GmuUTonHE1E4JgLPZwqMUBQXjmRgUHQMiorFs 6EYWgiMFAolovFsZYRFEWFksQVKZYRaFSEScqPNerNenZoQE6V V6yMU6WlJCqUkOSWu0JqzY/vWvNyM94681dJan5wSn5mZnp6ZIZBI4RhCOJpIYgo3hCLZfMW6 jTA2PyI4jEhlyHFEEZOjkygTCCQ5Aitk8wzhcJZEHg1HsRlsFV eo5omk5pholc6o0JsEco0hNkkTGQ/DUhFoCpMjxeOZGAwNg2OhsSwciRcMwYXCMAGh0EAYPghBkRkyI tOqTWl1pvQGfUpdTG6bMa1en1JjyW4ypW8yZ9SnW1urKlrrKhr 37Tk4MnJibGpybnnRCbg94OnSPuDmzGzmIyB5fG6Ha3nBPnd9a nLy6tUb46PXvvpy/sbs/M3pqcsX5m9P3Zie2Ny3zRSdmJwS39XV0NRUWVVd1tbZJ1GYFGp LY1Nbha2g0pZdV5GTmmiWSuVJyRnlFTWpqckNtaV1tozeemtPb X5nTaFBIcThCGg8A0UUMkUmGIaDQNEJWBqZQMcS6AgMFY6mYQh sKl3MF2qYHDGJzECiMEwmXa4Q67RKdYTMoFVaTPrYGHNMjMUYa YrQqHLysl98+YXSspJTp07U1dfm5OWyuRwqkwVD4zAUOprEgBP o64PhFLZwfQCUxpJuCEKS6WI8Schgq2XKWCiCHQalUegKCIzKY KvCYCQ8mU9lCdh8QXRiPIXL4UoVUq2Jr9DwZVo8mUOh8wgEBgZ NxmAoKBQFjqQSKIIwGDEgFBoEQwbBcetCsQyxOSq12pxWZ0yt1 SbV6FPqdMnV+pQaQ1qNKa02Jqcpo6Cprqypubzu4O69J0aOj06 NzS3bnYDbvQakrJS0X6SnpaymGQMen9fhctrn5mcnp659femLD 89/du79K198OXbhb5c///SL8++/f/pMU1uvJS49OTlx8+bWns6GhvqaxqZ2RUSkShPV1bmlwlZQbcuu ryrIzUzQaHSxCakNzR2ZWTk7h/obKgv6mkt7m4p7GkrMWhkcDociSeE4FoWrDoFRwmBEDJpMJFAx RCqBwSbQuRS2kC9WC6QRdI6ARGNC4DAmmyGRCQ1Gtd4QodepCv KzuVy2WquJi0/UGIw5BYUHnztcU7/puReeL6uqzMjJVWoNKZm5ArmGyBDAcbRQBCkUQcDTOM+EhuOo7 D9uCMFRuXgaj8QUi5QmCIoUDMNR2GI4jkLh8KFYPInNYor4IoU sMjaaLuCLVBqeXI2hcqTqSAKFyxMqQiAoCAQNh+MhEGxIGA5L5 AbDCE8FhAXC0BuhuKdCsVhWRFRGtSmt2pRRF5XdoE2t1mdUGzJ rIpLLdCkVUdmbEjOrako3tVRs2r9z94mR42MTo3PLdhfg+a4mg SCtJKIsLTvn7s9Pj01duXDp/ZHTx9888ubzL7/zyqun3z3y5osvHTp4uKGl1xSbnpSS3NnR3NXeUFtTnpNbKJVqh EJlUWFxbaW1vqqgtb60qb5cpzPEJqQ2tvWkZ+cNbOluri5uqcz d0ljcUVto0SuQSCQMTQzH0Ck8VQiCHIYko3FkAoUOQ+PofBGJx SXQuXyxWhZh4InlNDYPjsYwuRyemM/msnQGbUJSvFgqweGJRpMlN8+q1psycwua2zuKy8pburpyi4rID DaNJ4hPzxLINXAcDUlgQdH0MCQZSaAFwZBoEuNPG0OxFA6RIcB SODypBoalBoajqBwRBI0jMFgQDJrEZjCEPCqbzZNI5DoDRyIns UUoMscYk0blSNg8+cYgeEgIKjgMHRiC3BiMCkfRgsIJ64JgGyC odaHoAAQNSZMbU2wKS746oVibbItIKNan2QzpZbrUUmNGeVRWV Vp+TYW1uqWydu/2nSdGjl8buzq3NO8GPJ7VV0GugpSadmP2OrhMcrm9C4vO+3fnJ 65Onj99/syRU68cePHwzoMHt+05MLz7pQPP7RjeU1XfrTDEpqSmd3W2bu5 qrqosjYyMYrP4Ar4kKS62vrKos9HW3ljW09mgVmv1ptjahs6U9 JymxvrOpuqO2qLuTYXtNQVmrQSLQcExBAiGSubKQ1CUMDQJTaD gyLRAKILE5IejyXAcjcqRCeQGBkdKZvDCkVgqi4vEEYVShUAiN 5pjuQI5gcySSFU5uVaJIqK8uq53aCi/pKSkppotEXNlUpZEKtboBEotDEtFEhhQJCUoDAtBkUIRBASeuT 4YiSZyiXQxAsdhC3VIPHdjKJbOVQaG4wh0YRAUi6dxiAwe6HxH J2UQGQKGIILMlqmNiWyhBk/khULwIWG4gCBUSBguKAwXDCWHIWgBIZigMNz6IFwQlA5B8/RxVq4inq9OMKaWmDNslqzyyPTS6OxKc0aZKbk4q6DGVlDWXFm7 e+vwqZHjV69enV+wr31Z582Z2czUlBWQwIiDyw0sLjjv3Zkbvz Lx0ZmP3331nZf3vfj8rsOHth88sG3f7qE9Q4O7a1v6ZfrYtKzc 7u7Ovs0dNZWlZlMkm801GSILc7Nqy/I6G20NlQWNdTa1Wq3RmxtaNmfmFDY2bOpqruttrmguz+yoLYo1 KDBoJBSJCUOSiWxpEIIUiiLDcRQMkRoMw+Co7PXBSAyZS2HJOC ItnszDk3nBEAyTJ8GSGCQ6V2OIraprI1IFNJZUqTTExyUrlJrc QmtXX192cWFWSSFbJqKLeByZlCmWiDW6MCQeiiQhsTQ4mhIEQQ bDMFAkaUMoEoaiYsn8cBRtFSQ8S6ANCCNQ2fIwBIVAE9FYYq5I RqKzYpPSSEw+g6+kcGVKXRyDrwwLJyDQlNBwbGAIMjQcGwolBE LwUCR1YyAqLBQfGIwLCCYEhZIiY3MFCjNXbohMzDan5lpSclWW JG10qtKUIFBFxSbmFOdZW6qrtg8MnD5+4sqVK4+AdP3bIPnAsN DSkgPUpKsXrh157d0/H35939Y9e7bufmHv88NbdmwfPlDd1CvTxyYkZ7S2tm7ubKuwWd PTUrgcltmgrykvqbPltdRaN5Xn1VZaVSqFyRK7qbEtKzt/U11Vc62ts664rii5rbowLdaARSIQSCwMRaVw5KFICgRNQ5NYeB onDI4l0bnPBCLobBmdLZcqzWS6mEQTQuAkOlsCQ5FpLLHWnFRU 3iSQRQaGYiUStclo0emNedbClq6O/LIitcXAVYmpIjZXJeYqJHK9Do7Bw1F4BJoUFAoLCAkNCg8LCYd uDIEEBIfD0MRQKI4jiMCRuOEICk+kDQrDkWlSKIKOJwnZfAWTy +OKeEqdjsTiEJkcHI2pNcfx5aoQCAJPpkHCEeEIdDAEFgJFBsN R4Uh8YEB4SCAsLAQdGooODUWbo5MkcrVEpeJJJEwRXyATUXlsC otF43DoHL7RZC4pyG2tq96+te/MieOXL1+22xcBH+DzPgQpPS3F/1QFCJJnedk5d39+anT6iw8+e//YuXdffvvFPc/vHz5wYNvBXVv3dncOWitaJNpoS3xyW1tb/+au6vLSqrISAZ/NYVBLCrIaKgtaa6ztdaXtDZUiMS/KEmMrq8jMzGyqr+5sqOioLWyvzu3aVGLLTYEGB0PCEGHhBCJdH AghBkPJcBwDS+EEhMIpTP4zgTAGR06mizSGeA5PRWGIUTgmicb HEJhMrkJtStCYkggMKZbIlUk16alZfL7QWlpS01ifUZjDV0kYU g5VxKRLuEK1QmUyYomUMCgKCsVCwpFBwaFBkOCAkOANQcF/XLchOAweGIZg8xV8sZrOlskjoqBIKokmQmAYWCJXKNUKxaISW7 HOZKRzuQyBGEmkyHVGlc4ER+OoTBYUhsATSMEQWCgMGY7EQhCY kGD4xvWhYcEIOAwHDUfp9JFcPk+ilPLEXBKTyBGySEwiAgvHUw hMLsdo1JdYs1sbK7cPbTlz+viVS98ByZ93d312GkzY9/k8Dofjwb37E1fHvzz/6bn3Th99/d0X9z63s2/HgW37d23d29bSm5pbpjDGR8YktLV1tDY2lBUXtjXVx8VGCbiMk ry0robyxoq8ttqSge5GqYRvNOqrqioS4i2VtpwtbVVt1blddQX d9aUWtQwJgWBRRBSKRmMq4Cg2As1CoFk4EjccjiFQ6E8/E0SmcWlMkUYfIxKpGWxRGBRDonLwFBadI1LoLEyBisSWkGhCmV STkpihkGvKK2oycrLzy4qEahmZx6AKWFQBS6xWitURMBQWBsfA oFgoFBsUHI5E4cKhyNAwWFAoDIkhPxMAYbAlhsgEpdrM4EjReA aezMGTOVgiiy9RRVniVBEanSmKJ5bjaTwUkSmUak2WZDSOikTh 4QhsTGxiOBwTHI4IgaKhSFJwMDpgI3LDBlhwKBaGJBEpTKFUJl LIeFIeU8yWqqURZg1byIUg4VgSVWPUFhal1TcUDQ/3vHfkratXLtnn/GEhP0hJq+sknwcAvB6Pa3l5cf7e/alrY59/8Nejr7/99ktvvrj3uf3D+4a2DA/0DDc0dCVllQgjIuOTMnt7+8tListLrC3N9TXVZVIRt76yqMqas a27vq2qqKWmRCxgms2amsritKTI1vrSzobizrqCrk2FjWU5Ggk XDYVjUUQ0ms7mqpEYLhRBhyEZBAp/Q2A4gy14+pkQBlsil5tUqiitNprDkUFgWDyJicJTSUx+hDGWLp DjGUIIiiIQqPSaKIVck5ySYY6Ly7TmC9UypoRHFbC4CpExLlpj MiEweCgMHR6OQSLJ4eE4GJIUFoYJDIEHh6GhCPy6DRAClZ2clq s1xYjkEWgyDYrCwvA4EoPBEYlYPL5EoYxNTMFTGAQ6F0mgMQUy U3QiCktC4Yg0OttgjsKRqKEwJBxPCoajNkKgf9wY+Ptn1m+AhG yEhQXAg/FsPEfJ4KqZEbFSbYKCq2aiGHA0E8VRcCKiFHmlifUthcM7u987 9saVq1/P3X8AgG8EXgtSRnryjetTXp8TANwer8PhXFh4cH92fPzS5199f u7jL97/9K0X3ji089mhLcM7tu5pauqJzygUqkzxSZmNDa2VtrLoSFOkSd fX21VSnG8ryuqsL6+1ZnbWFXc1lCuE9IyUqDJrWoJFWV+Z3VFf 2Nlg7Wm2be1uiDGqERA4HIaDwUgMlhyGZASHEcPCiQQSDwInYI msdRthWCJXo0vUGZK5fDWDJQ8LJ+CILBSOjqNyJREmJIlNYIgR RBaVIYyLS4uOSw4Oh7MEguiURKFaxpbxaEImiUsXKCUkNiMwDA pH4aEIPAJNgUBJEBgVCqeFhBOgSEo4ghgYhiAyOek5+VKtRqxW Uvh0KB4Wggmh8MgsCZPBpaXnpFkSYhhCHo5OC8dh8UyG2myEYV AQJBSBheuidGgiNhQFDcMiYWQkjAlBCcNJSgxVg4Xzg0MYf2Ia 0bpsnj6XG1MqSapSxdqkUUViS5EszqZOKtPZWpK7hiqefXnw/Y+OTU2PLi4urtEk7+z1ybT0xF9kpKfeuD7l9boBwO31Od2upaX 5uRuTk1e/uvjpmfMn/zJyYNu+Xf07dw7t3rf7cFNTV2RcGl+mzcwsLLdVWczRmgi1RhN hKysyR+lzsxLbN5U1lOa2VxX2NlekxKgbqnN7WstyUo0VhQm9b WU9rWW9nTW7tm3RquQoBBqFIsEQFAZHjsQywxFkGJJEoLJD4Hi mQEFmSQg0EU+kFUoNUCQVS+SEhGPRBBqaTCOyucIIzUYYCk1jI SmMcAxOrtGwxAI4AR2MCovLimNIaAQensQj0MVUTYyGJWOFYcJ heBQECYdj8HAcBYIiQDGkgHB4EBy2PjRoIywEzyZmlWYJNBy2i k4UoMNI69cjfovlhrGVeLYcH5OhMadoBBomkY9jKehIBtSYomU rKEwpni5GJ+YaRXqmzMyTRYv06YqoYll0pTy+SplQFxFXJY+uk qQ1KVOa5alN4qgqprGEbCyjRpbStUUUUwkzoUpW1Bbdsb304Ot b3//k6OTMqN1u/x6Q0lPTVhezXp/X7XIuLzyYmxmb+OLDT06/M/LWC2+8duiVQzuf3bF1z9DAnoaGjpjEdFmEITEpPS/bKhJImXQWhUbW6FQJidFlJXlNVSU9m8q2NlUOtlWV5sbUV2bs3 9bWWJlVX5nd31U90LNpcKC1osKKJ+LCYEgoigCBE0hMYTiaGIr EBEOhIUjERihMbYlhiRV0gZQllEsiDHS+CE2mwvA4FJVI5jFEO pk+OSqMjIbR8SFEJIQAi0o3I2jQ9fA/BWGfziiLY6nwJCkczw+jShFyC4cqRYeTg5AMKIwCQdCgGCYiDB 8YRgzaiHoqlPBMMP4pDB/C0mDjrGpNKjuqQJxgUySVK8wF3KhCXkKpKKaAVdxqzKhUJZfL0 6q1UUXilEp1SqUqtVKZVqXIqlFkVMkSy4Sp1bKcFkNSrSyynBV ZyTZXsKNr+TE1/KhqTnQNW1tKiKqiRtfR4+qZllq6sYyoLSUYy6gxldyMhohNW7N 3v9x1+uO3xyYvzc3d97+w2Qd4Z65PpmYkgi+5Wn2qwu1ZXlyau 313/PLVL97/66m3j7207/nndh/e2bdrcMv2oYE9jY3dkTEJLL44IT41My23qMAmFEgjdNqahtroW HNxcc6mssLBtrrh1prOqtyOupy9w41bu6q6Gkv6Oqt6O2u29NS 3ttcKRNxQODQIhoBg8aEoPInDg+EIEAwyCBq0IXwjS8UXGGVoN hHLIuI5ZEGEGMvEYxgoDBOB5yH5WnpEgtiUpcWIkTgpGitBYSU IqhJLVaGlcXR1Kju6QBKZw9NnMlIqlIk2WZJNacjmGbOF8SXql HJzQqkupkChS+eacgXmfFFimTKpXJXZYMio12U369PrVQnVEnM Jy2LjxFXyzCWMmDJWQgUjrowWU0rT5mJVWdiYSq6piKbNJ5iLK VGlZEsxwWjF6vJRxmKcoZigKkAby8gGG8VUTouu5uqKKdIslNq KN9hIEYWoCCtSkQ+TZEFEGaHyXISuhBRdwc5u1TTuyNn/Zs/ZL96Zmr1it8+BauT7NkhZN2ZvruQ4uH3Li4652/fHL49+fPLD428efWnvC4d2Prt/+MBw3+7Bvr2lpXU6o4XCYBcXluWkFVjzy7gcUXR8Ql1zfXxKXH 5+uoLPaK8sHmwqby/P7GnIba/N7msvrypJrbZltjdXtLbWJKXGwDCIEBQyAIEIQqID4Eg8mw0lo KBEOJQQhqBChGYmUhhKlqOpSixVgVHGcLhanCVbklyiSrIp85t Mec2GvFZzfKU8pU6d1RKZWBOR3xmT2WTIbNYkVomyGmTpm4R5r bL0Tfz8NnlhR0R6gzStXppQKUxv0CTWSBOrRNE2VnwlL7FaEFf JiynnxFfxjVaqrpCsyScqs/HqPJIsC6crYkoycIosXGQJJbqcJk6BGIpJ4gykvoQWXc3Vl1B1 VoKuAKvJR8bV0i0VlOgauqGcnNQkSNzEt5QxDVZyVCnTVMTQ5V OiShiWUkZMGSuyiBxVQk2o4iRW8y2lzMgiWmQxPbs1on5nxp43 O09/8dbYzNdz9ns+Tp7dLwAAIABJREFUn2/1oAD3zI2J1Iz41dfF+VYeAnQuu+z35qdGpy9/dfn00TOH9j3XWNOaFJ8ll+qtxXV1TR1SjU6kUGTnFBRZy7JzCi kMNoJIaOhsySzK5kvZHCZBIaK01eV3NOT0dxf39VgHttr0JhpX CCuvT6/vLBIbWDQpCcGEU+V0koSGExAkFglXy+YbmMoYflSOMrc5JqFKm VKjTanRplXrM+sM6TWa6CJBdBHPkEs25ZOVGShNHt5YRNEVknS F5KgyVkQuPqlOGGWjJVSzEivpOS3ChEpyQiU5sYoSacXoC9CxF XRzCSmhhqsrwMdV0y3l5OgKitlGVGRD1fno2GqmuYxmKqXIM1H yTHR8jUBXRDeXc9UFtOgKnqWMqSvAG0vIMZWcmBq+Kp9gKmNay lkxFezockZiLcdcSo6tZuusBG0RObKUbiqixdi4UcUcYwFDnU7 SZdHjSoUJpaLYIn5csSC+RBhXLIixCmKLhCkVyuxN+qxN+rrB3 N2vbj71yTtjM1fmF+77z6zxAd6ZGxOpGYkrAVbA5/G6PV6v1+l0X79+829fffPNpdFPPv86Pccal5orijAqTDEsuSa1 qFRu0mnjIhOy063V5QyREE2lICgEmpgl0kmRVDiaBsXSg7NKIm 0N8a39edZ6Y1lnZEGbOmOT1NptqNwan9OmT6pRJFYr0xsNWS2R yXW62ApleoM+qSYipkyaUKVIqJIZChkxZSJNDk2bzdBk0c1Wvj AOzY9BihJQynS8qYhhsXF0+SRNLiGyhBZTxrIUUyzFlLgyWlwZ LbaEEl9GSalmptWy0+s4abXshApGai03vpyeXM02l5ASaplJDe zYGlpyIye+hm4sxsXXMFLq+Sn1/IQablwFK6VOkFQjiKvgpNSJQI6v5CbVCOIruYnVAnMx3VxMN+S So4tZ5kL6Chcwo4s40UUcYy4jplhoyuVo0hn6LHZMoTSmUGrKF kZmCqIyRQkFSkMSx5IhMSbzJQayOoYrMdBjMo1lTcU7D247+cG JqxPX7s7f8wI+/wsyZ2en09KTVs4WWgHO67Xb7d9cvnTizOkvL17Y/+JzaYW5yQWZ8iidKs7AUAu5RrE502RMV0dm6lNtiTKLRB4tFUX yJFECVbxIGc+LypVHF0gKW8x5TdqCFnVKDS+5np2wiR5dRYqvo 8XXMUw2fHQlNbmBH2kjR1cy1flYdR5ek08wFFGV2Vi9lWIopER kYYyFFEM+VZGGEyUgNNlUXS7dUsK3lPC1OTRxIlKWgtLmEiKLa JZSRkwx3ZCDNxeQU6sFaTVCi5VqLiAnlnMsVmq8jRVdRIsrZca VMhPK2ClV/MQKbkINP8rGiLIxYis58dU8SylDl0fU5hIkSYjoYlZKtTipUmg pZFms7KRyUVQhy2LlGnMZyhS8IhkXkUbWZ9L1mXRdBt2YzdKlM w2Z7KhsgSGNrUmiRyRQVfE0rgEjiiJzdHiKHM7S4GVRTJGRzpR jUbQgHCscTQmmcFEULgpHh7FFJI6IpovS5VgLevp6337vyMXLl 27fv+dZsXZrIg7pqVnXZ275M1TcnuXZm5NffP3xx1+c6d3V3tR XUdtjLWpJKe/JLO/JqBnILO+Jq+yxlHVGVXRH5zfoilsji1pM1mZ9WWdkWZfR1qm1d als3fKyHklpt9DaxS3eLM5p56c3sXLa+Xmd4pw2cV6HNLNZGFd JS6xhp9bz4ypY2S3yuApOtI0ZVUJNquIkV3MzNklymhSJFbyYE nZypaSwzVi2OSanKSKlWpzVIM9vjchsEGc1Smw9xuKOyJxabVa 1uqDBmF2jiSsUWHI5SSWS3DpdVrU6toCfUanKqlbnbdJnVKoSS iUJFSpjPj/KKtVl89QZbH0WV53KthTIEm2a5DKtMVMoiiLy9RhVIjMuX2HKE ikTWKpENluH4RpwAhM5Ip7D1xO4GoLISOWoiTwtWWpiCXU0phx HFiLwPDiBj2IpKXQZGctBkoQ4jpJOE5PQdCSKCocTYUgiDENGo 4hIBB5BohN5Yr7WaMjKy23v7nrznbcvXbn8YH5u9QTWNSBlpef dmLnjdQNup8ftdjqcC9dvTXxz9dOTH765/6X+fa/29OyuaN9hrdicaG2NrBmIbxiKb92Z1LYjpX4wrrbXUtMXXdcXs 2lrbOfu9LZdyY1D0U3bo5u2RTbvjNw0qK7uj9g0aNq0LapxR1z zroTqgajyLcbqgejSbkPdYHzj9mRbt7mqL7ak01zdn1DcEVnZG 1e9JW7TQFJtX1J5Z5ytPbagwZRba7Q2WjIrtTk1hpxaXX690dY eU94VU9waaW2KzKszZ1eZsypM6WWG1BJtUpE6uUidUqLNq7Gk2 fQxOdLUUl1WhSmj3JhYqDJnSowZcmOmKrEoKsFqjs7VR+fqE/LNuVWpSYUWS6ZOGyfXJyj1CUptnDwiWsLTMMRGvipGJjbyZWaR MVkXnWlWWWRSo1Ado5DoRRK9SB2tMsYbdHE6VaRSoBaItBKZUS E3qhSmiIgordyoEqqkPLmIr5AyhDyBTMKXSrliMV8il6k0MQnJ yekZFTXVQzu2j5w6OT45sbC0+K0o+ErsLjlrduqWzwv4fIDX61 1aWpiaHv3ywkenzr39l5HnX3xr564Xup7985YdL7YMP1e/+9XmfW+07HqlYfvzm4afr9v3WuvOl5q3P9+w7fmGLXvKN+8p79 tX2b27pGtHUctQTttQbvtwXs+uos27i7t3Wrt2FDb1Zzf2ZbUP W+u3ZFV3pFd3pLcMWOu6s9uHbFXtmVXtmSX1KQ1d1qae0pYt5b VthR39tbWtRdXNRVVN1k3ttobO8poWa2Vjfm1bYUNXcWN3SeMW W2l9lq0pr6K5oKK1sLKlsKK1sKrVWtFaWN9dVr+5vKGnvKmvqm 2gtq7b1tpf0zqwqXNbR2Nvk7WuKKciN6MkO6UwPacsL6+iIMeW n27NSslLyyzKTivISMxOzijMyS7OT85NzSzOSbfmJOWmF1aVFl aV5pQUZBTmJGalxqYlx6WnpORm5RYVFVVVFldUZBQWpOXnpeXn pecX5pWWFZRVpOUVJKZlpmTmpGblxSalpWXmJaflJqZkp2YUZm QXV1Q31jY09g8Nvvz6a3/9/LPZG9cXlhb9h208BCk1OWN2+qYfO5fLdfv2zbHxKx99cvbE6Xd eefPQ82/sefaVbYfe2P7GyKGX3t3z8tu7n311aM/zvfte7D/8+rYDL2/d98LWAy8NHXp1+/4XB/e9MDS8r2fb/s2De7r2Pj/47CvbDr++7cDLAzsPdu063LP/hf79Lw0cfGloaG/nroN9uw8PDO3u2fnswMD2rp0Ht27b07tz/8CWwY7NW9u37xoY3j3w4iuHt+0e2r13x/7D+/Yf3LN9z7ah7f3DuwZ37B7qG+4ZGOrZdWBocHd/77aezUNd/Tu29O/Y0jPYuXmoa3B3/+Du/q27+gZ39/fv2LJt32D/ji27D+3YdXj30L5tQ3t3dG3d0r9zaHDPzs3DW/u3DbVv7u7q69syOLhlcLB/aLinr7+nr394556hnXt6Bgb6hocHtu3s3NK/dfuunv7Brt6Btu4tXb0DmweG+ga3bdk63DuwbWjnnp17Dm7dvr unf2jzwDDI/YO7Ng8Md20e7Ood6h/c1dM73D+4a3Pftq7Nwz2923t6tw/v2L/v2UN/fvsvZz/84MrY6N3795Ycy98DUkZGxo0bN8DNJJfLs7zsvHfvwY0bt66Nj l+4+M2XX1348uLX7390/tQH5z789K8nzp16/+MPzp4/d/LcqdMfnDl+ZmTk9LHjZ0bOnj9z6v3TI6ePHz99auTU6dPvf3Di zNlT5z48/f4Hx06NnD1/5v0Pz5w9f+bcB2ePnzlx5tzZU+fOHj954r3jI2fPfXDizNmz5z 44euLkyVPn3js6cuLU8eMnj549e/rUmZMffvjhseMjJ0+ePHPu7JEjR86cO3v27Nljx48eP37s5OmR keNH/vLOn4+fHHn76DtvHfnLO8fefXfkyNtH3zl68tiZD8+ePHfq+Jk T7xx7951j7x47NXLs1MjJc6eOHH9v5NTJY6dPHjkxcuTEyLvHj 70zcvTYyVMjp06D/O6xkXePHH3n3WNHj508feaDkeOn33zn3bffO/re8RNHT5wcOXX66ImTR0aOv3ts5NjJU8dPnzl95tzx02eOHjt5 9MTJU6ffHzl19uiJ0yOnzr53/NSRkZPHT5wdOXX22Mjp90ZOHz126sh7J46NnD567NSxkdMnTp4 bOXnu5NkPzn/01wtfXxwdH7t9987C0qLT7QLW+OCrmpSaPDs7vWoDAZ8PcDq8S 4uuufnl6zfuTk7dmJy6MTNzd2zy+uTUjemZW+MTs+MTs6Nj05N T16+NTk5OzUxNz07PXB+fmBkbnx4bnxkfvzE6Ojs6emN8/Nb09L2Jyeszs7eujU6Ojk1Nz9wcn5gdG58Zn5idnr4zOXlrcvL W1NTta9dmxsZujo/fGhu7Pj4+PjMzNTU1MTp6dXR0dHp6enp6emJiYnJycnx8/Nq1a9euXRsfHx0dvXrt2pWJibErV0fHxifHJ6aujY5fGx0fn5g CP1+5Ojo5NXP12tjE5PTo2MTU9Ozk1Mzo2MTo+Ng3V69MzUyPT k6MTYxPTE1euXZ1fHJibGzi2tjotWtjk5PTExNT4+OT01M3xsc nJ6dmxicnro2OT81MX7k6OjYxfm10fGxifHxy4trY6NjE+OT01 PjkxPjkxMTU5PjE1Nj45LXR8StXx8fGJ6emb4xPTF29NjY2Pjk 6NgFer42Oj45NTExOj01NXxkbn56duX33zt379+yLCw6X0+Vxr 2jSWpAy0lNvXJ9ZefGiz+f1ej0eH/ig0tKSY3FxeWFhwW5fnF+wL4Bkd6zwwtLKNwvzqwzS0sLC0sPb Vu5c+s73zm+ze8HuXrA7FhbmFxYf+Nm+cN9un3vIC/e/xfY5u33RPr/8Xf5WA9a0xG63zy/M2e1z4NXPi/aFhYX5RfvCGl5aWFiw2+12+9x3r2t6/Qj7hbCwRkSrwltcy/P2xfnF5aUlxzIIj8fj8Ru6b4GUnpay8p5Znwc8Ycjr9Xq9Xp/P5/W6PR6X27PsZ4/H5fH4PG7A4wY8Hp/H4/F4XN/HIPk8Hp/7e8j7KLuAFXZ7/YW43c5vs/s734C8WsKPvK6U8/Dqcbk9a6/f5u/e//0t8Syvaad7tSLvtzvudHncLo//CrLb7fV4fF6PzwvK//Eg+Y/eB7PCH7LbB7gAwAUADgBwAID74Vlsa13Fx5Pv0QK9jxTwD/JPpv+uir2PLf+nEiik79ek1RC5v3Av4PMCHi/g8gGuVajcPi/wLfb5+XvJ830g+aH67vWx/LhSHlf140XwGH5sxY/hnzoIfjyBvV0LUlZa8s2ZybU1/xxj9sf05n8JfVcE3xHNt275iRr5rfH0nf/6QUq9NTuzJhLhR/E7ID0s7ccA8P9fkP6eW37c2H8cSJmpaTdnZtf+ADQjHuAhr+q9 x7ti9FZM37cweLSBqyD94GhaGR8rV/CFDL41c+QP8U+jx5vf7+H/oq7Hy/xHNvtHyechSNdnZleniRWQwHs8D29eafR/BdL30I8A6ad26ecByf0jr6t9/B5+nBMEPPzVj7l618yujwcpPTVtdnb2Mf15jNy/T0AuhxPwAY6lZX8F4Dd+m7vyxKfP53a7wW+Wl1dCIC6XCwCAsb GxnTt3Prh3H/ABHtfK0x/gYmDtB5fLBdbg8rjBoh0OBwAATqdzpSUuF3g/+Ke/OvAbl8sFAF6PB9RUwOVyrPZr5er1usHvwSe5/D8HT/YBq/O35KFcvF5/H9eW9kPXH6CHJ0c+DqSfRquoAD7A6/Z43R7/0AI743K5pqenz5w54xcfAABOpxPs/IULF/785z+7XC6Pyw3+1uteWVyvrWRpaQkAgFW/EvCtSsd/NtLaeRi8GSS/iNd+9t/s9XrBRvohAcntdq9tALjYeaQQ/+h5pJafhX5mkNYidO/OXZ/HC/iAB/fug51cXl4+ePDg66+/DmoP8B1xgNoAAN8C27nsWGtH/L/1y2JtIU6nc2FhYaWM1axp8MOdO3ecTufdu3fv3r0LKpz/X8vLy/6q/bK22+3AGl1cOw7AipxO561bt+7du7e2Pf+V3//30s+vSR6XG7R4kUZTSlLy1v4BAg7/1ltvAQBgt9tBEXu93kfsEnh+GwAAi4uLmzdvvnLp8rkzZ589cN DtdIFIg6fwgb8FhbtWfC6Xyy+jvXv3VldX379/f61RPX/+PJVKraioKC4ulkgkH330EbA6Jnw+3+Tk5IEDBy5evAisHSirh QOrol9r2WZnZw8ePPjKK68AAOB2u8F+ud1un8/3z65J4HhfWli89PU3YqFIyBcUW4swKPSOHTv88DgcDrAbXq/37t27TU1Nvb29/o5t27YNCoXSKFQqkYQIh7703POADzgxcry7swvwgX6f9/TJUytzrNe3Vo18Pt+tW7eQSCQajT5+/LgfNp/Pd/z4cQwGk5aWFhcXh0ajv/jiC/C/Lpdrdnb23XffXVxcBFZh8DdmeXl5bSHA6hABAODKlSsej8fhcD yiamuB/Lno5zd3/nno1o2bs9Mzi/aFry9cfP31130+n396APvpdru//PLLnp6egYEBj8cDzkwLCwvdnV0fnDl7+viJtqZmr9O1tLCoUij xWNzrr77mWFresW17W0vrGscK8GuVz+dbXFycmJh4++2333jjj ffee8/vjywvLz948GBpaclut4+Pjx86dMjlcoEAPyJl/2fwz0cMMrDG0wFhA5vt8XjAO/83mDsQAB/gdroArw8E7OrlK3gs7ub1G6DVAucbcKZxOZyf/vWTtbOOx+X2ebyupeW7N28tzdudi0uA15eenBIeEmrS6Rfm7RQ SOTc7Z8Xx8wFgXS7nMgB4wROTXM7lnu7OoMCNGDTyk79+BLqgb pfD53V73E4A8L76yks6jdblcIKN8bo9gNfnb8PCvN3n8YKFzz+ YA/XVb8b97PN4XQ7nF599/pc33xq7NupbOTxr1bP9WennB8nn86202OsDG725uwcSGnbqxEk QNp/Hu3/vvgP79oPSWeupg3+6na7XXnoZj8ZkpKQCXp/P5X7u4LNwSPj0+IRz2UHA4WOjY9xO18r9YAmr6wGvx3Xt6mWxS NDZ0RYUuLHMVuIHD+RbN68nJcaHhYTa5+YBrw+sd3lx6S9vvvX 1hYsrxfoAEICiQuuifeERbMCrx+U+/OyhsJBQWDg0PAxiLSi8/M0lEGmP61Hl+wfpZwZpxUQ4XaDsZqdnkhOTsGgMCgnfvWuHz+s GA+0iId8SFQkOfwDw+rzuA/v3gsPc7XK8+spLGAQyPCSUgME6F5cAH/DOm2/BIeELD+YcS8tiocig0/uluQLVKgYet3NocAAaHgYJCwkNCWLQqW6Xw+1ygFCdO3taHaEk kwjQ8LD3z50BAC/g89y5fTMxIQ4OC+9ob/W4neDrDt0uR2VFGRIBu3/vDuDzgHz2zKnPP/vE63EBPs/U5HhNdWWZrYTP44QEB4YEB4ZDQsvLSj//7BOP2/mI97FWOH8H/cwgrTi1PgAcnkkJiUQ84e23/mKONNpKi31e9/LSwtKivaa6EotBgagAgPfTTz7GoJG1NVVLi/bpqQkiAXfxy696OjrFfIHH4XQsLJ4+fgIFg1+7dNm57MhIS5eK JaDXB/KifeHO7Ztg4QDgvXjhK4lYKBLy6zfVQsJClhbtoNAf3L/LZjH4PM4Xn3+KgEMPHtjnWF50uxxNjfUCPjctNZnLYc09uGeff +BxOx3Li39+4zUEHHr61AmwkY7lRZlUrNdpbt287nE7PW6nff7 B0qLdsbz43OFnAzY+AwkLCQ4KCAzYEKFSLCwsuFwucLL8x2ep/xYXHLQJVy5dRsDgz6xbDwkNg0EhCDg0ymxKSoxPTkqQyyRikcD tcnjcTpdzeWpyHItBQcJCzJFGHpcdFhpMJZKkQpGQy0uKi09KS NRptFBI+Oeffra0sFhUaNWqNf65bXFxsbS0FBTW4Nb+pMT4uNj o1JSkaItZq4lAoxDzc/fBierVV15av+4pcK6ChIUQ8FiwMXBYeDgkVCGXhoYESSWipMT4 xIS45KQEk1EPCQuZnpoAfB6Xc9npWIoym0DtjI+LSUtNTktNTk 1J0us0cFh4WGjw+nVPhYUGb9ywfmhwwOl0+mMrj0Rb/ilA8sca3nzjzyFBwQgYPCgg0KDXhkNCn1n/dMDGZ+Cw8MCADUXWgrXmrqLcFhS4ceOG9SHBgRs3rA98ZsPGde sDn9mw7o9/Cg4MCtiwMSQo+N6du4DXt7m7p6KsfP7BHGhRu7q6hoaG3C7H1x f/FhIcGLDxmYCNz2zcsD4wYEPAxmdIRDyor16Pq6G+DhoeFrDxmc CADZEmAwwKeWb90yHBgTgs+pn1Tz/1pz+EBAc+/dQfIWEhz6x/OjBgAyQshMWkez0ucErzed0jx95DImBBgRvXr3sqOCgAbO0z65 9mMelltpI9u3fu2rl9+7ahBfvc98vmnwokkO/evjNy9FhPV3dZqW1mepJBp8KgkLDQ4HVP/wmJgH3w/llwSgAfh8rMSMNiUNDwsNCQoLDQYD6Xh4QjQoKCkXBEaHBISFC wUq4AfIDL5dq3b9+5c+cAAHC5XMvLyxQKpa2tbXlp4bNP/1pbU6VSyoMCN4aFBsOgkJDgwGiL2T8hXfrm4quvvNTe1tLT3fn R+Q/AWQSLQV2fnW5uagCnMS6HtXHDehgUEhiwISw0uK9388obeX0ep 2PplZdfDAzYgEEjwyGh/jnv8KGDTsfS8tLCijvhcgCAd632/DOau+XFJXAyBx2nlQDE8uL83P07t2/OPbi3YJ+bn7vvcTudjiWnY2lxYT4/LyccEnro2QNzD+4tLsy7nMuL9oUH9+7PP5i7e/vO0sIiGG91OZwAANy5c8df2/z8PAQCgUKhWwf6Pv/sk2NHj+zbuxsOC3/n7bfu3rm1tGgHZ6m1DE4n4AR2+9YNl3N5cWHe43aePXNq187tS 4v2u3duzT24d+/u7fv37jy4fxcAvOA8+tzhZ7EYVGyMZXFh/u6dWzPTk/fu3rbPP3A5l29cnxm9dsXpWAJ1zuN2/tgN4h9HP7fj4HKDHurD0Cq4EAG8H35w7sLfvrx5Y/bVV15yOpbmHtzbvm0oPy+HTCJAwkKEAt7iwjw4DF1O/2lvAAAATqfTHw7wr+d9Ph+YvGEwGUNCQtaveyo0JAgaHoaAQzM z0sByQIRczmW/w7YWrRVjCz5w73U7HeArizwet/OLzz91uxyXvrnoWF7cOtBXXlaqUauCgwKQCNinn3zsBx60hDdv zKqUciwG1bulx1/gPy7JtfTzaxLocfmXPiBaVy5/QyTgQN8hNCSotKQIFNNzh59VRyhlUvHfvvpipXsrVwB8CMc/DNcGbFbCdwDgBXyXrlwuKCgQCHhsFiMhPvaF5w/PPbjnx+PhCml1/9C/DPDz2ps9bmdTYz0ahdhUV0MhE/U6zcz05NH33k1LTcbhMDu37wAHkNvlWPH7fZ4b12cqym0sJv3i 3y54PK6ffSULrAEpZfZhIsrPT8uLSzu37ygpKj7/wYfJiUl/+/IrEAZwSwJc4X5ry+vHERiJuXTpUmFh4YULF4qLi7/88kt/HOjvaKfH49m6dSuFQtm5c6dWq83MzPRHTt1ej8cDutQAAHw79O ByOZ1Ot/vhwyprb/i+Hq3dMAQ3f/8r+h8Cyev2uJ0ucAW6FpKVD9/dlHw8+deJoA1cXl5uaWlBIBCxsbEIBCIrK8uvfP5A+08in893+/ZtMLLudDrBEOraZq7e93Ap7fH4vI+Mse/brF0rj39GkNY291v7Q4/jx9DaOQlYs8t3/vx5u93+1Vdf2e128F9r9/p+QjNXAXY4HP66QNP6aKPWxorWuAbfA9Lj6vonBAl0UP2ByG/t2/5okEDyiw/cRnpkn/S7O/Q/nsDIjV8F/SU8FiSvD/D6HgXJ96Oswj8fSKsE9t/hcPwdEgRpbZaB/0uwtLXXf2TnzbeSDe8BAGB1n/fxmT2P2kGwiB87s/6YG/+n5iSvF4xlAWv0AHTeftJiwr+F4/8GNGuP/NyvTH9HU/128tvbiZ6HWWY/Rvv/N4LkJ4fD5fH4V+Mr/ONpbeLHI/C4XK5H9kb/PgcPJHAcgCG4lUzph4472Pofa5xX6e+X7f8cSG73Ssk/FZhH6JEkgkfSP/zD/+8zp36d/k5U9DspbCu27lGQHq++/80grcmkAbwr6fkPmwJmXwBgLtwaCT4yrtdauYcNX7NF7Z9L/Nvh/np/loD/P0Zet9sJrKAIAP4x5wPc7pXVEdgt8HvQWni9gNfrHy5eMJdvTS oZAACAy+lbLdb3uNn0B0Ba6zh5PD6n071at3dt+hnwfTtaa4ck aJr805L/hkdmI79a+EtbXl723/B3b5r947TyctfVlazL6QN8gMPp9bgBwAe4nAD4AQAAwAd4vQDg AzweHwiYv/lrZbua5eH1rFH4R3Iu/B3/YU2an593u91Op9NuX3Q4XHb7otPpdrlc9+/fdzgci4uLd+/edbvdc3Nzi4uLDx48cDqd/iyOhzO8DwADRWCUYSWt1eP1J9ctLSyCHvnc/Qdup2tpacmf5AV8J9/xf558ALC4vORwuh1Ot8sNzNsdDqdv2QW4XMDc/DJ4zPqyw2tfcDicPpcbmJtfdnsAwAc4HC6XCwxlud1uJwB4wcP XfT7fQ110evzTJ5jsB3zbOfoBkDwez5tvvimTySQSiVQql0rlY rGUSCQHBASg0WgcDieVSqVSqVAoVKvVQqFQpVJJpdKpqSngkdn CBywvLk1NTBp0epFAePTIe/a5+ffePRIfGzf/YM7tdC0vLtEoVDgUhoDB0UiUQCBYu5YE/hvSQn8SgckJCxFUAAASYElEQVTMRpNZrlDz+BKVJlKm1IukWol cH6G1SOR6mUyrUOiVKp1MppXKIhQKvVYXqVEbQUVxu0Et9MzPP 1haWgDtisPhWlhY8nkAx5JzeXnZn7y3uLgIdtaP0w+A5HQ6X3n lFblcLpPJzGaLWq3FYHB/+MOf1q1b94c//GHdunXr1q3buHEjAoHgcrl6vV4mkymVyhs3bviz1MBaXc5l19L i5Og1LBKBR6OK8vOIWAyXyYjU6xbnHgA+r9fpgEPCMAg4CYcND gqIi4tzuVygJn03p/d/nnwA4HB6ZSpNa8fmgaHdfYN7OnqGunt3dm3Z0dGzrXPz9t6BXf 2DezY1dmzffnDLluGursGenkFVhH5xCUz9BDwez7//+7//+tf/9tvf/sfvf/+78PCw9U+v+z+//vd//eWv/uP//Ofvf//7J5544te//vW//du//epXv/rNb34zN/dw5/CHzd3BgwcjIiJeeOGF06fPms0WPJ4YEBD09NNP/+lPf3r66aeffPLJwMDAoKCgioqKpaWl1NRUuVx+/fp1cFB4PJ7l5WWXyyXm8zRKxeWLF2gkIiIcwmezeCymQiK2mIx VZbbPPv7Ivbwk5vPQcBgOhYTDwuvrNj1iMP/fapLbAzhdPrlK19M73N27vb17uKdvV9/g/v6hA929u/oG93dt2dHWMbhj9+Hu7qG+vp3Dw/u7ugZFIpUPAMDH/T0ezxNPPPHLX/7iF7/4hUYTERYW8qsn/vWJf/nlr574tyf+5V/5fL5QKIyJifnlL3/5q1/96j/+4z88Ho/flvwASF6v97nnntPpdCUlJZGRUQEBQb/97f/3+9//4cknn/zjH//45JNPBgQEPPnkk2Kx2Ol0ulyuzMxMtVp9/fp1YNWde/PNN4lEYmNd7ZkTxyauXUbDw2FhwUZtBBGLUkpFcrGARSMrJMI3 X3vZVlTAZzMQ4aFoFKKtpRWMn4LdAwH7f+g4+ADA5QVEUnX3lq EtA7t6t+7VmJKKK1rbN+/q2LK7d+CARBHZ0NTb27+nxNZgMqd0dQ23t/ebTHELiy4wKHH//v3f/va3//qvv1y37ikSEU8mEZ74l1/yOFwCDv+7//xtTU1NXl7eb37zm//8z//8xS9+8cQTT6x1yn4AJJfL9cYbb0il0uTk5ICAoPXrN6xb98xTT 61bt27d7373u4CAgN/97nfr16+XSCRffvml0+nMzs5WqVQTExOgQJeWlnJycvj/t7krj2oizfYVIGyiQgNhD0lQRBARtN03RFkSFkVRcQFSlUqiQu tMnzfH7jn9XLoVEUhCABsIiIDarXa3Hl+fd/T12Drta/u9bu1+3cM7nhkfW5aqygJhy56q7/1REKMz7/jOnDnD3PP9ka0qle/W/e797v39bjZvmTKPOa1TIwN/ylqetjorI2URd0kSJ2t5WmZ6atqSRUsX89auyqyWouvezspanp bE40jFEjok9VbMHMYOJAUsdrKkdF+9rFWmVB2pOXnqQ/nm7aXNl65daGg7+s77dfUfFwj2IUjN8ePvbdiw44NT9S2Xerfm FDpdgM5QOp1OX18GgwGJxaJt2VtKd+6Cq4TZW7a2NrfU1NScOH Hi9OnTZ8+ePXPmTHx8/MKFC61Wq2fxeIOSKAB6r/YJigqv9PZcvfZJbFzCsvQMVlRMRGQUKyomOztn48bNixYlczi8 Bw8eOJ3OY8eO5efna9UaTzh3+/MvslZkPvrdV4RW89HpU6uzMv/90cMT1cfOnTn9zdcPLp4/Vy2VbFq39kT1sRIBP2VRUtby9PdO/ubihTrgtW+lndMcrnguN+V0kSWl+87XKZpauiqFNf/2u/8oKNpfW9faIG/jF+0ZUeMWq6u355MvPv+X4uK9jU2dF2QdeYI99lnYq91uDQxgM iAo/K3Q4MCg8LAIDoeXmbly167dubm5oaGh/kxfdnzCujVrV61aFRwc7AnzwBuVZHc6vrhzu7C46JMbn8oVyuQ lSwv4hQsWhsUnJO7dV85mc3JydqSnZ6SmLrt16xYAAEGQvLw8o 97gsNnp6pHJYPzs5q23M1esXbVyy4b1z//wy/XenhIBf8Oa1Z1tH+8uKa48eECv0xbzC1KTFy9J4v34/X/qtGoPuh94GdBcBw6uPH6JXNle39he/c7752qbP7/9VSV8rPlS17HqXymaWkk3cNhJVHTk1KnaxqYuWkm22VSfw24NC vRjQBDTzycoIDgleWl6ekZYWDgE+UAMKMDfjwFBy1LT0pamQhA UEhLiDfx/02aWdN+4dZNfKOi7dvXsh+dWZK7M2Z7L4SaVHzi0es26des3sq JiYmLj3169FgAwPW2VSqUFBQV0CO4Rm802OWH+/aOvzWMmulxNAwqslqkfn/3w3/2/WC1Tw0MDT759rB4Zstss9DVMTU3R6zIdO/zVWfO/iVAA2N2koHj3uQvyxqZOeXN3QVH5HweI/MKyOlmLorkjJ1cwNKyTSGsOHKxqbu6SKS9fkHXkCfa+qiR/f6Yv089n9ao1iQkcCPLx8fHz82f6Mv0YEBQcFJDIjl8wfx7tk7 xzN29e7mgl3bh189mP/1XzzglULM0vEAhh0Zq163lJi1OWpoVHsNraVU6nm6KARCLh8/m5ubn379+nM990zt/ltP/pj8/HzaN2m+X+vX81GfV2m8VqmZrplQNIp8PmdNjUI0P9f/hZqxlRq9XeTLy/rjj0txJ6lm0uKo+/S65UNTZ11ctViOTd7r7b/OLyBkV7bX2LXNl+sEKCiI+/++4H9Y3tHiV5L3dBgf7zQ4LXrl7DYXOZvv4Q5ANBPgxfH4gBMS CIx01kJ8QxIMjX1zcoKMgTN4H/j5KuXr+Wzy+4+dmticnpt1ev3bhpS/KSpRzu4hO/+id2YlJ0TEJ7x2WHk3I43SQF1q3fuDU7Z82adQcPHqbP4HK5rF brw4cPv/322y+//PLp06d37tz57rvvvv/+e5PJ1NHRcePGjR9++KGvr6+/v//p06fXr19/8uTJwMDAzAV4BQtzFd3Rszxtd5WUlp+vUyov9TYquqt/ffrXJz/KKyqvlbXVytrq5W25/LL2rk8rqqplysuypiv1clU+/1UlBQXERsekLU1lQD5hC9+KiGCFhYVv3ZYdFRO9amWmgJ8fFOj PgCAIgphMJvBa3t8UggPq89tfFAj4vVf7Lnf3xCckRsfEZazI2 rBxa9KilJhYdlw8hy8oefbjLw6nGxVL05Ytz962fdOmLXSzH5v NAQD45ptv+vv7BwcHh4aGRkZGrFbrixcv7t27Nz4+rtPpMAwbG BggCEKj0Tx+/JggiKGhIbp67TFEMKehHaAtyQkKCnfLm7oaFJ31sq4G5ZUdgvL S/eLfnmlsbr9Wr+w8VHVMWn1SfPQ3cmWPXNlDK8k2yytwOBxBQQH JixaHBM+LeCsyI31FWlp6aWnpug3r95Xvz1i+LIoVsWD+PKafD 71V8pBKwcserK+0rXkpJEleu3ateGdJ1qqV2du2x8TGJ7A50TF xiUnJi5cuS1qSGh4Vm5qWkbQo5dMbt/ILBJlZqxI5vHv3v7I7XHRuinzZjdIKAJicnARghu1FURSdP6W5 YxRF0RC7Gd7yq9yuufVJLjdwuUHRzn3nL7Q0NnV1dH129kLbxm 07s/PKPqxrvajolLf2iKtPFu0WHj3xz7UX2+XKngbZnyspaEHIfH5+ wY0bt1JSUmEY3rZtW3RszOHKQ5zEhN++f7KwkA9BEARBQUFBfy F3938pyeVy3bx5Mz1jOSs6KjYugZ3IDY9gsaJi3mLFRETHhUVG h0fFRkTGcLiLU5amxcYlLElJTU1L12ixmYwwBZ49+0mpbLlz58 7Y2NjAwMDjx4+fP39+9+7d7u7unJyc/v7+u3fvXr16tb29vba2Njc3d/369Tt27KB90mt72Dk0JgoAm53MF5Q2t/ZclHXUNagam3tyCw/sPXRU3tojb+356OIlWUvvmk2Ci4orytbrClpJgj2vKSk/N4/H4ebn80tL95SVlYWEhBSVFObl7di1s7h8/94tWzYdP17DYrH8/f3/wj4JFcEGPT4DTveqNlIU1dbWxuPxWCxWTEwcl5sUF8+OiIxiJy YlsHlx8ZyYWHZUdGwkKzoiMio8gsXhJu3IzR8Z0YDZqOzZs2c4 jlssFpoXbrVaR0dHnzx54nQ6p6en7Xb72NiYxWIhCOKnn35Sq9 UWi2VwcHBwcNB7jv4RMg42OykoLmuUq+rlqgZFp0x5+b0P6s43 tNUpOhqauxpbLjcoL9c3dcuaemVNV5QtPXV1rUVFZdRsncntdo eGLsjPzw8NDd27d39lpfDevXt5eXnV1Ufnz58nRpG83O21teeK igQMBiM4OJjG2NB6wnQaESKExCii0842gCIpGvBHn1qhUMTFxY WHh0dEsCIjo2hLimTFRrJiWVFxrKg4VlRMVHQsPRLYnLx8PoYR 9E1vtVp//vnnFy9eTE1NqVSqoaGh8fFxs9k8PDyMYRitRbPZbDabx8bGMAy bmpqiVahWq2lv5E3Mfw0T8fcUi9VOAcDnl35Uq2hq7la0dMuUX RcaPq5rbKtTtDU2dciUqgaFql6uapBflim66us/rq9vLS7ZYx6fcS02myU8PEwikZSXlzOZAQEBQUwmMyAgAIKggA AmA4JWZKRDEDRvXhAEQYGBgZ7NLEmSOq1ahAiho0ckmE5DkS7S 7aRxcTSe22azKZXK5ORkNpvN5SbxeIvYbE58PJudyKVHIofH4f C43CQul8vj8TZv3lxcXKxWqwGYYS7iOqxF2axSqRQKRXNz85Ur V+RyeW9vb1dXV0NDQ2Njo1wuV6lUnZ2dLS0tXV1dfX19ly5dop sjeNa3uY0aaHG6QOnufbv3lBcX780tKM0tKN25+wC/aA+/pKywZE9hyR5BcRm/aC+/cH9R0b6Skn07S8p27SyjjyVJl81mWbAgJDAwMDIy0teXCUE+oa Gh/v7+TKYvk+kbHBQQFrqA6efj58vw8fGZN2+etw82GgiJWAQdPnT AoMc9luQNsXC73RMTExRFWSw2uuIHAKDLX3aHy2Z32mfGjLxsK kIBQAG71Ub/4z0AYHp6mk4lWK1W2ow8s+9yuSwWi81mow2IftezvnmKfnNlSQ AAt5saGhrBcOPo2NSYedpomiCM44TJrB8dN5rGDMZRvcFs0JuN hkmjYdKgN4+NTmq1mMPhcMzSsCyWKYvFMjk56XC4KArQv9flcj id9umpCbfLYZmeBOBlCwVqdneIY1phVQUkRhHzmGmWaAA8xVNa Zido5qnd7iRnhaJeRQjP0ksAIIHbRTrswP1K9yQPBZNOPdD8JL fL4c09/vNyyRx6I88l2O0zUC8P9NHh9CBbSQBIyoNLoQD5MoFFAjDz12H 07/KeTJIkna9yC0i3c/b1mR4kFEUZDQQCV0GwsBLHtDRl9zWwkgcE8kr/Vq9bzPvznm9yOmykw043lrRPT5FuJ0W66JTPS6YV6ZqhaL3EHb rdLgeYLTC/di/PnZCk2w6Ay+GwURRltVpnkoqAJEkXSTlIykGRDop0eePabTYbA KTVNml3TAHgdLqsALjcbudsQnLm1E6nnQZQ0L4GzLSlekUMery y4hAkEYsePXxA4DqDHtdptFq1hsBwTKsjMFyn0RIEQRCEVovpd DhBGAwGkx4nCAwncB2OaXFMi+k09DAROKHVmAjdmAGfGDXoRgZ xzbAR15qNBiOOWSbG1YMDYwa9bmSY0GpG9YQRx/Q6rW5kWDcybMSxUT1hwHSYToNhmFarJQgCx3GdTkdfAIZh+NyI DsfUE+MmrWbIZNQTuM5o1Ot0GpzQELiaIIYJYtiADxsJjQnXmj DMgOlwHWYy6nFMjemGCb1Go/0f0yiu1Q0bjfrh4WGjcVSt1mIYhmGYyWTAMK2ewHBMa9DjBj0+ MjJiMBg0Gg2GYXq9Xq1W//7R1xKxCDp75pRUgiJwlQgRSlAxiogQISwVS8QiFBHCYrEYhmEE QaXSo2KxtKoKRhERiohQEYyKYDGKeIZUhIhhoVQklCBVYrhSKh KKqg4fQWFUWCVBYLjisBgWSkVIzREpKqwSw0L6KX2UBIHpIUYR EYzAMCyRSFAUhWEYRVH6gWhuBBajwqrKA1IJgsAVwqoKqQStEh 4SoZWoqBJFD0tEByWig1KkUopUSmFYDAuPScQVh8ulEkQqgVFx BYwcREQVEimMogiCCGFYdPRoNYIgIpGosvKwVCqGhZVHpGKpBK 04fFAqlYrF4qqqKqlUiiAIiqKoCD5/7sP/BSE9nF18hsLoAAAAAElFTkSuQmCC (http://www.4shared.com/document/6bDZQ5Dy/_____.html)

جميع سكان هذه القرية على استعداد لتناول وجبة الطعام وقوفاً أمام النوافذ حتى يتأكدوا أن شيئاً من الأحداث لم يفتهم، فهم في حشرية دائمة وهم متشوقون لحدوث أمر مثير، عملية سطو… أو جريمة قتل مثلاً.
والسيدة بروثيو من وجهة نظر كاهن القرية هي امرأة شديدة اليأس، لا تصغي لأي وازع إلا إذا أثيرت عواطفها وهي الآن على علاقة غرامية حميمة بالرسام لورنس ريدنغ الذي أحبته بجنون وحدة ويأس، فيما هي امرأة متزوجة بالكولونيل بروثيو الرجل الغني البخيل والعجوز، الذي لم يحظى بحياته بشعبية قطّ. فالجميع يتمنون له الموت حتى ابنته وكاهن القرية…
ولسوء الحظ أنه قد وجد مقتولاً في مكتب الكاهن الذي لطالما عبّر عن مشاعره الحاقدة على هذا الكولونيل. ولكن هل يمكن له وهو رجل الدين أن يرتكب معصية ويساهم أو ينفذ عملية قتل؟ ومن هو القاتل الحقيقي لهذه الجريمة النكراء؟ وما هو الدور الذي ستلعبه الآنسة ماربل في هذه القضية وهي العجوز العانس التي تهوى حلّ الألغاز ومراقبة الناس وتحليل نفسيتهم؟
نبذة الناشر:كان الكولونيل ميتاً.
لم يكن في الأمر شك. هناك كان منبطحاً مادّاً ذراعيه على المكتب في وضع مرعب غير طبيعي. استجمعتُ نفسي واتجهت إليه. اليد الباردة التي رفعتها سقطت هامدة بلا حياة!
المشكلة أنني كنت أقول-قبل ذلك بساعات فقط-إن أي شخص يُقدم على قتل الكولونيل بروثيرو سيقدّم خدمة جليلة للعالم.
وقد فعل أحدهم ذلك… في مكتبي!


التحميل (http://www.4shared.com/document/6bDZQ5Dy/_____.html)